في استديو الفنانة السعودية دانية الصالح ... نساء وذكاء اصطناعي وأغنيات حب

حديث حول الفن والمجتمع والتكنولوجيا

دانية الصالح في الاستوديو (الفنانة)
دانية الصالح في الاستوديو (الفنانة)
TT

في استديو الفنانة السعودية دانية الصالح ... نساء وذكاء اصطناعي وأغنيات حب

دانية الصالح في الاستوديو (الفنانة)
دانية الصالح في الاستوديو (الفنانة)

تجلس الفنانة السعودية دانية الصالح في الاستوديو الخاص بها في «أثر غاليري» بمبنى حي جميل بجدة، منكبَّةً على عملها ومحاطة بأعمال معرضها الأخير. ترحب بالزائر العابر للاستوديو، وتشرح لمن يريد الاستفسار عن أعمالها. للفنانة شعائر عمل ومكملات «مزاجية» تتمثل في القهوة العربية التي تقدم لي منها قدحاً نُطلق على أبخرته العبقة برائحة الهيل حديثاً طويلاً يمر على محطات مسيرتها الفنية وأعمالها الموجودة حولنا في الاستوديو.

تتحدث دانية الصالح عن بداياتها في الفن عبر الرسم ثم دخولها عوالم التقنية والذكاء الاصطناعي. النقلة حدثت، كما تقول، بعد مرحلة الماجستير (حصلت على ماجستير في الفنون الحاسوبية من كلية غولد سميث في عام 2020): «بدأتُ بدمج التقنيات في أعمالي وتطعيم الأعمال بالتكنولوجيا، وربما ساعد ذلك في التعريف بأعمالي على نحو أوسع».

لم تبتعد عن الرسم كما عرفته، ولكنها قررت الاستفادة منه عبر الذكاء الاصطناعي: «مرت عليَّ فترة كنت أنفذ فيها رسوماً تعتمد على أشخاص مزيفين، أو حسب المصطلح فهي أعمال تعتمد التزييف العميق (بالإنجليزية: Deepfake)». رؤيتها لنظرية التزييف العميق تتيح لنا معرفة المزيد حول طريقتها في العمل، تُرجع الأسلوب لمفهوم فلسفي «المحاكاة»: «تعتمد على تصوير نسخة عن نسخة عن نسخة من الأصل حتى نصل إلى مرحلة تصديق النسخ ونسيان الأصل، ونبدأ بالتعامل مع النسخ ونسيان مُنشئها».

عمل بعنوان «36» للفنانة دانية الصالح (الفنانة)

تشرح خطوات عملها في تكوين البورتريه «المزيف» «بعد تكوين صور الأشخاص الزائفين أرسم لوحات شخصية لهم ثم بعد ذلك أحوِّلها على لوحات القماش، وأستخدم ألوان الأكريليك لتلوين الخلفيات... أعتقد أني بهذا الشكل أتلاعب بالإدراك البشري، وأطلب من الناظر ألا يأخذ الأمور على ظواهرها. باختصار هذا ما أقوم به، وأسمّيه التكييف الاجتماعي. «أغنيات الحب والذكريات، ما رد فعل المشاهد هنا؟ هل يستقبل المتلقي ذلك التلاعب الموجَّه نحو إحساسه وإدراكه لما يرى أمامه؟»، تصف ردود الفعل بـ«المثيرة جداً والمهمة»، وتضرب المثل بعمل لها عُرض ضمن فعاليات «نور الرياض» في عام 2022. حمل عنوان «قصص الحب»، تقول: «من أقوى ردود الفعل على أعمالي كانت حول عملي في (نور الرياض)». العمل الذي عُرض في مساحة عامة في وسط مدينة الرياض خلط بين المعروف وغير المعروف، بين الحقيقي والمزيف، ولكن الرابط بين كل هذه العناصر كان حقيقياً، وتَمثل في مقاطع من أشهر أغاني الحب العربية. «كل ما فعلته كان استكشاف التعبير العلني عن أحاسيس الحب». في الواقع العربي تعد قصائد الغرام والأغاني العاطفية من أساسيات الثقافة الاجتماعية، ولكن هناك دائماً الحواجز التي تجعل التعبير العلني عن العاطفة على نحو فردي أمراً محفوفا بالمحاذير، «نحتفل بأغاني الحب والغرام وبالقصائد العاطفية، ولكن في الواقع يدخل الأمر في حيز (التابو) عند كثير من الناس، وتتحول الأحاسيس المسموح بها في الغناء والفن إلى أمر حساس إذا دخل إلى حيز العائلات».

«قصص الحب 2022» لدانية الصالح خلال عرضه في «نور الرياض» (تصوير: نيك جاكسون)

تعمد دانية الصالح إلى طريقة مبتكرة للتعامل مع موضوعها: «كل ما فعلته هو اختيار عدد من أغنيات الحب الشهيرة في منطقة الشرق الأوسط، من أم كلثوم إلى عبد المجيد عبد الله وأحلام وغيرهم، ثم كوَّنت 26 شخصية مزيفة عبر الذكاء الاصطناعي، 13 رجلاً و13 امرأة بملامح عربية في إطارات كبيرة وُضِعت في مساحة عامة بعضها بمواجهة بعض، حيث يبدأ الرجل بالغناء بينما تنظر إليه المرأة في الإطار المقابل، وما إن ينتهي حتى تنطلق المرأة في غناء أغنية أخرى وهكذا».

ردة الفعل كانت مثيرة جداً، التقطت عبرها تأثير تلك اللوحات في إثارة مشاعر متباينة لدى أفراد الجمهور: «بعض الناس كانوا يتوقفون أمام العمل، آخرون كان يتساءلون عمّا يحدث أمامهم، وكثيرون استفسروا عن هوية المغنين. أوقفني أحدهم ليقول لي إن الأغنيات أثارت داخله حنيناً إلى الماضي، حكى لي قصة لقائه زوجته. شباب آخرون كان يسألون عن وجود الحب الحقيقي.

قالت لي سيدة كبيرة: هذا الكلام غير موجود الآن». العمل فتح موضوعات كثيرة للنقاش، وأُعده من أكثر الأعمال التي نجحت في الوصول للمتلقي. «هل ترى أن التأثير كان سيكون بنفس القوة إذا كنت استخدمت صوراً للمغنين الأصليين؟» ترى أن استخدام الشخصيات «المزيفة» نجح أكثر في التواصل مع الجمهور، من المحتمل أنهم رأوا في تلك الشخصيات انعكاساً لأنفسهم أو أنهم «أفاتار» فكل شخص وضع نفسه مكان الشخص المغني. لا تداعب دانية الصالح الذكريات لمجرد إشباع الإحساس بالحنين إلى الماضي، بل هي تجرِّدها من كثير من صفاتها، فالأغاني الشهيرة نراها من خلال أشخاص صنعتهم التقنية المتقدمة، وبذلك ينتفي الرابط مع جانب كبير من الذكرى.

تلجأ إلى تركيب شخصية مختلفة لا تربطها بالمشاهد أي ذكرى أو حنين مشترك، بهذه الطريقة تحرر المُشاهِد من بعض رواسب قديمة، وتتركه ليكوّن روابط جديدة مع أغنية تعود من عمق الذكريات في هيئة يستطيع قولبتها حسب خياله وتفاعله. الماضي عبر الذكاء الاصطناعي يبدو في استدعاء مشاهد الماضي ومعاملتها بطريقة عصرية وملامح أسلوب فني خاص اعتمدته الفنانة، وهو ما تفعله في عمل آخر استخدمت فيه لقطات من أفلام العصر الذهبي للسينما المصرية. تقول إنَّ العمل كان يتعامل مع مفهوم «الاختفاء»، وتضيف: «شاهدت الكثير منها، وبدأتُ بتجميع لقطات تدور حول 15 تيمة محددة تتكرر في الأفلام القديمة منها على سبيل المثال اجتماع العائلة على مائدة الإفطار، واللقطات المقربة على الوجوه، ولقطات في السيارة، ومشاهد رنين الهاتف القديم، وغيرها من الثيمات المتكررة». تقول: «قمت بجمعها، ومرَّنت أدوات الذكاء الاصطناعي على اللقطات والمقاطع التي جمعتها من تلك الأفلام، لتكوين صور مشابهة للأصل، أردتها أن تبدو مضبَّبة ومشوَّشة». من تلك اللقطات الخاطفة كوَّنت الفنانة مقاطع تجتمع في تيمة محددة: «عندما نرى المقاطع نرى كل الذكريات من الطفولة (عبر مشاهدة الأفلام) مختزلة في 10 دقائق مركَّزة تعرض لنا تيمة فأخرى، وهكذا، في تلاعب إلكتروني بالشعور والإحساس بالحنين».

«قصص الحب 2022» لدانية الصالح خلال عرضه في «نور الرياض» (تصوير: نيك جاكسون)

ردود فعل المشاهدين اختلفت حسب الشريحة العمرية، فالجيل الأكبر الذي نشأ على مشاهدة تلك الأفلام على التلفزيون اختلف في تعامله مع المقاطع بخلاف الجيل الأصغر الذي لم تكن له ذكريات معها. لمن مثَّلت الأفلام جزءاً من تكوينهم العاطفي والثقافي كانت تلك الأفلام تحمل واقعاً منفصلاً عن الحياة اليومية: «كنا نرى قصص الحب وأوقات السهر والمرح والأبطال المحببين، كل ذلك من مسافة، كان مسموحاً لنا بالتفرج، ولكن الواقع الاجتماعي لم يكن يسمح بالتقليد». مرة أخرى تتحدث الفنانة عن «التكييف الاجتماعي»، وعن استكشاف الأفكار التي كوَّنت ذاكرة أجيال وطريقة تعامل المجتمع معها. نفس الأمر الذي طرحته في تقديم أغاني الحب، وترى أن العملين مرتبطان: «نحن نردد الأغاني، ونحفظ قصائد الحب، ولكن في الحقيقة هذا ليس هو واقعنا، نفس الشيء في الأفلام، ربما كانت متنفساً للمشاعر وليست بالضرورة أن تكون حقيقة للمشاهد. هذا ما أحب في فكرة التكييف الاجتماعي، كيف أننا متكيفون مع النظر إلى شيء بطريقة محددة مع الأفلام أو الأغاني وغيرها».

ارتداء الأقنعة

الشخصيات في أعمالها لها ملامح تُشبهنا، ولكنها لأشخاص غير واقعيين، بعض الأعمال تستخدم الصور المضببة والغائمة للوجوه، كأنهم أشخاص نعرفهم، ولكنهم يرتدون أقنعة لا تكشف شخصياتهم الحقيقية. على جدار في الاستوديو عمل يحمل عنون «تقاطعات»، مكون من ثلاث شاشات تعرض مقاطع فيديو مركَّبة على خلفيات ثابتة تمثل مدينة الرياض. المقاطع المتحركة مقطَّعة على هيئة شرائط طولية، تبدو من خلالها وجوه لسيدات وفتيات يتحدثن، وبحكم أن الصور غير مكتملة فكل ما نشاهده هو مقاطع طولية وأجزاء من وجوه لنساء لا نعرفهن، بوضع السماعات والجلوس لبعض الوقت أمام العمل تتفتح أمامنا نوافذ على حياة كل واحدة من النساء، يتحدثن ويروين تفاصيل بينما الخلفية ثابتة لا تتحرك. تشبّه الصالح الشرائط الطولية بالمشربيات الخشبية على نوافذ البيوت القديمة في جدة، تطل النساء من تلك الفتحات على المشاهد، كأنهن يسترقن النظر من خلف فتحات المشربيات الخشبية.

«تقاطعات» للفنانة دانية الصالح (تصوير: محمد فتال)

التضاد بين الخلفية بألوانها الأحادية، الأبيض والأسود، مع الألوان في اللقطات الحية يصنع فارقاً كبيراً من الناحية البصرية، التضاد يظهر أيضاً في الحركة والسكون، ويمتد للأصوات التي تعلو، وتخفت، تتحدث السيدات فيأخذن المشاهد من هدوء وسكينة المدينة إلى حياة وتفاصيل وحركة، ثم تخفت الأصوات، ونغوص في قاع المدينة الساكنة في الخلف.

العمل نفَّذته الفنانة ضمن معرض بعنوان «صور منسوجة وأحلام مدينة» الذي أُقيم خلال شهر رمضان الماضي في غاليري «الفن النقي» بالرياض. تقول إنَّ المعرض كان نتاج إقامة فنية شاركت فيها مع الفنانة الفرنسية كاثرين جفلر. عبر لقاءات مع 57 سيدة جمعت الفنانة كمّاً هائلاً من المادة البصرية: «الإقامة كانت في الرياض، قررنا وقتها استكشاف مَن هنّ السيدات اللواتي يعشن في المدينة، وشملت اللقاءات سيدات من جنسيات مختلفة، ومن خلفيات اجتماعية وتعليمية مختلفة أيضاً، ألقينا عليهم ذات الأسئلة، واستمرت المقابلات لعشرة أيام، بعدها قمت بالعمل على التفسير الخاص بي لتلك المقابلات، وكذلك فعلت زميلتي الفنانة الفرنسية، وفي العرض تقاسمنا مساحة العرض بيننا لتقديم وجهتَي نظر حول قاطنات الرياض».

«تجمع» للفنانة دانية الصالح (تصوير: محمد فتال)

باستخدام مقاطع فيديو لنفس السيدات نفّذت الفنانة عملاً ثانياً بعنوان «التجمع»، السيدات هنا أيضاً غير محدَّدات الملامح (هذه المرة للحفاظ على خصوصيتهن)، ولكنهن حقيقيات، عبر الشريط المرئي نرى وجوههن وحركة الرأس والإيماءات «في هذا العمل تبدو السيدات كأنهن مُجتمِعات في غرفة واحدة، يتحدثن ويشاركن المشاهِد مشاعرهن، نستطيع رؤية الحركة الغائمة لكل منهن، ولكن المشاعر والأحاسيس واضحة هنا، يتحدثن عن الوحدة، وعن الحب والعلاقات، وعن الشعور بالرفض. تروي كيف أثار العمل مشاعر لدى بعض الزوار من البكاء، للحزن، للتفكير في قرارات حياتية.

دانية الصالح في الاستوديو (الفنانة)

النظرة الجمعية

من المقابلات نفَّذت الفنانة عملاً آخر، ولكنه يعتمد على الرسم، إذ تعرض 196 رسمة بمقاس A4: «بعد مشاهدة التسجيلات المستمدة من المقابلات التي امتدت على مدار40 ساعة، قمت باختيار انطباعات مصغرة عكست وجوه تلك السيدات»، وعبر كل رسمة ركزت الفنانة على «النظرة الأنثوية» التي تمر سريعاً أو تبقى ثابتة على الوجه، تلك النظرة التي تمنح المرأة كيانها الخاص: «سمَّيتُ القطعة (عبر عيونهن) وجمعت النظرات المتشابهة، ونسَّقتها حسب اتجاه الوجه من اليسار إلى الأسفل ثم إلى اليمين، وأخيراً النظرة المباشرة التي نسّقتها في وسط العمل الفني وضعت النظرة المباشرة في مواجهة المشاهد في منتصف العمل، وهي نظرة تحمل بعض التحدي والإحساس بالثقة والتمكن». أترك الفنانة وأحمل معي وجوهاً وأصواتاً سمعتها عبر أعمالها، عن نساء ومشاعر وتحديات، وفي خيالي تمتزج الوجوه المنفَّذة بالذكاء الاصطناعي مع وجوه أخرى حقيقية غير واضحة المعالم مصاحبة بأصوات مختلفة تحكي عن تجارب ومشاعر وخيبات أمل.


مقالات ذات صلة

«أطياف الحرمين»... معرض يوثّق رحلة مصوّرة سعودية في الأماكن المقدسة

يوميات الشرق باب ومفتاح الكعبة المشرفة ومفتاح الغرفة العليا داخل الكعبة (إدارة المعرض)

«أطياف الحرمين»... معرض يوثّق رحلة مصوّرة سعودية في الأماكن المقدسة

معرض «أطياف الحرمين» يوثّق رحلة المصوّرة السعودية سوزان إسكندر في تصوير الحرمين الشريفين.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق من أعمال الفنانة السعودية سارة العبدلي في معرض «مهد الأسطورة» (حافظ غاليري)

سارة العبدلي تعيد كتابة سيرة جدة في «مهد الأسطورة»

تظهر المدينة كائناً يتأرجح بين الأسطورة والتاريخ، ويحتفظ في كل تحول بأثر مَن عاشوه ومرّوا به، وتركوا فيه شيئاً من حكاياتهم.

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد (الشرق الأوسط)

«أنشودة الأرض» يوثق رحلة نازلي مدكور في عالم الفن التشكيلي

في تجربة فنية ثرية تعيد تأمل العلاقة بين الإنسان والطبيعة، افتتحت الفنانة التشكيلية المصرية نازلي مدكور معرضها الجديد بعنوان «أنشودة الأرض... سيرة فنية».

نادية عبد الحليم (القاهرة)
يوميات الشرق عدد من الصور المشاركة في معرض «حكايات المكان» (الشرق الأوسط)

«حكايات المكان» تجربة بصرية تبرز تراث العمارة في مصر

في تجربة بصرية تُبرز تراث العمارة المصرية، يصحبك معرض «حكايات المكان» في رحلة بين مختلف الأحياء والمباني التاريخيّة.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
يوميات الشرق لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)

«عشر سنوات بالداخل» يستكشف العلاقة بين الفنان والزمن

لا يقف معرض «عشر سنوات بالداخل» للفنان التشكيلي المصري علي حسان عند تجربة العرض البصري فقط.

منى أبو النصر (القاهرة)

عبد الله غيث يكتسح استفتاءً «سوشيالياً» عن تمثيل «الصعايدة» درامياً

آخر مشهد لعبد الله غيث في مسلسل «ذئاب الجبل» (يوتيوب)
آخر مشهد لعبد الله غيث في مسلسل «ذئاب الجبل» (يوتيوب)
TT

عبد الله غيث يكتسح استفتاءً «سوشيالياً» عن تمثيل «الصعايدة» درامياً

آخر مشهد لعبد الله غيث في مسلسل «ذئاب الجبل» (يوتيوب)
آخر مشهد لعبد الله غيث في مسلسل «ذئاب الجبل» (يوتيوب)

على الرغم من مرور 33 عاماً على رحيل الفنان المصري عبد الله غيث، فإنه تصدَّر استطلاعاً للرأي حول أفضل فنان جسَّد دوراً صعيدياً، كما تصدّر اسمه «الترند» على منصة «إكس» في مصر، الأحد، عقب طرح عدد من مستخدمي المنصة استفتاءً حول أفضل الممثلين الذين قدموا دور «الصعيدي».

وكان من أبرز وآخر أعمال عبد الله غيث (1930 – 1993) دوره في مسلسل «ذئاب الجبل» عام 1993، وهو العام الذي رحل فيه في أثناء تصوير المسلسل، الذي شارك في بطولته إلى جانب أحمد عبد العزيز، وسماح أنور، وشريف منير، وحمدي غيث.

وضمّ الاستفتاء عدداً من المرشحين لأفضل من جسّد دور الصعيدي، من بينهم الفنانون ممدوح عبد العليم، وأحمد عبد العزيز، ويوسف شعبان، وأحمد السقا، غير أن معظم التعليقات رجّحت كفة عبد الله غيث، خصوصاً لدوره في مسلسل «ذئاب الجبل» الذي حظي حينها بنجاح كبير.

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «السوشيال ميديا»، رغم التحفظات الكثيرة عليها، تؤدي أحياناً دوراً إيجابياً في استعادة الرموز الفنية، من خلال تداول مقاطع قصيرة من أعمالهم أو استحضار سيرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «بالنسبة للفنان عبد الله غيث، فهو فنان عظيم وموهوب، بل يُعد أحد عظماء مصر الذين يجيدون التحدث باللغة العربية الفصحى كما العامية؛ فهو صاحب موهبة نادرة تشبه الألماس، تضيء كل فترة، ولا يطمسها أثر الزمن، بل يجدد تألقها».

جانب من صور لاستفتاء «سوشيالي» حول دور الصعيدي (متداولة على إكس)

وتابع السماحي: «أود الإشارة إلى نقطة مهمة، وهي إجادة عبد الله غيث لأدوار الصعايدة والفلاحين إجادة تامة؛ فمن يراقب أداءه ولغته، سواء في دور الفلاح أو الصعيدي، سيجد أنه من القلائل في مصر الذين قدموا اللهجة الصعيدية بشكل حقيقي ومبهر».

ورأى الناقد أن عبد الله غيث، من خلال أدواره المختلفة، أعاد الاعتبار للفلاح والصعيدي في أعماله السينمائية والمسرحية والتلفزيونية والإذاعية، حيث قدم للإذاعة المصرية مسلسلات عدَّة، من بينها «وردة وعابد المداح».

وأشار السماحي إلى أن «عبد الله غيث قدّم اللهجتين الفلاحية والصعيدية بشكل واقعي جداً، في حين يلجأ كثيرون إلى المبالغة، سواء في مد الحروف أو التفخيم أو التكلف في النطق، وهو ما يبتعد عن الحقيقة»، مؤكداً أنه «كان متقناً للغة الفصحى، كما كان بارعاً ومتمكناً في اللهجتين الفلاحية والعامية».

ويُعد عبد الله غيث أحد أبرز الفنانين المصريين، واشتهر بأعماله السينمائية، مثل ملحمة «أدهم الشرقاوي» عام 1964، من إخراج حسام الدين مصطفى، وفيلم «الحرام» عام 1965، من إخراج هنري بركات، حيث شارك في بطولته أمام فاتن حمامة، وفيلم «الرسالة» عام 1976، من إخراج مصطفى العقاد، حيث جسَّد دور حمزة بن عبد المطلب في النسخة العربية، مقابل النسخة الإنجليزية التي أدّى فيها الدور نفسه أنتوني كوين.


المسرح المصري لاستعادة بريقه بعروض شبابية ومغامرات «تراثية»

جانب من عرض «متولي وشفيقة» (وزارة الثقافة)
جانب من عرض «متولي وشفيقة» (وزارة الثقافة)
TT

المسرح المصري لاستعادة بريقه بعروض شبابية ومغامرات «تراثية»

جانب من عرض «متولي وشفيقة» (وزارة الثقافة)
جانب من عرض «متولي وشفيقة» (وزارة الثقافة)

يسعى المسرح المصري إلى استعادة بريقه من خلال عروض مسرحية تراهن على طاقات الشباب وتستلهم التراث، حيث شهد مسرحا «الغد» و«الطليعة» تقديم عرضين، من بينهما «أداجيو... اللحن الأخير» من إنتاج «فرقة مسرح الغد» بقيادة الفنان سامح مجاهد، وذلك وسط حضور جماهيري لافت.

وقد حظي العرض بتفاعل كبير من الجمهور، إذ أشاد رئيس قطاع المسرح بوزارة الثقافة، الدكتور أيمن الشيوي، بالمستوى الفني، معرباً عن تقديره للأداء العام، ومثمِّناً جهود فريق العمل والرؤية الإخراجية.

العرض مأخوذ عن رواية للأديب الكبير إبراهيم عبد المجيد، بإعداد وإخراج السعيد منسي، ويقدم معالجة مسرحية ذات طابع موسيقي وإنساني.

وتدور أحداث «أداجيو... اللحن الأخير» في إطار درامي يعتمد على بناء يشبه المعزوفة الموسيقية، من خلال قصة حب تتقاطع فيها المشاعر الإنسانية مع الاضطراب النفسي، وتستدعي ذكريات تقود الشخصيات إلى عوالم داخلية عميقة، في محاولة لطرح حالة من الشجن والصدق والوفاء الإنساني.

عرض «أداجيو اللحن الأخير» بمسرح الغد (وزارة الثقافة المصرية)

العرض من بطولة رامي الطمباري، وهبة عبد الغني، وبسمة شوقي، وجورج أشرف، وجنا عطوة، ومحمد دياب، وأحمد هشام، وأمنية محسن. ومن أشعار حامد السحرتي، والموسيقى والألحان لرفيق جمال، وإعداد وإخراج السعيد منسي.

يرى الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين أن مسرح القطاع العام أصبح هو الواجهة المسرحية، مشيراً إلى تراجع دور مسرح القطاع الخاص. وأضاف: «قدّم القطاع العام خلال السنوات الأربع الماضية عدداً كبيراً من العروض ذات الطابع الشبابي، ما جذب شريحة واسعة من الجمهور الشاب».

ولفت سعد الدين إلى أن الأعمال المنتمية إلى التراث المسرحي، مثل «الملك لير»، تشهد إقبالاً كبيراً، إلى جانب المسرحيات الجديدة مثل «متولي وشفيقة» و«أداجيو»، التي يرى فيها كثيرون متنفساً فنياً. وتابع: «يرى البعض أن مسرح القطاع الخاص كان أقرب إلى الترفيه المشوب بالإسفاف، في حين يخضع مسرح الدولة لرقابة أكبر، ما أسهم في تقديم أعمال جيدة تناسب الأسرة».

وشهد مسرح الطليعة بالعتبة عرض «متولي وشفيقة»، من إنتاج فرقة مسرح الطليعة بقيادة المخرج سامح بسيوني، وتأليف محمد علي إبراهيم، وإخراج أمير اليماني، وبطولة نخبة من الفنانين الشباب.

وقد استقبل العرض عدداً كبيراً من الفنانين والمبدعين والنقاد خلال الأسبوع، في حضور لافت يعكس اهتماماً فنياً وجماهيرياً بالعمل. ويقدم العرض القصة الشهيرة «شفيقة ومتولي» من وجهة نظر «متولي»، الذي يروي الأحداث، كاشفاً أنه كان يعد «شفيقة» ابنته أكثر من كونها شقيقته. وتتطور الأحداث مع وقوعها في حب «دياب» الذي يغويها انتقاماً من متولي، وصولاً إلى النهاية المأساوية. ويطرح العرض معالجة مغايرة للفيلم الشهير «شفيقة ومتولي» (1979) من بطولة سعاد حسني وأحمد زكي، مقدماً رؤية مسرحية معاصرة.

وأوضح سعد الدين: «تشهد مسارح الدولة في الفترة الحالية عرضين متميزين حققا نجاحاً لافتاً رغم ضعف الدعاية لهما. ففي السابق، كانت العروض المسرحية تحظى بحملات إعلانية واسعة عبر التلفزيون والصحف، أما اليوم فيؤكد هذا النجاح أن العمل الجيد، القادر على مخاطبة عقل ووجدان المشاهد، يظل قادراً على جذب جمهور متعطش للمسرح».


الموسم الخامس لـ«اللعبة» يجدد الجدل حول فرص نجاح أجزاء المسلسلات

تعرض الجزء الخامس لردود فعل متباينة (حساب هشام ماجد على فيسبوك)
تعرض الجزء الخامس لردود فعل متباينة (حساب هشام ماجد على فيسبوك)
TT

الموسم الخامس لـ«اللعبة» يجدد الجدل حول فرص نجاح أجزاء المسلسلات

تعرض الجزء الخامس لردود فعل متباينة (حساب هشام ماجد على فيسبوك)
تعرض الجزء الخامس لردود فعل متباينة (حساب هشام ماجد على فيسبوك)

جدّد الموسم الخامس من مسلسل «اللعبة» الجدل حول فرص نجاح الأجزاء المتتالية من المسلسلات، وذلك بعد ردود الفعل المتباينة التي حظي بها الجزء الجديد المعروض حالياً على منصة «شاهد». وتدور أحداثه في إطار اجتماعي كوميدي حول التنافس في الألعاب بين فريقي «مازو»، الذي يؤدي دوره هشام ماجد، و«وسيم»، الذي يجسده شيكو.

يشارك في بطولة «اللعبة 5» كلٌّ من أحمد فتحي، ومحمد ثروت، ومي كساب، وميرنا جميل، وسامي مغاوري، وعارفة عبد الرسول، ومحمد أوتاكا، إلى جانب عدد من ضيوف الشرف، منهم أشرف عبد الباقي، وحجاج عبد العظيم. وأشرف على الكتابة فادي أبو السعود، بينما كتب القصة والسيناريو والحوار كلٌّ من أحمد سعد والي، ومحمد صلاح خطاب، وإبراهيم صابر، وأخرجه معتز التوني.

وعلى عكس الأجزاء السابقة من المسلسل، ظهر «موجّه اللعبة»، الذي اعتاد فريق العمل تقديمه في الحلقة الأخيرة، منذ الحلقة الأولى، ويؤدي دوره الفنان أشرف عبد الباقي. في المقابل، تأخر ظهور تحديات الألعاب بين الفريقين في الحلقات الأولى، مع التركيز بشكل أكبر على الجانب الاجتماعي في حياة البطلين «مازو» و«وسيم».

ورغم احتفاظ المسلسل بجميع أبطاله الرئيسيين، وتنوّع المواقف التي يتعرضون لها، فإن الحلقات المعروضة شهدت تبايناً في ردود الفعل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كما لم يتصدر المسلسل نسب المشاهدة بشكل مستمر، على خلاف ما كان يحدث مع عرض معظم الأجزاء السابقة.

هشام ماجد وشيكو في مشهد من المسلسل (حساب شيكو على فيسبوك)

وقال الناقد الفني المصري أندرو محسن إن «الجزء الجديد أثار حالة من التفاعل الواضح بين الجمهور، حتى إن جاء هذا التفاعل في بدايته بشكل سلبي». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الحلقات الأولى كانت أضعف بشكل ملحوظ مقارنة ببقية الموسم، لكن العمل بدأ يستعيد توازنه تدريجياً بدءاً من الحلقة الخامسة أو السادسة، حتى وصل إلى مستوى جيد جداً في الحلقات اللاحقة، التي أرى أنها اقتربت من المستوى الذي اعتاده الجمهور في الأجزاء السابقة».

وعدّ من أبرز التحديات التي واجهت هذا الموسم كثرة الشخصيات؛ فرغم أن هذه النقطة كانت في الأصل من عناصر قوة المسلسل؛ إذ يتيح تعدد الشخصيات تنوعاً في ردود الأفعال داخل التحديات؛ ما يخلق مساحة أوسع للكوميديا، فإنه أكد أن هذا التنوع نفسه تحوّل مع الوقت إلى عبء؛ لأن ليس كل الشخصيات تمتلك القدرة نفسها على توليد المواقف الكوميدية؛ ما أدى إلى تراجع تأثير بعضها.

ولفت محسن إلى أن صُنّاع العمل كان يمكنهم التعامل مع هذه الأزمة بشكل أفضل من خلال تقليل مساحة بعض الشخصيات أو استبعادها جزئياً، ورأى أن «تقليل ظهور شخصية ابن وسيم كان قراراً ذكياً في هذا السياق، وكان من الممكن تطبيق الفكرة نفسها على شخصيات أخرى لم تقدم جديداً».

هشام ماجد بطل المسلسل (حسابه على فيسبوك)

في حين يشير الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن إلى أن الانتقادات التي تعرّض لها العمل تعكس كثافة المتابعة، لكنها في الوقت نفسه تكشف إشكالية مرتبطة بطبيعة الأعمال الدرامية متعددة الأجزاء، إذ لا يكون صنّاعها، مع تكرار المواسم، قادرين دائماً على الحفاظ على المستوى نفسه من الجودة، وهو ما يمكن رصده في هذا العمل.

وقال، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن «المشكلة الأساسية في الجزء الجديد ترتبط بدراما الشخصيات والخطوط الدرامية للأبطال الرئيسيين خارج إطار اللعبة، التي جاءت أقل إحكاماً مقارنة بالأجزاء السابقة، بالإضافة إلى طبيعة الألعاب التي يخوض فيها الأبطال التحديات، والتي افتقدت عناصر الإثارة والتشويق والغموض التي ميَّزت المواسم الماضية».