شواهد تراثية وآثار تاريخية سعودية تضيء في يوم التراث العالمي

السعودية تطلق مشروعاً جديداً لحماية الأصول الثقافية وصونها

نوافذ معرفية وتجارب إثرائية لاستكشاف تاريخ التراث الثقافي في السعودية (هيئة التراث)
نوافذ معرفية وتجارب إثرائية لاستكشاف تاريخ التراث الثقافي في السعودية (هيئة التراث)
TT

شواهد تراثية وآثار تاريخية سعودية تضيء في يوم التراث العالمي

نوافذ معرفية وتجارب إثرائية لاستكشاف تاريخ التراث الثقافي في السعودية (هيئة التراث)
نوافذ معرفية وتجارب إثرائية لاستكشاف تاريخ التراث الثقافي في السعودية (هيئة التراث)

شهدت مواقع تاريخية ووجهات تراثية في مختلف مدن ومناطق السعودية، احتفالات وفعاليات بالتزامن مع اليوم العالمي للتراث، فتحت معها نوافذ معرفية وتجارب إثرائية لاستكشاف تاريخ التراث الثقافي في المملكة، وإضفاء الطابع الإنساني على التراث بطرق مبتكرة.

ومنذ (الخميس) الذي يصادف الـ18 من شهر أبريل (نيسان) من كل عام، الذي اختاره العالم موعداً سنوياً للتوعية بأهمية التراث الوطني والمحافظة عليه وصوْنه، أضاء عدد من المواقع التراثية في المدن السعودية التي بقيت شاهدة على رحلة الإنسان وأثره عبر الزمن، فيما وجدت أجيال ناشئة فرصة للتعرف على كثير من التقاليد والمنتجات التقليدية والحرف والصناعات اليدوية التي كانت مصادر الرزق ووسائل الازدهار في الزمن القديم.

عدد من الأنشطة الثقافية التراثية المتنوعة، والمعارض التفاعلية للتراث الثقافي، والعروض الحيَّة، إلى جانب الأنشطة التفاعلية التي تُجسِّد من خلالها الهيئة الحياة المجتمعية القديمة، وعروض لطائرات الدرون التراثية في سماء مدينة الرياض ضمن فعاليات اليوم العالمي للتراث‬⁩.

عدد من الأنشطة الثقافية التراثية المتنوعة والمعارض التفاعلية للتراث الثقافي في يوم التراث العالمي (واس)

تسعى السعودية لجعل التراث ثروة وطنية تعكس الامتداد الحضاري العريق للبلاد (هيئة التراث)

الاحتفاء بالتراث الوطني ومواقعه التاريخية

احتفاء بالقيمة الثقافية لمواقع وعناصر التراث السعودي، أطلقت هيئة التراث عروض الصوت والصورة في عدد من المواقع التراثية في المدن السعودية، لتسليط الضوء على التراث الوطني واستحضار المواقع التاريخية، والتذكير بقيمتها التاريخية وتراثها الثمين.

في منطقة الجوف السعودية أضاء موقع الجمل الأثري بمدينة سكاكا للتذكير بقيمته التاريخية (واس)

وفي منطقة الجوف السعودية، أضاء موقع الجمل الأثري بمدينة سكاكا، وتأتي أهمية هذا الموقع بعد الدراسة التي قام بها فريق سعودي عالمي مشترك كشف خلالها عن نتائج علمية جديدة حول تاريخ موقع الجمل، حيث كشفت الدراسة المنشورة في مجلة علوم الآثار (Journal of Archaeological Science ) عن أن هذا الموقع الذي يضم 21 نحتاً مجسماً، منها 17 نحتاً مجسماً لجِمال، واثنان لفصيلة الخيليات، ونحت آخر لم تتضح هويته قد يكون من أقدم المواقع في العالم لنحت الحيوانات المجسمة بالحجم الطبيعي. وأشارت النتائج العلمية إلى أن الموقع يعود إلى فترة العصر الحجري الحديث ما بين 5200 - 5600 سنة قبل الميلاد، ويتميز بمجموعة من مجسمات الجِمال وحيوانات من فصيلة الخيليات بالحجم الطبيعي، وتختلف في طريقة تنفيذها عن الفن الصخري الشائع في أنحاء المملكة، فهي بارزة بشكلٍ كبير عن الصخرة التي نُحتت منها ولها شكل مجسم.

سلطت العروض الضوئية على 58 منزلاً تراثياً في قرية ذي عين الأثرية بمنطقة الباحة (واس)

وفي منطقة الباحة، سلطت العروض الضوئية على 58 منزلاً تراثياً في قرية ذي عين الأثرية، مع صوت العرضة الشعبية، والمجلس التراثي، وصناعة القهوة السعودية. وتمتاز قرية ذي عين الأثرية بتراث أصيل وتاريخ عريق وجمال أخاذ يأسر الألباب، يعود تاريخها الزمني إلى نهاية القرن العاشر الهجري (القرن الثامن الميلادي)، ما يجعل عمرها أكثر من 400 عام، بحسب موقع منظمة اليونسكو، حيث تعد القرية إحدى أهم القرى التراثية على مستوى المملكة، حيث شيدت قصورها البالغ عددها 58 قصراً المبنية بالحجر، على جبل من المرو الأبيض، وتضم القرية مسجداً تؤدى فيه الصلوات المفروضة وصلاة الجمعة.

في نجران تزينت واجهة قصر الإمارة التاريخي بعروض الضوء للتنبيه إلى تاريخ وحضارة المكان التراثية (واس)

وفي نجران، تزينت واجهة قصر الإمارة التاريخي بعروض الضوء للتنبيه إلى تاريخ وحضارة المكان التراثية، حيث تم بناؤه عام 1363هـ على مساحة تقدر بـ6252 متراً مربعاً، من ثلاثة طوابق وإنشاؤه بوصفه مقراً لإمارة منطقة نجران والإدارات الحكومية آنذاك، ويضم القصر مجلس الأمير الذي خصص لاستقبال الضيوف والمناسبات الرسمية، وغرفة الطعام، وغرفة إعداد القهوة، وغرفة كمخزن، كما يشتمل على 17 غرفة تحوي غرفاً سكنية، وغرفاً كمستودعات للأطعمة، والأدوات، إضافةً إلى أربع غرف لمستودعات المواشي، و 12 غرفة أخرى. وتقع في فناء القصر من الجهة الشرقية بئر قديمة ترجع إلى عصر ما قبل الإسلام بُني الجزء السفلي منها بواسطة اللبن المحروق، ويعتلي سور القصر المرتفع أربعة أبراج دائرية على أركانه الأربعة تتميز بشكل دائري تسمى القصبات.

وفي ينبع، أضاء حي الصور التاريخي، للتذكير بالمكتسبات الثمينة من تراث المنطقة التي يرجع تاريخها إلى 2500 عام على الأقل، فيما يوجد فيها العديد من الآثار القديمة التي لا تزال موجودة إلى وقتنا الحاضر وتشكل إرثاً ثقافياً واجتماعياً لأبناء المنطقة.

أعلنت السعودية عن مشروع جديد يُمكّن ملّاك الأعمال الفنية والمباني التاريخية في البلاد من التأمين عليها (هيئة التراث)

توجه سعودي لتأمين التراث

ويأتي هذا الاحتفال ضمن جهود هيئة التراث في مواكبة الاحتفالات باليوم العالمي للتراث الذي حدَّده المجلس الدولي للمباني والمواقع الأثرية في الثامن عشر من شهر أبريل في كل عام برعايةٍ من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» ومنظمة التراث العالمي؛ وذلك حرصاً من الهيئة على تفعيل الأصول التراثية في اليوم العالمي للتراث، وتماشياً مع رؤيتها الرامية لجعل التراث ثروة وطنية تعكس الامتداد الحضاري العريق للسعودية.

وبالتزامن مع يوم التراث العالمي، كشف الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، الخميس، عن مشروع جديد يُمكّن ملّاك الأعمال الفنية والمباني التاريخية في البلاد من التأمين عليها.

وقال وزير الثقافة، في منشور عبر حسابه على منصة «إكس» للتواصل الاجتماعي، إن هذا المشروع يأتي بتعاون بين وزارة الثقافة وهيئة التأمين، عادّاً إياه خطوة مهمة لحماية الأصول الثقافية.

وينطلق المشروع من حرص الوزارة على صون الإرث الثقافي السعودي، وتطوير البنية التحتية، وتأهيل المواقع التاريخية، والعناية بالأعمال الفنية، ودعم الاقتصاد الإبداعي، بما يحقق مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للقطاع المتماشية مع طموحات «رؤية 2030».



«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.