أديبة عربية توثق مشاهد من رحلتها الإيمانية إلى مكة في الخمسينات

«بنت الشاطئ» في لقاء مع التاريخ على «أرض المعجزات»

وثَّقت الأديبة المصرية عائشة عبد الرحمن «بنت الشاطئ» رحلاتها إلى السعودية منذ عام 1951م (واس)
وثَّقت الأديبة المصرية عائشة عبد الرحمن «بنت الشاطئ» رحلاتها إلى السعودية منذ عام 1951م (واس)
TT

أديبة عربية توثق مشاهد من رحلتها الإيمانية إلى مكة في الخمسينات

وثَّقت الأديبة المصرية عائشة عبد الرحمن «بنت الشاطئ» رحلاتها إلى السعودية منذ عام 1951م (واس)
وثَّقت الأديبة المصرية عائشة عبد الرحمن «بنت الشاطئ» رحلاتها إلى السعودية منذ عام 1951م (واس)

«في كل خطوة وكل موقف ومشهد، وجدتني مع التاريخ في أم القرى والبيت العتيق، مدنية العصر قد غزت الوادي الأجرد غير ذي الزرع، وأسراب الطائرات والسيارات قد حلَّت محل النوق والجمال، والكهرباء أبطلت وقود الحطب، والرخام يرصف ساحة البيت العتيق وطريق المسعى. مكان الحصى والرمال، والمباني العصرية تقوم حيث كانت الدور البدوية البسيطة، ولا شيء من هذا كله يمس روح المكان؛ تغير الشكل والمظهر، وبقي للمكان جوهر شخصيته التاريخية، يتألق بنور قداسته، ويتوهج بسنا أصالته وعراقته، والكعبة تستبدل بكسوتها كل عام أخرى جديدة، وتبقى شخصيتها بمنأى عن طوارئ التغيير، مثابة الحج ومهوى الأفئدة، وبيت الله الحرام، أقدم بيت عُبد فيه سبحانه وتعالى على الأرض، وأحب أرض الله إلى الله ورسوله وأمته».

بهذا أخذت الأديبة المصرية عائشة عبد الرحمن «بنت الشاطئ» توثيق رحلاتها إلى السعودية، التي بدأت في عطلة منتصف العام الجامعي 1951م، حين دعاها الشوق مع بقية زملائها من الأدباء والمثقفين، إلى أرض المبعث، فأجمعوا أمرهم على السعي إليها معتمرين زائرين، وكان يحدوهم الأمل، لو اتسع المجال فتمتد رحلتهم إلى ربوع الجزيرة، لكن قصور وسائلهم وزادهم، أبقى هذه الأمنية بعيدة المنال، حتى حالفهم الحظ برعاية الملك فيصل بن عبد العزيز رحلتهم تلك على هامش زيارة قام بها إلى مصر فوضع الرحلة تحت رعايته الكاملة، وبدأت قصة أخرى تحكي بنت الشاطئ تفاصيلها على صفحات كتابها «أرض المعجزات».

حكت بنت الشاطئ تفاصيل رحلاتها للحج والعمرة على صفحات كتابها "أرض المعجزات" (واس)

جزيرة العرب... من وحشتها إلى نهضتها

تسرد الدكتورة عائشة عبد الرحمن بقلمها ما عاشته الجزيرة العربية منذ كانت فلاة منقطعة عن العالم وتقول: «مرت على صحاريها الحقب والدهور وهي قاحلة مجدبة، رهيبة مرهوبة، يحوم حولها الخيال ثم يرتد عنها فزعاً مذعوراً، لا يكاد يميز بين صفير الرياح فيها وعواء الوحوش» حتى «امتلأت الجزيرة بأساطير تحكي ما يلقاه الضاربون في نجد والدهماء والربع الخالي، من أفاعيل الجن وألاعيب الغيلان، فزادت من رهبة القفر الموحش، يتقيه السارون إلا أن تدفعهم ضرورات العيش إلى ركوب مخاطره وأهواله».

لكنَّ بادية الجزيرة، حسبما تروي «بنت الشاطئ» في سردها العذب المتسلسل «هي التي أعطت الأجيال من العرب سليقتها اللغوية النقية، وبيانها الذي طوَّعته للتعبير عن وجدانها ورؤاها ومنطقها، أعطتنا العربية الفصحى، بعد أن صقلتها على المدى الطويل بحسها المرهف، هذَّبت صيغها واستخدمت الضمائر وأسماء الإشارات والأسماء الموصولة وحروف المعاني ببالغ الدقة والإحكام، وحكمت المعاني، وتوسعت في المجاز لتنمو وتُلبي حاجات الحياة».

وتتابع الأديبة المصرية في مدوَّنها: «من الغار خرج المصطفى، والنور ملء قلبه، والكلمات ملء مسمعه، واتجهت به خطاه نحو داره في جوار الحرم، والكون من حوله ساجٍ خاشع، وعلى الأفق نور الفجر الصادق ينسخ ظلمات ليل طال، ويوشح البيت العتيق بسنا وضَّاء، يكشف عما تكدس في حرمه من أصنام، فتبدو على حقيقتها العارية، صمّاء بلهاء... وعلى نور الفجر الصادق، عرف الأمّيون طريقهم وخرجوا من ظلمات الجاهلية، فما مضى على المبعث 20 عاماً حتى كان عرب الجزيرة كلهم قد نبذوا الأوثان وحطموا الأصنام، وعبدوا الله وحده مخلصين له الدين حنفاء...».

تميز سرد عائشة عبدالرحمن بوصف التغيرات التي طرأت على الجزيرة العربية من كافة النواحي (واس)

مرت العصور والحقب، وطُمرت الوقائع تحت رماد الزمن الذي انخمدت جذوته، ورغم ذلك تستكمل «بنت الشاطئ» سرد حكايتها عن الجزيرة العربية، وتقول: «بقيت الجزيرة، فيما عدا أطرافها وقراها، نائية مهجورة غامضة مُقنَّعة، لا تريد أن تتصل بالدنيا خارجها أو تبيح حماها لغير أهلها الأعراب البُداة... قد آثرت العزلة على الاتصال بالدنيا، وأقامت بَوَاديها الواسعة ورمالها المتراكمة وصخورها الصلبة، أسواراً منيعة تحمى أعرافها وتقاليدها وعاداتها، غير مستجيبة لتطور الحياة ولا مكترثة بسير الزمان».

وبين طيَّات الكتاب تتتبَّع الدكتورة عائشة عبد الرحمن قدوم أول الخير على الجزيرة ليكسر ذلك الواقع الشحيح بالأمل، قائلةً: «في مثل تلك العزلة العنيدة عن الدنيا والحياة، كان العرب من بَوَادي الجزيرة يعيشون بعقليتهم وأوضاعهم في حصون منيعة وراء الأسوار، يُشهرون السلاح في وجه كل تطوُّر، ويدفعون منكرات بدعه بالسيف... وكانت تلك هي المعركة الكبرى التي خاضها عاهل الجزيرة الراحل الملك عبد العزيز آل سعود، على كثرة ما خاض قبلها من معارك مشهودة... لكنَّ معركته الكبرى، كانت هذه الثورة الإصلاحية».

وتمضي الباحثة إلى القول: «مثل هذه المعركة لا تعرف المواقف الحاسمة، وإنما هي جولات تتعاقب وصراع يتجدد كلما بدا لعاهل الجزيرة أن يدخل إليها جديداً من مخترعات الأجهزة ومحدثات العلم، وقد لبث زمناً غير قصير، متردداً بين رغبته في الإصلاح ومسايرته الإخوان، وصابرهم طويلاً وهم على موقفهم من عداء العلم الحديث ومعاندة التطور، وفيما كان الصراع على أشده بين التطور الحضاري والجمود على موروث الأوضاع والأعراف، تجلَّت آية العلم فكشفت في الفلاة الموحشة المغلقة، عن كنز ثمين مطمور تحت الحصى والرمال، وسقطت الحواجز والأسوار، فإذا بصحراء الجزيرة تشد إليها الأنظار والأسماع في عالم اليوم».

الملك عبدالعزيز في قصر المربع بالرياض عام ١٣٥٨هـ / ١٩٣٩م (دارة الملك عبدالعزيز‬⁩)

وعن لقائها الملك عبد العزيز وحديثه إليهم بصوته المتهدج، كتبت عائشة: «في الرياض كان لقاؤنا العاهل الكبير جلالة الملك عبد العزيز، وفي مجلسه بالمربع لم يكن لجلالته حديث إلا عن محنة الأمة بعار إسرائيل، وقد مد بصره إلى الأفق الشمالي يستوعب أبعاد النكبة في رؤية ثاقبة، ويحس بحدس فراسته الملهمة نُذُر الإعصار العتيّ يوشك أن يوغل في صميم وجودنا وينتهك أقدس حرماتنا».

وتكمل: «ودَّعَنا جلالة العاهل، رحمه الله، وفي النفس همٌّ وشجن، لم يلطِّف منهما ما حظينا به من كرم الوفادة وأُنس اللقاء، كان لي معهما أن تلطَّف جلالته فدعاني (أميرة الصحراء)... حتى شددنا الرحال إلى المدينة المنورة، فما حوَّمت طائرتنا فوق أرضها الطيبة، حتى اشرأبت لها أرواحنا الظامئة وقلوبنا المشتاقة، وانجابت عن أفقنا الظلال والغيوم ونحن نستقبل مثوى الحبيب، ونطوف بالربوع العاطرة بأنفاسه، ونسير حيث سارت خطاه».

شهدت عائشة عبد الرحمن موسم الحج مع مليون و50 ألف حاج (واس)

دار الهجرة ولقاء التاريخ

وتحكي الدكتورة عائشة عبد الرحمن قصة زيارتها مدينة النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم)، وكيف كان وجيب قلبها وهي تقترب من دار الهجرة، وتقول: «الطريق الوعر يتراءى لنا من نوافذ الطائرة، بكل مخاطره ومفاوزه والتاريخ معنا، يتتبع خطوات المهاجر حتى يثرب، واصلاً إليها من قباء... وفي أهل المدينة، آنسنا ملامح أجدادهم الأنصار من أوس وخزرج، يوم احتشدوا هناك لاستقبال نبيهم المهاجر، عليه الصلاة والسلام، وفي أصواتهم إذ يرحّبون بضيوف الحِمى من حجاج الموسم، رَجْعُ هتاف الأنصار يوم الوصول».

وتواصل الأديبة وصف مدى الدهشة التي انتابتها في أثناء وقوفها أمام أبواب المسجد قائلة: «المسجد النبوي يأخذ القلوب والأبصار بجلاله وعظمته، وسعة رحابه وفخامة مبناه، الأجيال من أمة محمد، أغدقت عليه من حبها ما لم يحظَ بمثله مثوى بشر، وبذلت له من فنّها ومالها، في أريحية وسخاء، وتبقى روح المكان في أنقى أصالتها وعراقتها، كأن لم تمسسه يد بالتغيير منذ شهد التاريخ بناء هذا المسجد في الأيام الأولى بعد الهجرة».

وفي ختام مؤلفها تودِّع بنت الشاطئ قارئ مذكراتها وذكرياتها بنفس الروح التي خالجتها وهي تُلوّح لأرض الجزيرة العربية، وعنها تقول: «وعُدنا إلى مصر نحمل أجمل ذكرى لأطيب رحلة وأكرم ضيافة، ومضت الأيام ومشاهد الجزيرة تتراءى لي على البعد والقرب، فتغريني بأن أحدِّث قومي عن أرض المعجزات التي ينتمون إليها عقيدةً ولساناً، ويستقبلون المسجد الحرام فيها، حيثما كانوا، وسلام عليها داراً وأهلاً».


مقالات ذات صلة

السعودية وإيطاليا تبحثان تطوير الشراكة الدفاعية

الخليج وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان خلال لقائه نظيره الإيطالي جويدو كروسيتو في الرياض (واس)

السعودية وإيطاليا تبحثان تطوير الشراكة الدفاعية

استعرض الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي، مع نظيره الإيطالي جويدو كروسيتو، الشراكة بين البلدين وسبل مواصلة تطويرها في المجالين العسكري والدفاعي.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس اللبناني جوزيف عون (الشرق الأوسط)

محمد بن سلمان وجوزيف عون يستعرضان أوضاع لبنان

بحث ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، هاتفياً، مع الرئيس اللبناني جوزيف عون، مستجدات الأوضاع في لبنان والمنطقة، والجهود المبذولة لتحقيق الأمن والاستقرار.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لدى لقائه الرئيس السوري أحمد الشرع في جدة الثلاثاء (واس)

ولي العهد السعودي والرئيس السوري يبحثان مستجدات المنطقة

بحث الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، مع الرئيس السوري أحمد الشرع، مجمل المستجدات في المنطقة، وتنسيق الجهود بشأنها.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي (الشرق الأوسط)

وزير الخارجية السعودي يبحث المستجدات مع نظيريه الكويتي والعماني

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي مع نظيريه الكويتي الشيخ جراح الصباح والعماني بدر البوسعيدي، مستجدات الأوضاع الإقليمية، والجهود المبذولة بشأنها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الدكتورة منال رضوان لدى إلقائها كلمة المملكة في الاجتماع (وزارة الخارجية السعودية)

السعودية: الأمن الفلسطيني لا يمكن فصله عن الإقليمي

أكدت السعودية أن الأمن الفلسطيني لا يمكن فصله عن الإقليمي، وأن تحقيق السلام المستدام يتطلب إطاراً يعالج الشواغل الأمنية المتبادلة ويحترم السيادة ويمنع التصعيد.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.