رحيل ألان ديلون فارس السينما الفرنسية الجميل

طُلب منه ألّا يمثّل فأصبح نجماً

ديلون من موقع تصوير فيلمه في «الصقليون» 1969 (أ.ب)
ديلون من موقع تصوير فيلمه في «الصقليون» 1969 (أ.ب)
TT

رحيل ألان ديلون فارس السينما الفرنسية الجميل

ديلون من موقع تصوير فيلمه في «الصقليون» 1969 (أ.ب)
ديلون من موقع تصوير فيلمه في «الصقليون» 1969 (أ.ب)

رحل يوم الأحد الممثل الفرنسي ألان ديلون، عن 88 سنة، وأكثر من 100 فيلم، وحسب عائلته في تصريح لها لوكالة الصحافة الفرنسية. توفي النجم الفرنسي الشهير «بسلام» بعد 3 سنوات من العناية الطبية، لم يشكُ من مرض أو عضال، بل من وهن عام جعله أقل قدرةً على النشاط والحركة.

الممثل الفرنسي ألان ديلون (أ.ف.ب)

نصيحة من ذهب

«كل ما أفتخر به هو مهنتي»، هذا ما قاله ديلون سنة 2019، عندما احتفى به مهرجان «كان». وقد انطلق في مهنة الفن سنة 1957، قبل ذلك كان مجنداً في البحرية الفرنسية، وأُرسل إلى سايغون خلال ما يُعرف باسم «الحرب الهندوصينية» (Indochina War)، التي خاضتها فرنسا ما بين 1946 و1954، وأُعفي من الخدمة بعدما قاد سيارة جيب بلا إذن، وتحطّمت فوق إحدى الطرقات، وخرج منها سليماً.

مع جان - بول بلموندو في «بورسالينو» (باراماونت بكتشرز)

بعدها عاد إلى باريس، حيث اشتغل في أعمال يدوية عدّة، وتعرّف على شخصين لعبا دوراً مهماً في حياته خلال تلك الفترة، وهما الممثل الفرنسي جان - كلود بريالي، الذي حاول مساندته للعثور على أدوار في السينما، وأخذه معه إلى مهرجان «كان»، حيث عرض كلود شابرول فيلمه «سيرج الجميل» سنة 1958، والثاني الممثلة ميشيل كوردو التي ارتبطت به عاطفياً، وعرّفته على زوجها المخرج إيف أليغريه، الذي منحه دوراً صغيراً في فيلمه «أرسل امرأة عندما يخفق الشيطان» سنة 1957، وكان هذا ظهوره الأول على الشاشة.

روى ديلون ذات مرّة تجربته حينها، قال: «لم تكن عندي أي معرفة بالتمثيل، نظر إليّ المخرج أليغريه وقال لي: اصغِ إليّ جيداً يا ألان، تكلّم كما تتكلم معي، انظر كما تنظر إليّ، اصغِ كما تُصغي إليّ، لا تمثّل. هذه الكلمات غيَّرت كل شيء».

كان عمر ديلون آنذاك 22 سنة، وخلال تلك الفترة جذبت ملامحه أيضاً المنتج الأميركي ديفيد أو. سلزنيك، الذي دعاه إلى روما، حيث عرض عليه عقداً لـ7 سنوات، بشرط أن يُحسّن لغته الإنجليزية، لكن ذلك لم يحدث؛ إذ فضّل ديلون البقاء في حاضنته الفرنسية.

ألان ديلون خلال الحملة الانتخابية الرئاسية للرئيس السابق فاليري جيسكار ديستان 1981 في باريس (أ.ف.ب)

التجربة الأميركية

سينتظر ديلون 8 سنوات قبل أن يُقدِم على تجربة حظّه في السينما الأميركية، بدءاً بفيلم «الرولز - رويس الصفراء»، الذي حقّقه البريطاني أنتوني أسكويث لحساب «مترو - غولدوين ماير» سنة 1964 مع إنغريد برغمن، وشيرلي ماكلين، وعمر الشريف، وركس هاريسون.

تلت هذا الفيلم 5 أفلام أخرى، أشهرها (وأسوأها) «شمس حمراء»، أمام أورسولا أندرس، وتشارلز برونسون، سنة 1971. وخلال الستينات وما بعدها كان ديلون قد أصبح نجماً كبيراً في فرنسا وأوروبا، بيد أنه لم يستطع خلال تلك الأدوار التي مثّلها في هوليوود أن يصبح نجماً يُقبِل عليه الأميركيون. وبعد فيلمه الأول لأليغريه اختاره المخرج نفسه لتأدية أحد الأدوار الأولى في فيلم كوميدي عنوانه «كوني جميلة واصمتي» (1958)، وفي ذلك الفيلم استعان أليغريه بوجه جديد آخر هو جان - بول بلموندو، فأسند إليه دوراً محدوداً فيه. كان ذلك اللقاء الأول بين الممثلَين، تلته 7 أفلام أخرى تقاسما فيها البطولة متناصِفَين، أشهرها «بورسالينو» (1970).

اشتغل ديلون مع مخرجين مهمّين في السينما الفرنسية والأوروبية، حيث رأيناه في «الساموراي» 1967، و«الدائرة الحمراء»، و«شرطي» في 1970، وهي ثلاثية للمخرج الفرنسي الممتاز جان - بيير ميلفيل، كذلك في فيلمين للإيطالي لوكينو ڤيسكونتي، هما: «روكو وإخوته» (1960)، و«الفهد» (1963)، كما مثّل لمايكل أنجلو أنطونيوني «الخسوف» (1962)، ولجوزف لوزي «السيد كلاين»، كما ظهر في فيلم الفرنسي رينيه كليمان «قمر أرجواني» (1960)، وفي فيلم جورج لوتنير «أحدهم مدمى» (1974).

ألان ديلون في «الساموراي» (آرتستس إنترناشيونال)

ثلاثية متميّزة

«الساموراي» هو الفيلم الذي عاش أكثر من سواه بين الأفلام التي مثّلها ديلون للمخرج ملفيل، نتعرّف عليه بغرفة فندق متواضع، في مشهد يشبه المشهد الأول من فيلم «هذا المسدس للإيجار» (This Gun For Hire)، الذي حققه فرانك تاتل، من بطولة ألان ديلون سنة 1942، القصّة تختلف، لكن القبعة والمعطف، وبعض فصول الصمت المُطبِق في المشاهد الأولى واحدة، لكن حقيقةَ كون «الساموراي» أكثر أفلامه الثلاثة لحساب ملفيل شهرةً لا يجب أن يكون سبباً في إغفال فيلمَيه الآخرَين «الدائرة الحمراء» و«شرطي»، ففي كل منهما لعب ديلون نسخة مختلفة الأداء عن الدور الأول، تاركاً المزيد من بصمات الشهرة في مسيرته.

ألان ديلون (يسار) والمخرج السينمائي الفرنسي جان - بيير ميلفيل

ثلاثية ديلون - ملفيل كانت من بين أفلام بوليسية عديدة مثّلها ديلون الذي طوّر أدوات تعبيره في الستينات. هناك مثلاً «المسبح» لجاك ديراي (1968)، الذي لعب فيه ديلون شخصية الرجل الذي يقتل منافسه (موريس رونيه) على قلب امرأته (رومي شنايدر)، خلال عطلة في جنوب فرنسا.

فيلم آخر من الفترة نفسها يُسجّل له هو «العصابة» (Le Gang) لجاك ديراي، اللافت هنا هو أن شخصية ديلون رئيس عصابة، والفيلم يبدأ بمشهد تحلُّق أعضاء العصابة حول زعيمهم عند وفاته، ومن ثَمّ تنسحب القصّة إلى الخلف لتُفصح عمّا دار قبل ذلك.

كان ديلون التقى برومي شنايدر عندما مثّلا معاً بطولة «كريستين» سنة 1958، وهو فيلم ثانوي في مسيرتهما، لكنه قاد لعلاقة عاطفية استمرّت حتى انفصالهما سنة 1963، وشهدت بضعة أفلام أخرى قبل ذلك الانفصال وبعده.

ألان مع أورسولا أندرس في «شمس حمراء» (لو فيلم كورونا).

الحقبة الأخيرة

استقبل مهرجان القاهرة ألان بترحاب كبير قبل سنوات قليلة، لكن ابن الثمانين حينها كان قد قلّل من عدد أفلامه منذ سنوات عدّة، وأصبح اسماً أكبر شأناً من الأفلام التي لعبها في الثمانينات والتسعينات، إنها الفترة التي شهدت أفلاماً لم توفّر تلك النجاحات السابقة، ومنها «ثلاثة رجال للقتل» لجاك ديراي (1980)، و«سوان عاشقاً» للألماني فولكر شلندروف (1984)، و«عودة كازانوفا» لإدوار نيوما (1992)، و«تاريخنا» لبرنارد بلاييه.

وهي الفترة نفسها التي جرّب ديلون يديه في الإخراج، فحقّق «قتل شرطي» (1981)، ولم يمضِ طويلاً في هذا المضمار، ونشط في مجال الإنتاج أكثر، وكان آخر ظهور له في سنة 2019، عندما لعب شخصيته الحقيقية في فيلم «متنصّل» (Disclaimer) لميشيل دنيسو.


مقالات ذات صلة

«شتاء روسيا»... فيلم يرصد منفى الأسئلة وعبء الذنب

يوميات الشرق عُرض الفيلم للمرّة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المُنتجة)

«شتاء روسيا»... فيلم يرصد منفى الأسئلة وعبء الذنب

يقترب المخرج النمساوي باتريك شيها من جيل روسي وجد نفسه فجأة خارج الجغرافيا وخارج الزمن...

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق المشهد يعرفنا أكثر ممّا نعرفه (الشرق الأوسط)

مقهى الحرب ومصحّها... زياد الرحباني يعود من الشاشة لتفكيك حاضر بيروت

مما يمنح هذه العودة معناها الأشدّ تأثيراً قدرةُ زياد الرحباني على كتابة نصوص تتقدَّم الزمن الذي خرجت منه...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق واجه الفيلم صعوبات إنتاجية في مراحله المختلفة (الشركة المنتجة)

مايكل جيمس: «قضاء الرب» تجاوز القيود الإنتاجية بحلول بصرية جريئة

قال المخرج الجنوب أفريقي مايكل جيمس إن فيلمه «قضاء الرب» ولد من احتكاك مباشر بعالم المهمشين، لإعادة النظر في الطريقة التي ينظر بها المجتمع لهؤلاء الأشخاص.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق فيلم «برشامة» تصدّر الإيرادات في موسم العيد (الشركة المنتجة)

إيرادات السينما في مصر تعيد صياغة فكرة «نجم الشباك»

أعادت «إيرادات السينما» خلال موسم عيد الفطر المبارك بمصر صياغة فكرة «نجم الشباك»، بعد تصدّر أفلام «البطولة الجماعية» قائمة إيرادات «شباك التذاكر».

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق يعقوب الفرحان في أحد مشاهده في فيلم «القيد» (تلفاز 11)

عرض 5 أفلام سعودية بدول إسكندنافية ضمن برنامج «ليالي عربية»

تعرض 5 أفلام سعودية بدول إسكندنافية ضمن برنامج «ليالي عربية» الذي ينظمه مهرجان «مالمو السينمائي» برعاية «هيئة الأفلام السعودية».

أحمد عدلي (القاهرة )

ظافر العابدين لـ«الشرق الأوسط»: «صوفيا» أتاح لي تطوير أدواتي كمخرج

ظافر محتفلاً بجائزة أفضل مخرج في «مهرجان مانشستر السينمائي الدولي» (حسابه على إنستغرام)
ظافر محتفلاً بجائزة أفضل مخرج في «مهرجان مانشستر السينمائي الدولي» (حسابه على إنستغرام)
TT

ظافر العابدين لـ«الشرق الأوسط»: «صوفيا» أتاح لي تطوير أدواتي كمخرج

ظافر محتفلاً بجائزة أفضل مخرج في «مهرجان مانشستر السينمائي الدولي» (حسابه على إنستغرام)
ظافر محتفلاً بجائزة أفضل مخرج في «مهرجان مانشستر السينمائي الدولي» (حسابه على إنستغرام)

قال الفنان التونسي ظافر العابدين إن فيلمه «صوفيا» ينطلق من فكرة أساسية تقوم على بناء توتر درامي متصاعد قائم على الغموض والاختفاء، وهو الإحساس الذي لا يمكن صناعته في مرحلة التصوير فقط، بل يجب أن يكون متجذراً منذ لحظة الكتابة الأولى لخلق حالة تجعل المشاهد متشوقاً لمعرفة ما سيحدث لاحقاً باعتبار أن هذا الأمر هو جوهر الفيلم، وغياب هذا العنصر من النص يجعل من الصعب تعويضه لاحقاً بالصورة.

وأضاف ظافر العابدين لـ«الشرق الأوسط» أن اختيار الممثلين كان جزءاً محورياً في هذه الرؤية، وحرص على أن تكون الشخصيات غير نمطية، فلا يستطيع المشاهد أن يصنفها بسهولة بين الخير والشر، وهو ما يعزز حالة الالتباس والتشويق، لافتاً إلى أن هذه الاختيارات امتدت إلى أسلوب التصوير وطريقة السرد بالكاميرا، فضلاً عن المونتاج الذي يقوم على إخفاء بعض التفاصيل وكشف أخرى في توقيت مدروس يخدم تصاعد الأحداث.

ظافر العابدين قال إن فيلم «صوفيا» تضمن تحديات عدة (حسابه على فيسبوك)

وتدور أحداث «صوفيا» حول «إميلي» التي تغادر لندن متجهة إلى تونس، على أمل إعادة ترميم العلاقة بين ابنتها «صوفيا» وزوجها بعد فترة من الانفصال، لكن الرحلة التي تبدو في ظاهرها محاولة عائلية هادئة، تنقلب فجأة إلى أزمة حادة عندما تختفي «صوفيا» بشكل غامض، لتجد الأم نفسها في مواجهة واقع معقد ومقلق.

وحصل ظافر العابدين على جائزة أفضل مخرج بمهرجان «مانشستر السينمائي» الدولي في نسخته الماضية، عن الفيلم الذي كتبه وأخرجه وشارك في إنتاجه وبطولته وشاركته فيه التمثيل جيسيكا براون فيندلي وجوناثان هايد وقيس الستي وهبة عبوك وزياد عيادي وسعاد بن سليمان.

واعتبر ظافر العابدين أن مشاركة ممثلين عالميين مثل جيسيكا براون فيندلي وجوناثان هايد أضافت قيمة كبيرة للعمل، لما يمتلكانه من خبرة واسعة، واصفاً العمل معهما بأنه كان سلساً واحترافياً؛ إذ جاء كل منهما مستعداً برؤية واضحة لشخصيته، وهو ما انعكس إيجاباً على الأداء العام للفيلم.

وشدد على أن المزج بين طاقم تونسي وآخر بريطاني منح العمل طابعاً خاصاً وخصوصية فنية مميزة، لافتاً إلى أن الفيلم بُني منذ البداية على تصور بصري دقيق، من خلال إعداد «مود بورد» يحدد ملامح الشكل العام بهدف تقديم فيلم قريب من المشاهد، يعتمد على الواقعية في التفاصيل، سواء في مواقع التصوير أو الإضاءة أو الأزياء أو حتى التلوين، لتظل القصة والشخصيات في صدارة المشهد.

ظافر في مشهد من فيلم «صوفيا» )الشركة المنتجة للفيلم)

وأشار إلى أن التصوير بين تونس وبريطانيا أضفى بعداً بصرياً وثقافياً مختلفاً، لافتاً إلى أنه على الرغم من أن العمل في بيئات إنتاجية متنوعة شكّل تحدياً مهماً، لكنه في الوقت نفسه أتاح له تطوير أدواته بوصفه مخرجاً والخروج من المنطقة الآمنة، وهو ما يسعى إليه في كل تجاربه الفنية.

وقال إن «صوفيا» يمثل خطوة مختلفة في مسيرته؛ إذ يجمع بين الطابع الاجتماعي الإنساني وعناصر الأكشن والثريلر، مشيراً إلى أنه كان حريصاً على خوض هذا التحدي لتقديم فيلم يجمع بين العمق الفني والجاذبية الجماهيرية، لكونه يسعى دائماً إلى التنوع وتجربة أشكال سردية جديدة تتيح له التطور واكتشاف مساحات مختلفة في الإخراج والكتابة.

وأكد أن فوزه بجائزة أفضل مخرج عن الفيلم في «مهرجان مانشستر السينمائي الدولي» يمثل دفعة كبيرة له وللفريق، لكون هذا التتويج يعكس تقديراً لعمل جماعي، خصوصاً أن «الفيلم جاء بتجربة إنتاجية مختلفة تجمع بين ثقافتين»، لافتاً إلى «أن أهمية الجائزة تكمن أيضاً في كونها جاءت عن فيلم يسعى للعبور بين اللغات والحدود».

ظافر العابدين أعرب عن سعادته بالفوز بجائزة أفضل مخرج بمهرجان مانشستر (حسابه على إنستغرام)

وأوضح أن طموحه كان تقديم عمل قادر على السفر عالمياً، وهو ما تحقق من خلال مشاركته في مهرجانات مثل مهرجان «مراكش الدولي للفيلم» ومهرجان «سانتا باربرا السينمائي الدولي» بالولايات المتحدة، حيث لاحظ تفاعلاً قوياً من جمهور متنوع ثقافياً.

ولفت إلى أن أكثر ما أسعده هو اندماج المشاهدين مع القصة دون الالتفات إلى اختلاف اللغة أو بيئة الأحداث، وهو ما يعدّه بمثابة النجاح الحقيقي لأي فيلم، مؤكداً أن «صوفيا» ليس مجرد فيلم إثارة ولكن حكاية إنسانية تعكس عالماً بات أكثر تداخلاً، حيث تتقاطع الثقافات والتجارب.


بين الطرافة والعلم… هل غازات النساء أشد رائحة أم الرجال؟

يُعدّ تراكم الغازات في الجهاز الهضمي السبب الأكثر شيوعاً لانتفاخ البطن (بيكساباي)
يُعدّ تراكم الغازات في الجهاز الهضمي السبب الأكثر شيوعاً لانتفاخ البطن (بيكساباي)
TT

بين الطرافة والعلم… هل غازات النساء أشد رائحة أم الرجال؟

يُعدّ تراكم الغازات في الجهاز الهضمي السبب الأكثر شيوعاً لانتفاخ البطن (بيكساباي)
يُعدّ تراكم الغازات في الجهاز الهضمي السبب الأكثر شيوعاً لانتفاخ البطن (بيكساباي)

في واحد من أكثر الأسئلة اليومية طرافةً وإحراجاً في آنٍ واحد، حسم العلم جدلاً طال أمده حول ما إذا كانت غازات الرجال أم النساء أشد رائحةً. غير أن الإجابة، كما تكشف عنها الدراسات، ليست بالبساطة التي قد يتوقعها البعض، بل تقود إلى نتيجةٍ أقرب إلى التعادل منها إلى فوز طرفٍ على آخر. وفقاً لصحيفة «واشنطن بوست».

تعود القصة إلى الطبيب الأميركي مايكل ليفيت، إختصاصي أمراض الجهاز الهضمي، الذي كرّس جانباً كبيراً من مسيرته المهنية لدراسة الغازات المعوية، حتى لُقّب بين زملائه بملك الغازات. ولم يكن هذا اللقب خياراً شخصياً بقدر ما كان نتيجة مسارٍ علمي بدأ مصادفةً، حين تعرّف إلى جهازٍ لتحليل الغازات، ليفتح أمامه باباً لبحثٍ دقيقٍ في هذا الجانب من وظائف الجسم.

ومنذ ذلك الحين، نشر ليفيت مئات الدراسات، وأسهم حتى في أبحاثٍ مرتبطة بوكالة الفضاء الأميركية، حيث طُوّرت فلاتر خاصة في بدلات رواد الفضاء للتعامل مع الغازات داخل البيئات المغلقة في دلالةٍ على أن الموضوع، رغم طرافته، يحمل أبعاداً علميةً وعمليةً حقيقية.

الدراسة الأبرز في هذا السياق شملت عدداً من الرجال والنساء الأصحاء، طُلب منهم تناول أطعمةٍ معروفة بقدرتها على زيادة إنتاج الغازات، مثل البقوليات وبعض السكريات الصناعية. ثم جُمعت الغازات في ظروفٍ مخبرية دقيقة، وخضعت لتحليلٍ علمي، بل تقييمٍ بشري للرائحة وفق مقياسٍ محدد.

النتيجة جاءت مفاجئةً للبعض: غازات النساء قد تكون من حيث التركيز أشد رائحةً. غير أن الصورة لا تكتمل عند هذا الحد، إذ أظهرت النتائج أيضاً أن الرجال ينتجون كمياتٍ أكبر من الغازات في كل مرة، مما يجعل التأثير الكلي على حاسة الشم متقارباً.

بمعنى آخر، الكمية تعوّض التركيز، لتتوازن الكفّتان عملياً في الحياة اليومية، ويخرج الطرفان بنتيجةٍ واحدة: لا غالب ولا مغلوب.

ويشير بعض الباحثين إلى أن الفروق الملحوظة أحياناً قد تعود إلى سلوكيات مختلفة، إذ يميل بعض النساء إلى إطلاق الغازات بهدوءٍ أكبر، مما يجعلها أقل لفتاً للانتباه، في حين لا يُبدي بعض الرجال خصوصاً في مراحل عمرية معينة اهتماماً مماثلاً بهذا الجانب.

لكنَّ ثمة ظرفاً لا يملك فيه أحدٌ رفاهية التحكم: السفر جوّاً. فمع ارتفاع الطائرة وانخفاض الضغط الجوي، تتمدد الغازات داخل الجسم وفق قوانين فيزيائية معروفة، مما يؤدي إلى زيادة الشعور بالانتفاخ والحاجة إلى التخلص منها. وفي بيئةٍ مغلقةٍ كقمرة الطائرة، قد يصبح الأمر أكثر وضوحاً وأحياناً أكثر إحراجاً.

ورغم ذلك، لا يخلو الأمر من حلولٍ عملية. إذ يمكن لبعض الأدوية المتاحة دون وصفة طبية أن تقلل من الروائح بشكلٍ ملحوظ، مما يوفر تعويضاً مناسباً في مواقف اجتماعية أو مهنية حساسة.

في المحصلة، قد تبدو هذه القضية هامشيةً، لكنها تكشف جانباً إنسانياً من اهتمام العلم بأدق تفاصيل الحياة اليومية. ولعل المفارقة الأجمل أن واحدة من أكثر القضايا إحراجاً تنتهي بنتيجةٍ هي الأقرب إلى العدالة: الجميع سواء... ولو على نحو غير متوقع.


«شتاء روسيا»... فيلم يرصد منفى الأسئلة وعبء الذنب

عُرض الفيلم للمرّة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المُنتجة)
عُرض الفيلم للمرّة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المُنتجة)
TT

«شتاء روسيا»... فيلم يرصد منفى الأسئلة وعبء الذنب

عُرض الفيلم للمرّة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المُنتجة)
عُرض الفيلم للمرّة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المُنتجة)

لا يُعدّ الفيلم الفرنسي «شتاء روسيا» فيلماً عن الحرب بقدر ما هو فيلم عن ارتداداتها الخفية، يتطرَّق إلى الصمت الثقيل الذي يعقب القرار المصيري بالهروب، وعن المسافة النفسية التي تتّسع بين الإنسان ووطنه مع وضعه أمام اختيارات مصيرية. في عمله الوثائقي الجديد، يقترب المخرج النمساوي باتريك شيها من جيل روسي وجد نفسه فجأة خارج الجغرافيا وخارج الزمن، مُحاصَراً بأسئلة لا تقلّ قسوة عن أصوات المدافع.

منذ اللحظة الأولى، يختار الفيلم زاوية مختلفة؛ فلا كاميرات في خطوط النار، ولا شهادات مباشرة من جبهات القتال، بل وجوه شابة تحمل آثار الصدمة، وتعيش في مدن وسيطة مثل إسطنبول وباريس، مُعلّقة بين ماضٍ لم يعد ممكناً، ومستقبل لم يتشكل بعد. هنا لا يُعرَّف المنفى بوصفه انتقالاً مكانياً فقط، بل حالة ذهنية طويلة الأمد، وتجمّد داخلي يشبه شتاءً لا ينتهي.

أضاء الفيلم على جانب من حياة شباب روس هربوا من التورّط في الحرب (الشركة المُنتجة)

الفيلم الذي تدور أحداثه في 87 دقيقة، وعُرض للمرة الأولى ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، يتتبَّع قصة «مارغريتا» و«يوري» وأصدقائهما، وهم جزء من جيل روسي وُضع أمام خيار ثلاثي قاسٍ: السجن، أو الخدمة العسكرية، أو الرحيل. فرفضوا الانصياع، واختاروا المنفى، وإنما الاختيار، كما تكشف الأحداث، لا يمنح الخلاص، فتتسلَّل مشاعر الذنب والخجل واللاجدوى إلى تفاصيل حياتهم اليومية، مع تساؤلات تدور في أذهانهم: هل كانوا شجعاناً أم هاربين؟ هل أنقذوا أنفسهم أم تخلّوا عن مسؤوليتهم؟ في أسئلة تتردَّد بلا إجابات حاسمة.

يمنح العمل مساحة خاصة لعلاقة الصداقة بين «يوري» و«مارغريتا»، بوصفها الخيط العاطفي الذي يمنع السقوط الكامل في العزلة، فيما يمزج الفيلم بصرياً بين مَشاهد يومية عادية عبر شقق مؤقتة، وشوارع مزدحمة، ولقاءات عابرة، وبين لحظات أقرب إلى الأداء الفنّي، مثل رقصات أمام خلفيات خضراء.

في هذا السياق، قال مخرجه باتريك شيها لـ«الشرق الأوسط» إن فكرته جاءت من صور شاهدها في سبتمبر (أيلول) 2022 لشباب يعبرون الحدود الجبلية نحو جورجيا سيراً أو بالدراجات أو بالسيارات، مؤكداً أنه لم يستطع أن يتخيَّل تماماً ما يعنيه أن تفرّ من بلدك، لكن الوجوه التي رآها كانت، وفق تعبيره، تقول شيئاً عميقاً عن هشاشة العالم والعنف الكامن فيه، وعن لحظة تاريخية بدت كأنها تكشف عن مستقبل مقلق للجميع.

صوَّر المخرج عشرات الساعات مع أبطال الفيلم (الشركة المنتجة)

وأوضح شيها أنه لا يبدأ أفلامه بخطة واضحة أو رسالة محدَّدة سلفاً، بل بأسئلة تلاحقه، وشعر بأن قصص هؤلاء الروس لا تخصّهم وحدهم، بل تعكس مخاوف أوسع، وتحمل عدداً من الأسئلة، منها: ماذا نفعل حين يصبح البقاء مستحيلاً أخلاقياً؟ هل نقاوم من الداخل أم نغادر؟ وماذا يعني أن نكون عاجزين سياسياً؟ ومن ثم كان مهتمّاً بطرح هذه الأسئلة من خلال أشخاص حقيقيين، وليس عبر خطاب مباشر.

وأكد أنه لا يصنع أفلاماً عن الناس بل معهم، مشيراً إلى أنّ عملية التصوير اتّسمت بقدر كبير من الارتجال، فكانوا يمضون الوقت معاً، وتنبثق الأحاديث تدريجياً. أحياناً لم يكن يفهم اللغة الروسية بالكامل، لعدم توفر مترجم طوال الوقت، لكنه كان يشعر بأنّ هناك مادة إنسانية صادقة تتشكّل أمامه.

وأشار إلى أنّ المونتاج كان المرحلة الأطول والأشدّ تعقيداً، لأنّ عليه أن يكون أميناً لمشاعرهم، وفي الوقت نفسه يمنح الفيلم بنية فنية واضحة، مؤكداً أنه صوَّر عشرات الساعات معهم قبل أن يختار المَشاهد التي شاهدها الجمهور في العمل.

المخرج النمساوي أكد أنّ المونتاج كان المرحلة الأطول والأشدّ تعقيداً (الشركة المُنتجة)

وأكد أيضاً أنّ الشعور بالذنب والخجل والعجز كان محورياً في التجربة، فهؤلاء الشبان، وفق وصفه، عاشوا حياة مريحة نسبياً في موسكو، ولم يكونوا مستعدّين لصدمة الحرب حين اضطروا إلى الرحيل. خسروا ليس فقط بلدهم، بل خسروا جزءاً من هويتهم. وتساءلوا: هل كان الهروب الخيار الصحيح؟ أم كان ينبغي البقاء والمواجهة؟ مشيراً إلى أنّ الكاميرا منحتهم مساحة لصياغة هذه الأسئلة بصوت عالٍ.

وشدَّد على أنه لم يكن معنياً بعقد مقارنة مع معاناة الأوكرانيين، لأنّ لكل مأساة سياقها الخاص، لكن فيلمه يتبنّى بوضوح وُجهة نظر أشخاص رفضوا النظام وغادروا بسببه، وهدفه لم يكن تبريراً لأحد، بل تقديم منظور مختلف يُضيء منطقة رمادية قلّما تُتناول في السينما.

ولفت شيها إلى أنّ السينما بالنسبة إليه ليست وسيلة لإلقاء خطبة سياسية، بل لخلق مساحة للتفكير، ففيلمه يطرح أسئلة عميقة حول موقع الفرد من السياسة وحدود قدرته على المقاومة، لافتاً إلى أنه لا يدّعي امتلاك الإجابات، بل يصنع أفلامه لأنه لا يعرف، ويريد أن يرى بوضوح أكبر.