«أبواب البحر الأبيض المتوسط إسبانيا ولبنان» يحضر فيه بيكاسو وفيروز وسيرفانتس وجبران

يترجم في لوحاته علاقة وطيدة بين بلدين صديقين

رينالدو صايغ في معرضه «أبواب البحر المتوسط إسبانيا ولبنان» (رينالدو)
رينالدو صايغ في معرضه «أبواب البحر المتوسط إسبانيا ولبنان» (رينالدو)
TT

«أبواب البحر الأبيض المتوسط إسبانيا ولبنان» يحضر فيه بيكاسو وفيروز وسيرفانتس وجبران

رينالدو صايغ في معرضه «أبواب البحر المتوسط إسبانيا ولبنان» (رينالدو)
رينالدو صايغ في معرضه «أبواب البحر المتوسط إسبانيا ولبنان» (رينالدو)

الدخول من بوابات إسبانية إلى عالم لبناني بامتياز، هو الطريق التي اختارها الرسام التشكيلي «رينالدو صايغ» لمعرضه «أبواب البحر الأبيض المتوسط إسبانيا ولبنان».

يروي «صايغ» خلال المعرض قصصاً وحكايات حول علاقة انفتاح بين البلدين. البوابات مزخرفة بحب المتوسط، وترتبط بتاريخ لبنان. ومن دون تحيز أو أي انتماء يحيد عن حب الوطن، حمل رينالدو ريشته ومشى. توقف عند حقبات وتواريخ مختلفة تروي قصة وطن الأرز. فتح الأبواب الإسبانية أمام ريشته فدخلتها برسومات وألوان وأفكار أنيقة، تستوقف مشاهدها بأبعادها ورموزها وواقعيتها، كما تسرد قدر بلد عانى الأمرين. خاض المرارة من حلاوة الروح، ولكنه حافظ على ألوان الحياة فيه.

رينالدو يقدم نفسه في واحدة من لوحاته (رينالدو)

تبدأ هذه الحكايات من مطارح عدة، مثل بوابة السفارة الإسبانية في لبنان. من هناك يروي قصة حروب لبنانية، ومن أخرى تعود لمقطوعة موسيقية «كونشيرتو دي أرانجويز»، يذكرنا بصوت فيروز. وفي ثالثة يعبُر صايغ إلى تاريخ الموارنة من باب كاتدرائية سانتا ماريا الإسبانية. ومن ثم يحط رحاله في محطات أخرى، مثل الهجرة وطريق الحرير واللغة الفينيقية الأم. ومن أبواب إسبانية في غرانادا وبرشلونة وتوليدو وغيرها، يطل على موضوعات أكثر تشعباً وثراءً. يتنقل بين عبارات تدمج اللبنانية بالإسبانية. ويعرج على التمازج بين الأندلس والإسلام. ويحكي قصصاً عن الفيلسوف الإسباني سيرفانتس وجبران خليل جبران.

فيروز أيقونة فنية على باب إسباني (رينالدو)

السلام هو أكثر ما حاول إبرازه «رينالدو صايغ» في لوحاته. قام بأبحاث كثيرة غاص في تاريخ لبنان الحديث والقديم. قلّب في صفحات حضاراته ودول حكمته وأقفلت عليه الأبواب لفترة. وهو جريء بألوانه وفي عملية تنفيذه للوحاته، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «لا أفكر كيف ومتى أستخدم هذا اللون أو ذاك. أحاول باستمرار الاستعانة بما هو موجود عندي. الأهم أن تكمل رؤيتي للوحة، وتأخذها إلى آفاق أرغب بها، حتى العبارات الموزعة هنا وهناك أكتبها بريشتي، فتولد هذا الالتصاق الروحي لمعاني العمل بالتوازي مع تصميمه وموضوعه».

بعفوية وتلقائية يوقع «رينالدو صايغ» لوحاته مما يحمّلها المفاجأة تلو الأخرى، وتطالعك في واحدة منها صورته، يدخل رينالدو من باب شخصيته ليعبر إلى الموسيقى والرقص، ويلفتك بأن الباب الإسباني الذي يدخل منه مقفل. لماذا؟ يرد لـ«الشرق الأوسط»: «لأنني في الحقيقة لا أجيد رقص الفلامنكو أبداً. هي آخر لوحة كما ترين أقدمها في هذه السلسلة. لقد فكرت فيما لو عندي شخصية مزدوجة. إحداها لبنانية وأخرى إسبانية. حملت آلة العود لتحرك مشاعر راقص الفلامنكو أمامي. وأشير بذلك إلى مشاعر مختلطة اجتاحتني. قد أتحول يوماً إلى راقص إسباني، ولكن ليس في هذه الحياة. اللوحة وعنوانها (الرقص والموسيقى) تشير إلى انفصالي عن شخصيتي في ظل معرض تطلّب مني جهداً كبيراً».

ويقام معرض «أبواب البحر الأبيض المتوسط إسبانيا ولبنان» في المعهد الثقافي الإسباني في بيروت. ويستمر إلى 30 أبريل (نيسان) لينتقل بعدها إلى مدينة طرابلس. هناك في مركز «عزم الثقافي» يفتح أبوابه من 2 إلى 9 مايو (أيار). وليتجه بعدها نحو ساحل البترون. فيقام في «فيلا باراديزو» في أسواق البترون القديمة من 10 حتى 15 مايو المقبل.

«الحرب الأهلية» لوحة تروي كل الحكاية (رينالدو)

وكل لوحة من لوحات «رينالدو صايغ» الـ12 ستستوقفك لسبب أو لآخر، وستحدث نفسك بأنها الأفضل، ولكن لا تلبث أن تبدل رأيك عند رؤيتك لأخرى. فريشته العابقة بالفن والموهبة والاحتراف تخرج عن المألوف. إحدى لوحاته وعنوانها «كونشيرتو لبيروت»، تنتصب فيها فيروز أيقونة الغناء في لبنان والعالم العربي. فمؤلف أغنيتها «لبيروت» الشاعر جوزيف حرب، رغب في أن تأخذ منحى النشيد الوطني. وتحقق ما أراده فيما بعد على أنغام موسيقى الإسباني جواكيم رودريغيز (كونشرتو دي أرانجويز). وصارت تواكب أي حدث حزين يشهده لبنان. وعلى خلفية اللوحة الملونة بالبنفسجي تسطع منها نوتات موسيقية. وقد نسخها صايغ بريشته من الورقة الأصلية لسلم النوتات الخاص بموسيقى رودريغيز.

ومتخذاً من رسم يرمز إلى إسبانيا لوّنه بوصفه وعاء زهور بالأزرق. تخرج منه أعلام أحزاب لبنانية شاركت في حروب لبنان. يروي صايغ في لوحة «الحرب الأهلية» قصة لبنان وحروبه منذ عام 1975 حتى اليوم. وتبدأ من حادثة بوسطة عين الرمانة التي حصدت 27 ضحية لغاية نهاية حرب سجلت عدد قتلى فاق الـ130 ألف ضحية. وتظهر فيها وجوه زعمائها وأشهر ضحاياها، وعناوين عريضة لصحف لبنانية. ومن باب السفارة الإسبانية في لبنان التي نالت حصتها من هذه الحرب تتوالى وجوههم. ففي عام 1989 راح ضحيتها سفيرها لدى لبنان أريستيغي.

ويذكر أن عمه والد زوجته الشاعر توفيق يوسف عواد. ومن بين الوجوه البارزة في اللوحة، ياسر عرفات ولوي ديلامار وبشير الجميل وإيلي حبيقة وكمال جنبلاط ورفيق الحريري وغيرهم. وترتفع فيها عمارات اشتهرت في تلك الحقبة، مثل برج المر، وبرج رزق وغيرهما. ويعلق صايغ: «هذه اللوحة تطلبت مني بحثاً معمقاً في تاريخ حروب لبنان. قرأت جميع صحف تلك الحقبة، وتوقفت عند كل محطة من محطات حرب طويلة».

وفي لوحة «الأمين» يستعير رينالدو صايغ صورة من مدينة توليدو الإسبانية. ويبرز فيها الكنائس والمساجد والبيوت للطائفة الدرزية في بيروت. ويدخلها من باب هذه المدينة التي اشتهرت بجمعها تحت سقفها الأديان المختلفة. «استوحيت من باب كاتدرائية (سانتا إيغليزيا) في توليدو موضوع لوحتي هذه. وأشرت عبرها إلى التعددية الطائفية في لبنان. واستحدثت هذه الفسحة البيضاء من تحتها لتنتهي عند رأس اللوحة بكفتي ميزان. أترجم فيها ضرورة إيجاد التوازن فيما بينها حفاظاً على السلم المعيشي».

وتطول لائحة لوحات رينالدو صايغ، بحيث لا تستطيع اختصار معانيها ورموزها بكلمات قليلة، كأنها فيلم سينمائي طويل يتألف من أجزاء شيقة، تدفعك لإكمالها حتى النهاية.

جبران خليل جبران الذي يحتفل بكتابه «النبي» في 23 أبريل من كل عام في دول عدة يقدمه الرسام اللبناني بتغليفة إسبانية. وهو التاريخ نفسه الذي يحمل ذكرى وفاة أحد كتابها المشهورين سيرفانتس. ومن باب الأزرق المتوسط يتلاقى «النبي» مع «دون كيشوت». أما العلاقة بين إسبانيا ولبنان فتتجلى بعبارات وكلمات وزعها صايغ على لوحة «الإسبانية والعربية» مقسمة إلى مربعات، كأنها لعبة «السكرابل» التثقيفية تتألف مشهديتها.

وقد حاكها كأنها فسيفساء للغتين مجاورتين في المتوسط. وفي أعلاها يلفتك رسم سعيد عقل مطلق الأحرف اللاتينية بوصفه أساساً للعربية. فتدرك أن كلمات مثل «ألجيبرا»، و«جيرافا»، و«بتنجانا»، و«قرية»، و«فلانو»، وغيرها هي إسبانية ولكنها تشتق من العربية.

ومن رحلات الفنان الإسباني بيكاسو في مراحل مختلفة من حياته، ينقل قصة هجرة اللبنانيين من بلادهم. وتأتي انعكاساً لحالة اللاستقرار التي يعيشونها عبر التاريخ.

بحر من المعلومات والفن التشكيلي والتصاميم الإبداعية يتركها معرض «رينالدو صايغ» عند زائره. ولا بد أن يدرك إثر مغادرته المكان بأن مقولة «الحكي لا يفي بالمشهد» هو أمر حقيقي وواقعي. فـ«أبواب البحر الأبيض المتوسط إسبانيا ولبنان» معرض يستحق التوقف عنده.


مقالات ذات صلة

«بينالي الدرعية» يختتم نسخته الثالثة بعد رحلة فنية بين الترحال والتبادل الثقافي

يوميات الشرق بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)

«بينالي الدرعية» يختتم نسخته الثالثة بعد رحلة فنية بين الترحال والتبادل الثقافي

واصل الزوَّار، حتى الساعات الأخيرة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026»، استكشاف الأعمال الفنية، والمشاركة في الورش، وتبادل لحظات ينسجها الإبداع والتفاعل.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق في الأعماق زمنٌ لم ينتهِ بعد (أ.ف.ب)

روبوت يعثر على كنوز سفينة غارقة منذ 5 قرون

في عمق البحر الأبيض المتوسط قبالة الساحل الفرنسي، نجح روبوت موجَّه من بُعد مخصَّص للغوص في الماء، في انتشال قطع أثرية تعود إلى قرون...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق في القهوة... ما يتجاوز الحواس (أ.ف.ب)

هل تكشف الكهرباء سرّ فنجان القهوة؟

قياس التيار الكهربائي المارّ عبر القهوة يمكن أن يوفّر طريقة سريعة لتحديد قوة المشروب ونكهته

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق طموح سياسي… وقصة حب ملكية (إ.ب.أ)

كيف سينفق جوردان بارديلا على الأميرة ماريا كارولينا؟

صعودٌ سياسي سريع لجوردان بارديلا نحو «الإليزيه» يتقاطع مع قصة حب ملكية تثير اهتمام فرنسا وقلق عائلة الأميرة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق تميل إلى الحوارات الهادئة مع ضيوفها (صور تيما زلزلي)

تيما زلزلي لـ«الشرق الأوسط»: لا أميل إلى الأسلوب الحادّ في حواراتي

ترى تيما زلزلي أنّ الحوارات الحادّة والجريئة تتطلَّب جهداً كبيراً قد لا ينعكس إيجاباً على مقدّمها...

فيفيان حداد (بيروت)

أحمد وفيق لـ«الشرق الأوسط»: ندمتُ على المشاركة في «الحلانجي»

وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
TT

أحمد وفيق لـ«الشرق الأوسط»: ندمتُ على المشاركة في «الحلانجي»

وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)

أعرب الفنان المصري أحمد وفيق عن سعادته بتجربته السينمائية الجديدة «الغربان» مع النجم عمرو سعد. وقال إن مسلسله الجديد «قلب شمس» مع المخرج محمد سامي يحمل العديد من المفاجآت الدرامية، مُبدياً ندمه على مشاركته في مسلسل «الحلانجي».

وأشار وفيق إلى أن شخصيته في العمل محورية وتعتبر العنصر الأساسي في الصراع.

ويشارك في بطولة المسلسل: يسرا، ودُرة، وإنجي المقدم، وسوسن بدر، وانتصار، ومحمود قابيل، والمسلسل يسلط الضوء على مشاكل العلاقات الإنسانية والصراعات الاجتماعية المختلفة، ومن المقرر عرضه قريباً على إحدى المنصات الرقمية.

ووصف وفيق شخصية «المحامي راشد» التي قدمها في مسلسل «البخت» بأنها من الشخصيات المهمة في مشواره، خصوصاً أنه سبق أن قدم شخصية «المحامي الشرير» الذي يمارس كل الألعاب الذهنية والإجرامية، بينما «راشد» يتمتع بـ«الشر الهادئ» الذي يعتمد على الأداء النفسي. ويرجع الفضل في أدائه للمخرج معتز حسام، على حد قوله، الذي عدّه من أكبر الداعمين له.

«بيت الشدة»

وعن مسلسله «بيت الشدة»، قال إنه عمل يمزج بين التشويق والرعب والواقعية الاجتماعية، وجسد فيه شخصية «المعلم مختار» الرجل الشعبي الشهم المتعلم الذي يمتلك مقهى، ويعتبر نفسه القائد الطبيعي للسكان، ويتصدى لمحاولات السيطرة على الحارة.

الفنان المصري أحمد وفيق (الشرق الأوسط)

ولفت إلى أن حبه للعمل جاء بسبب الفكرة المهمة التي يطرحها وهي أن القائد هو من يتمتع بالأخلاق وليس السطوة أو النفوذ.

وأكد أنه ليس بالضرورة أن يتكلم البطل الشعبي بطريقة معينة أو أن يكون أسيراً للمخدرات، كما نشاهد في بعض الأعمال حالياً.

«الحلانجي»

لكن السعادة التي يتحدث بها وفيق عن دوره في «بيت الشدة» تتبدل عندما يتم التطرق إلى مسلسل «الحلانجي» الذي جسد فيه شخصية رجل أعمال ذي نفوذ وسلطة، مؤكداً ندمه على المشاركة في هذا المسلسل، إذ لم يضف له العمل شيئاً على المستوى الفني، ولم يحظِ بالمشاهدة التي كان يتوقعها رغم الجهد الذي بذله فيه.

شارك وفيق في أعمال درامية كثيرة (الشرق الأوسط)

وكان المسلسل قد عرض في موسم رمضان 2025 وهو من تأليف محمود حمدان وإخراج معتز حسام وبطولة محمد رجب وعبير صبري وأيتن عامر ومحمد لطفي.

فيلم «الغربان»

ووصف وفيق تجربته السينمائية في فيلم «الغربان» بأنها مثيرة ومن أكبر الإنتاجات في تاريخ السينما العربية من حيث الميزانية والتنفيذ، إذ تدور أحداث العمل عام 1941 خلال الحرب العالمية الثانية، وتحديداً حول معركة العلمين في الصحراء الغربية، ويتناول صراعات ومعارك تاريخية بأسلوب بصري مدهش يضاهي أفلام هوليوود، على حد قوله.

وفيق أعرب عن ندمه على المشاركة في مسلسل «الحلانجي» (الشرق الأوسط)

ويجسد وفيق في الفيلم شخصية قائد جيوش الغربان وهي شخصية محورية ومؤثرة في مسار الأحداث وقد خضع بسببها لتدريبات شاقة.

الفيلم من بطولة عمرو سعد ودينا الشربيني ومي عمر وأسماء أبو اليزيد ومحمد علاء وماجد المصري، وعائشة بن أحمد، كما يشارك فيه ممثلون من روسيا وألمانيا وبريطانيا وأميركا، ومن المقرر طرحه في دور العرض خلال ديسمبر «كانون الأول» المقبل بعد رحلة تصوير وإنتاج استغرقت نحو خمسة أعوام وسيتم ترجمته إلى 12 لغة.

ورغم ذلك يؤكد وفيق أن شخصية «الطبيب النفسي عاصم» التي قدمها ضمن مسلسل «سراب» الأقرب إلى قلبه.

طول القامة

ويؤكد وفيق أن طول قامته لم يمنحه ميزة في العمل بمجال الفن، بل ساهم في تأخير مشواره في البدايات، حيث تم استبعاده من أعمال كثيرة رُشح لها لأن طوله لا يتناسب مع بقية الممثلين، وأوضح أن المخرج الراحل يوسف شاهين كان أول من حل هذه المشكلة تقنياً، بعد أن طمأنه بأن زوايا التصوير يمكن أن تتحكم في إظهار الممثل طويلاً أو قصيراً.

وفيق في دور المحامي (الشرق الأوسط)

ولفت إلى أن البطولة المُطلقة ظلمت فنانين كباراً وحرمت الجمهور من الاستمتاع بموهبتهم حيث يخشى بعضهم تقديم أدوار معينة خوفاً من رفض الجمهور لها.

وكشف وفيق عن أنه بدأ مسيرته المهنية بالعمل صحافياً في جريدة «الوفد» المصرية، حيث اعتبرها خطوة داعمة ومُكملة لطريقه نحو التمثيل إذ ساهمت في صقل خبراته بالإضافة إلى ممارسته لأعمال فنية أخرى مثل الديكور والنقد الفني والتشكيلي وتمصير النصوص والإخراج المسرحي.


مارسيلو مارتينيسي: ركزت على طرق صناعة الاستبداد في «نارسيسو»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
TT

مارسيلو مارتينيسي: ركزت على طرق صناعة الاستبداد في «نارسيسو»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)

قال المخرج الباراغواياني مارسيلو مارتينيسي إن فكرة فيلم «نارسيسو» بدأت عندما قرأ كتاباً يتناول حادثة قتل حقيقية وقعت في باراغواي في أواخر الخمسينات، موضحاً أن ما جذبه في هذا العمل التحليل الاجتماعي الذي يقدمه وليس الجانب البوليسي، إذ ينظر الكتاب إلى تلك الجريمة بوصفها انعكاساً لبنية مجتمع كامل، وليس مجرد حادثة فردية، وهو ما دفعه للتفكير في تحويلها إلى فيلم يطرح أسئلة أكبر من مجرد البحث عن القاتل.

وأضاف مارتينيسي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن ما لفت انتباهه أيضاً في تلك القراءة هي الطريقة التي تُتناول بها الديكتاتورية في تاريخ باراغواي، إذ غالباً ما يركِّز الحديث على شخصية الحاكم وحده، في حين يتم تجاهل الدور الذي لعبه المجتمع نفسه في دعم تلك السلطة أو التعايش معها، وهو ما جعله يحاول من خلال الفيلم الاقتراب من هذه المنطقة الرمادية، «حيث تتداخل المسؤوليات الفردية والجماعية في صناعة المناخ الذي يسمح بترسيخ الاستبداد»، على حد تعبيره.

تحمس المخرج للفيلم بعد قراءة قصة البطل (مهرجان برلين)

وأشار إلى أنه لم يكن مهتماً بنقل أحداث الرواية أو الوقائع التاريخية حرفياً، بل استخدمها نقطة انطلاقٍ لبناء عالم سينمائي خاص، لأن السينما تمنح المخرج حرية إعادة تخيل التاريخ، ما جعله يفضّل أن يركز على الأجواء النفسية والاجتماعية لتلك المرحلة أكثر من التزامه بالتفاصيل الدقيقة للحدث الحقيقي.

تدور أحداث «نارسيسو» الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الماضية، في باراغواي عام 1959، حين يعود شاب غامض يحمل روحاً متمردة وإيقاعات موسيقى «الروك آند رول» التي كانت في ذلك الوقت تمثل رمزاً للتغيير، وسرعان ما يتحول هذا الشاب إلى نجم إذاعي يلفت الأنظار بحضوره الطاغي وشخصيته الآسرة، ليصبح رمزاً غير مباشر لرغبة جيل كامل في التحرر داخل مجتمع محافظ يعيش تحت قبضة سياسية صارمة.

المخرج الباراغواياني مارسيلو مارتينيسي (الشركة المنتجة)

لكن هذا الصعود السريع لا يستمر طويلاً، فبعد أحد عروضه الأخيرة يُعثر على نارسيسو ميتاً في ظروف غامضة، لتتحول وفاته إلى حدث يهز المجتمع بأكمله، ومن خلال هذه الجريمة الغامضة يفتح الفيلم باباً واسعاً للتأمل في طبيعة السلطة والخوف الجماعي، وفي الطريقة التي يمكن أن يتحول بها المجتمع نفسه إلى شريك في إنتاج القمع.

يقول مارسيلو مارتينيسي إن «الإذاعة كانت بالنسبة لي المكان المثالي الذي يمكن أن تتقاطع فيه كل هذه الخيوط، لأنها كانت في ذلك الزمن وسيلة الإعلام الأكثر تأثيراً في المجتمع، فجاء الاستوديو الإذاعي ليس مجرد موقع للأحداث، بل فضاء يجتمع فيه الفن والسياسة والسلطة، ويمكن للكلمة أو للأغنية أن تتحول إلى أداة تأثير حقيقية في الجمهور».

وتحدث المخرج عن التحدي الذي واجهه في إعادة تمثل باراغواي في خمسينات القرن الماضي، مشيراً إلى أن «تلك الفترة لا يوجد لها أرشيف بصري كبير يمكن الاعتماد عليه، فمعظم الصور المتبقية من تلك السنوات جاءت من مؤسسات رسمية، مما يعني أنها تقدم رؤية السلطة أكثر مما تعكس الحياة اليومية للناس».

صناع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان «برلين» (الشركة المنتجة)

وأوضح أن «فريق العمل اضطر إلى البحث في مصادر عدّة، من صور قديمة، وشهادات شخصية، وحتى ذكريات بعض من عاشوا تلك الفترة؛ لأن الهدف لم يكن إعادة بناء الماضي بشكلٍ متحفي، بل خلق إحساسٍ حي بذلك الزمن، يسمح للممثلين والجمهور معاً بأن يشعروا بأنهم يعيشون داخله».

وأضاف مارتينيسي أن «غياب المراجع الكثيرة، رغم مساوئه، منحهم في الوقت نفسه مساحة أكبر للخيال؛ لأن السينما تحتاج إلى خلق عالم مُقنع يشعر المشاهد بأنه حقيقي، حتى لو كان جزءٌ منه متخيّلاً».

وتحدَّث المخرج عن الشخصيات التي تدور حول «نارسيسو»، موضحاً أن العلاقات بينها تقوم على صراعٍ خفي بين الرغبة والسلطة؛ لأن المجتمع في تلك الفترة كان يفرض قيوداً صارمة على التعبير عن الهوية الشخصية، وهو ما يجعل كثيراً من الشخصيات تعيش حالة من التناقض بين حياتها العلنية وما تُخفيه في داخلها.

وأضاف أن «بعض الشخصيات تحاول التمسّك بصورة اجتماعية مثالية، حتى لو كان ذلك يعني قمع مشاعرها الحقيقية، بينما تمتلك شخصيات أخرى هامشاً أكبر من الحرية؛ لأنها أقل ارتباطاً بالقواعد الاجتماعية المحلية»، في تباين خلق توتراً درامياً ازداد تعقيداً مع وجود «نارسيسو».

وأشار إلى أن شخصية «نارسيسو» نفسها صُممت لتبقى غامضة إلى حدٍّ كبير؛ فالفيلم لا يقدّم له سيرة واضحة أو تفسيراً كاملاً لشخصيته، لأن ما يهم ليس ماضيه بقدر ما هو التأثير الذي يتركه حضوره في الآخرين، ما يجعله يمثّل نوعاً من الحرية التي يصعب على المجتمع استيعابها؛ ولذلك يصبح وجوده مصدر جذب وخوف في الوقت نفسه.


«بينالي الدرعية» يختتم نسخته الثالثة بعد رحلة فنية بين الترحال والتبادل الثقافي

بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
TT

«بينالي الدرعية» يختتم نسخته الثالثة بعد رحلة فنية بين الترحال والتبادل الثقافي

بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)

داخل صالات العرض وفي مختلف أنحاء حي جاكس، واصل الزوَّار، حتى الساعات الأخيرة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026»، استكشاف الأعمال الفنية، والمشاركة في الورش، وتبادل لحظات ينسجها الإبداع والتفاعل.

وعلى مدى أكثر من 92 يوماً، أخذت الدورة الثالثة من بينالي الدرعية، التي جاءت بعنوان «في الحل والترحال»، زوارها في رحلة لاستكشاف مفهوم التنقل، واضعة إياهم في حالة حركة مستمرة عبر مسارات متشابكة بين الثقافات والتعبيرات الفنية

التقت الحكايات وتقاربت الرؤى وتحولت الحركة إلى حوار حيّ عبر الثقافات (بينالي الدرعية)

وقد عكست هذه المسارات موضوعات البينالي، وفي مقدمتها التبادل الثقافي والفني، الذي تبلور في أروقته، حيث التقت تجارب من مختلف أنحاء العالم لتشكِّل مشهداً فنياً متفاعلاً ينصهر في بوتقة واحدة، تعكس وحدة التجارب الإنسانية.

وعبر فضاءات متعددة، ولغات متنوعة، ومسارات متقاطعة، جمع «بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026» هذا التنوع في مساحة مشتركة، حيث التقت الحكايات، وتقاربت الرؤى، وتحولت الحركة إلى حوار حي عابر للثقافات والمسافات والزمن.

«الأرشيف» كائن حي يصوغ المستقبل

يتقاطع مفهوم الأرشيف بعمق مع الإطار العام للبينالي «الحل والترحال» (بينالي الدرعية)

وفي ختام الفعاليات الرئيسية التي احتضنها «البينالي»، برز تساؤل يتجاوز حدود اللوحات والمنحوتات: كيف يمكن للذاكرة أن تتحول إلى مادة خام للمستقبل؟ وذلك من خلال مشروع «حراس الزمن: الأرشيف في حالة تحول»، الذي أطلقته مؤسسة «بينالي الدرعية» ضمن مسارها الفكري والفني.

وكشفت سيبيل فاسكيز، مديرة البرامج الثقافية والعامة في «مؤسسة بينالي الدرعية«» بالسعودية، عن الفلسفة الكامنة وراء هذا التوجه، مؤكدة أن الأرشيف لم يعد مجرد رفوف غبارية أو سجلات منسية، بل نظام حي يتنفس في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها السعودية.

البينالي جمع بين أطراف العالم لإكمال مشهد فني متفاعل (بينالي الدرعية)

وأوضحت أن اختيار شعار «حراس الزمن» جاء استجابة طبيعية للسيولة الثقافية التي يختبرها البينالي، مضيفة: «بصفتنا مؤسسة، يمر عبرنا كمٌّ هائل من الأفكار والبحوث والحوارات، وسرعان ما ندرك أن القليل منها يبقى ثابتاً؛ من هنا برزت الحاجة إلى تعريف الأرشيف بوصفه كياناً يتشكل بنشاط في الحاضر، لا كوعاء ساكن للماضي».

ويتقاطع مفهوم الأرشيف بعمق مع الإطار العام لـ«البينالي» هذا العام «الحل والترحال»، حيث تشير فاسكيز إلى أن «الأرشيف يعمل بطريقة تشبه الفواصل والتحولات؛ فهو مليء بالثغرات والتعديلات، وننظر إليه بوصفه فضاءً انتقالياً بين الماضي والمستقبل».

عبر أماكن ولغات ومسارات جمع بينالي الدرعية التنوّع في مساحة واحدة (بينالي الدرعية)

وأضافت أن الفنانين المشاركين استكشفوا هذه المساحات عبر موضوعات النزوح، والذاكرة، والسرديات المتطورة، ما حوَّل الأرشفة من مجرد «توثيق» إلى «ممارسة فنية» تجمع بين العمق الشخصي والتقنيات المعاصرة.

ومع تسارع التحولات الرقمية، ترى فاسكيز أن دور الأرشيف تجاوز الحفظ إلى التأثير، موضحة: «لقد جعلت التقنيات الأرشفة أسهل، لكنها في الوقت نفسه زادت من تعقيد فهمنا للمواد؛ ولم يعد السؤال: ماذا نحتفظ؟ بل كيف نتعامل مع ما نحتفظ به؟»، مشيرة إلى أن الأرشيف في السعودية اليوم بات مادة خاماً يُعيد من خلالها الممارسون بناء سرديات جديدة.

التبادل الثقافي والفني تبلورا بين أروقة البينالي وأركانه (بينالي الدرعية)

وبهذه الرؤية، كرَّس «بينالي الدرعية» مكانته، ليس بوصفه منصة لعرض الفنون فقط، بل بوصفه مختبراً وطنياً يعيد تعريف العلاقة بالزمن، ويحوّل «حراس الزمن» إلى شركاء في كتابة تاريخ لم يتشكل بعد.

وخلال الفترة من 30 يناير (كانون الثاني) إلى 2 مايو (أيار) 2026، في حي جاكس الإبداعي بالدرعية، خاض الجمهور تجربة فنية تفاعلية عبر الأعمال والأفكار التي تناولت عالماً يتَّسم بالحركة والتغير المستمر.

وقدمت تصوراً لعالم يتشكل عبر الترحال لا الثبات، ومن خلال مسارات متقاطعة من الطرق والإيقاعات والعلاقات، تجسدت في أعمال ملأت قاعات العرض، وشارك فيها 68 فناناً يمثلون أكثر من 37 دولة، لتتلاشى بينها الحواجز وتتوحد في سرد إنساني مشترك.