ما لم يحدث وإمكانية فتح الأقواس في نهاية «خيوط المعازيب»

الدراما مثل الرواية والفيلم تشتغل كالمجاز المرسل

مريم حسين وعبد المحسن النمر في مشهد من المسلسل (الشرق الأوسط)
مريم حسين وعبد المحسن النمر في مشهد من المسلسل (الشرق الأوسط)
TT

ما لم يحدث وإمكانية فتح الأقواس في نهاية «خيوط المعازيب»

مريم حسين وعبد المحسن النمر في مشهد من المسلسل (الشرق الأوسط)
مريم حسين وعبد المحسن النمر في مشهد من المسلسل (الشرق الأوسط)

ينتهي المسلسل السعودي «خيوط المعازيب» بتحقّق «العدالة الشعرية»، بانتصار الخير على الشر؛ فالشرير أبو عيسى (عبد المحسن النمر) يلقى حتفه غرقاً في العين مقيّد اليدين والقدمين، وتُلقي الشرطة القبض على الجاني أبو أحمد (سعيد قريش)، ويمتلئ الجزء الأخير من الحلقة الأخيرة بالعرضة والغناء احتفالاً بعيد الأضحى، وبلحظات التسامح والتصالح بين الأصدقاء وطي صفحات الماضي.

⁨يتناول المسلسل منطقة الأحساء في حقبة الستينات من القرن الماضي (الشرق الأوسط)⁩

لم تَرُق هذه النهاية للبعض، كما يظهر في التعليقات والكتابات في وسائل التواصل الاجتماعي؛ ما يدلّ على انتظارهم نهاية مختلفة، أو مفتوحة، ولكن خابت توقعاتهم؛ إذ كان لصانعي المسلسل وجهة نظر مختلفة تجسدت في إنهائه بخاتمة، بحل وإخماد بؤر الصراع والتوترات.

كتب وزير الثقافة والإعلام الأسبق إياد مدني، في «إكس»، مُعَلِّقاً على النهاية: «وجاء المشهد الأخير تقريرياً مُقحماً. وانتهى السيناريو سعيداً مفرحاً، فقد انهزم الأشرار وانتصر الأخيار وحُلَّت العُقد». وكتب الدكتور حسن مدن في مقالته الموسومة بـ«خيوط المعازيب» المنشورة في («التقدمي» - 14/ 4/ 2024): «بدا لنا أن ما نريد تسميته (إغلاق الأقواس) في الحلقة الأخيرة من المسلسل بنهاياتٍ (سعيدة) لمسارات التناقض والصراع في أحداث المسلسل وبين شخصيّاته، مُفْتَعلاً، وربما كان الأفضل إبقاء تلك الأقواس مفتوحة، تمهيداً لعملٍ متمّم».

لا يختلف رأيي في نهاية المسلسل عن موقفَي الوزير والدكتور، كنت مثلهما أنتظر نهاية مختلفة مفتوحة تدعو المشاهدين إلى تخيّل نهايات للمسلسل. لكنني لا أرى أن انتهاء المسلسل بإغلاق/ قفلة، يمنع صنع جزءٍ ثانٍ. أعتقد لو أن صانعيه أرادوا إنهاءه بما يمهد لتتمة، لفعلوا ذلك وبسهولة، مع إبقاء جزء العرضة والغناء من الحلقة. على سبيل المثال، بدفع عودة شيخة (مريم حسين) إلى ما بعد مشاهد الاحتفال بالعيد والغناء، وإنهاء الحلقة بدخولها بيت أبو عيسى أو حتى بوقوفها في المدخل. سيكون وقوفها نهاية مشوقة وموحية بتتمة.

مريم حسين في مشهد من العمل (الشرق الأوسط)⁩

مما قد يحدث في الجزء الثاني بعد عودة شيخة:

تعود شيخة إلى البيت الذي غادرته مُكرهة تفادياً لطلاقها، بعد أن رأت أنه لم يعد بيتها، ولم تعد السيدة فيه كما كانت قبل أن تدخله بدرية (ريم إرحمة) زوجة ثالثة لأبو عيسى. وزاد الطين بِلَّة تفضيل أبو عيسى لزوجته الأخرى مريوم (دانة آل سالم) على شيخة بعد أن ساءت العلاقة بينه وبين بدرية. فما أتخيل حدوثه هو سعي شيخة، في اللحظات الأولى بعد عودتها، إلى بسط سيطرتها على البيت، واسترداد مكانتها. لن تواجه في تحقيق هدفها أي صعوبة، فمريوم ضعيفة ومهيضة الجناح (حتى هذه اللحظة)، ولا تستطيع الوقوف في وجه شيخة المدعومة من ابن أختها عيسى (ياسر عماد). ولن يطمئن قلبها قبل أن تخطف «المرتعشة» من مريوم.

وربما يكون الاستيلاء عليها أول شيء تقوم به. شيخة لن تشعر بأنها «شيخة البيت»، قبل أن ترتعش «المرتعشة» المشهورة على صدرها.

المثير أن لـ«مرتعشة» أبو عيسى حياة، وحكاية خاصة؛ حكاية انتقالات وتغيرات في وظائفها ودلالتها. فبانتزاع شيخة للمرتعشة من مريوم، يكون صدرها «المكان» الذي تنبسط المرتعشة فيه وتخطف الأنظار إليها لأول مرة منذ اشتراها أبو عيسى لبدرية.

اشترى أبو عيسى «المرتعشة» لبدرية غطاءً لكذبته؛ بأن رحلته إلى البحرين للبحث عن ابنها فرحان (محمد عبد الخالق) باءت بالفشل، بينما هو لم يسافر لأبعد من الدمام. وعاد إليها بالمرتعشة ليغطي بها كذبته، ويغطي بها صدرها، لتكون، في الآن نفسه، رمزاً ودليلاً على حبه وتفضيله إياها، ودالة على ثرائه، ومثيرة لغيرة النساء الأخريات. ثم تحوّلت القلادة الذهبية الكبيرة إلى أداة لعقاب بدرية، عندما انتزعها أبو عيسى منها بعد اكتشافه محاولتها تسميمه وقتله، فانتهى المطاف بـ«مرتعشة أبو عيسى» على صدر مريوم، التي ارتفعت مكانتها، ما أثار غضب شيخة. سيكون صدر شيخة، في حال انتزاع «المرتعشة» من مريوم، المرفأ الأخير الذي طال انتظاره لرسوّها واستيلائها عليه.

يُعرف المسلسل ملامح الحياة الاجتماعية الأحسائية القديمة في العمل (الشرق الأوسط)

شيخة ترمي بتفاحة الخلاف في بيت أبو عيسى وخارجه

ثمة تشابه، إلى حد ما، في شخصيتي أبو عيسى وشيخة، في تجاور الحب والكره، والخير والشر، والنزعة التآمرية، وحب السيطرة. أبو عيسى جشعٌ وقاسٍ ومستبدٌ في الخارج، وفي بيته أبٌ محبٌ وحنون، وزوج محبٌ، خصوصاً لزوجته الأولى أم عيسى، ولبدرية، قبل أن يقلبَ عليها ظهر المجن. أما شيخة، فقد دفعها حبها لابن وابنة أختها وحرصها عليهما إلى الزواج من أبو عيسى.

أعتقد أن بعض الشر الذي غادر البيت وخلت «الديرة» منه بموت أبو عيسى سيعود متجسّداً في شيخة، وستكون مريوم أولى ضحاياه المحتمَلين؛ فمع وجودها وشيخة تحت سقف واحد ستجد مريوم نفسها خادمة لضرتها الأولى مثلما كانت من قبل. الشر لا يموت ولا ينتهي من العالم، وشيخة امرأة يلتقي فيها النزوع للشر والغيرة والشعور بالظلم لاعتقادها أنها لم تنل من «أبو عيسى» التقدير الذي تستحقه، رغم أن العلاقة بينهما لا يمكن وصفها بالعلاقة الزوجية العادية، أو بأنها قائمة على المودة بينهما، وهي التي أبقت باب حجرتها موصداً في وجهه منذ أن تزوجته.

ومن المحتمل أن ترمي شيخة تفاحة الخلاف بين عيسى وزوجة أبيه مريوم حول توزيع ميراث الأب، وبينه وبين بدرية التي ستُطالب بنصيب ابنتها من الميراث؛ ما قد يؤدي إلى تفجير خلاف بين عيسى وفرحان الذي من الطبيعي أن يَهُبَّ إلى مؤازرة أمه التي يرى أن «أبو عيسى» اضطهدها وظلمها، ولم تحصل منه إلاّ على البيت الخرابة. وقد تُحَرِّضُ شيخة ابن أختها على ملاحقة مَن سرقوا ثروة أبيه، ما يؤدي إلى اندلاع صراعات جديدة. وكان لذلك سابقة في تحريضها لعيسى وشقيقته فاطمة (إرم فيصل) على أبيهما، ومطالبته بنقل ملكية البيت إليهما.

مريم حسين وعبد المحسن النمر في مشهد من المسلسل (الشرق الأوسط)

لكن وبينما أنا أكتب هذا السيناريو، أدركُ أنه غير ملائم، لأسباب، أهمها أنه يُكرّر ويبعث توترات وصراعات قديمة، والتكرار يُوَلِّد الرتابة، ويخفضُ مستوى إلا بداع والإمتاع. ولا يُميّز هذا السيناريو سوى عرضه الشر بوجه أنثى (شيخة)، بالإضافة إلى تقديم بيت أبو عيسى كصندوق باندورا مصدَرَ كل الشرور، بينما الشر في كل مكان وزمان، وحتى في كل شخص، يشتبك في صراع مع نقيضه الخير.

إن إغلاق الأقواس لن يمنع صنع جزءٍ ثان، ولا أشك في أن صانعي المسلسل قادرون على فتحها، ربما بسهولة إزاحة مشهد عودة شيخة إلى نهاية الحلقة الأخيرة، لو أرادوا أو فكروا في ذلك. فإن لم يكن لديهم أي مفتاح الآن لمعالجة الأقواس التي أغلقوها بالنهايات السعيدة كما يقول د. مدن، فأمامهم ما يكفي من الوقت لصنع مفاتيح وابتكار حلول تمكّنهم من وَصْلِ المتأخر بالمتقدم، وبأكثر من طريقة.

يركز العمل على علاقة الأبناء بالآباء قديماً (الشرق الأوسط)

الدقة التاريخية والمقاربة المجازية للمكان

«خيوط المعازيب» (دراما فترة)، التفاتة إلى الوراء جميلة وممتعة «صمّغَت» عيون الكثيرين عبر العالم العربي بالشاشة الصغيرة. دراما تصوّر أجواء الحياة في الأحساء في ستينات القرن العشرين، يتجلى في حلقاتها اهتمامٌ كبير بالمكان، أفضى إلى انفراده بالبطولة في المسلسل كما ذكر الناقد محمد العباس، أو إلى طغيانه على عناصر أخرى، مثل بناء الشخصيات وتطويرها، حسب الأديبة والسيناريست الكويتية منى الشمري. طغيان المكان ناشئ، كما يبدو، عن الحرص على مطابقة الصورة للواقع ومحاولة نسخه/ استنساخه بدلاً من استحضاره وبعثه. كان يمكن تصوير المكان واستحضاره بأسلوب المجاز المرسل، حيث الجزء يرمز أو يعبّر عن الكل أو العكس، والقليل عن الكثير، وبأقل عدد من ملامح ومفردات الثقافة والبيئة الأحسائية آنذاك، وتركُ المشاهد ليشارك في إكمال صورة المكان معتمداً على ذاكرته أو مخيلته، أو عليهما معاً. أعتقد أن الدراما (مثل الرواية والفيلم) تشتغل كالمجاز المرسل في مقاربتها واستحضارها الأحداث التاريخية والأمكنة بموجوداتها، بدرجة عالية من والاختيار والانتقاء، حتى لو نجم عن ذلك تجاهل أحداث كبيرة في الحقبة التاريخية التي تعود إليها. يُحسب لـ«خيوط المعازيب»، عدم التفاته إلى الأحداث الكبيرة في المنطقة لأنها خارج دائرة الاهتمام، وليس لها تأثير على مجرى الأحداث. من ناحية أخرى، أتمنى لو أن صانعي المسلسل لم يُغرقوا العمل بفائض من الأشياء والتفاصيل التي جعلت المكان يظهر في «صورة متحفية»، كما علَق الناقد عيد الناصر.

سيكون الجزء الثاني، إن جاء، أفضل، وخالياً من المفارقات التاريخية ونقاط الضعف التي أشرت وأشار إليها آخرون. ومثل سابقه، سيوفر «خيوط المعازيب - 2» فرصة مشاهدة ممتعة، وسَيُلْصِقُ عيوناً كثيرة بالشاشات الصغيرة.


مقالات ذات صلة

ادّعت العجز وظهرت على أمواج المكسيك... سقوط مزاعم سيدة استولت على الإعانات

يوميات الشرق الحقيقة... لا تبقى مخفيّة (وزارة العمل)

ادّعت العجز وظهرت على أمواج المكسيك... سقوط مزاعم سيدة استولت على الإعانات

في واقعة تكشف عن تحايل فاضح على منظومة الإعانات، انهارت مزاعم سيدة بريطانية ادّعت أنها حبيسة منزلها بسبب مرض نفسي...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق البحر ينتظر عودته (أ.ف.ب)

عملية إنقاذ غير مسبوقة... حوت أحدب يعود إلى المياه العميقة

تمكَّن حوت أحدب كان عالقاً على ضفة رملية قبالة منطقة تيميندورفر شتراند الألمانية المطلَّة على بحر البلطيق من تحرير نفسه ليلة الخميس - الجمعة.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق الحرب التي يشهدها لبنان أفقدته متعة الاستمتاع بالنجاح (إنستغرام مغنية)

باسم مغنية: الحرب سرقت فرح نجاحي في «بالحرام»

نجاح «فريد» جماهيرياً لم يخفِّف وقع الحرب على باسم مغنية، الذي يقدِّم شخصية صادمة تحمل رسالة تحذيرية للأهل.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق يُجري صادق الصبّاح بعد كل موسم رمضاني جردة حساب (شركة الصبّاح)

صادق الصبّاح يكشف سبب خروج «ممكن» من السباق الرمضاني

يؤكد صادق الصبّاح أن مسلسل «ممكن» لم يكن ملائماً للعرض في الموسم الرمضاني، ما دفع إلى تأجيله.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق كلمات صغيرة وأثر كبير (إكس)

رسائل ابنة الـ11 عاماً تتحوَّل جدارية فنّية في مدينة إنجليزية

حوَّلت السلطات المحلّية في مدينة وولفرهامبتون الإنجليزية رسائل إيجابية خطَّتها فتاة في الحادية عشرة من عمرها إلى جدارية فنّية دائمة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
TT

في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)

في ظرف حالك، ودّع لبنان أحمد قعبور، الفنان الذي غنى بيروت والجنوب كما لم يفعل أحد. صراعه الطويل مع المرض لم يمنعه من أن يبقى كالرمح يقف على الخشبات حتى الرمق الأخير، ويمتّع جمهوره بحضوره الدمث وأغنياته التي حفرت عميقاً في وجدان الناس.

هو ابن الحروب والمعاناة، من رحمها وُلد، وبقي وفياً لآلام الناس وتفاصيلهم الصغيرة الحميمة. بيروتي أصيل، سكنت مدينته روحه، وقضايا المقهورين وجدانه. وُلد عام 1955 ونشأ في الستينات، في حين كانت النهضة اللبنانية الفنية في قمة فورانها. تأثر بوالده عازف الكمان محمود الرشيدي الذي اصطحبه معه إلى حفلات زرعت في نفسه حسّاً فنياً مبكراً، ثم جاء دخوله معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية ليشحذ ميوله الأولى، ويصقل موهبته.

أحمد قعبور في البدايات (فيسبوك)

هو ملحّن، ممثل، كاتب، مغنٍّ، تلفزيوني، إذاعي، مسرحي... تعددت اهتمامات أحمد قعبور، وبقيت كلها تصب في مكان واحدٍ: الفن الملتزم بالإنسانية نهجاً. تفرعت إبداعات أحمد قعبور، حتى قال إن تلك المجالات العديدة التي عمل فيها ربما شغلته عن التركيز. لكنه في حقيقة الأمر كان فناناً أخّاذاً، أينما يمّم وجهه.

قال ذات مرة وهو الذي بقي فلسطيني الهوى والبوصلة، إن قناعاته الآيديولوجية الأولى تحولت إلى كل ما له علاقة بالقيمة الإنسانية والكرامة، وصوب ذاكرته الفردية والجماعية.

مع بدء الحرب اللبنانية الأهلية، وكان في التاسعة عشرة من عمره، انخرط في دعم ومساعدة المواطنين، يجمع الأغذية ويوزعها على المحتاجين. في تلك الفترة كان يقرأ الشاعر توفيق زياد، ووقع على قصيدته «أناديكم، أشد على أياديكم، وأبوس الأرض تحت نعالكم، وأقول: أفديكم». أحبها ولحّنها، وغنّاها، أثناء تجوال له مع فرقة موسيقية شبابية صغيرة، في مستشفى ميداني في «جامعة بيروت العربية»، فجاء تجاوب الجرحى والمرضى مفاجئاً له، واضطر إلى أن يكررها مرّات ومرات وسط استغراب الموجودين واستغرابه هو أيضاً.

صارت أغنيته الأولى هذه نشيداً لا ينطفئ، وبقي الناس يرددونها طوال خمسين سنة، بالحماسة نفسها وكأنها وُلدت اليوم.

كرّت سبحة أغنيات قعبور، وبقيت كلها أمينة لنصيحة والده، حاملة «نبض الناس». هكذا جاءت «يا رايح صوب بلادي»، و«علوا البيارق»، و«نحنا الناس»، و«نبض الضفة»... حيث ظل الإنسان العادي الكادح، في صميم أعماله، وهو يمثل ويعلّم ويلحّن، ويكتب أغنياته.

بيروتي بحق، تأثر إلى حدّ بعيد بابن مدينته الفنان الثائر عمر الزعني الذي لُقب بـ«موليير الشرق». ولإعجابه الشديد به، أعاد أغنياته إلى الحياة في ألبوم خاص، بعد أن كان منسياً، كاشفاً عن عبقرية فذة ذات روح كاريكاتيرية، تنهل من الحياة اليومية، وتعيدها ألحاناً وكلمات.

يوم كان الغناء رسالة وأصحابه يجوبون المؤسسات التعليمية (فيسبوك)

رأى قعبور نفسه في هذا الفنان البيروتي المنتفض على الظلم الاجتماعي الذي التقط صور من حوله بعينَيه، وترجمها كلاماً هزلياً جارحاً وموسيقى متهادية. فغنى قعبور «بيروت زهرة في غير أوانها... محلاها ومحلا زمنها»، و«بدي غني للناس، إلي ما عندن ناس، وكانوا هني الأساس»، و«بيروت يا قصة، يا صندوق فرجة كبير». غرف من قاموس مدينته الجريحة، وهو يغني قاموسه الفني، دون أن تجفّ بئره. ابن حارات «البسطة التحتى»، نسج لكل مناسبة وركن في بيروت أغنية، من العيد إلى رمضان بفوانيسه، إلى شوارعها، وبحرها، وشمسها، وعصافيرها... غنى لأمه التي ودّعته في الصباح «بضفيرة قليلة ويدين من دعاء»، وأوقدت «ناراً صغيرة لأجله». حوّل قعبور الأشياء الرتيبة المكرورة إلى ألحان اختلط فيها الفرح بالشجن، ونسج حكايات يتماهى معها الهامشيون والمنسيون.

كما واكب قعبور مآسي فلسطين، ونازحي المخيمات، وأهل الجنوب اللبناني، والهجمات الغادرة عليهم. لم يتوقف جمهوره عن تكرار «الشمس تأكل لحمهم لكنهم يعاندون الشمس، من بطون الأرض يطلعون من عيون الشمس يطلعون، من وجه القمر، إنهم جنوبيون». بقيت أغنياته هذه تسطع مع كل قصف وغزو. وها هي «يا رايح صوب الليطاني دخلك وصللي السلام، صبّح أهالي النبطية، وطلّ شوية عالخيام»، تعود وكأنها تُكتب اليوم لبلدات تُجتاح وتُهدم من جديد.

وكما الكبار، كان للصغار منه حصة وافية؛ إذ ساهم في تلحين وغناء مسرحيات عديدة مثل «كلو من الزيبق» و«شو صار بكفر منخار». كما أدى دور الصحافي في مسرحية زياد الرحباني «شي فاشل»، وأدى أدواراً تمثيلية، في السينما في فيلم «ناجي العلي» و«كارلوس»، وفي مسلسل «النار بالنار».

ورغم أنه عمل في أكثر من تلفزيون وإذاعة، فإنه برز بشكل خاص حين انخرط في «تلفزيون المستقبل» راسماً هويته الموسيقية، بأغنيات أثارت الكثير من الجدل، وكأنها تتناقض مع توجهاته اليسارية، النضالية الأولى. وأشهر تلك الأغنيات التي بقيت في ذاكرة الناس هي «لعيونك بتمون»، وسلسلة أخرى من الأغنيات التي رافقت حياة هذه المحطة ووسمت إطلالتها.

وانتشر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيديو لأحمد قعبور، ظهر خلاله وقد فقد توازنه واضطر إلى الجلوس قبل مساعدته من قبل بعض الحضور. كان ذلك خلال مشاركته في حفل «قلوب تغني لحن العطاء»، لرعاية «دار الأيتام الإسلامية». وأثناء غنائه «أناديكم»، بدا عليه التأثر والتعب، وكأنه سيهوي، فهرع الحضور لمساعدته. يومها أثارت حالته قلق محبيه، وخاصة أنه كان يخضع لعلاج سرطان أصيب به.

رحل باكراً أحمد قعبور الذي بقي، رغم مرضه، لا تفارق السيجارة يده، ولا يكف عن تلبية الدعوة للغناء أو المساعدة في أمر خيري. وبغيابه يُطوى اسم أساسي، ضمن كوكبة صنعت مجد الأغنية الملتزمة في لبنان والعالم العربي. ومع أنه كان يكرّر أن التزامه لم يعد نضالياً، حاراً، كما سبق، وأن له معنى مختلفاً، فإن أغنياته بقيت في مجملها ذات طعم وطني، نقدي، متمرد، وإن تغلفت بوشاح رومانسي هادئ.


«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
TT

«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)

أبدى صُنَّاع للسينما في مصر تخوفهم من خسائر كبيرة قد تتجاوز نصف إيرادات دور العرض، مع بدء تطبيق القرار الحكومي الخاص بترشيد استهلاك الطاقة، اعتباراً من السبت 28 مارس (آذار) الحالي ولمدة شهر، والذي ينصُّ على إغلاق جميع صالات السينما في تمام التاسعة مساءً، ضمن حزمة إجراءات أوسع تستهدف خفض استهلاك الكهرباء في قطاعات عدة، على خلفية تداعيات الحرب الإيرانية.

وبموجب القرار الجديد، ستتأثر خريطة عرض الأفلام بشكل مباشر، حيث ستبدأ آخر الحفلات السينمائية في الأيام العادية في السابعة مساءً، بينما تكون آخر العروض في عطلة نهاية الأسبوع عند الثامنة مساءً، ما يعني تقليص عدد الحفلات اليومية، خصوصاً في فترة السهرة التي تُمثِّل عادةً النسبة الأكبر من إيرادات شباك التذاكر.

ويثير هذا التغيير مخاوف لدى المنتجين وأصحاب دور العرض، الذين يعتمدون بشكل أساسي على حفلات المساء لتحقيق أعلى نسب حضور، مع وجود 4 أفلام مصرية تُحقِّق إيرادات جيدة في شباك التذاكر.

وسجَّلت إيرادات السينما المصرية أداءً قوياً خلال الفترة الماضية مع انطلاق موسم عيد الفطر، حيث حقَّقت إيرادات اقتربت من 100 مليون جنيه في 10 أيام فقط، مدفوعة بعرض 3 أفلام رئيسية هي «برشامة» بطولة هشام ماجد، و«فاميلي بيزنس» لمحمد سعد، و«إيجي بيست» لأحمد مالك. وانضم إليها لاحقاً فيلم «اعترافات سفاح التجمع» بطولة أحمد الفيشاوي، والذي شهد أزمةً رقابيةً أدت إلى سحبه مؤقتاً من دور العرض لنحو أسبوع قبل إعادة طرحه.

الملصق الترويجي لفيلم «برشامة» (الشركة المنتجة)

وقال الموزِّع السينمائي محمود الدفراوي لـ«الشرق الأوسط» إن «تأثير القرار سيكون كبيراً للغاية على إيرادات السينما، لكون حفلات ما بعد التاسعة وحتى منتصف الليل تمثل عادة ما بين 60 و70 في المائة من إجمالي الإيراد اليومي، وهو ما يعني فقدان النسبة الأكبر من الدخل اليومي لدور العرض، مع إلغاء الحفلات التي تُمثِّل الركيزة الأساسية لشباك التذاكر، في ظلِّ ضعف الإقبال على الحفلات الصباحية بطبيعتها».

وأوضح أن «الأزمة لن تقتصر على تراجع الإيرادات فقط لأفلام العيد، بل ستمتد إلى قرارات الإنتاج والتوزيع لكون الصناعة تعتمد على عدد كبير من العاملين. ومع تقليص عدد الحفلات اليومية لن يكون هناك حافز كافٍ لطرح أفلام جديدة، الأمر الذي سيدفع صُنَّاع السينما للتريث ومراقبة تطورات الوضع، في وقت لن يغامر فيه أي منتِج بطرح فيلم جديد في ظلِّ عدد حفلات محدود، وهو ما قد يؤدي إلى حالة من التباطؤ في حركة السوق».

وأضاف الدفراوي أن «هذا الوضع قد يدفع إلى إعادة النظر في طرح عدد من الأفلام، خصوصاً ذات الميزانيات الكبيرة، نظراً لاعتماد الصناعة بشكل أساسي على كثافة الحفلات اليومية، وهو ما يجعل أي تقليص فيها مؤثراً بشكل كبير».

صناع فيلم «برشامة» في العرض الخاص (الشركة المنتجة)

ووصف المنتِج والموزع السينمائي جابي خوري القرار بـ«الكارثة». وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «سيؤدي إلى مشكلات كبيرة داخل صناعة السينما ويفاقم أزماتها لكونه يؤثر على منظومة العمل بشكل كامل، وفي ظلِّ خسائر متوقعة لن تقل عن 50 إلى 60 في المائة»، لافتاً إلى أن «تداعيات القرار ستنعكس سريعاً على حركة طرح الأفلام، ولن يكون هناك إقبال من المنتجين على تقديم أعمال جديدة في ظل هذه الظروف، بما يهدد استقرار السوق السينمائية خلال الفترة المقبلة».

رأي دعمه المستشار الإعلامي لـ«الشركة العربية للإنتاج والتوزيع» عبد الجليل حسن، الذي أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «القرار تسبَّب فعلياً في إلغاء ما لا يقل عن 3 حفلات يومياً بدور العرض»، موضحاً أن «الحفلة الوحيدة التي تشهد إقبالاً ملحوظاً هي التي تبدأ في السادسة مساءً، بينما تظل الحفلات الصباحية ضعيفة من حيث الحضور».

وأضاف أن «هذا الوضع سيؤدي إلى خسائر كبيرة لن تقل عن 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مع تقليص فرص تحقيق إيرادات كافية لتغطية تكاليف التشغيل داخل صالات السينما ذاتها».


ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
TT

ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

قال الفنان الفرنسي هنري ماتيس، عام 1950، وهو في الثمانين من عمره: «آمل أن نموت شباباً حتى إن عشنا عمراً طويلاً». رغم أنه عاش لـ4 سنوات أخرى بعد ذلك، كان قد شعر بالفعل طوال عقد، منذ اقترابه من الموت خلال عملية جراحية لمحاربة سرطان الأمعاء، أنه كان يمر بمرحلة جديدة من النمو الإبداعي العميق، أو «حياة ثانية» كما وصفها في خطاب إلى ابنه بيير.

وشهدت هذه الحقبة أعمال الفنان، التي يضمّها معرض باريسي مبهر، يخطف الأنفاس بعنوان «ماتيس... 1941 - 1954». وهو تعاون بين مركز «بومبيدو»، الذي تم إغلاق مقره لأعمال التجديد حتى 2030، وصالة عرض «غراند باليه»، ويستمر حتى يوليو (تموز) 2026.

جانب من معرض «ماتيس: 1941-1954» المقام في غراند باليه بباريس (رويترز)

الحياة الثانية لماتيس

يضم المعرض أكثر من 300 عمل مستعار من جميع أنحاء العالم، وبعضها يُعرض لأول مرة، توضح جميعها كيف تجاوزت الأعمال الفنية الرائعة لذلك الفنان الفرنسي المتميز نطاق لوحاته الشهيرة، لتضم رسوماً ابتكارية وقصاصات من الجواش، وكتباً مصورة، ومنسوجات، ونوافذ من الزجاج الملون المعشّق.

كذلك يتحدى النظرة التقليدية للسنوات «الأخيرة» من حياة أي فنان، كفترة اضمحلال حتمي، حيث نرى هنا دافعاً مزدهراً دؤوباً لتجربة وسائط جديدة وبساطة شديدة يتطلب إنجازها عمراً بأكمله.

جانب من معرض «ماتيس: 1941-1954» المقام في غراند باليه بباريس (إ.ب.أ)

كانت بداية العقد الرابع من القرن العشرين فترة ثرية مشحونة بالنسبة لماتيس، لأسباب بعيدة عن مرضه الشخصي. عندما غزا النازيون فرنسا في يونيو (حزيران) 1940، كان الفنان يزور باريس، لكنه سرعان ما عاد إلى منزله بجنوب فرنسا، التي كانت لا تزال منطقة حرة آنذاك. وظل في هذه المدينة النابضة بالحياة المطلّة على البحر حتى عام 1943، عندما دفعه اقتراب التهديد الألماني باتجاه الشمال نحو التلال حيث وجد الاسترخاء في فيلا مستأجرة تحمل اسم «لا ريف» (الحلم).

ولم تكن الأمور على ما يرام، رغم أن ماتيس كان محاطاً بالخضرة الكثيفة والضوء الذي ذكّره برحلة مؤثرة سابقة إلى تاهيتي. في ربيع 1944، ألقى «الغيستابو» (جهاز أمن الدول الألماني) القبض على زوجته إيميلي وابنته مارغريت للقيام بأعمال مقاومة، وسُجنت إيميلي 6 أشهر، وعُذبت مارغريت ورُحّلت. ورفض ماتيس، الذي صنّفه النازيون بأنه «فنان منحلّ وفاسد»، عرض أعماله أثناء الحرب، بل رفض أيضاً مغادرة فرنسا، في خطوة شعر أنها سوف تكون تخلياً عن البلد وعن مستقبله. مع ذلك، واصل ماتيس العمل بإصرار ومثابرة على نطاق خاص ضيق.

ألوان ومزهريات

يفتتح معرض «غراند بالي»، الذي تُرتب فيه الأعمال زمنياً، العرض بلوحات مضيئة على قماش القنب تتحدى قليلاً الفوضى والخطر الذي أحاط بفترة إبداعها. مع ذلك، تظل ألوان الأحمر والأخضر والأصفر والمغرة (درجة لونية تتراوح بين الأصفر الداكن والأحمر والبني الفاتح) تهيمن على حياة مزهريات، منثور عليها زهر الليمون على طاولات.

لوحة «القميص الروماني» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

وتوجد سلسلة من التصميمات الفنية الداخلية بدرجات لونية مماثلة ومحددة بخطوط سميكة مبسّطة لإظهار غرف تغمرها أشعة الشمس، بها نساء يتكئّن باسترخاء وحدهن على مقاعد مخططة، أو يجلسن في باريس على طاولة.

إنهن يقرأنّ أو يأكلنّ سوياً، بينما توجد وراءهن نافذة مفتوحة على مصراعيها، وتظهر أوراق الشجر المتساقطة على بعد.

«موضوعات وتنويعات»

في الوقت ذاته، اتجه الفنان إلى الرسم والعمل على المطبوعات، التي أشار إليها بأنها كتب «مزيّنة» أكثر من كونها «مصوّرة»، حيث كان يعتقد أن العناصر البصرية مكافئة للنص، ولا تقلّ عنه أهمية. ورسم ماتيس بغزارة، حيث أنتج مئات الصور الشخصية، التي كانت تشهد تكراراً للوجوه نفسها، مع بعض الاختلافات الطفيفة الثانوية.

تعرض مجموعة من 12 لوحة، تصور الكاتب الفرنسي لوي آراغون في أوضاع متباينة، وبتعبيرات وزوايا متنوعة. ومجموعات أخرى، تصور بعضها امرأة متكئة أو حياة ساكنة، وكل صورة مختلفة قليلاً، مثل حركة الكادرات والصور السينمائية المتتابعة. وتوضح تلك المجموعة المتسلسلة، التي أطلق عليها ماتيس «موضوعات وتنويعات»، الخط المتموج المميز للفنان المختزل لأبسط صور من الضربات المفردة الواثقة للحبر على الورق.

عالم من القصاصات

ويخصص المعرض غرفة دائرية مظلمة تذاع فيها مقطوعة صوتية معدّة خصيصاً، لعرض مجموعة من 20 مطبوعة تتمحور حول موضوع السيرك، مصنوعة من القصاصات الورقية الملونة بالجواش والألوان المائية، تتميز بلمساتها النهائية غير اللامعة والدرجات اللونية المشبّعة بكثافة.

تلك الأعمال ذات الألوان المشبّعة العميقة المشعّة المستلهمة من ألوان الأحجار الكريمة صغيرة الحجم، لكنها مذهلة من حيث المضمون والألوان، حيث تتناوب بين الأنماط البسيطة ذات اللونين، وبين التصميمات المعقّدة والمزخرفة بشدة لأشكال ورموز مجردة موجزة.

لوحة «إيكاروس» لهنري ماتيس في المعرض المقام بباريس (رويترز)

من تلك الرسومات «إيكاروس» التي أعاد ماتيس إنتاجها مرات عديدة، وتصور شخص إيكاروس الطائر نحو الشمس، في هيئة جسد أسود بذراعين في وضع ممتد، ونقطة حمراء صغيرة تمثل القلب، ويمثل وضعية السقوط عبر سماء بلون حجر اللازورد الأزرق، مرصّعة بنجوم صفراء مسننة.

وبحلول عام 1948، كانت جدران مرسمه في «لا ريف» قد تغطت بأعمال الكولاج المستخدمة بها ألوان الجواش بمختلف الأحجام، التي كان أحياناً ما تكون كبيرة الحجم، وكثيراً ما تكون مع صور تستدعي الطبيعة مثل سعف النخيل والمرجان والطيور والسمك والنجوم والشمس.

الألوان المحلّقة الطائرة

كان المرسم بالنسبة إلى ماتيس مكاناً لإنتاجية لا تتوقف أو تنتهي. وكان يطلق عليه اسم «المصنع». ويوضح فيلم نادر يعود إلى عام 1951 استخدام ماتيس لمقصات ضخمة، عادة ما تستخدم في تفصيل الفساتين، من أجل قصّ أشكال من الورق الملون، وكانت حركاته سلسة وغريزية، مثل ضربات الفرشاة أو القلم الرصاص، في امتداد مستمر لعمله باستخدام وسائط أخرى.

وقال الفنان عام 1952: «لا يمكن تصور المدة التي قضيتها في فترة أعمال القصاصات. لقد ساعدني الشعور بالتحليق الذي تفجر داخلي في تهذيب حركة يدي، عندما كانت هي المرشد على طريق المقصات». ويظهر هذا الاقتباس في أحد الأقسام الأخيرة للمعرض، الذي يتجلى من خلاله هذا الشعور بالألوان المحلّقة الطائرة، في سلسلة من الخطوط البصرية المبهرة مع عمل واحد كبير متألق يقود إلى التالي ثم التالي.

جدارية من الزجاج الملون في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

وتمهد المربعات ذات اللون المتداخل في لوحة «ذا سنيل» (الحلزون) لأوراق النبات المنسابة في لوحة «أفنثوس» (نبات الأفنثوس)، وسعف النخيل المتألق في لوحة «ذا شيف» (الحزمة)، وأخيراً للأشكال المتعرجة في لوحة «ذا أكروبات» (الألعاب البهلوانية)، و4 أعمال باسم «بلو نيود».

في تلك الأعمال الأخيرة، يظهر شكل امرأة تموجات من خلال أوضاع متنوعة محددة ببراعة بدرجة لونية برّاقة وبعض القصاصات الورقية الملصقة على لوحة خالية من قماش القنب.

إنه لأمر منعش ومطمئن بشكل غريب أن نشاهد كيف خلقت البساطة المكتسبة بمشقة 84 عاماً من الفن.

* خدمة «نيويورك تايمز»