جورجيا ميلوني... سيّدة «الميمز» وتعابير الوجه الصادمة

من بايدن إلى ماكرون... لم ينجُ أحد من «النظرات القاتلة» لرئيسة حكومة إيطاليا

رئيسة حكومة إيطاليا جورجيا ميلوني (أ.ف.ب)
رئيسة حكومة إيطاليا جورجيا ميلوني (أ.ف.ب)
TT

جورجيا ميلوني... سيّدة «الميمز» وتعابير الوجه الصادمة

رئيسة حكومة إيطاليا جورجيا ميلوني (أ.ف.ب)
رئيسة حكومة إيطاليا جورجيا ميلوني (أ.ف.ب)

في خلال سنتَين أمضتهما على رأس حكومة إيطاليا، راكمت جورجيا ميلوني المواقف الطريفة والتصرّفات الغريبة. فقد ارتبط اسمُ رئيسة الوزراء الإيطاليّة بردود أفعالها الخارجة عن المألوف، وبتعابير وجهها التي تحوّلت إلى «ميمز» تغزو وسائل التواصل الاجتماعي.

رئيسة حكومة إيطاليا جورجيا ميلوني في أحد أغرب ردود فعلها خلال قمة «الناتو» (يوتيوب)

بايدن أوّل المغضوب عليهم

نظرةٌ واحدة من ميلوني كافيةٌ للتعبير عن مشاعرها تجاه موقفٍ أو شخصٍ ما، وهي لا تُخفي ذلك؛ بل يبدو أنها تتعمّد هذا النوع من المجاهرة الجريئة، حتى إن كان الشخص الذي يزعجها رئيس الولايات المتحدة الأميركية شخصياً.

في صدارة «الميمز» أو اللقطات الطريفة التي سجّلتها الكاميرات لها، نظرتها الممتعضة من تأخّر الرئيس الأميركي جو بايدن عن موعده، خلال قمّة «الناتو» الأخيرة في واشنطن. رفعت ميلوني عينَيها إلى السقف ثم التفتت إلى معصمها كما لو أنها تنظر إلى الساعة، بعد أن تأخّر بايدن 40 دقيقة على خطابه الافتتاحيّ للجلسة.

النظرة القاتلة

لم تكن تلك المرّة الأولى التي توظّف فيها ميلوني (47 عاماً) تقاسيم وجهها للتعبير عن انزعاجها. فخلال قمّة الدول السبع في إيطاليا قبل أسابيع، وجّهت نظرةً يملأها الغضب والازدراء إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. جاء ذلك عقب سجالٍ بين المسؤولَين الأوروبيَين حول الحقّ في الإجهاض؛ ومن المعروف أن ميلوني تعارض الأمر بشدّة. وقد أعقَبت تلك النظرة القاتلة بمصافحة باردة، رغم تقبيل ماكرون يدَها.

سترة واقية من النظرات

لا تحرم ميلوني المقارّ الرسميّة من حركاتها الغريبة تلك. وقد ذهبت بها الجرأة إلى حدّ تغطية رأسها بسترتها أمام عدسات الكاميرات، كردّ فعل على موقف أحد النوّاب في حرَم البرلمان الإيطاليّ. تلك اللقطة التي تصدّرت الصفحة الأولى لصحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، جاءت بعد أن تَوجّه النائب الإيطالي إلى ميلوني قائلاً: «لا ترمقيني بهذه النظرة المثيرة للقلق».

لم تكتفِ ميلوني بما فعلته داخل البرلمان، فهي أكملت المشهد على صفحة «فيسبوك» الخاصة بها، ناشرةً مزيداً من الصور عن تلك اللحظة. وفي تعليقٍ لها على ما جرى، كتبت: «تفاعلتُ بشكلٍ ساخر عندما غطّيت وجهي بالسترة، لئلّا أثير قلق زميلي».

«فريق ميلودي»

لكن ليست تعابير ميلوني كلّها غاضبة وممتعضة وساخرة، فهي إن أحبّت شخصاً أظهرت له ذلك من خلال التقاط صور وفيديوهات «السيلفي» معه. هكذا كانت الحال مع نظيرها الهنديّ ناريندرا مودي خلال قمّة الدول السبع.

في لقطةٍ عفويّة، تصوّرت ميلوني مع مودي متوجّهةً إلى متابعيها على وسائل التواصل الاجتماعي بالقول: «مرحبا من فريق ميلودي»، دامجةً اسمَيهما في تعليقٍ أرادته طريفاً، إلّا أنه لم يمرّ من دون إثارة بعض ردود الفعل الساخرة.

ومن بين المسؤولين الذين نالوا رضا ميلوني، رئيس الوزراء البريطاني السابق ريشي سوناك. ففي خلال قمّة الدول السبع كذلك، حرصت على مصافحته بحرارة والاطمئنان عليه سائلةً إيّاه: «هل أنت بخير؟»، بعد أن كان قد استُبعد عن أهمّ اجتماعات القمّة.

أما رئيس حكومة المجر فيكتور أوربان فقد نال هو الآخر نصيبه من «سيلفيات» ميلوني وابتساماتها.

ميلوني ملتقطةً صورة «سيلفي» مع رئيس حكومة المجر فيكتور أوربان (إكس)

«سيلفي» مع بائع الكرز

صفحات ميلوني على وسائل التواصل الاجتماعي جزء أساسيّ من مشروعها السياسيّ، وهي توظّفها بكثافةٍ حيث تحاول الظهور على طبيعتها. غير أنّ معارضيها ومنتقديها يفسّرون هذا الأمر على أنه استراتيجيّة شعبويّة ليس أكثر.

على غرار ما تفعل مع الرؤساء، فهي تتصوّر كذلك مع عامّة الناس، كبائع الفاكهة هذا الذي التقطت فيديو معه وتذوّقت الكرز الذي يبيع.

كما على «السوشيال ميديا» كذلك أمام عدسات وسائل الإعلام العالميّة، حيث لا تقوم ميلوني بمجهود من أجل السيطرة على ردود أفعالها، السلبيّة منها والإيجابيّة على حدٍّ سواء.

ميلوني خلال حملة حزبها الانتخابيّة (رويترز)

غرامة ضدّ التنمّر

في مقابل هذه الصورة العفويّة، يزداد الحديث في إيطاليا عن سطوة ميلوني على وسائل الإعلام والمشهد الثقافيّ في البلاد. أكثر من أي وقت، يتذمّر الإعلام الإيطاليّ من الرقابة ومن منع المعارضين من الظهور على التلفزيون الرسميّ. كما يُحكى عن توظيف رئيسة الحكومة أصدقاء وأقرباء لها في مناصب مهمّة بالقطاع العام، ومعظمها مرتبط بالصحافة والمسرح والسينما.

ولعلّ أحدث دليل على ذلك، تغريم إحدى الصحافيات قبل أيام مبلغ 5 آلاف يورو، بسبب سخريتها من قصر قامة ميلوني عبر أحد منشوراتها على وسائل التواصل الاجتماعي.

لا تقوم ميلوني بمجهود للسيطرة على ردود أفعالها أمام الكاميرات (أ.ف.ب)

ليس التنمّر جديداً على ميلوني، فخلال طفولتها تعرّضت للسخرية بسبب وزنها الزائد، ما حفّزها على التحدّي وطوّر لديها حسّ النقد، والإصرار، وعدم مهادنة خصومها.

مربّية ونادلة

لم يكن الوصول سهلاً بالنسبة إليها، فهي كانت في سنتها الأولى عندما هجر والدها البيت. لازمَ الفقر طفولتَها، وهي كبرت بمنطقةٍ شعبيّة في روما. وجدت ميلوني ملاذها في السياسة فانضمّت في الـ15 من عمرها إلى «جبهة الشباب» المنبثقة عن «الحركة الاشتراكيّة الإيطاليّة». وفي سنّ الـ21 انتُخبت عضوة في مجلس مقاطعة روما، لتصبح بعد سنتَين رئيسة «جبهة الشباب».

ميلوني مع رئيس الوزراء الإيطالي السابق سيلفيو بيرلوسكوني خلال سنواتها الأولى في السياسة (أ.ف.ب)

في تلك الآونة، وبالتزامن مع صعودها السياسيّ، تنقّلت ميلوني بين وظائف عدّة؛ من بينها مربّية أطفال، ونادلة بأحد أهمّ النوادي الليليّة في روما. قد يكون خروجها من وسط الشعب، هو الذي انعكس عفويّةً على شخصيّتها، فتمسّكت بهذا السلاح الذي غالباً ما يكون مفيداً في السياسة.


مقالات ذات صلة

موريتانيا: مظاهرة للمعارضة تتهم الحكومة بالعجز عن محاربة الفساد

شمال افريقيا مظاهرة للمعارضة الموريتانية في مدينة نواذيبو بشمال غرب البلاد مساء الأحد (إعلام محلي)

موريتانيا: مظاهرة للمعارضة تتهم الحكومة بالعجز عن محاربة الفساد

انتقدت المعارضة الموريتانية، خلال مظاهرة مساء الأحد، سياسات الحكومة التي اتهمتها بـ«الفشل» و«العجز» عن مواجهة الفساد ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتواصل الأزمات.

الشيخ محمد (نواكشوط)
تحليل إخباري الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح مقر «القيادة الاستراتيجية للدولة» بالعاصمة الإدارية يوم السبت (الرئاسة)

تحليل إخباري تنشيط الأحزاب وانتخابات محلية... كيف تنعكس توجيهات السيسي على الحياة السياسية بمصر؟

وجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بتنشيط الحياة الحزبية وتأهيل كوادرها والانتهاء من الاستعدادات اللازمة، لإجراء انتخابات المجالس المحلية الغائبة منذ 18 عاماً.

محمد محمود (القاهرة)
أميركا اللاتينية زعيمة المعارضة الفنزويلية والحائزة جائزة نوبل للسلام ماريا كورينا ماتشادو تقود مظاهرة ضد إعادة تنصيب الرئيس نيكولاس مادورو (د.ب.أ)

زعيمة المعارضة الفنزويلية تتهم الحكومة بعرقلة عودتها إلى البلاد بعد كارثة الزلزال

اتهمت زعيمة المعارضة الفنزويلية والحائزة جائزة نوبل للسلام ماريا كورينا ماتشادو الحكومة بعرقلة عودتها إلى البلاد.

«الشرق الأوسط» (كاراكاس)
العالم صورة جوية لمركز بيانات تابع لشركة «أمازون ويب سيرفيسز» في آشبورن بولاية فرجينيا الأميركية... تُعدّ مراكز البيانات من الركائز الأساسية للبنية التحتية التي تقوم عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة (رويترز)

ثورة الذكاء الاصطناعي... معركة البنية التحتية وإعادة تشكيل موازين القوى العالمية

تتشكّل خلف تطبيقات الذكاء الاصطناعي، منافسة عالمية على الرقائق ومراكز البيانات والطاقة، في سباق متصاعد قد يعيد رسم موازين القوى العالمية.

شادي عبد الساتر (بيروت)
أوروبا قادة الاتحاد الأوروبي خلال اجتماع قمة الاتحاد ببروكسل في 18 يونيو(أ.ب)

السياسة الخارجية الأوروبية تحت نيران الحرب بين فون دير لاين وكالاس

السياسة الخارجية الأوروبية تحت نيران الحرب بين فون دير لاين وكالاس... برزت في تفعيل آلية الحوار مع روسيا، وتصريحات كالاس تشبّه فيها إسرائيل بنظام «الأبرتايد».

شوقي الريّس (بروكسل)

50 سفيراً يزورون «شارع الفن» في ذكرى تأسيس القاهرة التاريخية

جانب من فعاليات شارع الفن (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من فعاليات شارع الفن (وزارة الثقافة المصرية)
TT

50 سفيراً يزورون «شارع الفن» في ذكرى تأسيس القاهرة التاريخية

جانب من فعاليات شارع الفن (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من فعاليات شارع الفن (وزارة الثقافة المصرية)

في إطار الاحتفالات بالعيد القومي الـ1057 لمحافظة القاهرة، شاركت وزارة الثقافة، ممثلةً في «أكاديمية الفنون» بتقديم برنامج فني متميِّز ضمن فعاليات «شارع الفن» بوسط المدينة، بحضور أكثر من 50 سفيراً ومبعوثاً دبلوماسياً.

​وقدَّمت أكاديمية الفنون خلال الاحتفالية «باقةً متنوعةً من العروض الإبداعية التي عكست ثراء وتنوع الهوية المصرية، حيث تضمَّنت الفعاليات مزيجاً فنياً راقياً جمع بين سحر التخت الشرقي والأغاني التراثية، وبين رقي الغناء الأوبرالي واللوحات الاستعراضية المبهرة»، وفق بيان للأكاديمية.

​وقالت رئيسة أكاديمية الفنون، الدكتورة نبيلة حسن: «إن وجود الأكاديمية شريكاً فاعلاً في هذه الاحتفالية الوطنية ترجمة لرسالتنا في مدِّ جسور التواصل بين الفن والمجتمع»، مؤكدة حرص الأكاديمية الدائم على دعم الفعاليات التي تثري الحياة الثقافية في العاصمة.

وشهد برنامج «شارع الفن»، الخميس، فعاليات متنوعة عكست ثراء وتنوع الإبداع المصري، حيث استمتع الضيوف بعروض الفنون الفلكلورية الشعبية، وفنون السمسمية، والغناء الأوبرالي، إلى جانب باقة من الأغنيات المصرية الأصيلة، في لوحة فنية جسَّدت أصالة التراث المصري وتنوعه.

ويُعدُّ مشروع «شارع الفن» إحدى أهم المبادرات الثقافية التي تتبناها أكاديمية الفنون، التابعة لوزارة الثقافة المصرية؛ لنشر الفنون في الفضاء العام، وتعزيز التواصل مع مختلف فئات المجتمع، وتقديم صورة حضارية تليق بمكانة مصر الثقافية، وفق رئيسة الأكاديمية، مشيرة إلى أنَّ استضافة هذا العدد الكبير من السفراء والدبلوماسيين تعكس نجاح المشروع في تقديم القوة الناعمة المصرية بصورة مشرفة أمام ضيوف مصر من مختلف دول العالم.

وبدأت عروض «شارع الفن» بالموسيقى والغناء بمشاركة المعهد العالي للموسيقى العربية، والمعهد العالى للكونسرفتوار، والفرقة القومية للموسيقى الشعبية، والفنانة ليديا سليمان، وتنوعت الفقرات بين الغناء الشرقي، والأوبرالي، والفلكلور الشعبي.

فعاليات شارع الفن تضم فقرات مختلفة (محافظة القاهرة)

كما اشتمل البرنامج على عروض فنون الأداء الاستعراضي، بمشاركة المعهد العالي للفنون الشعبية والمعهد العالي للباليه، وتضمنت استعراضات فلكلورية وإسبانية، إلى جانب أنشطة الفنون التفاعلية والبصرية، التي شملت ورشاً للرسم والتلوين، والرسم على الوجه، بمشاركة المكتبة المتنقلة لمكتبة مصر الجديدة، ومدرسة الفنون للتكنولوجيا التطبيقية.

واختُتمت الفعاليات بعروض فنون الأداء، والتي تضمَّنت عروض المطبخ الصيني، والسيرك القومي، و«شو ماريونت» الذي يقدمه مسرح القاهرة للعرائس.

وكان محافظ القاهرة، الدكتور إبراهيم صابر، استقبل في حديقة الأزهر نحو 50 سفيراً، ومبعوثاً دبلوماسياً، وعدداً من أعضاء السلك الدبلوماسي بالقاهرة، شاركوا في احتفالات محافظة القاهرة بعيدها القومي 1057.

واصطحبهم المحافظ في جولة حول سور القاهرة التاريخي داخل حديقة الأزهر، أعقبتها زيارة مسجد المارديني، والجامع الأزرق اللذين يعدان من أقدم المساجد التاريخية بمنطقة الدرب الأحمر، وانتهت الجولة بالتوجه لحضور احتفالية «شارع الفن» بمنطقة الشريفين بوسط المدينة.

وافتتح رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، فعاليات «شارع الفن» في مايو (أيار) الماضي بوصفه برنامجاً يتضمَّن فعاليات فنية تعزِّز القوى الناعمة المصرية، وتثري السياحة التراثية في منطقة القاهرة الخديوية (وسط البلد)، خصوصاً مثلث البورصة وشارع الشريفين.

وسبق أن وقعت محافظة القاهرة وأكاديمية الفنون المصرية بروتوكول «التعاون الفني المشترك ضمن استراتيجية جسور الإبداع لإتاحة الفنون واحتضان المواهب في ربوع القاهرة»، وتنفيذ عدد من المبادرات النوعية، من أبرزها مبادرة «شارع الفن»، التي تستهدف تحويل شوارع العاصمة إلى منصات مفتوحة للإبداع والفنون.


أكسل بيرثا: استلهمتُ «ضد الطبيعة» من جريمة حقيقية

اعتمد الفيلم على الصمت بشكل كبير لإيصال فكرته (الشركة المنتجة)
اعتمد الفيلم على الصمت بشكل كبير لإيصال فكرته (الشركة المنتجة)
TT

أكسل بيرثا: استلهمتُ «ضد الطبيعة» من جريمة حقيقية

اعتمد الفيلم على الصمت بشكل كبير لإيصال فكرته (الشركة المنتجة)
اعتمد الفيلم على الصمت بشكل كبير لإيصال فكرته (الشركة المنتجة)

قال المخرج المكسيكي، أكسل بيرثا، إن فيلمه الروائي الطويل الأول «ضد الطبيعة» (Against Nature) انطلق من واقعة قتل حقيقية وقعت في شمال المكسيك، لكنه لم يكن معنياً بإعادة سرد تفاصيل الجريمة أو البحث في ملابساتها، بقدر ما رأى فيها مدخلاً للتأمل في أسئلة تتعلق بالعنف والطبيعة البشرية وعلاقة الإنسان بالعالم.

وأضاف بيرثا، في حديث مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم»، أن فكرة إخراج فيلمه الأول كانت تراوده منذ سنوات، إلا أنه لم يكن قد عثر على القصة التي يرغب في تقديمها، حتى صادف تقريراً صحافياً عن جريمة قتل، فشعر أن الواقعة تحمل ما هو أبعد من الحدث نفسه، وهو ما دفعه إلى قضاء فترة طويلة في المنطقة التي شهدت الحادثة، حيث ترك المكان وسكانه أثراً مباشراً في تطور السيناريو، حتى أصبح الفيلم عملاً مستقلاً يستلهم الواقع دون أن يعيد تقديمه.

ويُعرض فيلم «ضد الطبيعة» ضمن الدورة التاسعة والخمسين من مهرجان «كارلوفي فاري السينمائي الدولي» في التشيك، وتدور أحداثه حول «جوناس» الذي يعود إلى بلدته ويعمل في نحت الحجارة، قبل أن يجد نفسه منجذباً إلى قوة خفية تتغلغل في المكان والناس والزمن، بينما ينزلق تدريجياً نحو مأساة تبدو وكأنها امتداد لصراع قديم بين الإنسان وطبيعته.

وأوضح المخرج المكسيكي أن اختياره الابتعاد عن معالجة الجريمة بوصفها حدثاً بوليسياً كان قراراً مقصوداً، إذ رأى أن الواقعة لم تكن سوى الشرارة التي أطلقت خياله، بينما تشكل الفيلم الحقيقي من خلال معايشة المكان والاقتراب من تفاصيل الحياة اليومية في تلك المنطقة، وهو ما جعله يبتعد تدريجياً عن الحادثة الأصلية ليقدم رؤية سينمائية تتناول الإنسان أكثر مما تتناول الجريمة.

وكشف بيرثا أن تصوير الفيلم كان من أصعب التجارب التي خاضها، موضحاً أنه «جرى في منطقة شبه صحراوية شمال المكسيك، حيث واجه فريق العمل ظروفاً مناخية قاسية، تراوحت بين البرودة الشديدة وحرارة الشمس والغبار المستمر، إلى جانب صعوبة الوصول إلى مواقع التصوير، وهو ما فرض تحديات إنتاجية متواصلة طوال فترة التنفيذ».

بدأت فكرة الفيلم من حادثة حقيقية (الشركة المنتجة)

وأضاف أن «التحديات لم تقتصر على طبيعة المكان، وإنما شملت أيضاً الاعتماد على ممثلين غير محترفين من أبناء المنطقة، إلى جانب التصوير وسط الحيوانات الطبيعية، ومواكبة تغير الفصول، فضلاً عن استخدام خام (35 ملم)، الأمر الذي فرض عدداً محدوداً للغاية من اللقطات، وجعل كل مشهد يحتاج إلى قدر كبير من الدقة قبل التصوير».

وأشار إلى أن فريق العمل لم يتجاوز 10 أشخاص، وهو ما وفّر قدراً من المرونة وساعد الجميع على التفرغ للحظة التصوير نفسها، موضحاً أن الفريق كان ينتظر أحياناً الوقت المناسب للحصول على الضوء الطبيعي المطلوب، بجانب مشاركة الجميع في أكثر من مهمة داخل موقع التصوير، ما خلق حالة من التفاهم والترابط بينهم طوال فترة العمل.

وأرجع بيرثا اختيار شخصية «جوناس» قليلة الكلام لاعتقاد البعض أن الإنسان عاش ملايين السنين قبل ظهور اللغة، واستطاع خلالها التكيف مع العالم وبناء حياته، بينما جاءت اللغة لاحقاً لتسرّع تطور الحضارة والفنون والثقافة، لكنها في الوقت نفسه خلقت مسافة بين الإنسان والواقع، لأن الكلمات لا تنقل الأشياء كما هي، بل تقدم لها صوراً ورموزاً ذهنية.

وأكد المخرج المكسيكي أن السينما تمنحه فرصة لاستعادة هذا الاتصال المباشر بالعالم، «لأنها قادرة على التعبير بالصورة والصوت والإيقاع والمونتاج، دون الحاجة إلى كثير من الحوار، وهو ما دفعني إلى تقليل الكلمات في الفيلم إلى الحد الأدنى، لإفساح المجال أمام المشاعر والإحساس بالمكان، بحيث يعيش المشاهد التجربة بدلاً من أن يتلقى شرحاً لها»، وفق تعبيره.

وتحدث بيرثا عن تجربته مع الممثلين غير المحترفين، مؤكداً أنه كان يبحث منذ البداية عن أشخاص ينتمون إلى البيئة التي تدور فيها الأحداث، حتى تبدو الشخصيات جزءاً طبيعياً من المكان، لأن هدفه لم يكن تدريبهم على الأداء التقليدي، وإنما منحهم الحرية الكاملة للتصرف بعفوية، وهو ما أدى في كثير من الأحيان إلى تغير بعض المشاهد أثناء التصوير.

وأوضح أنه كان يراقب الطريقة الطبيعية التي يتعامل بها كل ممثل مع الموقف، محاولاً أن يفاجئه الأداء بدلاً من فرض تصور مسبق عليه، ما جعل كثيراً من اللحظات التي ظهرت في الفيلم تبدو كنتيجة لتفاعل الممثلين مع المشهد أكثر من التزامهم الحرفي بما كُتب في السيناريو.

يعرض الفيلم للمرة الأولى في التشيك (الشركة المنتجة)

وأكد أن هذه العفوية كانت جزءاً أساسياً من رؤيته الإخراجية، لأنها سمحت للفيلم بالاقتراب أكثر من الواقع، ومنحت الشخصيات حضوراً إنسانياً يصعب الوصول إليه من خلال الأداء التقليدي.

وعدّ بيرثا أن «العنف يمثل أحد المحاور الرئيسية في الفيلم»، لكنه لا ينظر إليه باعتباره نتاجاً للظروف الاجتماعية وحدها، أو نتيجة لطبيعة الإنسان فقط، بل يراه سؤالاً مفتوحاً رافق البشرية عبر تاريخها، مشيراً إلى تأثره بأفكار الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه، خصوصاً ما يتعلق بفكرة الانتقام والمعاملة بالمثل.

ولفت المخرج المكسيكي إلى أن التاريخ الإنساني يكشف عجز البشر عن التخلص من العنف، رغم التطور الحضاري الذي حققوه، مشيراً إلى أن امتلاك الإنسان في العصر الحديث وسائل قادرة على تدمير العالم، مثل السلاح النووي، يجعل التفكير في هذه القضية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، خصوصاً في ظل ما يشهده العالم من صراعات متزايدة تقوم على الهيمنة والعدوان.

وحول ترك كثير من مشاهد الفيلم مفتوحة أمام التأويل، أوضح بيرثا أنه لا يؤمن بالأفلام التي تقدم إجابات جاهزة، وإنما يفضل الأعمال التي تستمر في مرافقة المشاهد حتى بعد انتهاء العرض، مشيراً إلى أن الفيلم، بالنسبة له، «يبدأ فعلياً عندما يغادر الجمهور قاعة السينما، لأن لحظة التفكير والتأمل ومحاولة تفسير ما شاهده لا تقل أهمية عن المشاهدة نفسها»، على حد تعبيره.

وأشار إلى أنه لم يتعمد الغموض من أجل إضفاء طابع فلسفي على العمل، وإنما سعى إلى تقديم تجربة تسمح لكل مشاهد بأن يبني قراءته الخاصة، لافتاً إلى أن أكثر الأفلام التي أثّرت فيه كانت تلك التي تركت لديه أسئلة أكثر مما قدمت له إجابات.


مصر: صنّاع محتوى في قفص الاتهام مجدداً لترويج «أفكار صادمة»

توقيف صانعة محتوى بمصر (وزارة الداخلية)
توقيف صانعة محتوى بمصر (وزارة الداخلية)
TT

مصر: صنّاع محتوى في قفص الاتهام مجدداً لترويج «أفكار صادمة»

توقيف صانعة محتوى بمصر (وزارة الداخلية)
توقيف صانعة محتوى بمصر (وزارة الداخلية)

تجددت وقائع القبض على صناع محتوى بمصر بسبب ارتكاب مخالفات وصفتها بيانات وزارة الداخلية وخبراء بأنها مرتبطة بترويج أفكار «صادمة» تتنافى وقيم المجتمع، بغرض تحقيق أرباح مادية، مع ظهور قضايا في فترات سابقة تنوعت بين ترويج الأفكار التي «تنال من قيم المجتمع»، وفق التوصيف القانوني لها، ونشر صور وفيديوهات تتضمن مقاطع «خارجة»، وصدرت على بعض الحالات أحكام بالحبس.

ورصدت وزارة الداخلية المصرية قيام صانعة محتوى بنشر مقاطع فيديو على صفحاتها بمواقع التواصل الاجتماعي تتضمن قيامها بالترويج لما أسمته «فوائد تعدد الأزواج والزوجات والإنجاب غير المُنسب بصورة تحريضية تتنافى مع الآداب العامة والقيم المجتمعية»، وفق بيان وزارة الداخلية.

وعقب تقنين الإجراءات، تم ضبط صانعة المحتوى المقيمة بدائرة قسم شرطة المطرية بالقاهرة وضبط بحوزتها هاتف محمول «بفحصه تبين احتواؤه على دلائل تؤكد نشاطها الإجرامي»، وفق بيان الوزارة، وبمواجهتها اعترفت بارتكابها الواقعة على النحو المشار إليه ونشرها مقاطع الفيديو عبر صفحاتها بمواقع التواصل الاجتماعي لزيادة نسب المشاهدات وتحقيق أرباح مالية.

ووصفت الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة «المحاميات المصريات لحقوق المرأة» الدعوات التي تروج لتعدد الأزواج أو غيرها من الأفكار التي تمس النظام العام والأسرة المصرية، بأنها «سلوك يتعارض مع القيم الدستورية والاجتماعية، حال ثبوت مخالفتها للقانون، وقد يرقى إلى صور من التحريض على الإفساد المجتمعي، بما يستوجب تطبيق القانون في إطارٍ من احترام ضمانات المحاكمة العادلة».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «مواجهة الجرائم المرتكبة عبر منصات التواصل الاجتماعي لم تعد تقتصر على العقوبات التقليدية السالبة للحرية، وإنما تتطلب تطوير السياسة العقابية لتشمل تدابير تتناسب مع طبيعة الجريمة الرقمية، مثل تمكين القضاء من الأمر بحجب أو إغلاق الحسابات المستخدمة في ارتكاب الجريمة، أو تقييد استخدامها لفترات محددة، وفرض قيود على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي أو الأجهزة الإلكترونية في الحالات التي يجيزها القانون».

وأكدت أن «المرحلة الحالية تستدعي أيضاً دراسة منح الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات اختصاصات أوسع في مجال الضبطية القضائية، وفق ضوابط قانونية ورقابة قضائية تكفل تحقيق التوازن بين حماية الحقوق والحريات العامة، وإنفاذ القانون والتصدي للجرائم الإلكترونية والمحتوى الضار».

القبض على بلوغر لنشر فيديوهات بملابس خادشة للحياء في مصر (وزارة الداخلية)

وتنتشر هذه الظاهرة بشكل مطرد، أخيراً؛ إذ نشرت وزارة الداخلية المصرية على صفحاتها بوسائل التواصل نحو 5 حالات توقيف «بلوغرز» في مناطق مختلفة خلال 24 ساعة، لرصد ارتكابهن مخالفات خادشة للحياء، من بينها قيام صانعة محتوى بنشر مقاطع فيديو على صفحاتها بمواقع التواصل الاجتماعي تتضمن قيامها بالرقص بملابس خادشة للحياء تتنافى مع القيم المجتمعية.

ويرى الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي محمد فتحي، أن «اقتصاد المنصات الرقمية القائم على المشاهدات والتفاعل قد يدفع بعض المؤثرين إلى تصعيد المحتوى المثير للجدل»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «يبقى التحدي أمام الجهات التنظيمية هو تحقيق توازن بين حماية المجتمع، وصون حرية التعبير، وتطبيق القانون على الجميع وفقاً للضوابط والإجراءات القضائية».

وقال فتحي إنه «يجب على صناع المحتوى أن يكون لديهم الوعي والدراية الكافيَين لعدم التعرض لمحتوى جدلي أو خارج إطار القانون المحلي الذي يبث فيه المؤثر محتواه، فما يكون مسموحاً في مجتمع قد لا يكون مسموحاً في غيره».