ريما فرنجية... التوحّد طيفٌ يتلوّن بالحب

رئيسة «الجمعية الوطنية اللبنانية للتوحّد» لـ«الشرق الأوسط»: الدمج قضيّتُنا الأولى

رئيسة مركز الشمال للتوحّد والجمعية الوطنية اللبنانية للتوحّد ريما فرنجية (مركز الشمال للتوحّد)
رئيسة مركز الشمال للتوحّد والجمعية الوطنية اللبنانية للتوحّد ريما فرنجية (مركز الشمال للتوحّد)
TT

ريما فرنجية... التوحّد طيفٌ يتلوّن بالحب

رئيسة مركز الشمال للتوحّد والجمعية الوطنية اللبنانية للتوحّد ريما فرنجية (مركز الشمال للتوحّد)
رئيسة مركز الشمال للتوحّد والجمعية الوطنية اللبنانية للتوحّد ريما فرنجية (مركز الشمال للتوحّد)

في أحد أيام عام 2010، وبينما كانت تقدّم واجب عزاء في إحدى قرى قضاء زغرتا (شمال لبنان)، استوقف ريما فرنجية نحيبٌ لم تسمع له مثيلاً في حياتها. سألتْ عن مصدر الصوت الغريب الآتي من إحدى غرف المنزل، فقيل لها إنه جون، ابن العشرة أعوام والمصاب باضطرابٍ يُدعى «التوحّد».

هي المعروفة بوصفها مذيعةً ومقدّمةَ تلفزيون سابقة وزوجةَ أبرز شخصية سياسية في المنطقة، الوزير والنائب السابق سليمان فرنجية، وضعت ريما الواجبات الاجتماعية جانباً للحظة، ولحقت بصوت جون. لم تكن تعرف شيئاً عن التوحّد حينها، إلّا أنّ نداء الطفل أثار فضولها فقرّرت أن تلبّيه.

في عام 2010 تبنّت فرنجية قضية الأطفال الذين لديهم طيف التوحّد (مركز الشمال للتوحّد)

«البحر بيضحك للتوحّد»

ترأسُ فرنجية حالياً «مركز الشمال للتوحّد» و«الجمعية الوطنية للتوحّد»، وهي تُشارك «الشرق الأوسط» فخرَها بكل يومٍ من تلك السنوات الـ14 التي انقضت بعد اللقاء الأول مع جون. أثمر عن تلك الصدفة تأسيسُ المركز الذي فتح أبوابه لـ10 تلاميذ خلال السنة الأولى، «أما اليوم، فالـ10 صاروا 100 سنوياً، بينما مئات الأسماء والحالات مسجّلة على لائحة الانتظار».

المركز بمثابة مدرسة، وهو يؤمّن التعليم والمواصلات للتلاميذ الذين لديهم اضطراب طيف التوحّد، مغطياً احتياجات المنطقة الممتدّة من مدينة جبيل إلى عكّار في أقصى الشمال اللبناني.

رغم الوجوم الذي يسيّج البلد، فإن فرنجية لم تفوّت وفريق العمل إحياء اليوم العالميّ للتوحّد في 2 أبريل (نيسان)، من خلال رسم ابتسامة أمل على صفحة مياه بحرِ لبنان يرافقها شعار «كبر البحر... منحبّكن».

شعار حملة 2024 للجمعيّة الوطنية للتوحّد (مركز الشمال للتوحّد)

أنشطة رغم الأزمة

«تحوّلت الظروف جذرياً خلال السنوات الـ5 الماضية، فبات الاستمرار بمثابة تحدٍّ كبير، لا سيّما أنّ 90 في المائة من الأهالي غير قادرين على تسديد أقساط أولادهم، لكن بفضل الأيادي البيضاء والتبرّعات نكمل رسالتنا»، تتحدّث فرنجية عن الواقع الماليّ المستجدّ الذي أرخى بثقله على المركز. مع ذلك، فإنّ الأنشطة مستمرة لمواكبة حملة 2024 السنويّة، وهي تتضمّن تقديم صندوق يحتوي على ألعاب حسّيّة للأطفال الذين لديهم توحّد والمسافرين عبر مطار بيروت، تساعدهم في الحفاظ على هدوئهم خلال الرحلات الجويّة.

لا تقف الحملة عند هذا الحدّ، فمن بين أهمّ مشروعات هذه السنة وفق فرنجية، «استكمال توسيع المركز في زغرتا بهدف استقبال مزيد من الطلّاب العام المقبل، وتطوير (مكتب العبور/ Access Office) في جامعة الروح القدس - الكسليك، الذي يمتدّ جسراً بين الخرّيجين ممّن لديهم طيف التوحّد ودراستهم الأكاديميّة، مُحدثاً نقلة نوعيّة في حياة 80 طالباً».

العمل جارٍ على توسيع المركز في الشمال بهدف استضافة عدد أكبر من التلاميذ (مركز الشمال للتوحّد)

«العباقرة الصغار»

«نعم، كثيرون من طلّاب المركز استطاعوا أن يكملوا دراستهم الجامعيّة، وهذا إنجاز بحدّ ذاته»، تعلن فرنجية مبتسمةً. تتنوّع المواهب والقدرات الخارقة في صفوف هؤلاء الأطفال، وهي تسمّيهم «العباقرة الصغار». من بينهم قاسم الذي أذهل جميع مَن حوله برسومات «الماندالا»، إلى درجة أنّ إدارة المركز قررت جمع إبداعاته ونشرها في كتاب.

في مقابل ذوي الحالات المتقدّمة في صعوبتها، يتفاجأ القيّمون على المركز كل عام بموهبة جديدة؛ من هؤلاء الطالب الذي يركّب شبكات الكلمات المتقاطعة، أو أولئك المتفوّقون في الرياضيات، أو البارعون في الأعمال الكهربائية.

يبرع قاسم الذي لديه طيف التوحّد في رسم «الماندالا» (مركز الشمال للتوحّد)

تؤكّد فرنجية أنّ «المركز يواكب خرّيجيه من الحضانة إلى المدرسة إلى الجامعة ثمّ سوق العمل، كما أنه يساعدهم على إيجاد وظائف». يحدث ذلك بدافع «الصداقة والمحبة بيننا وبينهم، والتي بلغت صلابةً من الصعب كسرها»، وفق تعبيرها.

الدمج... من شعار إلى واقع

بما أنّ قصص النجاح الصغيرة تلك أثبتت أنّ عدداً كبيراً من الأطفال المصابين بالتوحّد يتساوون موهبةً وذكاءً مع سواهم وقد يتفوّقون عليهم أحياناً، فصار لا بدّ من تكريس مفهوم الدمج، وتحويله من شعارٍ إلى واقع.

دمج التلاميذ في المدارس والجامعات العاديّة أبرز هدف تعمل فرنجية على تحقيقه (مركز الشمال للتوحّد)

تضع ريما فرنجية هذا المشروع في أعلى سلّم أولويّاتها. «لا بدّ من أن يأتي يوم يصبح فيه الطلّاب الذين لديهم اضطراب طيف التوحّد قادرين على دخول الحضانات والمدارس العاديّة والاختلاط بتلاميذ أصحّاء، وهذا أمرٌ يعود بالفائدة على الجهتَين». تُراهن في هذا المجال على دور وزارة التربية والتعليم اللبنانية ووعدِها بتسهيل دخولهم المدارس العاديّة. «سندافع عن قضيّة الدمج بكل ما أوتينا، وهي باتت أقرب إلى التحقيق أكثر من أي وقت»، تؤكد فرنجية.

يتكامل مشروع الدمج مع التوعية التي انتشرت حول اضطراب طيف التوحّد خلال السنوات الـ10 الأخيرة، والتي بدأت تأتي بثمارها. تلفت فرنجية إلى أنّ «الموضوع كان مجهولاً في الماضي القريب، غير أنّ تحوّلاً جذرياً تحقّق في النظرة إلى طيف التوحّد، وبلغنا مرحلة غير مسبوقة من التعاطف والتقبّل والاحترام، ولهذا أثرٌ إيجابيّ على الأطفال وذويهم».

التلاميذ خلال أحد صفوف علم الروبوت (مركز الشمال للتوحّد)

«سيّدة أولى» أم لا... العطاء أوّلاً

من حالةٍ صامتة كانت تختبئ خلف جدران البيوت، تحوّل اضطراب طيف التوحّد إلى شعارٍ ملوّن بالأزرق «لبنان بيتوحّد حول التوحّد». تَرافقَ ذلك وحملات توعية تشجّع على الاعتراف بالمشكلة وتشخيصها بهدف التدخّل المبكر لمحاولة مداواتها، مع أنّ أي علاج ليس نهائياً. ريما فرنجية نفسُها ما زالت تشبّه التوحّد بـ«اللغز، لأننا لا نعرف مسبّباته ولا أساليب الوقاية أو الحلّ».

بأسلوبها الخاص، هذا الذي اكتسبته مع مرور السنوات، تتعامل مع أطفال المركز. تتابع أمورهم يومياً، وإن عن بُعد، عادّةً أنّ هذا هو عملها. أما خلال الزيارات، فتقاربهم بهدوءٍ وإيجابيّة وابتسامة، مُراعيةً أمزجتهم؛ «أتقدّم منهم بخطى هادئة، وهم غالباً ما يبادلون ابتسامتي بالعناق والقبلات.»

فرنجية متوسطةً الشعارات المواكبة لحملة «لبنان بيتوحّد حول التوحّد» على مر السنوات (مركز الشمال للتوحّد)

تُقرّ فرنجية بأنها تعلّمت دروساً كثيرة من الأطفال الذين لديهم طيف التوحّد، مثل الصبر وتقبّل الآخر. «طيبتهم ونقاؤهم، وحبّهم للطبيعة والفن والحيوانات، كلّها أمورٌ ألهَمَتني. أيقنتُ أيضاً بفضل هذه التجربة أنّ الحب قادر على صنع المعجزات في حياة الناس».

«سيّدة أولى» أم لا، للخدمة الاجتماعية والأنشطة الإنمائية الصدارة ضمن برنامج ريما فرنجية. صحيح أن زوجها مرشّح أساسيّ على قائمة رئاسة الجمهورية اللبنانية، إلّا أنّ اللقب لن يغيّر كثيراً في أولويّاتها الإنسانية على ما تؤكّد: «لا أنتظر المنصب حتى أُنجز، فعندما نكون قادرين على العطاء يجب أن نعطي، مهما كانت ألقابُنا».


مقالات ذات صلة

ركوب الخيل يحسّن سلوك الأطفال المصابين بالتوحّد

يوميات الشرق أنشطة الفروسية ساعدت الأطفال على تخفيف أعراض التوحد السلوكية (جامعة كولورادو أنشوتز)

ركوب الخيل يحسّن سلوك الأطفال المصابين بالتوحّد

كشفت دراسة أميركية أن ركوب الخيل ضمن برامج علاجية منظمة قد يساعد في تخفيف فرط النشاط وتحسين السلوك وتنظيم المشاعر لدى الأطفال المصابين بالتوحّد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك كيف «يقرأ» مخ المصابين بالتوحد الوجوه بطريقة مختلفة

كيف «يقرأ» مخ المصابين بالتوحد الوجوه بطريقة مختلفة

أولت دراسة حديثة لباحثين من جامعة هيوستن وجامعة ييل في الولايات، فهم الكيفية التي يقوم بها مخ الأطفال المصابين بطيف التوحد ASD بمعالجة (قراءة) الوجوه المختلفة.

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك إصابة الأم بعدوى أثناء الحمل قد ترفع احتمالات تشخيص طفلها بالتوحد (أ.ب)

بعض أنواع العدوى أثناء الحمل قد تزيد احتمالات التوحد لدى الأطفال

كشفت دراسة جديدة عن أن إصابة الأم ببعض أنواع العدوى أثناء الحمل مثل الحصبة الألمانية والهربس قد ترفع احتمالات تشخيص طفلها بالتوحد وتؤدي لتدنّي مستواهم الدراسي.

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)
صحتك ترتيب الشخص بين إخوته قد يرتبط ببعض المشكلات الصحية في مراحل لاحقة من حياته (بيكسلز)

وسواس قهري أم التهاب المعدة أم غيرهما... ترتيبك بين إخوتك قد يحدد أمراضاً ستعانيها

كشفت دراسة واسعة النطاق أن ترتيب الشخص بين إخوته قد يرتبط ببعض المشكلات الصحية في مراحل لاحقة من حياته.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الولايات المتحدة​ وزير الصحة روبرت كينيدي واقفاً خلف الرئيس دونالد ترمب قبيل التوقيع على القرار التنفيذي في المكتب البيضاوي يوم 10 أغسطس (أ.ف.ب)

دفاع دولي عن اللقاحات في مواجهة «المعيار الذهبي» لترمب

دافعت منظمة الصحة العالمية عن الأسس العلمية لجداول تطعيم الأطفال، غداة توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترمب قراراً تنفيذياً غايته تقليل عدد اللقاحات، وفصلها.

علي بردى (واشنطن)

حنان حوحو ترسم ما تتركه السنوات في النساء

ما أثقل ما نحمله من أنفسنا (الشرق الأوسط)
ما أثقل ما نحمله من أنفسنا (الشرق الأوسط)
TT

حنان حوحو ترسم ما تتركه السنوات في النساء

ما أثقل ما نحمله من أنفسنا (الشرق الأوسط)
ما أثقل ما نحمله من أنفسنا (الشرق الأوسط)

لمنتصف العمر قسوة مصدرها أنّ الإنسان يصل إليه وقد أصبح بارعاً في العيش على نحو معيّن. تتوزَّع أيامه على التزامات يعرفها جيداً. تستقرّ علاقاته وتتكرَّر عاداته حتى يغدو التغيير أشبه بمساسٍ بالنظام الذي أمضى سنوات في إقامته. بالنسبة إلى المرأة خصوصاً، قد يكون ثمن هذا الاستقرار باهظاً. فالقدرة على تلبية حاجات الآخرين كثيراً ما تُكافَأ بمزيد من المَطالِب، إلى أن يصير العطاء صفةً متوقَّعَة منها، والتعب شأناً خاصاً عليها تدبّره وحدها.

في معرض «Midlife» (منتصف العمر) الذي تُقدّمه الفنانة اللبنانية حنان حوحو في غاليري «وادي 99» بوسط بيروت، بتنسيق لارا سلمان، يشهد الجسد على هذا التاريخ. نساء ممتلئات يسترحن أو يتعانقن أو ينظرن إلى انعكاساتهن. أخريات يجلسن فوق حقائب أو ينكفئن على أنفسهن. في هذه المَشاهد، تطفو إلى السطح مشاعر راكمتها سنوات من الانشغال بالآخرين، حتى اعتادت المرأة تأجيل الالتفات إليها.

تمنح حوحو أجساد نسائها أحجاماً كبيرة وتترك لرؤوسهن حيّزاً ضئيلاً. تستحوذ الأجساد على مساحة اللوحة، فيما تتشابه الوجوه إلى حدّ يصعب معه تمييز امرأة عن أخرى. وقد يُرى أثرُ حياةٍ أصبح فيها الجسد مطالَباً بأكثر ممّا تستطيع صاحبته الإفصاح عنه. إنه الجسد الذي يعمل ويحتمل ويتقدَّم في السنّ تحت أنظار الآخرين. وفي الوقت نفسه، هو مَوْضع قلق دائم لدى امرأة تعلَّمت منذ صغرها أن تُراقِب مظهرها وتربط شيئاً من قيمتها بقدرتها على الحفاظ عليه.

العمر يمضي... والمقاييس تبقى (الشرق الأوسط)

تستمرّ المقاييس الخارجية في أداء عملها بعد غياب أصحابها. فالمرأة التي اعتادت مقارنة جسدها بصورة مرغوبة اجتماعياً قد تحتفظ بتلك الصورة حتى حين تصبح أقلّ اهتماماً برأي الآخرين. تكبُر وهي تنظر إلى نفسها بعين تشكَّلت في شبابها. عندئذ يصبح الزمن تجربة انقسام بين الجسد الذي تعيش فيه والصورة التي لا تزال تطلب منه مطابقتها.

وفي المعرض حضور لفكرة الأداء. تُقابِل الملابس الأنيقة والأحذية العالية، أجساد تستسلم للجلوس وأحذية متروكة على الأرض. وراء هذا الحرص على المظهر، جهدٌ تبذله المرأة لتحافظ على هيئة مقبولة حتى في أشدّ لحظات الإرهاق. ويصير خلع الحذاء فعلاً يحمل رغبة في الخروج مؤقتاً من واجب الظهور المُتماسِك. فالإنسان يحتاج أحياناً إلى مكان يستطيع فيه أن يكون مُتعَباً من دون أن يُبرّر تعبه.

أما النساء المُتلاصقات والمُتشابِهات فينقلن الاهتمام إلى علاقة الفرد بالجماعة. فالأدوار التي تتبنّاها المرأة داخل الأسرة والمجتمع تدخل تدريجياً في تكوينها. وقد تصبح الأم أو الزوجة أو المسؤولة عن الآخرين عاجزة عن تصوُّر نفسها خارج هذه الصفات، حتى حين تشعر بأنها استنفدت جزءاً كبيراً من طاقتها. وما يجعل مراجعة تلك الأدوار مؤلِمة، أنّ الروابط التي صنعتها حقيقية ومحبوبة. فالاستقلال يحمل معه احتمال جَرْح أشخاص ارتبطت بهم حياتها، ويحتاج إلى إعادة توزيع للمسؤوليات اعتاد الجميع استقرارها على نحو واحد.

وتشير الحقائب المُتراكمة في بعض اللوحات إلى ما تحمله المرأة من مراحل سابقة. فالأعباء القديمة قد تصبح أيضاً مألوفة إلى درجة يصعب التخلّي عنها. يتعلَّم الإنسان التعايُش مع ما يُثقله، وقد يشعر بالضياع حين يُطلَب منه أخيراً أن يضعه جانباً.

وُلدت حنان حوحو عام 1970، وترأس قسم الهندسة الداخلية في كلية الفنون الجميلة والعمارة بالجامعة اللبنانية. وقد جعلت من الجسد الأنثوي الممتلئ مفردةً أساسية في تجربتها الفنّية. وفي هذا المعرض، تستحضر أفكار المحلّل النفسي اليونغي جيمس هوليس عن النصف الثاني من الحياة، حيث يبدأ الإنسان بمراجعة الأدوار التي عاش من خلالها والتوقّعات التي ورثها.

نساء أثقلتهنّ الأدوار أكثر من السنوات (الشرق الأوسط)

لكن التحدّي الذي تُواجهه أعمالها يتّصل بقدرتها على تحويل هذا التصوُّر النفسي إلى تجربة تشكيلية مستقلّة. فالتشابه بين الشخصيات يتكرَّر أحياناً من دون أن ينتج اختلافاً كافياً في معانيه. وتُقدّم بعض اللوحات أفكارها من خلال إشارات شديدة الوضوح، ثم تأتي النصوص المُرافِقة لتشرحها مرّة أخرى. ويترك ذلك انطباعاً بأنّ المعرض يعرف ما يريد قوله قبل أن يبدأ الرسم، والصورة تتولّى في بعض الأحيان تأكيد الفكرة أكثر من تعميقها.

ثمة أعمال تسمح فيها الأجساد المُتداخلة والعلاقات المكانية بقراءات متعدّدة. أما حين تتحوّل الحقيبة إلى مُرادف للعبء، أو شريط القياس إلى اختصار للحُكُم الاجتماعي، فتضيق قدرة الصورة على مفاجأة المُتلقّي. وتبقى قوة المعرض الفكرية أكبر من تماسُك لغته التشكيلية.

تأتي مرحلة في حياة المرأة تتغيَّر فيها علاقتها بنظرة الآخرين إليها، ويصبح رضاها عن نفسها أكثر إلحاحاً من رضاهم عنها. ومع السنوات، تخفّ الرغبة في إثبات شيء للعالم، ويصبح العيش وفق القناعات الشخصية أكثر أهميةً من نيل إعجابه.


معالجة علمية جديدة لأبرز مراجع التاريخ السعودي

اعتمد التحقيق الجديد للكتاب على نسخة أحفاد ابن بشر مع مقابلة عدة نسخ أخرى (الشرق الأوسط)
اعتمد التحقيق الجديد للكتاب على نسخة أحفاد ابن بشر مع مقابلة عدة نسخ أخرى (الشرق الأوسط)
TT

معالجة علمية جديدة لأبرز مراجع التاريخ السعودي

اعتمد التحقيق الجديد للكتاب على نسخة أحفاد ابن بشر مع مقابلة عدة نسخ أخرى (الشرق الأوسط)
اعتمد التحقيق الجديد للكتاب على نسخة أحفاد ابن بشر مع مقابلة عدة نسخ أخرى (الشرق الأوسط)

دشنت «دارة الملك عبد العزيز» في الرياض نسخة محققة جديدة من كتاب «عنوان المجد في تاريخ نجد» للمؤرخ عثمان بن بشر، بعد أن حظي الكتاب بمعالجة علمية اعتمدت على نسخة بخط المؤلف نفسه أساساً للتحقيق، مع مقابلتها بعدة نسخ أخرى، إلى جانب أعمال المراجعة والتدقيق التي شملت تصحيح المفاهيم، وتوضيح المصطلحات، وإثراء الهوامش والتعليقات العلمية، بما يخدم النص التاريخي، وييسر قراءته والإفادة منه.

ورعى الأمير فيصل بن سلمان بن عبد العزيز، المستشار الخاص لخادم الحرمين الشريفين، رئيس مجلس إدارة الدارة، الأربعاء، حفل تدشين «برنامج الأعمال الكاملة للمؤرخين الرواد»، وإطلاق أول إصداراته المتمثل في هذا الكتاب.

وقال تركي الشويعر الرئيس التنفيذي للدارة، إن المؤرخين الأوائل تركوا تراثاً علمياً نفيساً، حفظ أخبار الدولة والمجتمع وسير الرجال وتحولات الزمان والمكان، وأصبح إنتاجهم شاهداً على تاريخ الوطن.

وأضاف في كلمته، خلال حفل التدشين، أن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز شجَّع على إيداع المصادر لدى الدارة، إيماناً منه بقيمتها التاريخية، وأرسى من خلال الدارة نهجاً مؤسسياً لجمع المصادر وحفظها والاستفادة منها.

من جهته، أوضح اللواء علي البشر، في كلمة أسرة المؤرخ، أن التاريخ عند ابن بشر لم يكن سرداً للوقائع بل عبرة لمن يعتبر، مضيفاً أن «ابن بشر ارتبط بصلات مع أئمة الدولة السعودية وحضر مجالس عدد منهم، وكان شاهداً على تاريخ الدولة، وقد أدرك أهمية كتابة التاريخ، ونهض بهذه الأمانة، وتثبت فيما ينقل من الأخبار».

من حفل تدشين الدارة لـ«برنامج الأعمال الكاملة للمؤرخين الرواد» وإطلاق أول إصداراته (الشرق الأوسط)

وأشار إلى أن «كتاب (عنوان المجد في تاريخ نجد) من أهم مصادر تاريخ الدولة السعودية، وقد بناه مؤلفه على الحوليات، ووثق الحوادث عبر السنين، ذاكراً أحداثها السياسية والاجتماعية».

ويأتي البرنامج ضمن جهود الدارة لحفظ الإرث التاريخي الوطني، وإثراء مصادره، عبر مشروع علمي يُعنى بجمع أعمال المؤرخين الرواد وحصرها ودراستها وتحقيقها وتوثيقها، ونشرها وفق منهج علمي رصين، بما يشمل مؤلفاتهم ومخطوطاتهم ووثائقهم وغيرها من المواد التاريخية، وإتاحتها للباحثين والمهتمين، بما يعزز الإفادة منها في الدراسات، ويسهم في صون هذا الإرث المعرفي للأجيال القادمة.

ويُعد كتاب «عنوان المجد في تاريخ نجد» أحد أبرز المصادر التاريخية القريبة زمنياً من أحداث تأسيس الدولة السعودية، وسجلاً مهماً لتاريخ نجد والجزيرة العربية؛ لما يتضمنه من توثيق للأحداث والتحولات التاريخية التي شهدتها المنطقة، مما يمنحه مكانة علمية بارزة لدى الباحثين والدارسين في التاريخ السعودي.

واعتمد التحقيق الجديد للكتاب على نسخة أحفاد ابن بشر أساساً، مع مقابلة عدد من النسخ الأخرى وإثبات الفروق بينها في الهوامش، وتضمنت المعالجة تصحيح المفاهيم، وشرح المصطلحات غير المفهومة، وإثراء هوامش الكتاب، وتنظيم المادة التاريخية.

وتولى تحقيق الكتاب ودراسته الدكتور فهد السماري، والدكتور ناصر الجهيمي، والأستاذ أيمن الحنيحن، وصدر العمل في ثلاثة مجلدات.

سيرة بن بشر ونتاجه

وُلد المؤرخ عثمان بن بشر، في بلدة جلاجل عام 1210 هجري (1795م)، ونشأ فيها، ثم انتقل إلى الدرعية طلباً لعلوم الشريعة من علمائها، وحظي بمكانة مرموقة بين أهل العلم والمجتمع، وارتبط بعلاقات وثيقة مع آئمة الدولة السعودية وحضر مجالسهم.

وأخذ ابن بشر العلم عن عدد من العلماء البارزين في نجد، وتوثقت صلته بأهل العلم بالمراسلات واللقاءات العلمية، وتنوع نتاجه بين التاريخ والفلك والأنواء والخيل والأدب والتراجم، مع ما جمعه من وثائق ومخطوطات ذات قيمة علمية.

وسجَّل ابن بشر في كتابه أحداثاً من تاريخ نجد والجزيرة العربية والدولة السعودية، ويعد من المصادر التاريخية المهمة، ويتناول الأحداث التاريخية من سنة 850 هجرية، ويتسلسل في سرده التاريخي حتى أحداث سنة 1267 هجرية، وفق تنظيم زمني منهجي.

وتوفي ابن بشر في جلاجل سنة 1290 هجرية (1873م) عن نحو ثمانين عاماً، تاركاً وراءه مسيرة علمية حافلة بالمؤلفات والوثائق والمخطوطات.

ويشكّل هذا الإصدار انطلاقة لمرحلة جديدة من جهود الدارة في جمع تراث المؤرخين الرواد وتحقيقه ونشره، وتعزيز حضوره في المشهد البحثي والمعرفي، وإتاحة مصادر التاريخ السعودي وفق أسس علمية موثقة.


دنيا سمير غانم تفتح صفحة غنائية جديدة عبر «الله يعيني»

الملصق الدعائي لأغنية «الله يعيني» (حسابها على فيسبوك)
الملصق الدعائي لأغنية «الله يعيني» (حسابها على فيسبوك)
TT

دنيا سمير غانم تفتح صفحة غنائية جديدة عبر «الله يعيني»

الملصق الدعائي لأغنية «الله يعيني» (حسابها على فيسبوك)
الملصق الدعائي لأغنية «الله يعيني» (حسابها على فيسبوك)

تفتح الفنانة المصرية دُنيا سمير غانم صفحة جديدة في مسيرتها باعتبارها مطربة عبر أحدث ألبوماتها «الدلال» الذي اختارت أن تطرحه في موسم الخريف لتغرد منفردة بعيداً عن الصيف الذي كان مزدحماً بألبومات النجوم.

وطرحت دُنيا أولى أغنيات الألبوم الثلاثاء بعنوان «الله يعيني» وكتبت عبر حسابها على «إنستغرام»: انتظروا أغنيتي الجديدة «الله يعيني» من ألبوم «الدلال»، التي طرحتها على «يوتيوب» وجميع منصات الديجيتال.

وتُعد «الله يعيني» أغنية عاطفية تجمع بين العتاب واللوم وإحساس الخذلان الذي تواجهه امرأة من حبيبها فتتمنى أن يعينها الله على نسيانه.

الأغنية من كلمات الشاعر مصطفى ناصر وألحان عمرو مصطفى وتوزيع النابلسي، وتعد الأغنية اللقاء الثاني بين مصطفى ناصر وصوت دنيا سمير غانم بعد أن جمعتهما أغنية «أسيب نفسي وأغني» قبل 3 سنوات، والتي عادت بها دنيا للغناء بعد رحيل والديها، وقد أهدتها لهما.

دنيا سمير غانم تراهن على ألبومها الجديد (حسابها على فيسبوك)

وكشف ناصر كواليس أغنية «الله يعيني»، وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن «الأغنية بدأت عبر ثيمة لحنية وضعها الملحن عمرو مصطفى وأنه كتب كلماتها بمجرد أن استمع إلى اللحن»، مؤكداً أنه انتهى منها خلال نصف ساعة فقط، لافتاً إلى أن «كيمياء خاصة تجمعه بعمرو مصطفى، حيث قدما معاً أكثر من 45 أغنية، من بينها (أكتر وأكتر) لعمرو دياب، و(مشيتي) لمحمد حماقي، و(سيبوه يفكر في زمان) التي غناها عمرو مصطفى، و(كداب) لسميرة سعيد».

ولفت إلى أن دنيا تحمست بمجرد أن استمعت إليها من المُلحن وقررت أن تغنيها، ويرى مصطفى ناصر أن الأغنية تعبر عن حالة شخص تلقى كثيراً من الوعود الحالمة وصدقها ثم استيقظ ليجد نفسه أمام وعود زائفة، مشيراً إلى أن التوزيع الموسيقي الذي قام به «النابلسي» على إيقاعات المقسوم والإيقاعات الشرقية حقق الحالة الكاملة للأغنية كما لو كانت «رقصة على الأحزان».

ووصف ناصر دنيا سمير غانم بأنها «فنانة متعددة المواهب»، وقال إنها نجحت كونها مطربة، مثلما نجحت ممثلة، واصفاً صوتها بأنه من «أكثر الأصوات دفئاً وشجناً وإحساساً، فهو قادر على توصيل الحالة الغنائية للمتلقي بشكل صحيح»، لافتاً إلى أنها «كونها مطربة لم تغب عن الغناء بل تحرص في أغلب أعمالها الدرامية على الغناء»، مشيداً بذكاء اختيارها لهذا التوقيت لطرح ألبومها، لا سيما أن شهور الصيف كانت مليئة بالألبومات، وقد تلقى الجمهور جرعة دسمة منها، واختارت هي توقيتاً منفرداً، معولة على جمهورها وموهبتها واختياراتها»، حسبما يقول.

دنيا مع الملحن عمرو مصطفى (حسابها على إنستغرام)

وأصدرت دنيا سمير غانم الأغنية التي أطلقت شهرتها «مش قادرة أصدق» ضمن ألبوم «فري ماكس 4» عام 2005، وطرحت ألبوماً في 2013 ضم 9 أغنيات، وجمعت ببراعة بين الغناء والتمثيل لا سيما في أعمالها الاستعراضية، كما شاركت بالغناء مع الفنان أحمد مكي في أغنيتي «دور بنفسك» و«الحلم».

وعَدّ الناقد الموسيقي أحمد السماحي دنيا من «الأصوات الفطرية والسليمة في الأداء الغنائي والصادقة في كل ما تقدمه، سواء في أغنيات بها شقاوة أو دراما»، لافتاً إلى أن «أغنية (الله يعيني) أغنية درامية تراهن على تجربة للتعبير العاطفي القريب من الجمهور»، مؤكداً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «المُلحن عمرو مصطفى قد استفاد من مرونة صوت دنيا وقدرتها على المزج بين الإحساس والعفوية، كما بدت كلمات مصطفى ناصر فرصة لتقديم حالة وجدانية تلامس المستمع».

دنيا سمير غانم تعود للغناء مجدداً (حسابها على إنستغرام)

ورأى السماحي أن البطل في هذه الأغنية هو موزعها النابلسي، حيث جاء توزيعه متميزاً جداً وتمكن من توصيل الهوية الصوتية لدنيا سمير غانم مع أعمال المكساج والماستر لخالد سند، لافتاً إلى أن أغنية «الله يعيني» تلعب على ثيمة أغنية «حكايتي مع الزمان» التي كتبها الشاعر الكبير محمد حمزة، وغنتها الفنانة وردة في السبعينات.

وشدد السماحي على أنه في ظل صوت محبوب مثل دنيا وتوافر عناصر إنتاج مختلفة فإن الأغنية تتميز بـ«صدق الأداء» و«خصوصية اللحن» و«ابتكار التوزيع» لكنها ليست «أغنية عظيمة». على حد تعبيره.