الاحتراق بنار الوظيفة... تشخيص الأسباب ومداواة النتائج

الاحتراق الوظيفي ظاهرة مهنيّة بلغت ذروتها وتهدّد الصحة النفسية للموظفين (أ.ف.ب)
الاحتراق الوظيفي ظاهرة مهنيّة بلغت ذروتها وتهدّد الصحة النفسية للموظفين (أ.ف.ب)
TT

الاحتراق بنار الوظيفة... تشخيص الأسباب ومداواة النتائج

الاحتراق الوظيفي ظاهرة مهنيّة بلغت ذروتها وتهدّد الصحة النفسية للموظفين (أ.ف.ب)
الاحتراق الوظيفي ظاهرة مهنيّة بلغت ذروتها وتهدّد الصحة النفسية للموظفين (أ.ف.ب)

فتحت فرح نعمة -وهي مسؤولة قسم التسويق في إحدى الشركات- حاسوبها الشخصي كما تفعل كل صباح. لكن ما إن تدفّق البريد الإلكتروني أمام عينَيها حتى شعرت بضيق، فأقفلت الحاسوب على الفور. ليس هذا التصرّف من عاداتها، هي المعروفة بحبّها لعملها وبشخصيّتها المنظّمة، وبالتزامها المواعيد والواجبات، وفق ما تحكي لـ«الشرق الأوسط».

«لم أستوعب ما جرى؛ خصوصاً عندما حاولتُ مرة أخرى وتكرّر ردّ فعلي». في تلك اللحظة، اتّصلتْ فرح بإحدى صديقاتها -وهي معالجة نفسية- فوصّفت لها الحالة بالـ«burnout»، أو «الاحتراق الوظيفي».

يُعرف الاحتراق الوظيفي بالـ«burnout» وهو منتشر في أوساط الموظفين بشكل كبير (رويترز)

ذنْبُ «كورونا»

وفق إحصائيات عام 2023، فإنّ 65 في المائة من الموظّفين حول العالم اختبروا الاحتراق الوظيفي. وتُظهر دراسة نشرتها «الجمعية الأميركية للصحة النفسية»، أنّ أرقام هذه الحالة في ازدياد مطّرد، وقد بلغتْ ذروتها مؤخراً داخل قطاعاتٍ عدّة، وذلك بتأثير مباشر من ظروف العمل التي فرضتها جائحة «كورونا». هذا الواقع المهني المستجدّ، دفع بالكاتب والباحث الأميركي كال نيوبورت، إلى توصيف ما يجري بـ«عصر الإرهاق الكبير».

تتلاقى الاختصاصية في علم النفس العيادي، باسكال نخلة، ونظريّة نيوبورت، فهي تلفت لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ «مفهوم الاحتراق الوظيفي ظهر في سبعينات القرن الماضي؛ إلا أنه لم ينتشر سوى في السنوات القليلة الماضية؛ حيث بلغ أقصاه في ظلّ الجائحة بسبب العمل عن بُعد الذي زعزع الضوابط». وتعرّف باسكال نخلة الاحتراق الوظيفي بأنه «ظاهرة مهنيّة، وليس اضطراباً نفسياً أو عارضاً صحياً»، موضحة أنه يترافق مع شعور بالإرهاق، وتراجع في منسوب الطاقة وفي الإنتاجيّة المهنيّة. ليس الأمر مجرّد تعب عابر من الوظيفة؛ بل يبلغ مرحلة من «الابتعاد الذهني التدريجي عن العمل، بالتوازي مع شعور بالسلبيّة وبعدم الفائدة».

يترافق الاحتراق الوظيفي مع شعور بالإرهاق يليه ابتعاد تدريجي عن العمل وشعور بعدم الفائدة (رويترز)

ما هي المسبّبات؟

لكن ما الذي يجعل الموظّف يحترق بنار وظيفته؟ ولماذا أقفلت فرح المثابِرة حاسوبَها ما إن رأت أمامها كمية كبيرة من البريد والمهام المستعجلة؟

تُعدّد باسكال نخلة مراحل الاحتراق الوظيفي التي قد تكون عبَرَتها فرح ومَن اختبروا تجربة مماثلة: «في البداية، يرغب الموظف في إثبات نفسه والتميّز، ويترافق ذلك مع خوفٍ من ألا يكون في الطليعة. للغاية، يعمل أكثر وأكثر، فيبدأ في إهمال احتياجاته الخاصة من مأكل ونوم واستراحة وإجازة، ما ينعكس أخطاء ومشكلات في الوظيفة، وهنا يدخل التعب والمرارة والغضب على الخط، فيبدأ في الانسحاب التدريجي من مهامّه، وبالتعامل معها بازدراء».

الاختصاصية في علم النفس العيادي ومؤسِسة «PEN Consultancy» لخدمات الصحة النفسية باسكال نخلة (الشرق الأوسط)

من مسببات تحوّل الاحتراق الوظيفي إلى حالة شائعة، الأهمية التي اكتسبها العمل في حياة الأفراد مؤخراً. يضعون المهنة في الطليعة؛ إذ يجدون فيها شرعيّتهم وهويّتهم، كما أنها تسمح لهم بتحقيق ذواتهم وأهدافهم؛ لكن كل ذلك وسط بيئة تنافسية تفتقر إلى الثبات والأمان في معظم الأحيان، ما ينعكس سلباً على الموظّفين.

إلا أن الواقع الجديد الذي فرضته الجائحة له اليد الطولى في تكريس الاحتراق الوظيفيّ. تشرح باسكال نخلة في هذا الإطار كيف أنّ العمل من المنزل أفقدَ الموظّفين حسّهم بالوقت، فتخلّوا عن مفهوم الدوام: «من لم يستطع حماية حدوده وبقي جاهزاً لأداء أي مهمة في أي وقت، ليس مستغرباً أن يكون قد أصيب بالـ(burnout)»، كما تقول الاختصاصية النفسية.

وما زاد الأمر سوءاً، سطوة التكنولوجيا التي تضع المرء على اتصال دائم مع العالم الخارجيّ، فلا يستطيع غضّ الطرف عمّا يصله من رسائل خاصة بالعمل، حتى خارج ساعات الدوام.

سطوة التكنولوجيا وضعت الموظفين على اتصال دائم بعملهم حتى خارج ساعات الدوام (رويترز)

مخاطر «البيئة السامّة»

من العوامل التي قد تُضاعف مخاطر الإصابة بالاحتراق الوظيفي، إلى جانب الفشل في التحكّم بساعات العمل، تَراكُم الواجبات، وغياب المكافآت والتقدير، والبيئة الوظيفية السامّة وغير المساندة. من هنا، تلفت باسكال نخلة إلى الدور الجوهري الذي يجب أن تلعبه المؤسسات في تصويب علاقتها بموظّفيها، كي تقيَهم من مخاطر كهذه. «في معظم الحالات، سبب المشكلة ليس الموظّف؛ بل النظام وأسلوب التعامل الذي تعتمده المؤسسة».

انطلاقاً من ذلك، فإنّ المصارحة بين الموظّف ومديره ضروريّة، وتَلقُّف المسؤولين معاناة الموظّفين بشكلٍ حضاري ومتفهّم يفتح باباً باتّجاه الحلّ.

تتحمّل المؤسسات المسؤولية الكبرى في وصول الموظف إلى مرحلة الاحتراق الوظيفي (أ.ف.ب)

إشارات يجب التقاطها

تتنوّع الإشارات التي يجب أن يلتقطها الموظّف قبل تفاقم حالته ما بين أعراض نفسية وجسدية، لا سيما أنّ «الاحتراق الوظيفي يستغرق وقتاً كي يتظهّر، فلا يستوعب المرء ما يحصل له في البداية»، وفق ما تشرح باسكال نخلة.

أما أبرز الأعراض فهو الشعور الدائم بالتعب، والعصبيّة، والقلق، وفقدان التركيز، وضعف الذاكرة، واضطرابات النوم، وتَراجع القدرات الذهنيّة، والرغبة في العزلة، وتبدّل في سلوكيّات الطعام. ينعكس الأمر كذلك أعراضاً جسديّة، تتراوح ما بين آلام في الرأس وفي المعدة والعضلات؛ لكنها قد تتطوّر إلى ما هو أخطر من ذلك إن لم يجرِ تَدارُك الأمر. تتحدّث باسكال نخلة هنا عن خطر الإصابة بالسكّري، وبارتفاع ضغط الدم. وتلفتُ إلى دراساتٍ أثبتت أن الأشخاص الذين يعانون من الاحتراق الوظيفي ترتفع أيام غيابهم عن العمل بداعي المرض بنسبة 57 في المائة، كما يتضاعف خطر إصابتهم بالاكتئاب بنسبة 180 في المائة.

تتراوح الأعراض الجسدية للاحتراق الوظيفي ما بين آلام في الرأس والمعدة والعضلات وقد تصل إلى الإصابة بالسكّري وارتفاع ضغط الدم (أ.ف.ب)

كيف نطفئ الحريق؟

إذ تؤكّد الاختصاصية النفسية أن الاحتراق الوظيفي ليس اكتئاباً، تُطمئن إلى أنّ باستطاعة ضحاياه مداواة أنفسهم بمفردهم، من دون اللجوء إلى معالجين نفسيين، إن لم تكن حالتهم متطوّرة. تنصح باسكال نخلة الموظفين بمصارحة مديريهم أو مسؤوليهم المباشرين، على أن يترافق ذلك مع الاعتناء بالنفس. ولا يتوقف ذلك عند ممارسة الرياضة، أو التأمّل، أو الخروج مع الأصدقاء، أو أخذ إجازات من العمل.

ثمّة ما هو أهمّ، والمقصود هنا الدروس النفسية والسلوكيّة التي يجب أن يخرج بها الموظّف من تجربته القاسية. «يجب أن يعتاد على قول كلمة لا لبعض المهام المطلوبة منه إذا كانت تفوق طاقته»، فلا داعي للخجل أو الخوف من تخييب ظنّ أحد؛ وفق باسكال نخلة. وهي تشدّد هنا على أهمية معرفة الموظف لحقوقه والدفاع عنها، وألا يقتصر عالمه على مكان عمله وزملائه والإنجازات المهنيّة المتوقّعة منه.


مقالات ذات صلة

«قوة خارقة نادرة» تزداد أهميتها بزمن الذكاء الاصطناعي... هل تمتلكها؟

يوميات الشرق الأشخاص الذين يتمتعون بذكاء عاطفي عالٍ قادرون على خلق بيئة يشعر فيها الآخرون بالأمان النفسي (بيكسلز)

«قوة خارقة نادرة» تزداد أهميتها بزمن الذكاء الاصطناعي... هل تمتلكها؟

 لا يزال الذكاء الاصطناعي عاجزاً عن أداء جوانب إنسانية أساسية مثل بناء الثقة وإدارة التوتر وفهم المشاعر وجعل الآخرين يشعرون بالتقدير والاهتمام

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق سيدة تعمل من المنزل خلال جائحة كورونا في إسبانيا (أرشيفية - رويترز)

دراسة: العمل من المنزل يرفع معدلات الخصوبة

أظهرت دراسة شملت 38 دولة أن معدل الخصوبة الفعلي والمخطط له يرتفع بمقدار 0.32 طفل لكل امرأة عندما يعمل كلا الزوجين من المنزل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
آسيا عمال كوريون شماليون يطلون قارباً على ضفة نهر يالو في بلدة سينويجو الكورية الشمالية (أ.ف.ب) p-circle

استحمام مرة بالسنة ومعاناة «تفوق الماشية»... ظروف قاسية لعمال كوريين شماليين في روسيا

أُرسل عامل كوري شمالي إلى روسيا ضمن برنامج أطلقه الزعيم كيم جونغ أون لتصدير العمالة ولم يكن يتوقع أن ينتهي به المطاف إلى العيش داخل حاوية شحن.

«الشرق الأوسط» (بيونغ يانغ- موسكو)
يوميات الشرق النقاشات السياسية التي تُجرى مع زملاء متعاطفين تساعد الأفراد على استيعاب مشاعرهم (رويترز)

دراسة تكشف: الحديث عن السياسة في العمل قد يعزز رفاهيتك النفسية

يشير هذا البحث إلى نتائج لافتة رغم أن كثيراً من الأميركيين يرون أن بلادهم تعيش حالة انقسام غير مسبوقة منذ الحرب الأهلية التي دارت بين عامي 1861 و1865

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق توقيت إلقاء النكات في العمل يلعب دورًا حاسمًا في جعل أجواء العمل أكثر ودية (رويترز)

ما أفضل توقيت لإلقاء النكات في العمل؟

كشفت دراسة حديثة أن توقيت إلقاء النكات في العمل يلعب دوراً حاسماً في إثارة تفاعل الزملاء وجعل أجواء العمل أكثر ودية وإيجابية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
TT

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)

عادت المطربة المصرية شيرين عبد الوهاب للأضواء مرة أخرى، بعد إعلان الملحن والموزع عزيز الشافعي عن قرب إصدار أغنية جديدة لها بعنوان «عايزة أشتكي»، ما حظي باهتمام لافت على صفحات «سوشيالية»، وتصدر «الترند» على «غوغل» في مصر، الأحد، وعَدّه بعض المتابعين والنقاد خطوة من شيرين لتجاوز أزمات تعرضت لها في الفترة الأخيرة، تسببت في غيابها عن الساحة الغنائية.

ونشر الملحن عزيز الشافعي مقطع فيديو تظهر فيه شيرين خلال تصوير أغنية جديدة تقول كلماتها «عايزة أشتكي... أشكي»، وقال في الفيديو إنه يعرف أنها أوحشت جمهورها كثيراً، وهي أيضاً تشتاق إليهم، معلناً عن عودتها قريباً بعد فترة غياب شغلت كل محبيها.

وتعرضت شيرين عبد الوهاب للعديد من الأزمات والقضايا والمحاضر المتبادلة بينها والملحن والمطرب حسام حبيب بعد ارتباطهما وانفصالهما أكثر من مرة، كما شهدت أزمات أخرى حول حقوق استغلال صفحاتها «السوشيالية» وفي علاقتها بأخيها وأسرتها، وتعرضت لأزمة صحية بعد جدل أثير حول حفل قدمته في المغرب، واتهمها الجمهور باستخدام «البلاي باك» على خلاف المتوقع منها.

شيرين عبد الوهاب (إنستغرام)

وغابت شيرين عن الساحة الفنية والغنائية لفترة طويلة، إلى أن ظهرت في مارس (آذار) الماضي عبر فيديو متداول على «السوشيال ميديا» بصحبة ابنتها هنا وهما يغنيان في حالة من البهجة والمرح، إلى أن ظهرت أخيراً في مقطع الفيديو الذي نشره عزيز الشافعي من كواليس التسجيل، معلناً عن عودتها للساحة الغنائية.

ويرى الناقد الموسيقي المصري، محمود فوزي السيد، أن محبي وجمهور شيرين يتمنى عودتها بشكل نهائي للساحة الغنائية وتجاوز كل أزماتها، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «للأسف رفاهية الفرص الجديدة لم تعد متاحة بشكل كبير بالنسبة لشيرين، خصوصاً أنها حظيت بفرص للعودة من قبل ولم تستثمرها بالشكل المنشود».

وتابع: «نتمنى رجوعها طبعاً لأنها صوت مهم جداً على ساحتي الغناء المصرية والعربية، ونتمنى أن يكون هذا قرار العودة النهائية بألبوم كامل، وأن يكون فريق العمل معها من ملحنين وشعراء وموزعين ومهندسي صوت على قدر المسؤولية؛ لأنها مسؤولية كبيرة عودة شيرين، ويجب أن تكون أعمالها القادمة مناسبة لقيمتها الفنية وموهبتها واشتياق الجمهور لها، وليست مجرد أعمال لملء الألبوم».

ووصف السيد صوت شيرين بأنه «يتميز بالأصالة الشديدة، ومن ثم حين تعود يجب أن تعود بكامل لياقتها الصوتية، لأنها صوت مميز جداً، وهذا التميز يجب أن يظل العلامة المميزة لصوتها وأدائها».

من كواليس الأغنية الجديدة (صفحة عزيز الشافعي على فيسبوك)

وقدمت شيرين العديد من الألبومات الغنائية والأغاني الفردية على مدى مشورها كما أحيت عشرات الحفلات في مصر والخارج، وكان أول ألبوماتها المفردة «جرح تاني» الذي صدر عام 2003، ثم توالت أعمالها مثل «آه يا ليل» و«بتوحشني» و«أنا كثير» و«حبيت»، وكانت أحدث أغنياتها بعنوان «باتمنى أنساك».

ويصف الناقد الموسيقي المصري، أحمد السماحي، الاهتمام بعودة شيرين بأنها «قد يكون مفتعلاً من صفحات مؤثرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «شيرين بقدر محبة جمهورها لها فهو غاضب منها، وربما كان الاهتمام بإعلان عزيز الشافعي قرب عودة شيرين؛ لأن الشافعي واحد من فرسان الساحة الغنائية حالياً، والجميع يهتم بما يعلن عنه».

وتابع السماحي: «أرجو أن تبعد شيرين أزماتها الأسرية والشخصية عن الإعلام والمجال العام، كما تفعل الكثير من المطربات، فهناك العديد من الأسرار في حياة النجوم ونجمات الغناء لا نعرف عنها شيئاً، لأنهم تمكنوا من بناء حائط صد وخط أحمر يفصل بين حياتهم الفنية وحياتهم الشخصية وأتمنى أن تتمكن شيرين من رسم هذا الخط الأحمر لحياتها الشخصية والأسرية، وتبتعد عن الصخب والجدل الذي يحيط بوجودها وتترك المساحة لصوتها فقط وأغنياتها؛ أقول ذلك بحكم محبتي لصوتها ومتابعتي لها منذ بداياتها، وأعرف مدى طيبتها وعفويتها».

وأشار السماحي إلى أن حضور شيرين حالياً في وجدان محبيها وجمهورها يعود إلى «عذوبة وجمال صوتها، واختياراتها الغنائية الموفقة، فهي من المطربات القليلات في مصر والوطن العربي اللائي يجيدن اختيار أغانيهن، لذلك حظيت بمكانة ما في قلب الجمهور العربي، لكن هذا المكان أصبح عرضة للتراجع بسبب الخلط بين الحياة الشخصية وبين المشوار الفني»؛ على حد تعبيره.


العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
TT

العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)

في سباق عالمي محتدم على استقطاب كبرى الإنتاجات السينمائية، تدخل العلا المشهد بثقل مختلف، لا يعتمد فقط على سحر الموقع، بل على «مشروع متكامل» يعيد تشكيل مفهوم صناعة الفيلم في المنطقة. فمن صحرائها التي احتضنت عبر التاريخ حضارات متعاقبة، تنطلق اليوم رؤية حديثة يقودها «فيلم العلا»، ليضع المملكة في موقع تنافسي جديد، ليس بوصفها محطة تصوير عابرة، بل وجهة إنتاج سينمائي متكاملة تسعى إلى ترسيخ حضورها في قلب الصناعة العالمية.

وفي مؤشر واضح على تصاعد حضورها الدولي، جاءت العلا مؤخراً ضمن القائمة النهائية لـ«جوائز الإنتاج العالمية 2026»، في فئة «مدينة الأفلام»، وهي من أبرز الجوائز المهنية التي تُنظم سنوياً بالتزامن مع «مهرجان كان السينمائي». ومن المقرر أن تُعلن النتائج في 18 مايو (أيار) 2026 خلال حفل رسمي بمدينة كان الفرنسية، حيث تتنافس العلا مع وجهات إنتاج عالمية، في سباق يعكس مكانتها المتنامية في صناعة السينما الدولية.

هذا الترشيح لا يُقرأ على أنه إنجاز رمزي فحسب، بل أيضاً بوصفه دليلاً على انتقال «فيلم العلا» من مشروع محلي ناشئ إلى لاعب حاضر في مشهد الإنتاج العالمي، مدعوماً ببنية تحتية متطورة ومواقع تصوير استثنائية.

من موقع تصوير إلى مركز إنتاج عالمي

لم يعد الرهان على جمال الطبيعة وحده كافياً، فالعلا، كما يؤكد لـ«الشرق الأوسط» المدير التنفيذي المكلف بالإنابة «فيلم العلا»، زيد شاكر، «تتحرك بخطى مدروسة نحو بناء منظومة إنتاج متكاملة، قادرة على استقطاب المشروعات العالمية وتوطينها في الوقت ذاته». ويشير إلى أن البنية التحتية التي يجري تطويرها ليست مجرد إضافة تقنية، «بل هي أيضاً عنصر حاسم في هذا التحول»، موضحاً أن الهدف هو الانتقال بالعلا «من موقع تصوير مميز إلى مركز إنتاج سينمائي متكامل يستقطب كبرى المشروعات العالمية».

خلال تصوير عدد من الأعمال العالمية، لم تكن الطبيعة وحدها هي العامل الجاذب، بل تكاملها مع بنية إنتاجية متقدمة. ويؤكد شاكر أن العلا تمتلك مزيجاً فريداً من «الصحارى والجبال والتكوينات الصخرية والمواقع الأثرية»؛ مما يمنحها قدرة استثنائية على تمثيل بيئات متعددة على الشاشة، دون الحاجة إلى التنقل بين مواقع مختلفة. لكن الأهم، وفقه، هو «ما وراء الكاميرا: استوديوهات مجهزة، ومرافق إنتاج، ودعم لوجيستي، وخدمات متكاملة... تتيح تنفيذ المشروعات السينمائية الكبرى بكفاءة عالية».

بين العالمية والمحلية

أحد أبرز رهانات «فيلم العلا» تمثل في تحقيق توازن مستدام بين استقطاب الإنتاجات العالمية، وبناء كوادر وطنية قادرة على قيادة الصناعة مستقبلاً. وفي هذا السياق، يوضح شاكر أن «الجهود تتركز على برامج تدريبية وشراكات تعليمية دولية، إلى جانب حوافز إنتاجية تنافسية لدعم المشروعات المحلية والعالمية، بما يسهم في نقل المعرفة وتوطينها».

قبل وصولهم إلى العلا، يحمل كثير من صناع الأفلام تصورات مسبقة عن تحديات التصوير في المنطقة، لكن هذه الصورة تتغير سريعاً بمجرد بدء العمل. ويشير شاكر إلى أن «الشركاء الدوليين يفاجأون بمستوى الجاهزية، وسلاسة الإجراءات، والدعم اللوجيستي المتكامل؛ مما يعزز ثقتهم ويشجعهم على العودة بمشروعات جديدة».

الجغرافيا بوصفها عاملاً إبداعياً... لا مجرد خلفية

ليست العلا مجرد موقع بصري جذاب، بل بيئة سردية تؤثر في طبيعة الأعمال التي تنتَج فيها. ويؤكد شاكر أن «الخصائص الجغرافية والتاريخية للمنطقة تلعب دوراً مباشراً في اختيار المشروعات؛ لما توفره من تنوع بصري وسردي يفتح آفاقاً واسعة أمام صناع الأفلام». ورغم البعد الاقتصادي الواضح، فإن «فيلم العلا» يحمل بعداً ثقافياً استراتيجياً، فالمشروع، وفق شاكر، «يسهم في إعادة تشكيل الصورة السينمائية للمملكة عالمياً، ويعزز حضورها مصدراً للقصص، وليس فقط موقعَ تصوير».

وعند تلخيص التجربة، تبدو الرسالة واضحة: العلا ليست مجرد موقع تصوير، بل بيئة متكاملة لصناعة القصص، ففي وقت تتنافس فيه الوجهات العالمية على جذب الإنتاجات، تقدم العلا نموذجاً مختلفاً، يجمع بين المكان، والبنية، والرؤية، ليؤسس لصناعة سينمائية واعدة، تتجاوز حدود الجغرافيا نحو فضاء أوسع من التأثير والحضور.


حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
TT

حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)

كُشف أخيراً عن مصير عائلة أميركية اختفت في ظروف غامضة قبل نحو سبعة عقود، في قضية أثارت اهتماماً واسعاً آنذاك. فقد اختفت عائلة مارتن، المكوّنة من الوالدين كينيث وباربرا، وبناتهما: باربي (14 عاماً)، وفيرجينيا (13 عاماً)، وسوزان (11 عاماً)، في ديسمبر (كانون الأول) 1958 بولاية أوريغون، بعد تغيّب الوالدين عن العمل بشكل مفاجئ. وعُثر بعد أشهر على جثتي فيرجينيا وسوزان، في حين ظل مصير بقية أفراد الأسرة مجهولاً، حسب «سي إن إن» الأميركية. وظل اختفاء باربي ووالديها لغزاً لعقود، إلى أن قاد اكتشاف حديث إلى حل القضية، إذ عثر الغواص آرتشر مايو، عام 2024 على سيارة من طراز «فورد ستيشن واغن» في نهر كولومبيا، قبل أن تُنتشل في العام التالي وبداخلها بقايا بشرية.

وأكدت فحوص الحمض النووي أنها تعود إلى بقية أفراد عائلة مارتن. وقالت كريستن ميتمان، من مختبر «أورثام»: «كثيرون عملوا لسنوات طويلة لكشف مصير العائلة، ونحن فخورون بالإسهام في هذا الإنجاز. مثل هذه الألغاز لا تثقل كاهل العائلة فحسب، بل المجتمع بأسره، ونأمل أن ينهي هذا حالة الانتظار الطويلة». وكان الابن الأكبر دونالد، الذي كان يبلغ 28 عاماً آنذاك ويقيم في نيويورك، قد شكك في فرضية الحادث العرضي، مرجحاً وجود شُبهة جنائية.

غير أن مكتب شريف مقاطعة هود ريفر، أكد عدم وجود أي دليل على وقوع جريمة، موضحاً أن العائلة اختفت خلال زيارة يُعتقد أنهم قاموا بها إلى منطقة كولومبيا ريفر غورج لجمع نباتات عيد الميلاد، وأنه رغم العثور على بقايا فيرجينيا وسوزان في مجرى النهر بعد أشهر، لم تُثمر عمليات البحث المكثفة، بما فيها الغوص، عن العثور على الوالدين كينيث وباربرا، أو الابنة الكبرى باربي آنذاك.