هادي يزبك يضمّد جراح بيروت بالريشة والألوان

معرض عن العاصمة هو الأول في مسيرة الرسّام اللبناني الممتدّة 4 عقود

لوحة العصفور وتمثال المغترب اللبناني بريشة هادي يزبك (الشرق الأوسط)
لوحة العصفور وتمثال المغترب اللبناني بريشة هادي يزبك (الشرق الأوسط)
TT

هادي يزبك يضمّد جراح بيروت بالريشة والألوان

لوحة العصفور وتمثال المغترب اللبناني بريشة هادي يزبك (الشرق الأوسط)
لوحة العصفور وتمثال المغترب اللبناني بريشة هادي يزبك (الشرق الأوسط)

يستريح طيرٌ على زجاج شبّاكٍ بيروتيّ مكسور، يراقب «تمثال المغترب» المواجه للمرفأ. يتساءل: «هل أفعل مثله وأحلّق خلف أسوار المدينة؟ أم أبقى هنا واقفاً فوق الحطام؟». هكذا يحاكي هادي يزبك عاصمته التي لم يَزُرها رسماً طوال 38 عاماً أمضاها في المجال.

تخصّص الفنان اللبناني في رسم القرية اللبنانية، وبعد 4 عقود قرّر النزول بريشتِه إلى المدينة. جال في أقضية البلد كلّها، حفظ جغرافيا القرى اللبنانية ببيوتها الحجريّة القديمة وقرميدها حيث أعشاش السنونو. «رسمتُ لبنان كلّه، بحفافيه، والطيّون، وقنّ الدجاج، وقطف الزيتون»، يخبر يزبك «الشرق الأوسط». أما اليوم فقد حان موعد أداء التحيّة لبيروت، ليس لأنها جريحة فحسب، بل لأنها قبل أي شيء، جميلة وتستحقّ أن تُرسَم لوحة.

الرسّام اللبناني هادي يزبك في مرسمه (الشرق الأوسط)

صحيح أنّ تفجير المرفأ في 4 أغسطس (آب) 2020 كان المحرّض الأساسيّ على تخصيص معرض هو الأوّل لبيروت في مسيرة الفنان، إلّا أنّ المناسبة لم تتحوّل إلى مَرثيّة واللوحات ليست بكائيّات. عشيّة افتتاح معرض «بيروت ثمّ بيروت» في متحف «بيت بيروت»، يسترجع يزبك الألم الذي أصابه بعد التفجير؛ «الظلم الذي تعرّضت له العاصمة آلمني، لكنه حفّزني على مداواة جراحها على طريقتي، بالريشة والألوان».

تطلّب اختمارُ الفكرة في رأسه 4 سنوات، وبين مَرسَم البيت والمرسَم الذي استحدثه في مكتب العمل، حضّر 20 لوحة خلال الأشهر الـ9 المنصرمة. فالرسّام «مختار» في بلدته، يتولّى متابعة معاملات السكّان الرسميّة. «تأخذ المخترة كثيراً من وقت الرسم، خصوصاً أنها التزامٌ معنويّ فقد ورثتُ خدمة الناس عن أبي وأجدادي. أنا أمثّل الجيل الرابع من سلالة مخاتير عمرُها 130 سنة»، يشرح يزبك.

معرض «بيروت ثم بيروت» في متحف «بيت بيروت» في 21 و22 يونيو

وبما أن الناس هي روحُ البلاد، فقد اختار يزبك من بيروت روحَها وليس الخراب، ولا ناطحات السحاب، ولا الأحياء الجديدة. هنا بائع الكعك وعربته الخشبيّة الخضراء أمام سينما «ريفولي» الأسطورية في ساحة الشهداء. وهناك الدكاكين الصغيرة في الأحياء المَنسيّة... «هذه هي بيروت التي أردتُ أن آخذ زوّار المعرض إليها. أدعوهم إلى ذكرياتي عن مدينةٍ أليفة لطالما قصدتُها طفلاً برفقة أمّي».

لوحة تجسّد بائع الكعك أمام سينما «ريفولي» في ساحة الشهداء (الشرق الأوسط)

رغم لوحات الحنين إلى بيروت «الزمن الجميل»، لا يغيّب يزبك ندوب المدينة عن المعرض. يستوقف الزائر بيانو محطّم على شرفةٍ مشلّعة، مطلّة على أهراءات القمح في مرفأ بيروت. هذه اللوحة هي الأقرب إلى توثيق تراجيديا الرابع من أغسطس. ثم تطلّ غيمةٌ محمّلةٌ بالغضب، تشبه كثيراً السحابة الثقيلة التي خلّفها التفجير. يوضح يزبك أنه مرّرَ بعض الرسائل عن الحادث الأليم، لكنه لم يحصر المعرض كلّه به.

لوحة تحاكي تفجير مرفأ بيروت في 4 أغسطس 2020 (الشرق الأوسط)

تتلاقى تدرّجات الألوان وتدرّجات المشاعر، من رماديّ الحزن وأحمر الغضب، إلى أزرق الأمل وأبيض السكينة. يحكي المعرض قصة صغيرة مترابطة عن بيروت بكل أمزجتها، وحالاتها، وأزمنتِها. يقول يزبك إنها «وجهة نظر جديدة وخاصة جداً عن المدينة. وثّقتُها بأسلوبي، ألَماً وفرحاً وذكريات».

تتنوّع اللوحات ما بين زيتيّة و«أكريليك»، أما الأسلوب فواقعيّ وليس تجريدياً، إذ ينتمي هادي يزبك إلى المدرسة الانطباعيّة. وحتى عندما تُلاعب ريشته التفاصيل، فهي تحافظ على هذا الهامش الواقعيّ الذي لا تستغربه العين.

صخرة الروشة التاريخية بريشة هادي يزبك (الشرق الأوسط)

يأخذ من صخرة الروشة الشهيرة جزءاً، فيُفرد ما تبقّى من مساحة على اللوحة للأفق الأزرق الممتدّ في الخلفيّة وللمياه التي تحتضن الصخرة منذ آلاف السنين. أما كورنيش المنارة، فيصوّره تحت المطر، من خلف زجاج سيّارة بلّلته القطرات. يُبقي هامشاً للمتلقّي كي يسرح في خياله. يستذكر ما قاله له مرةً الأديب اللبناني الراحل توفيق يوسف عوّاد: «أنت ترسم كما أكتب... تُبقي النافذة مواربة حتى يشغّل المتفرّج مخيّلته».

كورنيش المنارة تحت المطر (الشرق الأوسط)

تخصّص يزبك (67 عاماً) بالرسم في معهد الفنون في الجامعة اللبنانية في بيروت، ثم انتقل إلى كندا حيث درس النحت. نال نصيبَه من الغربة، فأمضى سنوات في كندا. فيها أقام أبرز معارضه، ثم حمل القرية اللبنانية إلى بلادٍ كثيرة من بينها فرنسا، والولايات المتحدة الأميركية، والإمارات، وقطر، ومصر. لكن لم يجد بديلاً للمستقَرّ عن لبنان؛ «يكفي أن تنظري إلى لوحاتي حتى تُدركي كم أنا مسكون بالبلد».

نموذج عن البيوت اللبنانية التقليدية التي أمضى يزبك 4 عقود في رسمها (الشرق الأوسط)

يتابع نشاطه في الخارج وهو يحاول أن ينقل هذا الحب إلى الجالية اللبنانية في الاغتراب. غالباً ما كانت النتيجة لحظاتٍ مؤثّرة لا يستطيع محوَها من ذاكرته. كما في ذاك المعرض في مدينة هاليفاكس الكنَديّة، حين تفاجأ مغتربٌ لبنانيّ بمنزل والده مرسوماً في إحدى اللوحات. يخبر يزبك كيف انهمرت الدموع من عينَي الرجل، وبدأ يشرح لأولاده عن البيت الحجريّ القديم الذي احتضنه طفلاً في إحدى قرى شمالي لبنان. ولا يقتصر الاهتمام بلوحات يزبك على أصحاب الجنسية اللبنانية، فالزوّار العرب يتفاعلون معها كذلك كما أنهم يسارعون إلى اقتنائها.

فور انتهائه من معرض «بيروت ثم بيروت»، يعود يزبك إلى مرسمه ليُعدّ مجموعة جديدة عن القرية اللبنانية. يحملُها إلى كندا في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، حيث يعرضها هناك بدعوة من السفير اللبناني. أما المواعيد مع بيروت فستتجدّد، إذ يؤكّد أنه يخطط لسلسلة معارض خاصة بالعاصمة.


مقالات ذات صلة

«الطاولة الثالثة»... ذوو الاحتياجات الخاصة في موقع صنَّاع الحوار

يوميات الشرق الحوار لا يحتاج إلى أكثر من مساحة تسمح له بأن يحدث (الطاولة الثالثة)

«الطاولة الثالثة»... ذوو الاحتياجات الخاصة في موقع صنَّاع الحوار

يقود الحلقات إلياس طوق وإليسا حريق فيُقدّمان نموذجاً مختلفاً لحضور ذوي الاحتياجات الخاصة في الإعلام.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق تقف ماريلين نعمان كما لو أنّ الزمن توقّف عند إيقاع آخر (صور الفنانة)

ماريلين نعمان... من زمن آخر

ضمن لقطة واحدة طويلة، تنتقل ماريلين نعمان بين حالات شعورية متعدّدة، بتركيز عالٍ يفرض إعادة التصوير من البداية عند أيّ خطأ...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق في سيتكوم «نص مصيبة» تتناول كلوديا مرشيليان قصصاً من الواقع اللبناني (حسابها الشخصي)

كلوديا مرشيليان لـ«الشرق الأوسط»: تجب إتاحة الفرصة أمام الوجوه الشابة

تؤكد كلوديا مرشيليان أنّ متابعة أكثر من عمل درامي خلال شهر رمضان أمر جميل، خصوصاً بعد جفاف نسبي خلال أشهر السنة...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق «قيمة عاطفية»... الفنّ لغة متأخّرة لما عجزت العائلة عن قوله (متروبوليس)

يواكيم تريير في بيروت... سينما التجربة البشرية في حالتها غير المُكتملة

أتاحت مشاهدة أفلام المخرج النرويجي يواكيم تريير في بيروت تلامساً مباشراً مع رؤية سينمائية تلمح في الإنسان كائناً غير مكتمل، يتشكّل عبر التردُّد والخسارة بقدر…

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق فتيات يحملن لوحات هبة الخطيب أمام الجمهور (ريبيرث بيروت)

«كما نحن موجودون»... حين تمشي اللوحة بدلاً من أن تُعلَّق

على طريقة عروض الأزياء، سارت مجموعة من الفتيات يحملن لوحات هبة الخطيب بدر الدين، أمام جمهور يجلس على مقاعده...

فيفيان حداد (بيروت)

مراهق أسترالي يسبح 4 ساعات في عرض البحر لإنقاذ عائلته

المراهق أوستن أبيلبي (اليمين) مع عائلته في كويندالوب غرب أستراليا (أ.ب)
المراهق أوستن أبيلبي (اليمين) مع عائلته في كويندالوب غرب أستراليا (أ.ب)
TT

مراهق أسترالي يسبح 4 ساعات في عرض البحر لإنقاذ عائلته

المراهق أوستن أبيلبي (اليمين) مع عائلته في كويندالوب غرب أستراليا (أ.ب)
المراهق أوستن أبيلبي (اليمين) مع عائلته في كويندالوب غرب أستراليا (أ.ب)

أشاد عناصر الإنقاذ الأستراليون بشجاعة فتى مراهق سبح لأربع ساعات وسط الأمواج قبالة سواحل أستراليا بحثاً عمّن ينقذ عائلته.

وقطع الفتى البالغ 13 عاماً مسافة أربعة كيلومترات سباحةً عائداً إلى الشاطئ ليطلب النجدة بعد أن سحبت الأمواج والدته وشقيقيه إلى عرض البحر خلال ممارستهم التجديف بقوارب الكاياك وركوب ألواح التجديف بالقرب من مدينة كويندالوب السياحية في غرب أستراليا.

وقال بول بريسلاند، وهو متطوع في فرق الإنقاذ البحري، إن سباحة المراهق التي استغرقت أربع ساعات أنقذت أفراد عائلته الذين عُثر عليهم متشبثين بلوح تجديف في عرض المحيط.

وتابع لشبكة «إيه بي سي»: «قال إنه سبح الساعتين الأوليين وهو يرتدي سترة نجاة»، مضيفاً: «اعتقد هذا الفتى الشجاع أنه لن ينجو وهو يرتدي سترة النجاة، فخلعها، وسبح الساعتين التاليتين من دونها».

وقال الشرطي جيمس برادلي لـ«إيه بي سي» إنّ تصرّف الصبي «لا يمكن الثناء عليه بما يفي حقه».

وأضاف: «إن عزيمته وشجاعته أنقذتا في النهاية حياة والدته وإخوته».


«معركة بعد أُخرى»… فيلم أندرسن يواصل حصد الجوائز

المخرج بول توماس أندرسن (وورنر برذرز)
المخرج بول توماس أندرسن (وورنر برذرز)
TT

«معركة بعد أُخرى»… فيلم أندرسن يواصل حصد الجوائز

المخرج بول توماس أندرسن (وورنر برذرز)
المخرج بول توماس أندرسن (وورنر برذرز)

بفوز «معركة بعد أُخرى» بأربع جوائز في حفل «لندن فيلم كريتيكس سيركل» الذي أُقيم في العاصمة البريطانية قبل يومين، يرتفع عدد الجوائز التي نالها هذا الفيلم المفاجئ على أكثر من صعيد إلى 205 جوائز.

ليست جميعها، بالطبع، جوائز رئيسية، لكنها متنوعة. فبعضها، مثل «أميركان سينماتك تربيوت» و«سينيفوريا أووردز» و«دانيش فيلم أووردز»، لا يكتسب أهمية كبرى إلا ضمن أطره الخاصة. لكن الفيلم حصد أيضاً عدداً وافراً من الجوائز الممنوحة من مؤسسات ومناسبات رئيسية، من بينها «غولدن غلوبز» (4 جوائز) و«ناشونال سوسيتي أوف فيلم كريتيكس أووردز»، إلى جانب جوائز عدَّة من جمعيات نقدية ذات وزن أعلى وتأثير أوسع.

وحالياً، يترقَّب الفيلم نتائج جوائز الأوسكار، إذ ينافس على 13 ترشيحاً، من بينها أفضل فيلم، وأفضل مخرج، وأفضل ممثل رئيسي، وأفضل تصوير، وأفضل سيناريو مقتبس، إضافة إلى جوائز «بافتا» وترشيحات الجمعيات المهنية، منها نقابات المصوّرين والمخرجين والممثلين.

المصدر الملائم

ما الذي يجعل «معركة بعد أخرى» يلتقط جائزة تلو أخرى بهذا الزخم الواسع والمتنوِّع داخل الولايات المتحدة وخارجها؟ هل لأنه مجرد فيلم متقن صنعة وتنفيذاً على المستويات التقنية كافة؟ أم لأن مخرجه بول توماس أندرسن قدَّم عملاً مختلفاً عن تلك التي تغزو شاشات السينما حول العالم (وقد جمع حتى الآن 208 ملايين دولار، مع توقّعات بارتفاع الرقم كونه ما زال معروضاً)؟

لا يمكن، في الواقع، اختزال الأمر في سبب واحد. نعم، الفيلم جيد في جميع نواحيه، من القصة والسيناريو إلى النتيجة النهائية المعروضة على الشاشة، مروراً بكل عناصره الأخرى من تمثيل وتصوير وإخراج، وحتى المقطوعات الغنائية المستخدمة. غير أن هناك مناخاً سياسياً قائماً جعل من رواية توماس بنشون المُعنوَنة «أرض العنب» (Vineland)، الصادرة عام 1990، والتي حظيت بمراجعات نقدية عدّة غلب عليها الثناء، مادةً دسمة لفيلم واسع الأحداث.

شون بن كما يبدو في «معركة بعد أُخرى» (وورنر برذرز)

والرواية، بدورها، مستمدّة من ثقافة ستينات القرن الماضي وما تلاها من مواقف سياسية حيال «النظام»، ومن نشوء الجماعات الثورية التي ناهضت عهدي ريتشارد نيكسون ورونالد ريغان، والتي أقدم بعضُها على عمليات مسلّحة قبل أن يتفكك عقدها في مطلع التسعينات.

أسباب نجاح

إنه أمر طبيعي أن يحظى فيلم أندرسن بالاهتمامين الشعبي والنقدي اللذين نالهما، تبعاً لما يرويه: حلمُ الثورة انتهى، لكن تبعاته ما زالت حاضرة، ممثَّلة بالثوري السابق بوب (ليوناردو دي كابريو)، الذي كان قد استكان إلى حياة من الكسل والإدمان قبل أن يكتشف أنه لا يزال على قائمة ملاحقة الحكومة. فراره من بين فكي كماشة الملاحقة يترافق مع محاولته إنقاذ ابنته من منظمة عنصرية تنتمي إلى «الدولة العميقة»، التي تفرض على العسكري السابق لوكجو (شون بن) القضاء على المجموعة المسماة «فرنش 75».

يُقدِم لوكجو على اعتقال الأفرو-أميركية برفيديا (تيانا تايلور)، ويجبرها على علاقة جنسية لمرة واحدة، ثم يستعين بها لاحقاً كمخبرة، قبل أن تهرب إلى المكسيك. وفي وقت لاحق، يبدأ الارتياب في كونه والد الفتاة الشابة ريللا (تشايس إنفينيتي)، فيشعر بالحرج، ويحاول قتلها حتى لا تجلب له «عاراً»، انسجاماً مع عنصريته والتزامه بتعاليم المجموعة التي ينتمي إليها.

هنا يبلور المخرج أندرسن سباقاً محتدماً بين بوب الساعي إلى إنقاذ الفتاة، ولوكجو المصمِّم على قتلها، قرب نهاية الفيلم.

أما التبعات الحاضرة فهي سياسية بامتياز، وتتجلى في وضع الولايات المتحدة تحت هيمنة قرارات رئاسية تشمل، من بين أمور أخرى، انعطافة نحو اليمين الأقصى في قضايا الهجرة، والانفراد بصنع القرار، ومحاكمة وسائل الإعلام، وصولاً إلى طرد محرريها أو مذيعيها إذا ما انتقدوا النموذج القائم.

ليوناردو دي كابريو وتشايس إنفينيتي (وورنر برذرز)

في هذا السياق، يجد «معركة بعد أُخرى» البيئة السياسية الداخلية المناسبة له، وهو أحد أسباب نجاحه في جذب جمهور ناضج، ونيل جوائز من وسائل ومؤسسات إعلامية وتجمّعات نقدية. غير أن ذلك ليس السبب الوحيد، على أهميته؛ فالفيلم يستحق فنياً ما حصده من إقبال وثناء، وإلا لما تجاوز كونه فيلم «أكشن» تقليدياً، شبيهاً بكثير من الأعمال التي تقوم حبكتها على عميل سابق للحكومة يواجه محاولات اغتيال من المؤسسات التي كان ينتمي إليها.

فيلم باتجاهين

تحويل الفيلم أو التعامل معه كفيلم «أكشن» فقط، أمر مستبعد تماماً تحت إدارة مخرج مثل بول توماس أندرسن، الذي جعل من كل فيلم سابق له، منذ أفلامه الأولى مثل «ماغنوليا» و«بوغي نايتس» تجربة تتجاوز مجرد الحكاية. ففي «سيكون هناك دم» (There Will Be Blood، 2007) ظهرت بوادر تطوُّر مهم نحو تكوين مدرسة وأسلوب عمل، وهو ما استمر في أفلامه اللاحقة من «ذا ماستر» (2012) إلى هذا الفيلم.

لا عجب، إذن، أن هناك قاعدة كبيرة من معجبي أندرسن تتابع أعماله كلَّما عُرضت على الشاشات الكبيرة، وهو سبب رئيسي آخر لفهم النجاح الذي حققه الفيلم ومخرجه على صعيدي الجوائز والجمهور.

ما يميّز الفيلم، إلى جانب فرادة أسلوب مخرجه، هو المعالجة المختلفة لكل حقل فني في هذه الدراما التي يتولى سردها. فقد تخلَّص من قيود الرواية ودمج أحداثها المتفرقة في نحو 3 ساعات، مع إضافة عناصر من ابتكاره الخاص. والجديد مقارنة بأعماله السابقة هو توجيهه نحو الجمهور السائد في كل «كادر» من مشاهده، مع الحفاظ على فردية الأسلوب وشروط عمله الفنية كاملة.

هو فيلم «أكشن» بكل ما يختصُّ بهذا النوع من مطاردات وانفجارات ومعارك، لكنه في الوقت نفسه مشحون بالعاطفة الإنسانية، والمُشاهد يصدِّق كلتا الناحيتين على قدم المساواة.

إنه فيلم باتجاهين تماماً، مثل المشاهد الأخيرة، حين تتواجه سيارتان على طريق ريفي متعرج في اتجاهين متعاكسين، حول مبدأين سياسيين مختلفين وموقعين أخلاقيين متناقضين: أولهما يمثل بوب، وثانيهما لوكجو.

الفيلم لا يقدّم خلفية للشخصيات كبداية، ولا تمهيداً لسرد مسببات أو تفسير مبررات؛ بل ينطلق مباشرة إلى مشاهد معركة اليسار (الثوار) ضد اليمين (الحكومة). وهذا يجعل موقف الفيلم منذ لحظاته الأولى واضحاً أمام الجمهور الأميركي، لأن أحداثه تقع في الماضي، لكنها تعكس الحاضر وتصب فيه. بوب ضد الفاشية، ولوكجو فاشي بامتياز. كلاهما مهزوم على نوع مختلف، بينما يتواجهان فكرياً ثم مشهدياً كمحاربين، وما يجمعهما أيضاً ماضيهما، كل في أتون تجربته. وما يسعيان إليه هو إنقاذ أو قتل فتاة تمثل رمزَ المستقبل.

خلاصة تاريخية

في نهاية المطاف، تبقى مهمة الفيلم غير مكتملة حتى النهاية، عملية لم تُنجز توارت تحت غبار الأيام إلى أن عادت إليها الحياة من جديد. هي تعبير عن ثورات الستينات الشبابية، التي اندلعت من اليابان إلى أوروبا، مروراً بالقارة الأميركية. حساب مفتوح أو «Unfinished Business» تتداوله المتغيرات، ومن بينها أن بطل الفيلم بوب أصبح أباً، والأبوة تفرض عليه مسؤولية أخلاقية، تتمثل في إنقاذ ابنته ممن يسعى إلى قتلها.

بهذه الطريقة، تأتي النهاية تحصيلاً لكل ما سبقها، إنما بتعددات ومستويات أكثر مما توفره الأفلام العادية في مثل هذه المواجهات والمبارزات النهائية. ويزداد تميزها لأنها ملحمة تنتقل بين السنوات والأعمار على حد سواء. بعد هذه التحولات، يشبه تحول المخرج: من شخص مولع بالثقافات الشبابية إلى آخر أكثر رصانة، كما هو الحال في «سيكون هناك دم» و«ذا ماستر» و«خيط شبحي».

لا يُدين أندرسن ثورات الأمس، بل يرى أن أسبابها لا تزال حاضرة، ويعترف بأن الزمن يعيد هذه الأسباب، غير أن بطله بوب أصبح أكبر سناً من اللجوء إليها. لقد تحوّل أندرسن اليوم إلى أب لأولاد، إلى تقدير جديد للحياة تحت أي ظرف. الماضي حاضر في الحاضر، والحاضر طريق نحو الغد.


المتحف المصري بالتحرير يبرز نسيجاً جنائزياً نادراً

من القطع النادرة للنسيج الجنائزي بالمتحف المصري (المتحف المصري)
من القطع النادرة للنسيج الجنائزي بالمتحف المصري (المتحف المصري)
TT

المتحف المصري بالتحرير يبرز نسيجاً جنائزياً نادراً

من القطع النادرة للنسيج الجنائزي بالمتحف المصري (المتحف المصري)
من القطع النادرة للنسيج الجنائزي بالمتحف المصري (المتحف المصري)

من خلال قطعة أثرية استثنائية تجسد تلاقي الفن الجنائزي، والعقيدة المصرية القديمة في العصور المتأخرة، ​يعرض المتحف المصري بالقاهرة نسيجاً جنائزياً نادراً استُخرج من مقبرة «باك إن رنف» بمنطقة سقارة في الجيزة.

​ويضم النسيج الأثري تكويناً فنياً دقيقاً يتوسطه الإله أوزوريس (رمز البعث والخلود)، يحيط به ثعبان على أنه رمز للحماية الكونية. وعلى جانبيه، تظهر الربتان إيزيس ونفتيس في وضعية الحماية المعتادة، مما يعكس استمرارية الطقوس الجنائزية المصرية، وتطورها الفني خلال تلك الحقبة، وفق بيان للمتحف، الاثنين.

وبالكشف عن نسيج جنائزي نادر مستخرج من مقبرة «باك إن رِنِف» بمنطقة سقارة، يضيف المتحف المصري بالتحرير صفحة جديدة إلى سجل عرض التراث المادي الدقيق لمصر القديمة، ويعيد تسليط الضوء على عناصر كثيراً ما ظلت في الهامش لصالح القطع الحجرية، والمعدنية. وفق حديث المتخصّصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الدكتورة دينا سليمان، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن «النسيج الجنائزي ليس مجرد بقايا مادية، بل وثيقة ثقافية تحمل دلالات دينية، واجتماعية، وتقنية، تعكس مكانة المتوفى، وطقوس العبور إلى العالم الآخر، إضافة إلى مستوى التطور في صناعة النسيج، وأساليب الصباغة، والحياكة».

وعدّت أهمية هذا العرض أنها تكمن في ربطه بين سياق الاكتشاف الأثري في سقارة، ووظيفة المتحف باعتباره مؤسسة علمية، وتنويرية، تُبرز القطعة داخل إطارها الزمني، والطقسي، لا بوصفها أثراً معزولاً.

وقالت إن «إبراز هذا النسيج الجنائزي النادر يعكس توجهاً متقدماً في الخطاب المتحفي المصري، يقوم على قراءة شمولية للتراث، ويمنح الجمهور -المتخصص وغير المتخصص- فرصة لفهم أعمق للحياة اليومية، والمعتقدات الجنائزية في مصر القديمة، بعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل الحضارة في التماثيل، والعمارة فقط».

يضم المتحف آثاراً من عهد بناة الأهرامات (المتحف المصري)

​وتعكس هذه القطعة مهارة النساج المصري في دمج الرموز الدينية التقليدية مع المؤثرات الفنية للقرن الثاني الميلادي، مما يجعلها مرجعاً مهماً لدراسة تطور النسيج في مصر القديمة، وهي كتان ملون بتقنيات صباغة متقدمة من حفائر بعثة «إددا بريشياني» التابعة لجامعة بيزا الإيطالية في سقارة.

ويوضح المتخصص في المصريات، والفن المصري القديم، الدكتور عمر المعتز بالله، أن «اللغة الطقسية المصرية تعد كلاً من القيام (رس) والتحول إلى (آخ) فعلين ضروريين مرتبطين ببعضهما البعض، أي إن التلفظ بهما يُحدث تغييراً وجودياً معيناً للمتوفى. ومن ثم فإن البعث يفهم باعتباره ارتقاء من حالة الموت الساكن إلى حالة وجود ممكنة قادرة على الاستمرار، والفعل في العالم الآخر».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «يشكل هذا المبدأ النصي الأساس اللاهوتي لتوسط صورة أوزيريس في المنسوجات الجنائزية، مثل القطعة القادمة من سقارة. فـأوزيريس لا يصور هنا باعتباره كياناً مقدساً لدى المصري القديم فحسب، بل بوصفه النموذج الكوني للحياة المستعادة الذي يتماهى معه المتوفى طقسياً».

ويعدّ المتحف المصري بميدان التحرير (وسط القاهرة) أقدم متحف أثري في الشرق الأوسط، وفق وزارة السياحة والآثار المصرية، ويضم مجموعة من التماثيل، والقطع الأثرية لملوك عصر بناة الأهرامات، والمجموعة الجنائزية ليويا وتويا الملك جدي الملك أخناتون، وكنوز تانيس، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من مومياوات الحيوانات، وأيضاً ورق البردي، والتوابيت، والحلي من مختلف العصور.

وقال الخبير الآثاري، والمتخصص في علم المصريات، أحمد عامر، إن «المتحف المصري بالتحرير يسعى في الفترة الحالية لتسليط الضوء على قطع أثرية فريدة، وتوابيت جنائزية يتم عرضها لأول مرة لزائريه لترسيخ مكانته في العرض المتحفي»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه القطعة الأثرية الاستثنائية تحمل العديد من الرموز، والدلالات التي تؤكد عظمة الديانة المصرية القديمة، وتبرز مكانة الفكر الديني في الحضارة المصرية القديمة، والعقيدة التي كانت موجودة في تلك الفترة، ومدى حرص المصري القديم على حياته في العالم الآخر».

وخلال الأسبوع الماضي، قدم المتحف تجربة عرض استثنائية تحت عنوان: «الخبيئة: كنوز خفية»، تسلط الضوء على أسرار الدفن في مصر القديمة، عبر مجموعة مختارة من التوابيت المبهرة، من بينها 15 تابوتاً تعرض لأول مرة أمام الجمهور، من ثلاث خبيئات ملكية وكهنوتية تم اكتشافها في القرن التاسع عشر.