من كلاسيكيات الأدب إلى مجالس الثقافة والتنوير في مسلسل رمضاني

مؤلف «خيوط المعازيب» لـ«الشرق الأوسط»: كانت هناك منتديات ومجلات عربية ومكتبة «التعاون» التي تأسست عام 1942

مشهد داخل قهوة ماطر الثقافية حيث يجتمع أهل المدينة في العمل (الشرق الأوسط)
مشهد داخل قهوة ماطر الثقافية حيث يجتمع أهل المدينة في العمل (الشرق الأوسط)
TT

من كلاسيكيات الأدب إلى مجالس الثقافة والتنوير في مسلسل رمضاني

مشهد داخل قهوة ماطر الثقافية حيث يجتمع أهل المدينة في العمل (الشرق الأوسط)
مشهد داخل قهوة ماطر الثقافية حيث يجتمع أهل المدينة في العمل (الشرق الأوسط)

خلافاً لما هو معتاد من انكفاء الدراما الخليجية على أعمال الموروث التي تسرد حكايات الحياة الاجتماعية، يأتي المسلسل السعودي «خيوط المعازيب» ليمضي ناحية المزاج الثقافي السائد في منطقة الأحساء خلال عقد الستينات من القرن الماضي، حيث يلحظ المشاهد تشكّل المجالس الثقافية بشكلٍ عابر، لتأخذ نوافذها العلمية والفكرية، وتنفرج اتساعاً وجلاءً بين مختلف أطياف المجتمع آنذاك.

ويظهر في العمل الفنان إبراهيم الحساوي في دور «جاسم أبو فرحان» المنكب على قراءة الكُتب، تارة يقرأ «الكشكول» للعاملي، وتارة يقرأ «بجماليون» لتوفيق الحكيم، وغيرهما من كلاسيكيات الأدب العربي، كما يقوم بإنشاء مكتبة صغيرة لإعارة الكتب وترويج القراءة بين أهالي الأحساء، وكذلك ينشئ تجمّعاً ثقافياً في مقهى «ماطر» في المسلسل، باعتباره عراباً لهذا الملتقى الثقافي.

كما يستحضر العمل شاعر الأحساء الراحل يوسف عبد اللطيف، في الحديث عن ديوانه الأول «زفير الناي» الذي صدر عام 1967، وذلك في مشهد يُظهر استضافة المقهى للشاعر، يليه مشهد آخر لمُفكر يلقي محاضرة عن أسباب اندلاع الثورة الفرنسيّة وتداعياتها، والكثير من المضامين الفكرية والسياسية التي عرج عليها المسلسل، ما أثار التساؤلات إن كانت حقاً هناك حركة ثقافية تنويرية شهدتها المنطقة آنذاك، خاصة مع قلة المدارس النظامية في تلك الفترة وتوجه معظم السكّان نحو مزاولة الزراعة والأنشطة الحرفيّة.

ازدهار ثقافي

كاتب القصة الفنان حسن العبدي، الذي عاش تلك الحقبة ويدركها جيداً، يوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الحركة الثقافية في الأحساء خلال الستينات من العقد المنصرم كانت في أوجها، ويتابع: «هي فترة غير مسبوقة، شهدت ازدهاراً ثقافياً في المنتديات والحسينيات والمحلات، وكان هناك مقهى شهير في الأحساء في عام 1959 اسمه مقهى مطير، لرجل جاء من مكة المكرمة، وكان يجتمع فيه بعد المغرب مجموعة من المثقفين والعرب الذين قدموا لمزاولة مهنة التدريس، ونخبة من أهل الأحساء، وذلك كي يتحدثوا بالاقتصاد والسياسة داخل المقهى الذي كان في الهواء الطلق، وكنت بدوري أنضم لسماعهم ورؤية كيف يتحدثون».

وتبعاً لذلك، يؤكد العبدي أنه كانت هناك حالة سائدة من الوعي الثقافي في المنطقة، مع رواج عدد من المجلات، مثل «العربي» و«الكواكب»، وإقبال الناس على قراءة كتب الأديب طه حسين، وتداول روايات نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس وغيرهم. ويشير العبدي إلى مكتبة «التعاون الثقافي» التي كانت الوحيدة آنذاك، حيث أسسها الشيخ عبد الله الملا عام 1942، وكانت شاهدة على الازدهار الثقافي للمنطقة آنذاك.

أناس حقيقيون

ويوضح العبدي أنه استلهم كثيراً من شخصيات المسلسل من أناس حقيقيين عايشهم على أرض الواقع، وهو الذي مارس مهنة حياكة البشوت لفترة من حياته، من ذلك شخصية المعزب أبو موسى (الفنان سمير الناصر) تاجر البشوت الطيّب في العمل، قائلاً: «انتقلت في صغري من (معزّب) إلى آخر اسمه حسن الكويتي (أبو موسى) وكان رجلاً فاضلاً يمتاز بروعة الأخلاق والعلم والثقافة، لدرجة أنه كان ينصح الفتيان بإكمال الدراسة إلى جانب العمل، وأنا استطعت الحصول على شهادة المرحلة الابتدائية أثناء عملي لديه، وأحفاده اليوم سعيدون بما قدمه العمل عن جدهم».

ويقابل ذلك شخصية التاجر الجشع في العمل أبو عيسى (الفنان عبد المحسن النمر)، الذي كان يضرب الصبيان بقسوة لإرغامهم على العمل، وهنا يقول العبدي: «هناك أشياء كثيرة لم أذكرها عن سلوك بعض المعازيب، مراعاةً لمشاعر المشاهدين». وهنا يتذكر فتى قام بوضع البنزين على أصبعه ليحرقه، وذلك هروباً من خياطة البشوت، وآخر حرق عينيه بأعقاب السجائر كي لا يرغمه المعزّب على العمل.

عالم البشوت

بسؤال العبدي هل كان يتوقع الأصداء الواسعة التي حصدها العمل، مع كونه ضمن قائمة الأعمال الأعلى مشاهدة في السعودية ودول خليجية على منصة «شاهد»؟ يقول: «توقعت له النجاح، ولكن ليس بالشكل الذي شاهدته، فقد تلقيت اتصالات من مختلف شرائح الجمهور في السعودية والخليج ودول عربية أيضاً». ويردف: «هذا النجاح فاق تصوراتي بشكل كبير، وهو في تقديري يعود إلى أن العمل يقدم ما هو جديد، ولم يسبق للناس مشاهدته».

ويتابع: «أعتاد الناس على رؤية البشت المطرّز الذي يرتدونه في المناسبات، لكنهم لا يعلمون ماهية معاناة الأشخاص الذين أوصلوا البشت إلى هذا المستوى، حيث أصبحت منطقة الأحساء كلها تشتهر به». ويشير العبدي إلى مؤسسي هذه الحرفة الأصيلة ومراحل حياكة البشت من الهيلة والبروج والمقصر وغيرها، مبيناً أن البشت لا يستطيع أن يصنعه شخص واحد، ولكنه يتطلب عملاً جماعياً.

مخزن الحكايات

ولم تكن حكاية البشت وحدها هي الطاغية على العمل، بل حضر معها كثير من القصص غير المألوفة والمستلهمة من الموروث الاجتماعي والتراثي للمنطقة، من ذلك حلقة «المرتعشة» التي تناولت هذه القطعة الذهبية الفاخرة التي كانت ترتديها نسوة علية القوم ويتباهين بها، وكذلك حلقة «الحمار»، وهي كنية كان يطلقونها الأحسائيون على المغنين قديماً، وقصص الزوج الغائب الذي يظهر فجأة، وتداخل الأسر مع تعدد الزوجات وغيرها.

عن مصادر هذه الحكايات، يقول العبدي: «كنت أسمعها منذ كنتُ صغيراً في الحارة (الفريج قديماً)، حتى من يخيطون البشوت كانت لهم لهجة خاصة، وأسلوب مختلف في الحياة، وهو ما حاولنا إظهاره»، ويشير العبدي إلى مشهد جمع الفنانين عبد المحسن النمر وفيصل الدوخي، حين قال النمر له «جزّن»، وهي كلمة لا يعرف معناها إلا حائكو البشوت، وتعني «اصمت».

ويتابع: «تم اختيار هذه المفردات بعناية بالغة، وأكثر ما أتعبني في العمل هو اللهجة، لأني كنت مع شبان صغار السن لم يسمعوا بها، وكذلك بعض الكبار الذين لم تمر عليهم هذه المفردات، ولذا كنت أحرص على عمل بروفات قبل دخولهم إلى مواقع التصوير... والأمر ذاته مع الملابس والإكسسوارات وبقية التفاصيل، خاصة مع كوني الأكبر سناً بينهم (85 عاماً)، لذا فلقد مررت على كل هذه الأمور لأكون المرجع لها، وهو ما حرصت عليه».

يضيف العبدي: «من الضروري أن تكون للعمل ذاكرة حقيقية يُبنى عليها، وتكون قريبة من الإنسان، مع طابع الحنين إلى الماضي، إلى جانب الكتابة الجادة والصادقة... متى ما وجدت هذه العناصر، فمن الممكن الخروج بأعمال مميزة، بعيداً عن التكرار والسطحية التي تغلب على كثير من المسلسلات».


مقالات ذات صلة

أحمد السعدني: «ولنا في الخيال حب» نجح في المعادلة الصعبة

يوميات الشرق أحمد السعدني - مهرجان مالمو

أحمد السعدني: «ولنا في الخيال حب» نجح في المعادلة الصعبة

قال الفنان المصري أحمد السعدني إن تجربته في فيلم  «ولنا في الخيال حب» تمثل محطة مميزة في مشواره.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق ترحيب في مصر بعودة «ماسبيرو» للإنتاج الدرامي (الشرق الأوسط)

مصر: عرض «جلال الدين السيوطي» في رمضان المقبل

«ماسبيرو» يستعد لتقديم مسلسل تلفزيوني تاريخي عن سيرة حياة وفكر الإمام المصري جلال الدين السيوطي، على أن يُعرض خلال موسم رمضان المقبل.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق الممثلة المصرية إنجي كيوان تراهن على الأدوار الجديدة (حسابها على فيسبوك)

إنجي كيوان: «وننسى اللي كان» نقطة تحول في مسيرتي

قالت الممثلة المصرية إنجي كيوان إن دورها في مسلسل «وننسى اللي كان» كان محطة فارقة في مسيرتها الفنية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق جسّد شخصية زوج كارين رزق الله في العمل (ميشال حوراني)

ميشال حوراني يرفض تنميط أدواره ويُقدّم «الشرير الأنيق» في «المحافظة 15»

لم يعد الشرّ مرتبطاً باسم ممثل بعينه، بل بات جزءاً من أدوار يؤدّيها ممثلون من خلفيات متنوّعة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق إسلام وسط عائلته (فيسبوك)

البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» يعثر على أهله

أخيراً، وبعد أن صار عمره 43 عاماً عثر البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» على أسرته.

انتصار دردير (القاهرة )

الرياض تبدأ فصل إحدى أكثر حالات التوائم تعقيداً في العالم

التوأمتان الفلبينيتان «كليا وموريس آن» الملتصقتان بالرأس (واس)
التوأمتان الفلبينيتان «كليا وموريس آن» الملتصقتان بالرأس (واس)
TT

الرياض تبدأ فصل إحدى أكثر حالات التوائم تعقيداً في العالم

التوأمتان الفلبينيتان «كليا وموريس آن» الملتصقتان بالرأس (واس)
التوأمتان الفلبينيتان «كليا وموريس آن» الملتصقتان بالرأس (واس)

بدأ الفريق الطبي والجراحي التابع لـ«البرنامج السعودي للتوائم الملتصقة»، الخميس، عملية فصل التوأمتين الفلبينيتين «كليا وموريس آن»، الملتصقتين بالرأس؛ إنفاذاً لتوجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، والأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، وذلك في مستشفى الملك عبد الله التخصصي للأطفال بمدينة الملك عبد العزيز الطبية بوزارة الحرس الوطني بالرياض.

وأوضح المشرف العام على «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» رئيس الفريق الطبي والجراحي التابع للبرنامج، الدكتور عبد الله الربيعة، في تصريح صحافي، أن التوأمتين الملتصقتين الفلبينيتين «كليا وموريس آن»، بمنطقة الرأس، قدِمتا إلى السعودية في 17 مايو (أيار) 2025، وبعد دخولهما المستشفى قام الفريق الطبي بإجراء فحوص دقيقة ومتعددة لهما، وعقد اجتماعات عدة توصَّل من خلالها إلى أنَّ حالتهما تُعد من أكثر الحالات تعقيداً على مستوى العالم، نظراً لعوامل طبية عدة، من أبرزها وجود وضعية زاوية معقدة للرأسين، واشتراك واسع في الجيوب الوريدية الدماغية، وتداخل نسيج الدماغ بين الطفلتين، بالإضافة إلى أنَّ الطفلة كليا كانت تعاني من قصور في عضلة القلب وضمور شديد في الكليتين مع فشل كلوي تام؛ مما يؤدي إلى رفع مستوى الخطورة الجراحية بشكل كبير.

وبيَّن أنَّ الفريق الجراحي، بقيادة الدكتور معتصم الزعبي استشاري جراحة مخ وأعصاب الأطفال، قرَّر تنفيذ العملية على 5 مراحل يشارك فيها 30 من الاستشاريين والمتخصصين والكوادر التمريضية والفنية في تخصصات عدة، منها التخدير، والعناية المركزة، والأشعة المتقدمة، وجراحة التجميل، مشيراً إلى أنَّه من المتوقع أن تستغرق العملية 24 ساعة.

وقال الربيعة: «بناءً على التقييم الطبي متعدد التخصصات، والدراسات التشخيصية الدقيقة، فإنَّ نسبة الخطورة تصل إلى 50 في المائة نظراً للتحديات الطبية المصاحبة للحالة، مع وجود احتمال حدوث مضاعفات عصبية شديدة قد تتسبب بالإعاقة بنسبة تصل 60 في المائة»، مشيراً إلى أنَّه جرى التشاور مع أحد المراكز الطبية المتخصصة في مثل تلك الحالات، وتوافقت مرئياته مع تقييم الفريق الطبي من حيث درجة خطورة العملية، وارتفاع مستوى المخاطر المرتبطة بها، وتمَّ شرح الحالة بشكل مفصل لوالدَي الطفلتين اللذين أبديا تفهمهما لخطة الفريق الجراحي.

ولفت إلى أنَّ هذه العملية تعد رقم 70 ضمن «البرنامج السعودي للتوائم الملتصقة»، الذي استطاع منذ عام 1990، أن يعتني بـ157 توأماً من 28 دولة في 5 قارات حول العالم.


نمو غير مسبوق... العالم يتجه نحو 4 آلاف ملياردير خلال 5 سنوات

النمو لا يقتصر على فئة المليارديرات فقط بل يشمل أيضًا شريحة أصحاب الثروات الكبيرة (رويترز)
النمو لا يقتصر على فئة المليارديرات فقط بل يشمل أيضًا شريحة أصحاب الثروات الكبيرة (رويترز)
TT

نمو غير مسبوق... العالم يتجه نحو 4 آلاف ملياردير خلال 5 سنوات

النمو لا يقتصر على فئة المليارديرات فقط بل يشمل أيضًا شريحة أصحاب الثروات الكبيرة (رويترز)
النمو لا يقتصر على فئة المليارديرات فقط بل يشمل أيضًا شريحة أصحاب الثروات الكبيرة (رويترز)

في ظلّ التحولات الاقتصادية المتسارعة التي يشهدها العالم، وتنامي دور التكنولوجيا في إعادة تشكيل موازين الثروة، تتجه المؤشرات إلى تصاعد غير مسبوق في أعداد فاحشي الثراء. ويعكس هذا الاتجاه تسارع وتيرة تراكم الثروات لدى شريحة محدودة من الأفراد، في وقت تتزايد فيه النقاشات حول اتساع فجوة عدم المساواة عالمياً.

وكشفت تقديرات نقلتها صحيفة «الغارديان» أن عدد المليارديرات حول العالم قد يصل إلى نحو 4 آلاف ملياردير بحلول عام 2031، مدفوعاً بالنمو السريع في ثروات الأثرياء.

وبحسب تحليل أجرته شركة «نايت فرانك» العقارية، يبلغ عدد المليارديرات حالياً 3110 على مستوى العالم، ومن المتوقَّع أن يرتفع هذا الرقم بنسبة 25 في المائة خلال السنوات الخمس المقبلة، ليصل إلى نحو 3915 مليارديراً.

ولا يقتصر النمو على فئة المليارديرات فقط، بل يشمل أيضاً شريحة أصحاب الثروات الكبيرة؛ إذ ارتفع عدد الأفراد الذين تبلغ ثروتهم 30 مليون دولار أميركي (22 مليون جنيه إسترليني) على الأقل من 162 ألفاً و191 شخصاً في عام 2021 إلى 713 ألفاً و626 شخصاً حالياً، أي بزيادة تتجاوز 300 في المائة، وفقاً لبيانات «نايت فرانك».

وأوضح ليام بيلي، رئيس قسم الأبحاث في الشركة، أن هذا النمو الهائل في ثروات المليارديرات وأصحاب الملايين يعود بدرجة كبيرة إلى الأرباح المتحققة في قطاع التكنولوجيا، لا سيما في مجال الذكاء الاصطناعي.

وأضاف: «لم تكن القدرة على توسيع نطاق الأعمال التجارية بهذا الشكل ممكنة في السابق»، مشيراً إلى أن التطور التكنولوجي، وعلى رأسه الذكاء الاصطناعي، أسهم في تسريع تكوين الثروات الضخمة بشكل غير مسبوق.

وفيما يتعلق بالتوزيع الجغرافي، توقعت الدراسة أن يتضاعف عدد المليارديرات في بولندا من 13 إلى 29 مليارديراً خلال الفترة بين عامي 2026 و2031، كما يُتوقع أن يشهد العدد في السويد زيادة بنسبة 81 في المائة، ليرتفع من 32 إلى 58 مليارديراً خلال الفترة نفسها.

يأتي هذا التوسع في أعداد الأثرياء، في وقت تتسع فيه الفجوة بين الأغنياء والفقراء على مستوى العالم. فقد أظهر تقرير عدم المساواة العالمي، الصادر العام الماضي، أن أقل من 60 ألف شخص فقط (أي ما يعادل 0.001 في المائة من سكان العالم) يملكون ثروة تزيد على ثلاثة أضعاف ما يمتلكه النصف الأفقر من سكان العالم.

وفي ضوء هذه المؤشرات، تصاعدت الدعوات الموجهة إلى قادة الدول لفرض ضرائب أعلى على فاحشي الثراء، وسط مخاوف من تزايد قدرة أصحاب الثروات الضخمة على التأثير في القرار السياسي وشراء النفوذ.

من جهتها، كشفت منظمة «أوكسفام» الخيرية عن تسجيل عدد قياسي من المليارديرات خلال العام الماضي؛ إذ تجاوز إجمالي عددهم حاجز 3 آلاف للمرة الأولى في التاريخ، مشيرة إلى أن إجمالي ثرواتهم مجتمعة بلغ نحو 18.3 تريليون دولار.

وعلى صعيد الأفراد، يتصدر رجل الأعمال إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، قائمة أغنى أثرياء العالم، بثروة صافية تُقدّر بنحو 785.5 مليار دولار، وفقاً لقائمة «فوربس». ويحلّ في المرتبة الثانية لاري بيج، أحد مؤسسي «غوغل»، بثروة تبلغ 272.5 مليار دولار، يليه جيف بيزوس، مؤسس «أمازون»، بثروة تُقدّر بـ259 مليار دولار.


عن الرقص الصباحي وغسل الصحون... مساعدة الملكة إليزابيث تكشف بعضاً من كواليسها

أعلن الملك تشارلز أن سيرة والدته الذاتية باتت قيد الإعداد (أ.ف.ب)
أعلن الملك تشارلز أن سيرة والدته الذاتية باتت قيد الإعداد (أ.ف.ب)
TT

عن الرقص الصباحي وغسل الصحون... مساعدة الملكة إليزابيث تكشف بعضاً من كواليسها

أعلن الملك تشارلز أن سيرة والدته الذاتية باتت قيد الإعداد (أ.ف.ب)
أعلن الملك تشارلز أن سيرة والدته الذاتية باتت قيد الإعداد (أ.ف.ب)

سالت أطنانٌ من الحِبر عن الملكة التي جلست على العرش 70 عاماً. صدرت مئات الكتب التي فصّلت سيرة إليزابيث الثانية، لكن أغرب ما في الأمر ألّا سيرة من بينها كانت رسمية أو أنها صدرت عن قصر باكينغهام . طوَت أشهَرُ ملكات بريطانيا عقوداً من الحُكم من دون أن تفكّر في تدوين سيرتها، تاركةً للتاريخ أن يرويَها.

ليس سوى بعد 4 سنوات على رحيلها، حتى كلّف ابنُها الملك تشارلز المؤرّخة آنا كياي بكتابة سيرتها الرسمية الأولى. كياي (51 عاماً)، عملت عن قُرب مع العائلة البريطانية المالكة، ومن المرتقب أن تسجّل حوارات مع عدد من أفرادها ومع أصدقاء الملكة والخدَم لإنجاز عملها. كما ستُمنح إذناً خاصاً بالوصول إلى الأرشيف الملَكيّ، من أجل الاطّلاع على أوراق إليزابيث الخاصة والرسمية.

من اللافت أنّ العاهل البريطاني أصرّ على أن تكون كاتبة سيرة أمّه أنثى، وهو اختار كياي لكونها خبيرة في الشؤون الملَكيّة البريطانية وقد ألّفت كتباً عنها، كما أنها أمينة صندوق «المجموعة الملَكيّة» وعضو في «لجنة إحياء ذكرى الملكة إليزابيث».

اختار الملك تشارلز المؤرّخة آنا كياي لكتابة سيرة والدته الملكة إليزابيث (قصر باكنغهام)

الملكة وزينة الصيصان والشوكولاته

بانتظار السيرة الرسمية التي ليس من المتوقع أن تصدر خلال وقتٍ قصير، تنتشرُ بين حينٍ وآخر خفايا وتفاصيل من كواليس حياة الملكة إليزابيث، كتلك التي كشفتها مساعدتُها الخاصة أنجيلا كيللي في حوار مع مجلة «فانيتي فير» الأميركية نُشر في نهاية مارس (آذار) الماضي.

تحدّثت كيللي عن روح النكتة لدى الملكة، وعن اهتمامها بالموضة، وعن عاداتها الصباحيّة. مرَّت كذلك على الخلافات العائلية، من دون أن تغفل استذكار إليزابيث الجدّة التي أحبّت الاعتناء بأحفادها وأولادهم.

أنجيلا كيللي مساعدة الملكة إليزابيث ومنسّقة أزيائها (مجموعة الصور الملَكيّة)

خلال إجازة عيد الفصح، كانت تنتقل الملكة إلى قصر وندسور، حيث اعتادت تزيين مقرّ إقامتها بالصيصان الملوّنة وبالبيض المصنوع من الشوكولاته. أما صيفاً في بالمورال، فكانت تتفرّغ لعائلتها. تقول كيللي التي لطالما رافقتها: «أحبّت أن تقوم بدور الجدّة. كانت تأخذ أحفادها في نزهات سيراً أو ركوباً على الخيل». وتتذكّر كيللي كيف أن الملكة كانت تصرّ على غسل الصحون شخصياً بعد كل مأدبة شواء كانت تقيمها للعائلة أو حتى لرئيس الحكومة. تضيف: «كانت الملكة مليئة بالحيويّة وجدّة مرِحة جداً».

وفق مساعدتها كانت تصرّ الملكة على غسل الصحون بعد مآدب الشواء العائلية (أ.ف.ب)

الملكة تغنّي وترقص

انضمّت أنجيلا كيللي إلى فريق عمل الملكة إليزابيث عام 1994، بعد سنتَين من لقائهما الأول في مقرّ السفير البريطاني في ألمانيا حيث كانت تعمل مدبّرة منزل. أُعجبت الملكة بسلوك كيللي التي دُعيت إلى تقديم طلب عمل في قصر باكنغهام. وتُخبر الموظفة السابقة أنها حينذاك لم تكن تملك ثمن ثوبٍ جديد ترتديه إلى مقابلة العمل، فاضطرّت إلى بيع غسّالتها لشراء واحد.

تسلَّقت كيللي سلالم القصر بتأنٍ إلى أن أصبحت المساعدة الخاصة ومستشارة أزياء الملكة. ولم تتوقف الأمور عند حدود العلاقة المهنية، بل تحوَّلت ابنة الخيّاطة وعامل ميناء ليفربول المولودة عام 1957 إلى كاتمة أسرار ملكة إنجلترا، كما كانت ترى فيها «الصديقة المفضّلة». واتّضح مع مرور الوقت أنهما تتشاركان بعض الخصال، كالاهتمام بالموضة، وحسّ الفكاهة، ومنح الأولوية للواجب قبل أي شيء آخر.

ارتاحت سيدة العرش لكيللي إلى درجة أنها كانت تتصرف على طبيعتها أمامها، وتتخلّى عن صرامة البروتوكول الخاص بالتاج. وتروي المساعدة السابقة أنّ الملكة إليزابيث كانت تستمع كل صباح إلى برنامج الإعلامي تيري ووغان على «راديو 2»، وكلما كانت تُبَثّ أغنية Dancing Queen (ملكة الرقص) لفريق «آبا»، كانت تتمايل يميناً ويساراً وتغنّي. وتضيف كيللي: «كانت الملكة تحب الغناء وكان صوتها جيداً».

كانت تبدأ الملكة بعض صباحاتها بالرقص والغناء (أ.ف.ب)

صانعة «اللوك» الملوّن

يشهد ستيوارت بارفن، أحد مصمّمي أزياء الملكة إليزابيث، للدور المحوَري الذي لعبته أنجيلا كيللي في الكواليس وللعلاقة المميزة التي جمعتها بالملكة. يقول إنّ الأخيرة كانت «تشعر بارتياحٍ وثقة أكبر بوجودها خلال جلسات القياس، لأنها كانت تجعل كل شيءٍ يبدو أسهل».

ومع مرور السنوات، استطاعت أنجيلا كيللي إقناع الملكة إليزابيث بإدخال تعديلات جذريّة إلى هندامها. يُنسَب إليها الفضل في جعلها تتخلّى عن التنّورة الطويلة وتعتمد الفساتين والقبّعات ذات الألوان الفاقعة والجريئة.

كانت لأنجيلا كيللي اليد الطولى في إقناع الملكة بارتداء الفساتين ذات الألوان الجريئة (رويترز)

أزمة تاج ميغان

غالباً ما كانت تنتعل أنجيلا أحذية الملكة الجديدة كي توسّعها لها، تفادياً لإيذاء قدمَيها لاحقاً عند انتعالها لوقتٍ طويل. ولم يقتصر الأمر على الأحذية بل انسحب على الحليّ والمجوهرات. يروي أندرو فورد، المراقب المالي السابق للعائلة البريطانية المالكة، كيف أنه أصيب بالدهشة يوم دخلت أنجيلا مكتبه وهي تضع عقداً من لآلئ الملكة، ليتّضح أنها فعلت ذلك بطلبٍ من إليزابيث نفسها، لأنّ اللؤلؤ يجب أن يكون قريباً من الجلد دائماً تفادياً لاصفراره.

ويوم اشتعل الخلاف حول التاج الذي ستضعه ميغان ماركل في زفافها، وقفت كيللي سداً منيعاً في وجه الأمير هاري واحتدمَ السجال بينهما، منعاً لإخراج أي تاج من مجموعة الملكة خارج القصر من أجل تجربته عند مصفف الشعر.

زفاف الأمير هاري وميغان ماركل عام 2018 (رويترز)

أنجيلا «البندقيّة»

منحُ الملكة إليزابيث الضوءَ الأخضر لأنجيلا كيللي بفعلِ ارتياحها لها وثَّقتها بها، أزعجَ الدوائر الملَكيّة وعدداً من أفراد العائلة المالكة. ومَن كانت من المفترض أن تكتفي بدورها كمُساعدة للملكة، تحوَّلت إلى صديقتها المقرّبة وإلى شخصٍ نافذ داخل القصر.

يكشف موظِّف سابق في باكنغهام لـ«فانيتي فير» أنه «كان بوسعِ أنجيلا أن تُنجِح أو تُفشِل المسيرة المهنية لأي عاملٍ في القصر، لأنها كانت تحظى بثقة الملكة»، إلى درجة أنه أُطلق عليها لقب AK 47 نسبةً إلى البندقية الهجومية، وذلك بسبب قدرتها على إخراج الناس من القصر، حيث كانت محطّ تبجيلٍ وخوف في أنٍ معاً.

أنجيلا كيللي في الصفوف الأمامية مع الملكة إليزابيث خلال أسبوع لندن للموضة (إنستغرام)

ثياب الرحلة الأخيرة

تروي أنجيلا كيللي أنَّ علاقتها بالملكة إليزابيث ترسَّخت بقوة ما بين عامَي 2020 و2021، خلال الحَجر الذي فرضته جائحة كورونا. أمضت كيللي كل تلك المدّة إلى جانب الملكة في قصر وندسور، من ضمن فريق ضيّق جداً من المساعدين. وتخبر كيف أنها كانت تصفّف شخصياً شعر إليزابيث في تلك الفترة.

«عندما كانت تشعر بتوعّك، لم تكن جلالتها ترغب في أن يعلم أحد بذلك»، سرٌ آخر كشفته كيللي عن شخصية الملكة إليزابيث الصلبة. وهي التي رافقتها حتى آخر ساعات حياتها، أَلبَستها لرحلتها الأخيرة من قصر بالمورال في اسكوتلندا حيث توفيت إلى قصر باكنغهام حيث أمضت معظم سنواتها الـ96.