«كولدبلاي» في أثينا... مهرجانُ ألوانٍ وحبّ وسلامٌ لفلسطين

الفريق البريطاني يغنّي للمرة الأولى في العاصمة اليونانية أمام عشرات الآلاف

أحيا فريق كولدبلاي البريطاني حفلَين ضخمَين في العاصمة اليونانية أثينا (إكس)
أحيا فريق كولدبلاي البريطاني حفلَين ضخمَين في العاصمة اليونانية أثينا (إكس)
TT

«كولدبلاي» في أثينا... مهرجانُ ألوانٍ وحبّ وسلامٌ لفلسطين

أحيا فريق كولدبلاي البريطاني حفلَين ضخمَين في العاصمة اليونانية أثينا (إكس)
أحيا فريق كولدبلاي البريطاني حفلَين ضخمَين في العاصمة اليونانية أثينا (إكس)

«ويكند» حارّ شهدته أثينا التي كانت على موعد مع زحفٍ بشري قلّما رأت له مثيلاً، إلّا خلال الأحداث الرياضية العالمية. من كل أصقاع الأرض، لا سيّما من الدول العربية، ووسط درجات حرارة فاقت معدّلاتها الموسميّة، وفدَ جمهور «كولدبلاي» Coldplay إلى العاصمة اليونانية لمتابعة حفل فريقه الموسيقي المفضّل.

في ملعب أثينا الأولمبيّ، كان الموعد المُنتظر الذي سبق أن أعلن عنه الفريق الموسيقي البريطاني العام الماضي وبيعت بطاقاته خلال ساعات.

أمام نحو 70 ألف شخص ملأوا المدرّجات جلوساً وأكثر من 10 آلاف وقوفاً في أرض الملعب، قدّم كريس مارتن أشهر أغاني الفريق برفقة زملائه جوني بكلاند وغاي بيريمان على الغيتار، وويل تشامبيون على الإيقاعات.

فاق الحضور في ملعب أثينا الأولمبي الـ80 ألف شخص (إنستغرام)

أمطارٌ من الطابات

موسيقياً، أثبتَ فريق «كولدبلاي» أنه استثنائي، فالعرضُ متواصل منذ عام 1997 في مسيرة خالية من الشوائب الفنية، وحافلة بالإنجازات والجوائز. أما الحفلات فدليل آخر على ضخامة الفرقة وتليق بها تسمية «مهرجان من الألوان».

من لحظة وضع الأساور المضيئة في المعاصم، حتى لحظة إطلاق المفرقعات اختتاماً للحفل، مروراً بهبوط الطابات الضخمة الملوّنة فوق الرؤوس، يجد الجمهور نفسه أمام احتفاليّة من الألوان والفرح تمتدّ أكثر من ساعتَين.

تتفوّق جولة كولدبلاي العالميّة لناحية المؤثّرات الخاصة والتفاعل مع الجمهور (إكس)

هو فرحٌ متعمّد يحتفي به كريس مارتن غناءً وكلاماً، كما حين يعبّر، بين أغنية وأخرى، عن مدى سروره باحتشاد عشرات آلاف الأشخاص في مكانٍ واحد وفي اللحظة ذاتها، وكأنهم قلبٌ واحد ينبض بلغة واحدة، لغة الحب.

يأخذ المغنّي فَواصلَ ليطمئنّ إلى الحضور: «هل أنتم بخير؟». يتوجّه إلى مَن وقفوا في الصفوف الخلفيّة: «أنا أراكم». وقد حرص الفريق بالتعاون مع الجهات المنظّمة على اتّخاذ تدابير احترازيّة في مواجهة موجة الحرّ، طالبين من الجمهور عدم الوصول باكراً إلى الملعب، واستعمال الكريم الواقي من الشمس وارتداء القبّعات، كما جرى توزيع عبوات المياه عليهم.

مغنّي فريق كولدبلاي كريس مارتن على المسرح في أثينا (إكس)

«كاليسبيرا»

يهتمّ كريس مارتن بعشّاق «كولدبلاي»، يبادلهم الحب. يرحّب بهم باليونانية: «كاليسبيرا» (مساء الخير). يقرأ بصوتٍ مرتفع ما كتبوا على اللافتات المرفوعة، ويشكرهم لأنهم أتوا من أماكن بعيدة. يختار فتاتَين من بين الحضور ويطلب منهما الصعود إلى المسرح، ويدعوهما للجلوس قربه إلى البيانو، ويطرح عليهما الأسئلة للتعارف، ثمّ يطلب منهما الغناء معه. باختصار، يحقّق لهما حلم العمر.

يسير التبادل الإنساني في حفل كولدبلاي بالتوازي مع الموسيقى الجميلة. مسارٌ يزدان بالألعاب الضوئيّة وبالمؤثّرات الخاصة الملوّنة، وبمزيدٍ من الطابات التي تحلّق فوق رؤوس الجمهور. معظمها على هيئة كرة أرضيّة، فعنوان جولة الفريق العالمية هو «موسيقى الكُرات» (Music of the Spheres)، أما الرسالة من ذلك فهي التوحّد حول الحب، مهما تباعدت الكواكب أو اشتدّت الحروب، ومهما اختلفت المعتقدات والأجناس والأعراق.

حضر الحفل رئيس الحكومة اليونانية كرياكوس ميتسوتاكيس وزعيم المعارضة ستيفانوس كاسيلاكيس، ولعلّ هذا من بين ما أوحى لمارتن بالعبارة التالية: «يبدو أنّ الموسيقى وحدها قادرة على تجاوز الانقسامات وتقريب المسافات بين الناس». وخلال توجيهه التحية إلى البلدان الممثّلة وسط الجمهور، تعمّدَ مارتن تسمية فلسطين وإسرائيل. تكرّر الأمر عندما أخذ فاصلاً جديداً مع الحبّ، طالباً من الجمهور رفع أيديهم وإرسال كل ما في قلوبهم من مشاعر إيجابية إلى أي مكانٍ يختارونه من هذا العالم: «لأنّ العالم بحاجة إلى الحب، أرسِلوا كل ما أوتيتم منه في هذه اللحظة إلى نيويورك، وبوينس أيرس، وطوكيو، وفلسطين، ولندن أو أي مكان تختارونه على هذه الكرة الأرضيّة».

على إيقاع الحب سار حفل كولدبلاي في أثينا (إكس)

ديو مع دمية

ترتفع الهتافات عندما تنطفئ الأنوار ويظنّ الجمهور أن الحفل انتهى، ليتّضح أنّ مارتن والفريق انتقلوا من المسرح الأساسي إلى واحدٍ أصغر حجماً جرى تجهيزه في الناحية الثانية من الملعب، كي يتسنّى لمَن لم يستطيعوا أن يشاهدوا كولدبلاي عن قُرب، أن يفعلوا.

وهنا محطّة جديدة من التواصل المباشر مع الجمهور، إذ يطلب مارتن من الكاميرا التنقّل بين وجوه الحاضرين لتتوقّف عند وجهٍ يختاره، ويظهر على الشاشات الضخمة المرفوعة في الملعب. يستوحي المغنّي من ملامح الشخص أو سنّه أو هندامه كلماتٍ ويرتجل له أغنية، في لحظة لا تخلو من المواقف الطريفة والمؤثّرة. يغنّي لطفلٍ رفعه والده على كتفَيه، شاكراً إيّاه على تكبّد عناء السهَر. ثم ينتقل إلى ثنائي ويؤلّف لهما مقطعاً رومانسياً.

كريس مارتن وزملاؤه في الفريق جوني بكلاند وغاي بيريمان وويل تشامبيون (إكس)

هكذا يحادثُ كولدبلاي جمهوره. يحرّك الحواسّ كلّها، وينوّع ما بين أغانٍ جديدة مثل «Higher Power»، و«My Universe»، وكلاسيكيّاتٍ صنعت مجد الفريق وعشقَها جمهوره مثل «A Sky Full of Stars»، و«Something Just Like This»، و«Paradise»، و«Yellow»، وغيرها الكثير.

يستعين الفريق بأكسسوارات كثيرة على المسرح، فيتنكّر عناصره بأقنعة كائنات فضائيّة تجسيداً لمبدأ المساواة بين الجميع الذي يدافع عنه الفريق. في الإطار ذاته، تطلّ على المسرح دمية مغنّية لتشارك مارتن أداء «Biutyful». أما ألعاب الليزر فتبدو وكأنّها أمطارٌ من الأنوار التي لا تتوقّف عن الانهمار، طيلة مدّة العرض الموسيقي.

كريس مارتن وديو أغنية Biutyful مع الدمية (إنستغرام)

فريق صديق للبيئة

في حفل كولدبلاي في أثينا، كما في حفلات الفريق كلّها، تترافق الطاقة البشريّة وطاقة كهربائية هائلة. إلّا أنّ هذا لا يعني أنّ الفريق يستهلك الوسائل التقليديّة في توليد الطاقة. فهذه الجولة العالميّة المتواصلة منذ عام 2022، واكبها إعلان عن إجراءات متّخذة خلال الحفلات تراعي متطلّبات الاستدامة.

انطلاقاً من وعيه البيئيّ، قرر الفريق الموسيقي البريطاني الأشهر في القرن الـ21، أن يستخدم الألواح الشمسيّة وبطّارية قابلة للتفكيك وإعادة الشحن كبديلٍ عن مولّدات الديزل. وقد شارك الحضور بتوليد الطاقة بأنفسهم، بمجرّد الرقص والحركة على أرضيّة تعمل بالطاقة الحركيّة، فيما كان بعضهم يولّدون الطاقة للحفل بمجرّد ركوبهم على دراجاتٍ وُضعت خصّيصاً في المكان. وتُضاف إلى قائمة تدابير كولدبلاي الصديقة للبيئة، إعادة تدوير الأساور المضيئة التي يُعاد جمعها من الجمهور بعد الحفل، والاستعانة بقصاصات الـ«كونفيتي» الورقيّة القابلة للتحلّل.

يعتمد فريق كولدبلاي في كل حفلاته على وسائل بديلة لتوليد الطاقة حفاظاً على البيئة (إكس)

وكان فريق كولدبلاي قد افتتح زيارته الأولى إلى أثينا حيث أحيا حفلَين، بغرس عددٍ من الأشجار في المدينة. كما أعلن أنه نجح في تخفيض الانبعاثات الكربونيّة المرتبطة بحفلاته، بنسبة 59 في المائة، مقارنة مع الجولة العالمية السابقة.


مقالات ذات صلة

أحمد سعد لـ«الشرق الأوسط»: سأُحدث ثورة في عالم الألبومات

الوتر السادس أحمد سعد لـ«الشرق الأوسط»: سأُحدث ثورة في عالم الألبومات

أحمد سعد لـ«الشرق الأوسط»: سأُحدث ثورة في عالم الألبومات

قال الفنان المصري أحمد سعد إنه يركز في الفترة المقبلة على إحداث ثورة في عالم الألبومات الغنائية، بإطلاق عدد من الألبومات والأشكال الغنائية المختلفة.

محمود إبراهيم (القاهرة)
الوتر السادس آري جان سرحان لـ«الشرق الأوسط»: بين التراث والحداثة أصنع هويتي

آري جان سرحان لـ«الشرق الأوسط»: بين التراث والحداثة أصنع هويتي

تتعدّد مواهب الفنان السوري آري جان سرحان، إذ يجمع بين التمثيل والغناء والتلحين. غير أنّ نجمه سطع في عالم التأليف الموسيقي، فحجز لنفسه مكانة بين الفنانين.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق سيلين ديون تُصدر أغنية جديدة بعد 7 سنوات على آخر ألبوماتها (حساب الفنانة على إكس)

سيلين ديون ترقص فوق الهاوية والقمم وتنتشل جان جاك غولدمان من عُزلته

أغنية جديدة للفنانة الكنَديّة بعنوان «هيّا نرقص»، استعداداً لعودتها الجماهيريّة في الخريف المقبل ضمن مجموعة حفلات في باريس.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق عمرو دياب (حسابه على إنستغرام)

الألبومات الغنائية لفرض نفسها في موسم الصيف بمصر

تشهد سوق الأغنية المصرية انتعاشاً لافتاً خلال موسم الصيف المقبل، في ظل استعداد عدد كبير من نجوم الغناء لطرح أعمالهم الغنائية الجديدة.

محمود إبراهيم (القاهرة)
يوميات الشرق يضيق العالم فتصبح الموسيقى اتّساعاً داخلياً (صور الفنانة)

مايا واكد والموسيقى التي تُمسك بالجرح كي لا ينزف

الفنّ كما تصفه يقترب من الجرح، يلمسه ويفتحه أحياناً كي ينظّفه من الداخل...

فاطمة عبد الله (بيروت)

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.