تايلور سويفت... ظاهرة ثلاثيّة الأبعاد

كيف تحوّلت ابنة الريف الأميركي إلى الرقم الفنّي الأصعب؟

تحتفل تايلور سويفت هذا العام بمرور 18 سنة على انطلاقتها الموسيقية الرسمية (رويترز)
تحتفل تايلور سويفت هذا العام بمرور 18 سنة على انطلاقتها الموسيقية الرسمية (رويترز)
TT

تايلور سويفت... ظاهرة ثلاثيّة الأبعاد

تحتفل تايلور سويفت هذا العام بمرور 18 سنة على انطلاقتها الموسيقية الرسمية (رويترز)
تحتفل تايلور سويفت هذا العام بمرور 18 سنة على انطلاقتها الموسيقية الرسمية (رويترز)

للقرن العشرين مايكل جاكسون ومادونا، وللقرن الحادي والعشرين تايلور سويفت.

تتربّع المغنية الأميركية منذ سنوات على عرش صناعة الموسيقى. هي الفنانة الأكثر مبيعاً في العالم على مستوى الألبومات والحفلات. تُقدَّر ثروتها حالياً بمليار ومائة مليون دولار، لتصبح بذلك المليارديرة الأولى في قطاع الموسيقى.

ما كادت تمرّ أيام على صدور ألبومها الجديد «The Tortured Poets Department» (دائرة الشعراء المعذّبين)، حتى بيع ما يوازي مليونَين و600 ألف نسخة منه على المتاجر الرقمية، كما أنه حصد أكثر من مليار استماع على منصة «سبوتيفاي» وحدها خلال أسبوع.

في الـ34 من عمرها، تايلور سويفت هي النجمة الأكثر سطوعاً في سماء الترفيه. تتصدّر أخبارها وسائل الإعلام العالمية، كما أنها من بين الشخصيات الأكثر متابَعةً على منصات التواصل الاجتماعي. إلّا أنّ الأرقام القياسية التي حققتها لا تقتصر على الأموال والمتابعين، فهي محصّنة بـ14 جائزة «غرامي» تقديراً لأغانيها المصنوعة بحرفيّةٍ عالية.

لكن ما الذي حوّلَ تايلور سويفت إلى ظاهرة ثقافيّة واجتماعية وفنية واقتصاديّة؟ وكيف صارت ابنة الريف الأميركي الرقمَ الفنّي الأصعب، بعد 18 عاماً على انطلاقتها؟

في رصيد سويفت 14 جائزة «غرامي» موسيقية (رويترز)

الوالدان... شريكا الحلم

نالت تايلور من اسمها نصيباً، فقد سمّاها والداها تيمّناً بالمغنّي الأميركي جايمس تايلور الحائز على 6 جوائز «غرامي». وهي انغمست في الموسيقى صغيرةً، متأثرةً بجدّتها لوالدتها التي كانت مغنية أوبرا.

لم تكن قد بلغت العاشرة عندما بدأت تغنّي في أحد مقاهي نيو جيرسي خلال الإجازات الصيفية. وبعد أن شاهدت «وثائقياً» عن الفنانة الأميركية فايث هيل، أيقنت أنها تريد أن تصبح مثلها؛ مغنية «كانتري» محترفة في ناشفيل بولاية تينيسي.

ليست تايلور سويفت الطفلة الوحيدة التي حلمت، لكنّ الأحلام لا تتحقق من دون مجهود على أرض الواقع. وإذا كانت من ميزة حافظت عليها على مرّ سنوات المجد، فهي المثابرة. وضعت هدفها نصب عينَيها وعملت بكدّ من أجل الوصول إليه. وهي لم تكن وحدها، إذ تجنّد والداها لمساندتها وآمنا بمشروعها، فانتقلت العائلة بكاملها إلى أرض الأحلام؛ ولاية تينيسي.

سويفت متوسطةً والدَيها أندريا وسكوت (فيسبوك - جيتي)

كانت سويفت في الـ12 عندما بدأت دروس الغيتار، وبعد عام كرّست معظم وقتها لكتابة الأغاني بإشراف محترفين في المجال. أظهرت موهبةً استثنائية ككاتبة، محوّلةً يومياتها العادية في المدرسة إلى أشعار وأغانٍ.

أتى المجهود بثماره بعد سنتَين، فوقّعت عقداً مع إحدى شركات النشر العالمية، لتُصدر ألبومها الأول في الـ16 من عمرها. في تلك الآونة، كان فريق العمل المصغّر مكوّناً منها ومن أمّها. معاً، صنعتا نسخاً من أغنية الألبوم الرئيسية «Tim McGraw»، زيّنتا الأغلفة وأرسلتاها إلى الإذاعات.

كل ما حصل بعد ذلك دخل التاريخ، مذيّلاً بتوقيع تايلور سويفت، ومستنداً إلى إصرارها وطموحها الاستثنائيَين. اجتمع فيها ذكاء «البزنس»، وشغف العمل، وموهبة الكتابة، وحرفة التسويق، لتصنع منها ظاهرةً ثلاثيّة الأبعاد.

تايلور سويفت... الظاهرة الموسيقية

تُقحم تايلور سويفت جمهورَها في حكاياتها الخاصة. تروي حياتها من خلال أغانيها، وهو أمرٌ يروق كثيراً للمستمعين ويغذّي فضولهم للمزيد. فإضافةً إلى موهبتها الخارقة في ابتكار السيناريوهات والشخصيات الخيالية، كما لو أنّ أغانيها عبارة عن أفلام ومسلسلات، تخبّئ سويفت بين سطور معظم أعمالها أشخاصاً من حياتها؛ حبيباً حاليّاً هنا، وحبيباً سابقاً هناك، أو شخصية معروفة تريد مواجهتها، كما حصل مع كيم كارداشيان في الألبوم الأخير.

سويفت وحبيبها الحالي لاعب كرة القدم الأميركية ترافيس كيلسي (أ.ب)

لا تقتصر عناصر الظاهرة الموسيقية على محتوى الأغاني. ليست سويفت سيّدة الكلمات فحسب، بل سيّدة الإنجازات. إضافةً إلى تحوّلها من مغنية «كانتري» إلى نجمة «بوب» عام 2014، متنقّلةً بسلاسة بين الأنواع الموسيقية، كرّست نفسها بطلة المبيعات. احترفت لعبة التسويق واعتمدت استراتيجية التشويق والمفاجأة، ما رفع مبيعاتها إلى 200 مليون ألبوم حول العالم، وهي تحتلّ بذلك المرتبة 13 في تاريخ الموسيقى.

أبعد من الإنجازات الشخصية، تتصدّر سويفت خطّ الدفاع الأول عن حقوق الفنانين. فبين عامَي 2014 و2017، سحبت أغانيها بالكامل من منصة «سبوتيفاي» اعتراضاً على العائدات الزهيدة. وفي 2015، هدّدت منصة «آبل ميوزيك» بعدم نشر ألبوم «1989» عليها إن لم يسدّدوا لها العائدات. أما الموقف الأقوى في هذا الإطار فأخذته عام 2019، عندما أعادت تسجيل ألبوماتها الـ6 الأولى بالكامل، بعد أن بيعت حقوقها رغماً عن إرادتها.

أعادت سويفت تسجيل ألبوماتها الـ6 الأولى عام 2019 بعد خسارتها النسخ الأصلية (إنستغرام)

تايلور سويفت... الظاهرة الثقافية والاجتماعية

لا يُعدّ تضخيماً القولُ إنّ تايلور سويفت أسّست جيشاً يُدعى «Swifties» (السويفتيّون). يشكّل هؤلاء العمود الفقري لنجاحها والسبب المباشر في ارتفاع مبيعاتها. وضعتهم في طليعة اهتماماتها، وأظهرت لهم تفانيها قولاً وفعلاً. وبما أنّ كل زرعٍ بحاجة إلى عناية، فهي لا تكتفي بالتواصل معهم افتراضياً عبر «السوشيال ميديا»، بل ترسل لهم الهدايا والرسائل، كما أنها تدعوهم إلى منزلها لتناول الطعام معاً، وللاستماع إلى الأغاني قبل صدورها. وقد ألهمَ تعاطي سويفت مع محبّيها الفنانين الآخرين، فاقتبسوا من أساليبها للتعامل مع قواعد معجبيهم.

الحب متبادَل بطبيعة الحال، فـ«السويفتيون»، على اختلاف أعمارهم وهويّاتهم وأجناسهم، يعشقونها فنانةً وإنسانة يرَون انعكاساً لهم في أغانيها وبَوحِها العاطفيّ والإنسانيّ. تشكّل النساء العدد الأكبر من بينهم، إذ إنّ سويفت رمزٌ لتمكين المرأة. ألهمت الكثيرات من بينهنّ ليُصبحن أقوى، وأنجح، وأكثر تحرّراً وقدرةً على التعبير.

غير أنّ هذا الذوبان بين سويفت ومعجبيها سيفٌ ذو حدّين، فهم لا يتوانون عن التدخّل في حياتها الخاصة والضغط عليها عبر «السوشيال ميديا» من أجل اتّخاذ قرارات معيّنة، وقد تظهّر ذلك خلال انفصالها عن المغنّي البريطاني ماتي هيلي.

لا تبخل سويفت على معجبيها بالاهتمام وهي لا توفّر طريقة لمبادلتهم الحب (رويترز)

أما أحد أبرز تجلّيات الظاهرة الثقافية التي تشكّلها تايلور سويفت، فهو أنها أصبحت مادّة أكاديميّة تُدرّس في عدد من جامعات الولايات المتحدة، إلى جانب كونها موضوعاً يتكرّر في الأبحاث.

يذهب أثرُها الاجتماعي أبعد من ذلك، إذ إنّ كلمتها مسموعة في السياسة كذلك. يخشى دونالد ترمب حالياً من تكرار سيناريو عام 2018، عندما أعلنت دعمها للديمقراطيين. ومؤخّراً حثّت سويفت الأميركيين على الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات المقبلة، ما أدّى إلى ارتفاع ملحوظ في أعداد الناخبين المسجّلين.

تايلور سويفت... الظاهرة الاقتصادية

دخل مصطلح «Swiftonomics» (الاقتصاد السويفتي) عالم الأرقام والأموال مؤخّراً. فالجولة العالمية التي انطلقت في ربيع 2023 والمتواصلة حتى الساعة بعنوان «Eras Tour» (جولة الحقبات)، شكّلت بذاتها ظاهرة اقتصاديّة أدخلت تايلور سويفت التاريخ من باب الجولة الموسيقية الأكثر مبيعاً عبر الأزمنة.

مع ختام سنة 2023، وبينما لم تكن قد أتمّت نصف حفلاتها الـ152، كانت إيرادات الجولة قد تخطّت المليار و500 مليون دولار. ومن المتوقّع أن تُسدل الستارة مع نهاية عام 2024 على مليارَين ومائة مليون دولار.

انعكس أثر جولة سويفت على اقتصادات البلاد والمدن التي حلّت فيها، فهي ضخّت الحياة والمال في المؤسسات السياحية والتجارية والنقل المشترك. وذهب خبراء الاقتصاد إلى حدّ القول إنّ «Eras Tour» أثّرت إيجاباً على الاقتصاد العالمي.

من المتوقع أن تجمع جولة سويفت العالمية في ختام 2024 مليارين ومائة مليون دولار (أ.ب)

أما النشرة التجارية الأميركية «Pollstar» المتخصصة في شؤون الموسيقى، فقد قارنت إيرادات الفنانة باقتصاد بلد، قائلةً: «لو كانت تايلور سويفت دولة، لكانت الاقتصاد الـ199 الأكبر في العالم، أي ما يوازي اقتصاد دولة صغيرة في الكاريبي».


مقالات ذات صلة

«فرقة رضا» تسدل الستار على احتفالات ليالي رمضان بمصر

يوميات الشرق عروض متنوعة قدمتها فرقة رضا (وزارة الثقافة المصرية)

«فرقة رضا» تسدل الستار على احتفالات ليالي رمضان بمصر

بعروضها الشهيرة مثل «الأقصر بلدنا» و«الحجالة» و«الكرنبة» و«النوبة» ورقصة التنورة، اختتمت فرقة رضا للفنون الشعبية ليالي «هل هلالك».

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

أعلنت نقابة «الموسيقيين» المصرية في بيان صحافي، الخميس، تحسن الحالة الصحية للفنان هاني شاكر خلال الأيام الماضية بعد تلقيه رعاية طبية دقيقة على يد أطباء مختصين.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق ياسين التهامي خلال الحفل (الأوبرا المصرية)

«عميد المنشدين» ياسين التهامي يختتم الليالي الرمضانية بالأوبرا المصرية

ليلة استثنائية قضاها محبو الإنشاد الديني والأشعار الصوفية مع «شيخ المنشدين» ياسين التهامي، ضمن ليالي رمضان بدار الأوبرا المصرية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)

فنانون مصريون يدعمون هاني شاكر في أزمته الصحية

توالت رسائل الدعم التي وجهها فنانون مصريون للفنان هاني شاكر في الأزمة الصحية التي يمر بها راهناً.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق رقصات وأغانٍ فولكلورية لفرقة كنعان (دار الأوبرا المصرية)

«كنعان» تستعيد التراث الفلسطيني في ليالي رمضان بالأوبرا المصرية

استعادت فرقة «كنعان» الفلسطينية للثقافة والفنون أغاني ورقصات الفولكلور الفلسطيني في ليلة رمضانية بدار الأوبرا المصرية، الجمعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

عارضات مُصابات بـ«متلازمة داون» يسرقن الأضواء في بوخارست

لحظة يرى فيها العالم وجهاً آخر للجمال (أ.ب)
لحظة يرى فيها العالم وجهاً آخر للجمال (أ.ب)
TT

عارضات مُصابات بـ«متلازمة داون» يسرقن الأضواء في بوخارست

لحظة يرى فيها العالم وجهاً آخر للجمال (أ.ب)
لحظة يرى فيها العالم وجهاً آخر للجمال (أ.ب)

​خطفت عشرات العارضات من ذوات «متلازمة داون» الأنظار، وهنّ يتهادين على منصة عرض أزياء في العاصمة الرومانية، في أمسية احتفت بالأناقة و«الجمال غير النمطي» وروح الشجاعة، إحياءً لليوم العالمي لـ«متلازمة داون»، وفق «أسوشييتد برس».

واستقطب حفل «سين أنونيموس سيمستريس غالا» في بوخارست، نخبة من المصممين من مختلف أنحاء البلاد، قدَّموا تصاميم أُنجزت بعناية فائقة وحسّ إبداعي، خُصصت لشباب من ذوي «متلازمة داون» وغيرهم من ذوي الإعاقات الذهنية.

الجمال يُرى كما هو (أ.ب)

وقالت رئيسة «جمعية داون بلس– بوخارست»، جورجيتا بوكور، وهي الجهة المنظمة للفعالية التي أُقيمت، الأربعاء، في مركز «روم إكسبو»، إن 50 خيَّاطة أعدت كلٌّ منهن زياً لشاب لم يسبق لهن التعرف إليه. وأضافت: «صُممت الأزياء من دون أن تُجرَّب مسبقاً، ولكن الأهم هو أنّ الناس اجتمعوا مجدداً. هذه الفعالية مميزة حقاً... إنها أجمل ما يمكن أن يحدث».

وبالنسبة إلى أنطونيا فويكو (19 عاماً) التي ارتدت فستاناً أخضر منفوشاً من قماش شبكي، وتاجاً من الورود الحمراء، فقد بدا الصعود إلى المنصة أشبه بحلم يتحقّق. وقالت قبيل دخولها منصة العرض: «أشعر بأنني دائماً أنيقة، وأحبّ الوقوف أمام الكاميرا بهذه الطريقة... لست متوتّرة إطلاقاً».

على المنصة... كلّ واحدة نجمة (أ.ب)

وأوضحت ديانا نيغريس، مرافقة أنطونيا، أنّ الفعالية تمثّل «خطوة كبيرة» لها، إذ لطالما حلمت «بأن تكون نجمة» تستعرض على المسرح. وأضافت: «هذه الفعالية تمنحها ذلك تماماً. إنها تجربتها الأولى، ولم نقم بأي استعداد، لذا سيكون كلّ شيء عفوياً».

ومن جانبها، قالت كريستينا بوكور، وهي خياطة، ومن بين المنظّمين، إنّ فكرة عرض الأزياء جاءت لأنها أم لطفل من ذوي الإعاقة. وأضافت: «أردتُ أن يرى الأطفال الآخرون كيف يكون ارتداء زي في عرض أزياء، وكيف يكون تلقّي التشجيع على المسرح. إنهم يستمتعون بذلك كثيراً؛ لأنهم يشعرون بأن هناك مَن يلاحظهم ويقوم بشيء من أجلهم».

ووفق «الاتحاد الروماني لمتلازمة داون»، يعيش في رومانيا نحو 12 ألف شخص من ذوي المتلازمة، وأكثر من 6 ملايين حول العالم. وعام 2022، سُجّلت حالة واحدة لكلّ 847 مولوداً في البلاد.

وقالت ماروسيكا بورلاكا (9 أعوام) التي ارتدت فستاناً وردياً مرصَّعاً بحبات لؤلؤ صغيرة، بعد تصفيف شعرها: «على المسرح نسير في عرض، واليوم أرتدي فستاناً جميلاً، وأحاول تقديم شيء من عرض الأزياء».

الضوء لمَن يجرؤ أن يكون نفسه (أ.ب)

وأضافت إحدى المنظِّمات، لاريسا بوكور: «قد يشعرون ببعض التوتّر أحياناً، فهذه رهبة اللحظة، ولكنهم يحبّون حقاً أن يكونوا محطَّ الأنظار. نعلم أنهم يرغبون في الأضواء، وأعتقد أنها فرصة ممتازة لهم».

ويعدّ اليوم العالمي لـ«متلازمة داون» مناسبة للاحتفاء بحياة المصابين بها، وضمان تمتعهم بفرص متكافئة وحقوق متساوية، إلى جانب تعزيز الوعي المجتمعي بقضاياهم.

وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد أعلنت، في عام 2011، يوم 21 مارس (آذار) يوماً عالمياً لهذه المناسبة.

ويتَّخذ شعار هذا العام من مكافحة العزلة محوراً رئيسياً؛ إذ يشير الموقع الرسمي لليوم العالمي إلى ما تُخلّفه الوحدة من آثار عميقة على حياة المصابين بـ«متلازمة داون».

وجاء في بيان المناسبة: «يشعر الجميع بالوحدة أحياناً، ولكن بالنسبة إلى كثير من الأشخاص من ذوي (متلازمة داون) والإعاقات الذهنية الأخرى، تكون هذه التجربة أكثر شيوعاً وأشدَّ إيلاماً».


عيد الأمهات… حين تلهم الأم ذاكرة الفنانين

من سلسلة «رب ارحمهما» للمصورة نجلاء الخليفة (المصورة)
من سلسلة «رب ارحمهما» للمصورة نجلاء الخليفة (المصورة)
TT

عيد الأمهات… حين تلهم الأم ذاكرة الفنانين

من سلسلة «رب ارحمهما» للمصورة نجلاء الخليفة (المصورة)
من سلسلة «رب ارحمهما» للمصورة نجلاء الخليفة (المصورة)

كما ترعى الأم وتلهم العالم، تترك أثرها أيضاً في قلوب الفنانين وفكرهم وأعمالهم. فقد تتجسّد الأم في العمل نفسه، كما سنلاحظ في حوارنا مع المصورة السعودية نجلاء الخليفة، وأحياناً تُصبح الذاكرة الأمومية أو قضايا الأمهات منبعاً للأفكار، وهنا نتوقف عند أعمال الفنانة منال الضويان.

وربما تتحول رمزية الأمومة إلى مفهوم جمالي وفلسفي ممتد، وهنا نقترب من أعمال النحاتة الأردنية منى السعودي. هذه باختصار رسالة حب وتحية للأمهات بلمسة فنية.

من سلسلة «رب ارحمهما» للمصورة نجلاء الخليفة (المصورة)

«رب ارحمهما»

تُحدّثنا المصورة السعودية نجلاء الخليفة عن لحظة عابرة جمعتها بوالدتها، وولدت على أثرها فكرة عملها الفني «رب ارحمهما كما ربياني صغيراً». في ذلك اليوم، كان الطريق مزدحماً وأمضتا في رحلتهما بالسيارة وقتاً طويلاً. خلال الرحلة، انتبهت نجلاء إلى الطريقة التي تضم بها والدتها يديها، وبعد لحظات من التأمل أدركت أن والدتها دائماً ما تضم يديها بهذه الحركة العفوية، فالتقطت لها صورة. ومن ذلك المشهد تبلورت الفكرة، تقول نجلاء: «الفكرة كانت أن ألتقط صوراً احترافية ليد والدتي، ضمن سلسلة مفاهيمية عن الأمومة، بدأت بصور فردية لها ثم توسعت لتشمل الأبناء والأحفاد». تضيف: «العمل يخلّد قصة أمي، قصة اليد الحانية التي رعتني وآمنت بي. قصة امرأة حكيمة وقوية وأم ناجحة».

بدأت نجلاء الخليفة تصوير السلسلة في عام 2017 وتنظر إليها على أنها مشروع مستمر. شاركت بالمجموعة في مسابقة طوكيو الدولية للتصوير، وفازت بالميدالية الذهبية عن محور العائلة. تصف ردود الفعل عند عرض المجموعة لأول مرة في مهرجان سكة للفنون والتصميم بمدينة دبي قائلة: «كان التفاعل غير مسبوق، حميمياً وشخصياً، زاره أشخاص من مختلف أنحاء العالم، ومع ذلك الإحساس بالأم هو ذاته. الكثير رأى نفسه في هذه المجموعة، البعض غالبتهم دموعهم عند تذكّر والدتهم الراحلة، وآخر أخرج هاتفه للاتصال بوالدته، والبعض شارك ذكريات طفولته مع والدته».

من سلسلة «رب ارحمهما» للمصورة نجلاء الخليفة (المصورة)

تقول الخليفة عن سبب اختيار عنوان العمل «رب ارحمهما كما ربياني صغيراً» أنها أرادت أن ترمز إلى العلاقة التكاملية بين الأم والأبناء حيث تغمر الأم أبناءها بالرعاية والاحتواء في صغرهم وحين يكبرون تتبدل الأدوار. أما عن سبب تصوير الأيدي فتوضح: «اليد ترمز للكثير من القيم والمعاني، اليد هي البصمة التي تختزل تاريخ الإنسان من ذكريات سعيدة وحزينة. كذلك فاليد هي التي تربيك وترعاك وتطمئنك وتساندك وتدعو لك».

نسأل نجلاء: ما الدرس الأهم الذي تعلمتِه من والدتك؟ تجيب: «الكثير من الدروس، من أهمها التركيز على تحقيق الأهداف مهما كانت الصعوبات والاستمرار حتى الوصول». تضيف في نهاية الحوار: «كنت سعيدة جداً بمشاركة شغفي في التصوير مع والدتي وعائلتي في هذا المشروع الحميمي، وكم تمنيت لو أسعفني الوقت ونفذت سلسلة مشابهة مع والدي رحمه الله».

«أمومة الأرض»

لطالما ارتبط مفهوم الأمومة بالأرض، فالأم تحمل في داخلها سر الحياة وكذلك الأرض، والأم تحمي الجنين في رحمها وترعاه، كما تنمي الأرض البذور وتغذّي كل الكائنات. هذا المفهوم ترك أثره على فكر الفلاسفة وأعمال الكتاب والفنانين، ومن أبرزهم على الصعيد العربي الفنانة الراحلة منى السعودي. في عام 1965 أنجزت عملها «أمومة الأرض»، وهو أول منحوتة لها بخامة الحجر «مادة الأرض الأولى»، كما وصفتها في مذكراتها. هذا العمل هو تجسيد حي لانشغالها منذ الطفولة بالأرض والطبيعة وميتافيزيقية الخلق. وحين أرادت التعبير عن علاقتها الوثيقة بالأرض اختارت وصفاً بليغاً لها وهو الأمومة. خلال مسيرتها الفنية جمعت منى السعودي في أسلوبها التجريدي بين الطابعَيْن الهندسي والعضوي، وتميزت أعمالها بالكتل المستديرة والمنحنية المرتبطة فنياً بالجسد الأنثوي.

منى السعودي - «أمومة الأرض» 2006 (إنستغرام)

كما استمرت في تقديم أفكار حول مفهوم التكوين وتقاطعاته مع موضوعات النمو وقوة الحياة والخلق والخصوبة وكذلك الأمومة. في سبعينيات القرن الماضي أصبحت أعمال منى السعودي أكثر قرباً من موضوعات الأمومة والخصوبة، فمن بين الأعمال التي قدمتها، عمل بعنوان «أمومة» في عام 1972، وكذلك «ولادة» عام 1971، ومنحوتة رخامية بعنوان «أم وابن» أنجزتها في عام 1981. كما كررت على مدار حياتها الفنية تسمية عدة منحوتات بـ«أمومة الأرض»، ومنها منحوتة بحجر لبناني أنجزتها عام 2006، هذه المنحوتة اختارتها من السعودي لتترك برفقتها على صفحة «إنستغرام» الخاصة بها، معايدة لكل الأمهات بمناسبة يوم الأم.

نخلة وشجرة

دأبت الفنانة منال الضويان على تناول قضايا النساء في أعمالها، وحرصت على أن يكن مشاركات فاعلات في إنجاز كثير منها، وبطبيعة الحال كانت للأم حصة من هذه الأعمال.

منال الضويان «أنا منك وأنت مني» (موقع الفنانة)

من حكاية والدتها مع النخيل استلهمت عملها «أنا منك وأنت مني». كانت والدة منال الضويان تتحدث إلى أشجار النخيل بوصفها عادة متوارثة، تتبادل معها حوارات عامة، تأخذ في مرات منحى أكثر خصوصية فيه أحاديث عن الحب والموت. كانت منال الضويان تظن أن هذا الحوار من طرف واحد، لكنها اطلعت لاحقاً على أبحاث علمية تثبت أن للنخيل قدرة على التواصل بلغة صامتة من خلال الرائحة والطعم ونبضات كهربائية. في وصف العمل توضح منال الضويان أن هذا العمل هو محاولة لخلق عالم بديل مع المشاهد تطرح فيه حوارات عن الشجر والبشر، ومن هو الأقدر على التفاعل مع العالم وبناء بيئة آمنة. ومن ناحية أخرى تعكس حكاية والدتها مع النخيل نداء لندرب حواسنا على التواصل مع المخفي والاستماع إلى ما هو غير مسموع. يتكون «أنا منك وأنت مني» من قطع مختلفة الأحجام من نسيج البوليستر وعرض العمل عام 2017 في «فن أبوظبي» بمدينة العين.

شجرة الذاكرة للفنانة منال الضويان (موقع الفنانة)

في عملها «شجرة الذاكرة» طلبت منال الضويان من مجموعة من المشاركات كتابة ورسم شجرة العائلة الخاصة بهن، ولكن من منظور نسائي، بداية من اسم المشاركة ثم الأم والجدات. هنا تطرح الضويان فكرة تثمين ما تحمله النساء من ذاكرة اجتماعية تتمثل في العادات والتقاليد، وكذلك التاريخ الشفهي من حكايات وأساطير وأغاني الأمهات لأطفالهن. يتكوّن العمل من سلاسل من أوراق الشجر النحاسية التي تحمل الأسماء. جمعت منال الضويان ألفي قطعة من الأوراق النحاسية و400 رسم لشجرة العائلة. اتخذت سلاسل الأوراق النحاسية من أسماء الأمهات والجدات تصاميم مختلفة خلال سفرها وعرضها في مدن عدة حول العالم.

Your Premium trial has ended


رندة كعدي: دوري في «بالحرام» فرصة العمر

تكسر رندة كعدي مع شخصية «مارغو» نمط الأدوار التي سبق أن جسّدتها (إنستغرام الفنانة)
تكسر رندة كعدي مع شخصية «مارغو» نمط الأدوار التي سبق أن جسّدتها (إنستغرام الفنانة)
TT

رندة كعدي: دوري في «بالحرام» فرصة العمر

تكسر رندة كعدي مع شخصية «مارغو» نمط الأدوار التي سبق أن جسّدتها (إنستغرام الفنانة)
تكسر رندة كعدي مع شخصية «مارغو» نمط الأدوار التي سبق أن جسّدتها (إنستغرام الفنانة)

تستمرّ الممثلة رندة كعدي في مفاجأة جمهورها عبر أدوار تترك بصمتها في الذاكرة اللبنانية. فعلى مدى سنوات، حافظت على قدرة لافتة على تقمّص شخصيات رسخت لدى المشاهدين وأثّرت فيهم. لكنها في المسلسل الرمضاني «بالحرام» اختارت أن تتحرَّر من القوالب المعتادة، وطلبت الابتعاد عن دور الأم.

وجاءها ما رغبت به من خلال شخصية «مارغو»؛ امرأة مكسورة ومجروحة، لكنها تنطق بالحكمة وتختزن في صمتها وجعاً عميقاً.

تعدُّ دور «مارغو» فرصة العمر (إنستغرام الفنانة)

في المَشاهد الأولى، لم يتعرّف الجمهور سريعاً إلى رندة كعدي، وبدت كأنها قشّرت جلدها وأعادت تشكيل ملامحها لتجسّد امرأة أنهكها الألم. لم تُبالِ بظهورها لثوانٍ في البرومو الترويجي، ولا بعدم إدراج اسمها في مقدّمة الشارة. فطبيعة الدور سرقتها من ملذّات الشهرة، وعدَّته «دور العمر». وتعرَّضت لانتقادات ممّن رأوا أنّ الشخصية لا تشبه مسيرتها، في حين تصدَّر الثناء على أدائها منصّات التواصل الاجتماعي. فهل تُجامل كعدي جمهورها أم أنّ القرار يعود إليها وحدها؟ تردّ في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «أمنح الحيّز الأكبر لرندة الممثلة، فهي تعرف تماماً كيف ولماذا تختار أدوارها. كنت مدركة أنّ البعض لن يتقبّل (مارغو) للوهلة الأولى. لكن مهنتنا تقوم على التحدّي والشغف. انتظرت طويلاً دوراً يُحرّرني من شخصية الأم. قدّمت أدواراً مشابهة على المسرح، لكن جمهور الشاشة الصغيرة لم يرَني بهذا الشكل من قبل. الممثل هو كلّ الناس؛ الطبيب والمجرم والضعيف وصاحب العاهة. وربما الذين يشبهونها هم مَن رفضوا رؤيتها. فالفنّ يقول الحقيقة كما هي وبصوت مرتفع».

وتشير كعدي إلى أنها، رغم سنوات حصرها في دور الأم، عرفت كيف تلوّنه شكلاً ومضموناً. فقدّمت أم الشهيد والمربية والشريرة، لكنها وصلت إلى مرحلة باتت تبحث فيها عن المختلف: «شبعت من تلك الأدوار، ونهمي التمثيلي يُطالب بالتجديد. طالبت بدور المرأة المحطّمة والمقهورة، فجاءت (مارغو) لتروي عطشي وكأنها جائزة العمر». وتضيف: «المخرج فيليب أسمر وشركة (إيغل فيلمز) وثقا بقدراتي، فوافقت فوراً من دون شروط، وحتى من دون تصدُّر اسمي الشارة. الغلاف لا يهمّني، الجوهر هو الأساس».

حرصت كعدي على الإحاطة بجميع طبقات الشخصية، فاجتهدت وحضّرت لتقدّم أداءً بمستوى عالٍ. وجاءت ظروف الحرب لتزيد تمسّكها بالدور، وتمنحها مساحة للانفصال عن وجعها الشخصي تجاه الوطن. وتعلّق: «(مارغو) هي الوطن المترنّح والمجروح، لكن روحه تنبض بجوهر جميل. عشقتها منذ اللحظة الأولى لأنها تشبه وطني».

الثقة التي تُمنح للفنان تدفعه إلى المثالية. فمنذ مشهدها الأول، التقطت أنفاس المشاهدين وزملائها في الكواليس. وتعدُّ مشاهدها مع تقلا شمعون «الكرزة على قالب الحلوى»: «نحن زميلتان منذ أيام الجامعة. في المسلسل تبادلنا الكرة بمهارة، وكنّا نعرف كيف نمرّر الأهداف بنظرة أو بحركة. مَشاهدنا اتّسمت بسلاسة وتركت أثراً واضحاً. وحين كانت تتّسع الحلقة لمَشاهد جماعية، كانت المتعة تكبر. إحساس لم أختبره من قبل».

وكما يبلغ المطرب حالة السلطنة، تصف كعدي انسجامها مع شخصية مارغو: «عادةً أتفادى مُشاهدة أعمالي خوفاً من جلد الذات. لكن في (بالحرام) كسرتُ القاعدة. قرّرت أن أسامح نفسي حتى لو أخطأت. التصوير في أجواء الحرب كان قاسياً، لكنني شعرت بالفخر وأنا أقول لنفسي: (يعطيكِ العافية)».

رندة كعدي سبق أن اشتهرت بأدوار الأم (إنستغرام الفنانة)

تتمنّى لو وثّقت الكاميرا لحظات تجمّع الممثلين خارج المَشاهد: «كنّا مصرّين على النجاح رغم الحرب. نُشجّع بعضنا ونستعيد طاقتنا كأننا بدأنا التصوير للتو».

وعن تغيير شكلها الخارجي، توضح: «الفكرة تعود بالكامل للمخرج فيليب أسمر الذي يعرف كيف يمنح الشخصيات ملامح نافرة، كما فعل سابقاً مع رندة حشمي ومارينال سركيس. بعدها عملتُ على بناء الشخصية مع مدرّبتي ابنتي تمارا، فصنعنا طبقاتها ونظراتها ولغة جسدها وخلفيتها. مهمتنا كانت بناء هوية خاصة بـ(مارغو) من دون المساس برؤية فيليب».

وتؤكد أنها تصل إلى موقع التصوير وقد حفظت دورها كاملاً، ومستعدّة في الوقت نفسه لأي إضافات يُقرّرها المخرج: «أغنى فيليب أسمر شخصية (مارغو) بتفاصيل كثيرة، من نبرة الصوت إلى روح الدعابة والحكمة. أتعامل مع كلّ مشهد كما لو أنه امتحان يجب أن أنجح فيه. لم أدخل يوماً موقع التصوير من دون جاهزية تامة. هذا ما تعلّمته من المسرح. وحتى اليوم، ما زلتُ أرتجف ويجفُّ ريقي كأنني أمثّل للمرة الأولى».

بَنَتْ شخصية «مارغو» مع مدرّبتها ابنتها تمارا (إنستغرام الفنانة)

بعد انتهاء التصوير، لا تزال تستحضر طرائف الشخصية: «حوّلتني إلى امرأة مَرِحة رغم الحرب. منحتني قوة داخلية وداوت روحي، فتعافيتُ من الخوف والحزن». وعن خطوتها التالية، تقول: «سأنتظر ما سيعرضه عليَّ أصدقائي المخرجون. لم أتوقَّع (مارغو) هذا العام؛ لذا أترك للغد مفاجآته. ابنتي قالت إنني كسرتُ صورة نمطية لازمتني طويلاً، وبدأتُ فصلاً جديداً في مسيرتي. بعد 40 عاماً، استعدت شبابي مع هذا الدور. تمنّيت لو جاء أبكر، ربما كان فتح أمامي آفاقاً أوسع».

وحول غياب الكاتبة نادين جابر عن الموسم الرمضاني، تختم: «الكاتبان فادي حسين وشادي كيوان أدّيا عملهما على أكمل وجه. لكن لا بدّ من الإشارة إلى أن فيليب أسمر كان المايسترو الذي أدار العمل من البداية حتى النهاية، وقرَّب إيقاع النصّ من حبكة نادين جابر التي اعتادها الجمهور. فهي تملك أسلوباً خاصاً بها لا يُشبه غيرها».