«أبواب البحر الأبيض المتوسط إسبانيا ولبنان» يحضر فيه بيكاسو وفيروز وسيرفانتس وجبران

يترجم في لوحاته علاقة وطيدة بين بلدين صديقين

رينالدو صايغ في معرضه «أبواب البحر المتوسط إسبانيا ولبنان» (رينالدو)
رينالدو صايغ في معرضه «أبواب البحر المتوسط إسبانيا ولبنان» (رينالدو)
TT

«أبواب البحر الأبيض المتوسط إسبانيا ولبنان» يحضر فيه بيكاسو وفيروز وسيرفانتس وجبران

رينالدو صايغ في معرضه «أبواب البحر المتوسط إسبانيا ولبنان» (رينالدو)
رينالدو صايغ في معرضه «أبواب البحر المتوسط إسبانيا ولبنان» (رينالدو)

الدخول من بوابات إسبانية إلى عالم لبناني بامتياز، هو الطريق التي اختارها الرسام التشكيلي «رينالدو صايغ» لمعرضه «أبواب البحر الأبيض المتوسط إسبانيا ولبنان».

يروي «صايغ» خلال المعرض قصصاً وحكايات حول علاقة انفتاح بين البلدين. البوابات مزخرفة بحب المتوسط، وترتبط بتاريخ لبنان. ومن دون تحيز أو أي انتماء يحيد عن حب الوطن، حمل رينالدو ريشته ومشى. توقف عند حقبات وتواريخ مختلفة تروي قصة وطن الأرز. فتح الأبواب الإسبانية أمام ريشته فدخلتها برسومات وألوان وأفكار أنيقة، تستوقف مشاهدها بأبعادها ورموزها وواقعيتها، كما تسرد قدر بلد عانى الأمرين. خاض المرارة من حلاوة الروح، ولكنه حافظ على ألوان الحياة فيه.

رينالدو يقدم نفسه في واحدة من لوحاته (رينالدو)

تبدأ هذه الحكايات من مطارح عدة، مثل بوابة السفارة الإسبانية في لبنان. من هناك يروي قصة حروب لبنانية، ومن أخرى تعود لمقطوعة موسيقية «كونشيرتو دي أرانجويز»، يذكرنا بصوت فيروز. وفي ثالثة يعبُر صايغ إلى تاريخ الموارنة من باب كاتدرائية سانتا ماريا الإسبانية. ومن ثم يحط رحاله في محطات أخرى، مثل الهجرة وطريق الحرير واللغة الفينيقية الأم. ومن أبواب إسبانية في غرانادا وبرشلونة وتوليدو وغيرها، يطل على موضوعات أكثر تشعباً وثراءً. يتنقل بين عبارات تدمج اللبنانية بالإسبانية. ويعرج على التمازج بين الأندلس والإسلام. ويحكي قصصاً عن الفيلسوف الإسباني سيرفانتس وجبران خليل جبران.

فيروز أيقونة فنية على باب إسباني (رينالدو)

السلام هو أكثر ما حاول إبرازه «رينالدو صايغ» في لوحاته. قام بأبحاث كثيرة غاص في تاريخ لبنان الحديث والقديم. قلّب في صفحات حضاراته ودول حكمته وأقفلت عليه الأبواب لفترة. وهو جريء بألوانه وفي عملية تنفيذه للوحاته، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «لا أفكر كيف ومتى أستخدم هذا اللون أو ذاك. أحاول باستمرار الاستعانة بما هو موجود عندي. الأهم أن تكمل رؤيتي للوحة، وتأخذها إلى آفاق أرغب بها، حتى العبارات الموزعة هنا وهناك أكتبها بريشتي، فتولد هذا الالتصاق الروحي لمعاني العمل بالتوازي مع تصميمه وموضوعه».

بعفوية وتلقائية يوقع «رينالدو صايغ» لوحاته مما يحمّلها المفاجأة تلو الأخرى، وتطالعك في واحدة منها صورته، يدخل رينالدو من باب شخصيته ليعبر إلى الموسيقى والرقص، ويلفتك بأن الباب الإسباني الذي يدخل منه مقفل. لماذا؟ يرد لـ«الشرق الأوسط»: «لأنني في الحقيقة لا أجيد رقص الفلامنكو أبداً. هي آخر لوحة كما ترين أقدمها في هذه السلسلة. لقد فكرت فيما لو عندي شخصية مزدوجة. إحداها لبنانية وأخرى إسبانية. حملت آلة العود لتحرك مشاعر راقص الفلامنكو أمامي. وأشير بذلك إلى مشاعر مختلطة اجتاحتني. قد أتحول يوماً إلى راقص إسباني، ولكن ليس في هذه الحياة. اللوحة وعنوانها (الرقص والموسيقى) تشير إلى انفصالي عن شخصيتي في ظل معرض تطلّب مني جهداً كبيراً».

ويقام معرض «أبواب البحر الأبيض المتوسط إسبانيا ولبنان» في المعهد الثقافي الإسباني في بيروت. ويستمر إلى 30 أبريل (نيسان) لينتقل بعدها إلى مدينة طرابلس. هناك في مركز «عزم الثقافي» يفتح أبوابه من 2 إلى 9 مايو (أيار). وليتجه بعدها نحو ساحل البترون. فيقام في «فيلا باراديزو» في أسواق البترون القديمة من 10 حتى 15 مايو المقبل.

«الحرب الأهلية» لوحة تروي كل الحكاية (رينالدو)

وكل لوحة من لوحات «رينالدو صايغ» الـ12 ستستوقفك لسبب أو لآخر، وستحدث نفسك بأنها الأفضل، ولكن لا تلبث أن تبدل رأيك عند رؤيتك لأخرى. فريشته العابقة بالفن والموهبة والاحتراف تخرج عن المألوف. إحدى لوحاته وعنوانها «كونشيرتو لبيروت»، تنتصب فيها فيروز أيقونة الغناء في لبنان والعالم العربي. فمؤلف أغنيتها «لبيروت» الشاعر جوزيف حرب، رغب في أن تأخذ منحى النشيد الوطني. وتحقق ما أراده فيما بعد على أنغام موسيقى الإسباني جواكيم رودريغيز (كونشرتو دي أرانجويز). وصارت تواكب أي حدث حزين يشهده لبنان. وعلى خلفية اللوحة الملونة بالبنفسجي تسطع منها نوتات موسيقية. وقد نسخها صايغ بريشته من الورقة الأصلية لسلم النوتات الخاص بموسيقى رودريغيز.

ومتخذاً من رسم يرمز إلى إسبانيا لوّنه بوصفه وعاء زهور بالأزرق. تخرج منه أعلام أحزاب لبنانية شاركت في حروب لبنان. يروي صايغ في لوحة «الحرب الأهلية» قصة لبنان وحروبه منذ عام 1975 حتى اليوم. وتبدأ من حادثة بوسطة عين الرمانة التي حصدت 27 ضحية لغاية نهاية حرب سجلت عدد قتلى فاق الـ130 ألف ضحية. وتظهر فيها وجوه زعمائها وأشهر ضحاياها، وعناوين عريضة لصحف لبنانية. ومن باب السفارة الإسبانية في لبنان التي نالت حصتها من هذه الحرب تتوالى وجوههم. ففي عام 1989 راح ضحيتها سفيرها لدى لبنان أريستيغي.

ويذكر أن عمه والد زوجته الشاعر توفيق يوسف عواد. ومن بين الوجوه البارزة في اللوحة، ياسر عرفات ولوي ديلامار وبشير الجميل وإيلي حبيقة وكمال جنبلاط ورفيق الحريري وغيرهم. وترتفع فيها عمارات اشتهرت في تلك الحقبة، مثل برج المر، وبرج رزق وغيرهما. ويعلق صايغ: «هذه اللوحة تطلبت مني بحثاً معمقاً في تاريخ حروب لبنان. قرأت جميع صحف تلك الحقبة، وتوقفت عند كل محطة من محطات حرب طويلة».

وفي لوحة «الأمين» يستعير رينالدو صايغ صورة من مدينة توليدو الإسبانية. ويبرز فيها الكنائس والمساجد والبيوت للطائفة الدرزية في بيروت. ويدخلها من باب هذه المدينة التي اشتهرت بجمعها تحت سقفها الأديان المختلفة. «استوحيت من باب كاتدرائية (سانتا إيغليزيا) في توليدو موضوع لوحتي هذه. وأشرت عبرها إلى التعددية الطائفية في لبنان. واستحدثت هذه الفسحة البيضاء من تحتها لتنتهي عند رأس اللوحة بكفتي ميزان. أترجم فيها ضرورة إيجاد التوازن فيما بينها حفاظاً على السلم المعيشي».

وتطول لائحة لوحات رينالدو صايغ، بحيث لا تستطيع اختصار معانيها ورموزها بكلمات قليلة، كأنها فيلم سينمائي طويل يتألف من أجزاء شيقة، تدفعك لإكمالها حتى النهاية.

جبران خليل جبران الذي يحتفل بكتابه «النبي» في 23 أبريل من كل عام في دول عدة يقدمه الرسام اللبناني بتغليفة إسبانية. وهو التاريخ نفسه الذي يحمل ذكرى وفاة أحد كتابها المشهورين سيرفانتس. ومن باب الأزرق المتوسط يتلاقى «النبي» مع «دون كيشوت». أما العلاقة بين إسبانيا ولبنان فتتجلى بعبارات وكلمات وزعها صايغ على لوحة «الإسبانية والعربية» مقسمة إلى مربعات، كأنها لعبة «السكرابل» التثقيفية تتألف مشهديتها.

وقد حاكها كأنها فسيفساء للغتين مجاورتين في المتوسط. وفي أعلاها يلفتك رسم سعيد عقل مطلق الأحرف اللاتينية بوصفه أساساً للعربية. فتدرك أن كلمات مثل «ألجيبرا»، و«جيرافا»، و«بتنجانا»، و«قرية»، و«فلانو»، وغيرها هي إسبانية ولكنها تشتق من العربية.

ومن رحلات الفنان الإسباني بيكاسو في مراحل مختلفة من حياته، ينقل قصة هجرة اللبنانيين من بلادهم. وتأتي انعكاساً لحالة اللاستقرار التي يعيشونها عبر التاريخ.

بحر من المعلومات والفن التشكيلي والتصاميم الإبداعية يتركها معرض «رينالدو صايغ» عند زائره. ولا بد أن يدرك إثر مغادرته المكان بأن مقولة «الحكي لا يفي بالمشهد» هو أمر حقيقي وواقعي. فـ«أبواب البحر الأبيض المتوسط إسبانيا ولبنان» معرض يستحق التوقف عنده.


مقالات ذات صلة

روبوت يعثر على كنوز سفينة غارقة منذ 5 قرون

يوميات الشرق في الأعماق زمنٌ لم ينتهِ بعد (أ.ف.ب)

روبوت يعثر على كنوز سفينة غارقة منذ 5 قرون

في عمق البحر الأبيض المتوسط قبالة الساحل الفرنسي، نجح روبوت موجَّه من بُعد مخصَّص للغوص في الماء، في انتشال قطع أثرية تعود إلى قرون...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق في القهوة... ما يتجاوز الحواس (أ.ف.ب)

هل تكشف الكهرباء سرّ فنجان القهوة؟

قياس التيار الكهربائي المارّ عبر القهوة يمكن أن يوفّر طريقة سريعة لتحديد قوة المشروب ونكهته

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق طموح سياسي… وقصة حب ملكية (إ.ب.أ)

كيف سينفق جوردان بارديلا على الأميرة ماريا كارولينا؟

صعودٌ سياسي سريع لجوردان بارديلا نحو «الإليزيه» يتقاطع مع قصة حب ملكية تثير اهتمام فرنسا وقلق عائلة الأميرة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق تميل إلى الحوارات الهادئة مع ضيوفها (صور تيما زلزلي)

تيما زلزلي لـ«الشرق الأوسط»: لا أميل إلى الأسلوب الحادّ في حواراتي

ترى تيما زلزلي أنّ الحوارات الحادّة والجريئة تتطلَّب جهداً كبيراً قد لا ينعكس إيجاباً على مقدّمها...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق حين يبدو كلّ شيء عادياً... إلا إحساسك (شاترستوك)

هل الأشباح مجرّد اهتزازات؟ دراسة تُفسّر ظاهرة «البيوت المسكونة»

بيَّنت دراسة جديدة أنّ الاهتزازات المُنبعثة من الأنابيب المتهالكة وأنظمة التهوية في المباني القديمة قد تكون وراء إضفاء تأثير «البيوت المسكونة».

«الشرق الأوسط» (لندن)

روبوت يعثر على كنوز سفينة غارقة منذ 5 قرون

في الأعماق زمنٌ لم ينتهِ بعد (أ.ف.ب)
في الأعماق زمنٌ لم ينتهِ بعد (أ.ف.ب)
TT

روبوت يعثر على كنوز سفينة غارقة منذ 5 قرون

في الأعماق زمنٌ لم ينتهِ بعد (أ.ف.ب)
في الأعماق زمنٌ لم ينتهِ بعد (أ.ف.ب)

في عمق البحر الأبيض المتوسط قبالة الساحل الفرنسي، نجح روبوت موجَّه من بُعد مخصَّص للغوص في الماء، في انتشال قطع أثرية تعود إلى قرون، من بينها إبريق استقر بجوار حطام سفينة تجارية تعود إلى القرن السادس عشر.

وأوضح الضابط في البحرية الفرنسية، سبستيان، الذي لم يفصح عن هويته الكاملة لأسباب أمنية، أنّ التعامل مع الموقع يتطلب دقة فائقة؛ لتفادي إلحاق أي ضرر بالحطام أو إثارة الرواسب التي قد تعوق الرؤية.

ووفق «سي بي إس نيوز»، يُشرف سبستيان على المهمة الأولى ضمن بعثات استكشافية أثرية في أعمق حطام داخل المياه الإقليمية الفرنسية، التي تُجرى على بُعد نحو ساعتين من الريفييرا الفرنسية.

كان اكتشاف السفينة قد حدث مصادفةً خلال مسح عسكري روتيني لقاع البحر العام الماضي في منطقة قبالة ساحل راماتويل بالقرب من بلدة سان تروبيه.

ويرجّح علماء الآثار أنّ السفينة كانت في طريقها من شمال إيطاليا، محمّلةً بالآنية الخزفية وسبائك معدنية، قبل أن تلقى مصيرها في الأعماق.

بين الإنسان والعمق... وسيط من معدن (أ.ف.ب)

وقد عادت البحرية الفرنسية حالياً، بالتعاون مع قسم الآثار الغارقة تحت الماء بوزارة الثقافة، لمعاينة القطع الأثرية التي بقيت محفوظة على عمق يزيد على ميل ونصف تحت سطح البحر.

مدافع وأباريق خزفية تحت الأعماق

وتحافظ البحرية على سرّية موقع الحطام، الذي أطلقت عليه اسم «كامارا 4»، رغم أنّ الوصول إليه يتطلَّب إمكانات تقنية متقدّمة نظراً إلى عمقه الكبير.

ومع بزوغ الفجر، وصلت القاطرة البحرية التابعة للمهمّة إلى الموقع، حاملةً روبوتاً مخصّصاً للعمل تحت الماء، ومعه حاويتان كبيرتان تُستخدمان مكاتبَ ميدانية بديلة لعلماء الآثار البحرية.

ويُنزل طاقم العمل الروبوت المزوّد بالكاميرات وأذرع تشبه الكماشة إلى الأعماق، حيث يوجّه أحد المسؤولين في البحرية الروبوت نحو الأسفل عبر كابل طويل، في حين يراقب الخبراء حركته عبر الشاشات.

وبعد نحو ساعة، يبدأ الروبوت، المُصمَّم للغوص حتى عمق يصل إلى 4 آلاف متر، في الانزلاق فوق أكوام من الأباريق دائرية الشكل في قاع البحر.

وتكشف اللقطات التي ترصدها الكاميرات للفريق على السطح، عن تفاصيل الحطام، حيث تظهر مدافع إلى جانب مئات الأباريق والأطباق المزخرفة بنقوش نباتية وصلبان وأشكال أسماك.

ويلتقط الروبوت 8 صور في الثانية على مدى 3 ساعات، ممّا أتاح جمع أكثر من 86 ألف صورة تُستخدم لاحقاً لإنتاج نموذج ثلاثي البُعد دقيق للموقع.

وأعربت عالمة الآثار فرانكا تشيبيكيني عن دهشتها من وضوح الرؤية في هذا العمق، قائلةً: «بدت ممتازة، ولا يمكن تخيّل ذلك على هذا العمق». وأضافت أن السفينة كانت تجارية على الأرجح، وكانت تحمل آنية خزفية مصقولة من منطقة ليغوريا في شمال غربي إيطاليا، وربما حُمِّلت في موانئ جنوة أو سافونا.

كان خبراء قد حدّدوا سابقاً وجود مرجلين ومرساة و6 مدافع في موقع الحطام، إلى جانب نفايات حديثة، مثل علبة مشروبات وعلبة زبادي فارغة، ظهرت في بعض الصور قرب المرساة.

عينٌ آلية ترى ما عجزت عنه العيون (أ.ف.ب)

استعادة إحدى أعمق القطع

وترى رئيسة فريق التنقيب، مارين سادانيا، أنّ هذه النتائج تُمثّل مصدراً مهماً لفهم طرق التجارة البحرية في القرن السادس عشر، في ظلّ محدودية المصادر التاريخية التفصيلية المتاحة.

وخلال عملية الانتشال، راقب الفريق بحذر الروبوت وهو يخفض ذراعه لالتقاط صندوق برفق، لتفادي كسره، رغم أنّ أحد الأواني الخزفية تحطم خلال العملية.

وقد نجح الفريق في استخراج عدد من الأباريق والأطباق، إذ فُحِصت في مختبرات بمدينة مرسيليا، وأظهرت التحاليل الأولية زخارف بخطوط زرقاء داكنة وأشكال هندسية ملوّنة.

وأكدت سادانيا أن هذه القطع تُعد من أعمق القطع الأثرية التي استُخرجت من حطام سفينة في فرنسا.

يأتي هذا الاكتشاف بعد العثور عام 2019 على حطام الغواصة «لا مينيرف» قبالة مدينة تولون، على عمق 1.4 ميل، والتي غرقت عام 1968 وعلى متنها 52 بحاراً.

وفي تطور موازٍ، أعلن مسؤولون اكتشاف حطام سفينة أخرى تعود إلى القرن الـ16، عُثر عليها خلال تدريبات عسكرية قبالة ساحل السويد.


هل تكشف الكهرباء سرّ فنجان القهوة؟

في القهوة... ما يتجاوز الحواس (أ.ف.ب)
في القهوة... ما يتجاوز الحواس (أ.ف.ب)
TT

هل تكشف الكهرباء سرّ فنجان القهوة؟

في القهوة... ما يتجاوز الحواس (أ.ف.ب)
في القهوة... ما يتجاوز الحواس (أ.ف.ب)

من منظور علمي، يُعدّ فنجان القهوة لغزاً معقّداً، إذ يسهم أكثر من ألف جزيء في تشكيل نكهته، وتتأثر هذه النكهة بعوامل، منها نوع الحبوب، ودرجة تحميصها، وطريقة طحنها، وأخيراً أسلوب تحضيرها. وغالباً ما تكون النتيجة فنجاناً غير متّسق، يصعب التنبّؤ بمذاقه أو جودته، فقد يكون حامضاً أكثر من اللازم، أو ذا طعم محترق، أو ضعيف القوام.

ورغم أن الكيميائيين قادرون على استخدام أدوات متقدّمة لتحليل هذه المكوّنات وفهم كيفية تفاعلها لتشكيل المزيج المعقّد الذي يصنع نكهة القهوة، فإن هذه المقاربة لا تُعد عملية وسريعة لفحص الجودة في بيئة عمل مزدحمة مثل المقاهي.

وإنما دراسة حديثة نقلتها «واشنطن بوست» قد تُسهم في فكّ هذا اللغز؛ إذ استعان علماء بتقنية مستخدمة في بحوث البطاريات، وأظهروا أن قياس التيار الكهربائي المارّ عبر القهوة يمكن أن يوفّر طريقة سريعة لتحديد قوة المشروب ونكهته.

وفي هذا الإطار، استخدم علماء من جامعة أوريغون جهازاً يُعرف باسم «بوتنشيواستات»، يولّد جهداً كهربائياً متغيّراً، إذ وضعوا أقطابه في أكواب من القهوة، وقاسوا التيار المارّ عبر عيّنات أُعدّت من الحبوب نفسها، لكنها حُمِّصت بدرجات مختلفة، وباستخدام طريقة تحضير موحَّدة.

وأظهرت النتائج أنه كلما زادت الشحنة الكهربائية التي تمرّ عبر القهوة، زادت قوة المشروب، إذ كانت القهوة الأقوى أكثر قدرة على توصيل الكهرباء. في المقابل، كانت القهوة داكنة التحميص أقل توصيلاً عند مستوى القوة نفسه، ويُعزى ذلك جزئياً إلى تراكم جزيئات مثل الكافيين على الأقطاب.

ويُمثّل هذا الاكتشاف أحدث إضافة إلى مجال علوم القهوة، حيث يعمل خبراء في أنحاء مختلفة على دراسة أفضل الطرق للانتقال من الحبوب إلى مشروب مثالي.

تقليدياً، تعتمد صناعة القهوة على قياس «معامل الانكسار» لتحديد القوة، من خلال ما يُعرف بـ«إجمالي المواد الصلبة الذائبة»، أي كمية القهوة المذابة في المشروب. وإنما النكهة تُمثّل مزيجاً من خصائص عدّة، تشمل القوة ودرجة التحميص، ولا يمكن لهذا القياس وحده أن يعكسها بالكامل.

في هذا السكون الداكن... عالم كامل (أ.ف.ب)

وقال الكيميائي في جامعة أوريغون وقائد فريق البحث، كريستوفر هيندون، إنه يأمل أن يوفّر هذا القياس الكهروكيميائي وسيلة لمراقبة الجودة والاتساق، وهو أمر أقل أهمية عند تحضير القهوة في المنزل، لكنه يُمثّل تحدّياً كبيراً عند الإنتاج على نطاق واسع.

وأضاف: «إنها تجربة شديدة البساطة، لكن تحليلها معقّد. وما يثير حماستي هو صعوبة تصوّر أنّ خاصية كهربائية واحدة يمكن أن تختزل النكهة الكلية لمشروب يحتوي على آلاف المركّبات المختلفة».

ومع ذلك، فإنّ فهم كيفية تفاعل هذه المكوّنات لتشكيل نكهات مثل الفراولة في رشفة، أو لمسات الكراميل في أخرى، ليس بالأمر السهل. وفي نهاية المطاف، يبقى الحكم النهائي على جودة الطعم بيد اللسان البشري.

وأشار هيندون إلى أنهم تحقّقوا من دقة هذه النتائج من خلال تحليل 4 دفعات من القهوة من محمصة تُدعى «Colonna» في مدينة باث بالمملكة المتحدة، حيث تمكّنت الطريقة الكهروكيميائية من تمييز الدفعة التي استُبعِدت بعدما قيَّمها متذوّق بشري على أنها دون المستوى المطلوب. وأوضح القائمون على المحمصة لاحقاً أن تلك الدفعة رُفضت لأنها لم تُحمّص بشكل كافٍ وكانت شديدة الحموضة.

من جانبها، قالت هيذر سميث، وهي كيميائية متخصّصة في النكهات وعالمة في علوم الإدراك الحسي بجامعة كوينزلاند في أستراليا، ولم تشارك في الدراسة، إنها اطّلعت على عدد من «الأنوف الإلكترونية» التي تحاول تمييز البصمة العطرية ونكهة القهوة.

وأضافت في رسالة عبر البريد الإلكتروني: «أرى أن هذه التقنية تضيف بُعداً جديداً محتملاً، لكنها ليست حلاً متكاملاً بمفردها».

وأوضحت أن العنصر المفقود يتمثل في البيانات الحسية البشرية، لفهم مدى فائدة هذا القياس الكهروكيميائي. وقالت: «هي طريقة أسرع لقياس بصمة التركيب الكيميائي للقهوة، وستضيف مزيداً من المعلومات إلى مجموعة أدوات التحليل المستخدمة لتقييم جودة النكهة. لكن لا يمكن لأي من هذه الطرق وحدها أن تصف أو تقيس نكهة القهوة بشكل كامل؛ فالتقييم الحسّي البشري وحده قادر على ذلك».


ماسة «كوه نور»... ما قصتها؟ ولماذا تطالب الهند باستعادتها من بريطانيا؟

تاج تتويج الملكة الأم يظهر فوق نعشها في لندن عام 2002 (رويترز)
تاج تتويج الملكة الأم يظهر فوق نعشها في لندن عام 2002 (رويترز)
TT

ماسة «كوه نور»... ما قصتها؟ ولماذا تطالب الهند باستعادتها من بريطانيا؟

تاج تتويج الملكة الأم يظهر فوق نعشها في لندن عام 2002 (رويترز)
تاج تتويج الملكة الأم يظهر فوق نعشها في لندن عام 2002 (رويترز)

تعود ماسة «كوه نور» إلى واجهة الجدل الدولي بين الحين والآخر، بوصفها واحدة من أشهر الأحجار الكريمة في العالم وأكثرها إثارةً للنزاعات التاريخية والسياسية. فهذه الماسة، التي تتوسط جواهر التاج البريطاني، ليست مجرد قطعة فاخرة، بل رمزٌ معقَّد لتاريخ طويل من الاستعمار والمطالبات بالاسترداد. وقد تجدَّد النقاش حولها مؤخراً بعد دعوات جديدة لإعادتها إلى الهند، حيث استُخرجت في الأصل.

دعوة جديدة تعيد القضية إلى الواجهة

صرّح عمدة مدينة نيويورك، زهران ممداني، يوم الأربعاء، بأنه يشجِّع الملك البريطاني تشارلز على إعادة ماسة «كوه نور» - التي تزن 105.6 قيراط - إلى الهند، وذلك وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وجاء هذا التصريح خلال زيارة الدولة التي قام بها الملك تشارلز والملكة كاميلا إلى الولايات المتحدة، حيث أمضيا يومهما الثالث في نيويورك. وقال ممداني للصحافيين قبل لقائه بالملك: «لو تحدثتُ إلى الملك على انفراد، لربما شجَّعته على إعادة ماسة كوه نور».

وكان ممداني، وهو أميركي من أصل هندي، يتحدث قبيل مشاركته في مراسم إحياء ذكرى ضحايا هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001. ورغم لقائه لاحقاً بالملك تشارلز في المناسبة نفسها، لم يتضح ما إذا كانت هذه القضية قد طُرحت خلال حديثهما. من جهته، امتنع قصر باكنغهام عن التعليق، كما لم يؤكد مكتب العمدة حدوث أي نقاش بهذا الشأن.

وقد أعادت هذه التصريحات إحياء الجدل القديم حول الماسة، التي تطالب الهند منذ سنوات طويلة بإعادتها من بريطانيا.

موقع «كوه نور» في جواهر التاج البريطاني

تحتل ماسة «كوه نور» مكانة بارزة ضمن جواهر التاج البريطاني منذ عام 1911، عندما رُصّعت في صليب يتصدر تاج الملكة ماري. وفي عام 1937، استُبدلت بها نسخة طبق الأصل، بعد نقل الماسة الأصلية إلى تاج الملكة الأم بمناسبة تتويجها إلى جانب الملك جورج السادس.

وفي سياق متصل، اختارت الملكة كاميلا تجنُّب الجدل المرتبط بالماسة، إذ ارتدت تاج الملكة ماري بعد تعديله وإزالة النسخة المقلدة منه، لتصبح بذلك أول قرينة ملك منذ القرن الثامن عشر تعيد استخدام تاج في مراسم التتويج.

أما تاج الملكة الأم، فقد صُنع عام 1937 للملكة إليزابيث، قرينة الملك جورج السادس، لارتدائه خلال حفل التتويج في 12 مايو (أيار) من العام نفسه. ويتميَّز التاج بغطاء مخملي أرجواني وحواف من الفرو، وهو مرصّع بنحو 2800 ماسة مثبتة في إطار بلاتيني، تتوزع في أنماط من الصلبان والمستطيلات.

كما يضم التاج ماسات كبيرة أخرى، من بينها ماسة أهداها سلطان تركيا إلى الملكة فيكتوريا عام 1856. ومع ذلك، تبقى ماسة «كوه نور» الأكثر إثارةً للجدل، إذ تتوسط الصليب الأمامي للتاج على قاعدة بلاتينية قابلة للفصل.

أصل الماسة ورحلتها عبر الإمبراطوريات

استُخرجت ماسة «كوه نور» من الهند، وتُعد من أكبر الماسات المصقولة في العالم، إذ يبلغ وزنها 105.6 قيراط (21.12 غرام). ويعود أول ذكر مكتوب لها إلى عام 1628، خلال عهد الإمبراطورية المغولية، حين كانت مرصّعة في عرش الطاووس الخاص بالإمبراطور شاه جهان، إلى جانب ياقوتة تيمور.

لاحقاً، استولى الحاكم الفارسي نادر شاه على الماسة عندما غزا دلهي عام 1739 ونهب المدينة، حاملاً معه كنوزاً هائلة، من بينها عرش الطاووس.

ومنذ ذلك الحين، تنقلت «كوه نور» بين حكام آسيا الوسطى، إلى أن استقرّت في يد الحاكم السيخي رانجيت سينغ عام 1813، بحسب ما أورده كتاب «كوه نور: تاريخ أشهر ماسة في العالم» للمؤرخين أنيتا أناند وويليام دالريمبل. وقد أعاد سينغ الماسة إلى الهند قبل وفاته عام 1839.

كيف وصلت إلى بريطانيا؟

في تلك الفترة، كانت شركة الهند الشرقية البريطانية قد وسَّعت نفوذها في شبه القارة الهندية، وكانت تنظر إلى «كوه نور» بوصفها رمزاً للقوة والهيمنة الاستعمارية. غير أن البريطانيين لم يحصلوا على الماسة إلا عام 1849.

خلال هذه المرحلة، سُجِنَت راني جيندان، الزوجة الصغرى لرانجيت سينغ ووالدة آخر مهراجا، وهو ابنها دوليب سينغ الذي كان يبلغ من العمر عشر سنوات. وبعد سنوات من الاضطرابات، وجدت الأم وابنها نفسيهما الوحيدين الباقيَيْن في ترتيب ولاية عرش البنجاب.

ووفقاً لأناند ودالريمبل، أُجبر دوليب سينغ على توقيع وثيقة قانونية عدّلت معاهدة لاهور، تنازل بموجبها عن ملكية الماسة للبريطانيين، إضافة إلى التخلي عن جميع مطالباته بالسيادة. وبذلك، انتقلت «كوه نور» إلى الملكة فيكتوريا.

إعادة صقل الماسة وتغيُّر شكلها

عُرضت الماسة في «المعرض الكبير» في لندن عام 1851، لكنها لم تُثر إعجاب الجمهور بسبب بساطة مظهرها. وعلى إثر ذلك، أمر الأمير ألبرت، زوج الملكة فيكتوريا، بإعادة صقلها وتلميعها.

وقد أدى ذلك إلى تقليص حجمها إلى نحو النصف، لكنه زاد من بريقها ولمعانها، لتأخذ الشكل الذي تُعرف به اليوم.

تُقدَّر قيمة ماسة «كوه نور» بما يتراوح بين 140 و400 مليون دولار أميركي، غير أن قيمتها الحقيقية تبقى غير محددة، إذ يُنظر إليها على أنها قطعة لا تُقدَّر بثمن، نظراً لما تحمله من رمزية تاريخية وسياسية.

ومنذ استقلال الهند عام 1947، دأبت الحكومات الهندية المتعاقبة على المطالبة باستعادة الماسة. وكان آخر هذه المطالب في عام 2016، حين أعلنت نيودلهي أنها ستبذل قصارى جهدها لاسترجاعها.