«مال القبان»: قسوة المصائر السورية بعد الحرب

دراما متفوّقة تحاكي الأثمان المدفوعة والإثم العميق

بسام كوسا بأداء يرفعه إلى القمة (إكس)
بسام كوسا بأداء يرفعه إلى القمة (إكس)
TT

«مال القبان»: قسوة المصائر السورية بعد الحرب

بسام كوسا بأداء يرفعه إلى القمة (إكس)
بسام كوسا بأداء يرفعه إلى القمة (إكس)

لولا الخشية من حسم التصنيف المُبكر، لأمكن القول إنّ المسلسل السوري «مال القبان» هو المفضَّل والأفضل بين ما شاهدناه في رمضان. يقدّم حكاية متّقدة، بقيادة شخصيات من لحم ودم، وبإطار بصريّ ناضج. سردُه هادئ، يُدرك فنّ زجّ الحدث المُحرِّك في اللحظة المناسبة للدفع إلى الأمام. بارزٌ في التعامل مع الأشياء وظلالها، فيُبيّن التداعيات من الأفعال المباشرة، والمآلات الإنسانية تحت تأثير الظرف والتقلّبات.

عالم سوق الخضراوات مفتوح على مصراعيه، تكشف خفاياه نجاسة الطباع، والنفس الطمّاعة، والعين الجائعة. كبيراه تُحرّكهما ثارات قديمة طابعُها شخصي: «أبو عمار الجبر» (نجاح سفكوني بأداء بارع) المُسمَّى السوق «سوق الجبر»، تيمّناً بعائلته المُمسِكة بالكار أباً عن جد، و«نعمان الزير» (بسام كوسا) الآتي إلى هذا العالم المشرَّع على النهش، بالمصادفة. إعجاب «أبو عمار» بوالدة «نعمان» وتودّده إليها من دون عقد ارتباط رسمي، ترك في الابن ندبة عمّقتها المنافسة. كبُر «نعمان» وتملَّك في السوق، وكبُرَت شراهة الداخل والرغبة في أكل الأخضر واليابس.

مصالح الكبار حين تلتقي... نجاح سفكوني وبسام كوسا (إكس)

ناس السوق على حدَّي سكين، وبين التاجر و«العتّال» مفارقات طبقية واقتصادية تبلغ ذروتها بوصف «جرذان» على لسان «نعمان» تعليقاً على إضراب عمالي يُطالب بتصحيح المعيشة. لكنّ المُتلاعب بالأسعار، وممتهن الغشّ بتغيير دوزنة الميزان، يخضع صاغراً لمَن يفوقه جبروتاً، متمثَّلاً بالسلطة الأمنية. تأتي الأوامر بإسكات المُضربين، مراعاةً لمصالح أسياد المال، لتكون النهاية حزينة حين يُشتَرى الجائع بكذبة، والبسطاء بوعود لن تُبصر النور.

بسام كوسا بشخصية تُبرز موهبة لامعة (إكس)

«سوق الجبر» مساحة مثيرة للاكتشاف، يتميّز نصّ الكاتبين علي وجيه ويامن الحجلي باختراق طبقاتها وتعرية مكنوناتها، فيقدّمان أمام كاميرا المخرج سيف سبيعي مادة درامية عنوانها الإنسان الخاضع للظروف، والمجني عليه لمجرّد أنه ضحية الأماكن. فمن خلال شخصية «أبو الرموش» مثلاً (أداء متفوّق لسليمان رزق)، يحدُث الإسقاط على واقع الشباب السوري المتشظّي بعد الحرب، لتبلغ الاختزالات ذروة أخرى تُمثّلها شخصية «رغد» (سلاف فواخرجي)، الخارجة من السجن لمشاركتها في تنظيم مُعارِض، حين يتبيّن أنّ المآسي لا تنتهي بمجرّد العفو، فتداعياتها طويلة الأمد، وترافق المرء حتى بعد «الإفراج» عنه وتركه في سبيله.

سلاف فواخرجي تتنازل عن الجمال من أجل الشخصية (إكس)

«أبو الرموش» بيُتمه، وتسوُّس أسنانه، وتنظيمه ما يشبه «العصابة»، تكثيفٌ لواقعية عمل لا مكان فيه للشخصية العَرَضية. جَهْله بأصله، وتمضيته الأيام بلياليها في السوق، يُبيّنان قسوة الحال على الفئات الشابة، وورطة الظرف الاجتماعي حين يُخيِّر بين المُرّ والأمَرّ. «يقظته» بعد منام يُظهر طيف والدٍ لا يعرف حتى اسمه، وقراره «البدء من جديد»، نافذة أمل شبابية يُخشى ألا تُسدَّ على الفور.

بهذه المرارة، تسير شخصية «جاويش» (ملهم بُشر بأداء متألق) إلى ذروة اليأس الإنساني، متمثَّلاً بأشدّ أنواع التخلّي بشاعةً؛ فيترك ولدَيْه أمام ميتم حين لا يملك ثمن رغيف يُسكت جوعهما. يترافق ذلك مع الإضاءة على آفات اجتماعية مُدمِّرة مثل القمار، وسط تسيُّد سلطان المال، وتحكُّم المتموّلين بمَن لا حول لهم، فنرى تحصيل الدَّيْن بالعنف على وَقْع أغنيات أم كلثوم.

للمسلسل (إنتاج إيبلا) سقفٌ عالٍ من دون الإشارة طوال الوقت إلى الأشياء بالإصبع. للتلميح والإسقاطات أيضاً قيمة فنية. وأمام حقيقة أنّ الجميع تقريباً خاسر، حتى أصحاب «الجاه»، تُختَزل المصائر السورية بعد الحرب. أسياد المال، بينهم «أبو عمار»، يدفع الثمن بأولاده (فادي الشامي بأداء لافت لشخصية عمار)، كما أثمان يدفعها «نعمان» بخوفه من الفضيحة ومراكمة مزيد من الطامعين بإسقاط عرشه.

الكاتب والممثل يامن الحجلي من ثوابت الموسم الرمضاني (حسابه الشخصي)

الخسائر تشمل الباحثين عن طيّ الصفحة، بينهم روبين عيسى بشخصية «حنين» المغلوبة على أمرها، كأنْ لا مفرّ من جرّ الماضي إلى الحاضر. عودة سيف سبيعي بشخصية «ماجد» إلى حياة «رغد» بعد غياب، هي الأخرى تصطدم بالتعثّر. لا شيء يبقى على حاله، وثمة دائماً ما يُنغّص. حتى القاضي «فارس» (خالد القيش) حين يُرغَم على الاختيار، يدوس على قلب ليكسب آخر، ويسير نحو «سعادته» مُعمِّقاً تعاسة غيره. الضرائب تبحث عمَن يدفعها وشخصيات، بمَن فيهم «نوارة» (حلا رجب) مبتورة الأمومة، وشقيقها «همام» (المُصرّ على التمثيل رغم رخاوة موهبته؛ لا خيار أمامها سوى التسديد وفق مبدأ أنّ الساقي سيُسقى بالكأس عينها، وإنْ طال الزمن.

اللبنانية ختام اللحام تؤدّي شخصية «أم نعمان» بتألق (إكس)

وسط هذا كلّه، تلمع فكرة «التطهُّر» وسط سياق يطفح بالإثم. فـ«نعمان الزير» لا يتردّد في إبرام الصفقة، والتلاعب بالميزان، وتجنيد أولاده لخدمة مخطّطه، ومع ذلك ينظّف حمّام المسجد «تكفيراً» لذنوب بالجملة. يشدّد الكاتبان على مشهدية «غسل الداخل» في مسلسلَيهما «مال القبان» و«ولاد بديعة»، فنرى الإنسان هشاً رغم تجبُّره، بدمعه المُتساقط في لحظات الخشوع، وابتهالاته التي تطويها زحمة اليوم التالي.

يَلمح «خير الزير» للمرة الأولى صورته الحقيقية مشوَّهة، حين يتدخّل والده طرفاً ضدّه في خلاف الأخوة بسبب المال. كاد انقطاع رابط الدم أن يفضح علاقتهما المبنية على الاتجار بالضمائر. يامن الحجلي يؤدّي الشخصية بمهارة، ويثبت حضوراً رمضانياً يصبح من الثوابت. كل ما في المسلسل مُتقَن وبارع: الممثلون جميعاً، والنصّ، والإخراج العابق بالتفاصيل. لا تخشى سلاف فواخرجي المسّ بجمالها حين تتطلّب الشخصية، فتطلّ بالشيب يغزو الرأس. بسام كوسا في القمة، وختام اللحام بمكانة المتفوّقين. الراحل محمد قنوع أدّى بشطارة شخصية «مياس» قبل موته الخاطف.


مقالات ذات صلة

رندة كعدي: دوري في «بالحرام» فرصة العمر

يوميات الشرق تكسر رندة كعدي مع شخصية «مارغو» نمط الأدوار التي سبق أن جسّدتها (إنستغرام الفنانة)

رندة كعدي: دوري في «بالحرام» فرصة العمر

في المَشاهد الأولى، لم يتعرّف الجمهور سريعاً إلى رندة كعدي، وبدت كأنها قشّرت جلدها وأعادت تشكيل ملامحها...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ريهام عبد الغفور وحمزة العيلي حصدا إشادات لافتة (الشركة المنتجة)

نقاد مصريون يقيّمون «نجاحات» و«إخفاقات» موسم دراما رمضان

حققت الدراما المصرية رقماً قياسياً في عدد المسلسلات المعروضة خلال رمضان، الذي وصل إلى 38 عملاً.

انتصار دردير (القاهرة)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (واس)

الملك سلمان: السعودية بذلت جهوداً حثيثة لدعم السلام في العالم

أكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز أن السعودية بذلت جهوداً حثيثة لدعم السلام في العالم، ومنها مواقفها تجاه الأحداث المؤسفة التي تمر بها المنطقة

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)

«الحوامة»… موروث نجدي بدأ من الجيران وكبر بالذاكرة

تعدّ «الحوامة» مشهداً اجتماعياً يعيد للأذهان دفء الأحياء القديمة، وبدأت فعالياتها التي انتشرت مؤخراً في أحياء عديدة بالعاصمة الرياض خلال العشر الأواخر من رمضان.

فاطمة القحطاني (الرياض)
الخليج من عملية رصد هلال شهر شوال في المرصد الفلكي بحوطة سدير (جامعة المجمعة)

السعودية ودول عربية: الجمعة أول أيام عيد الفطر

أعلنت السعودية والإمارات والكويت والبحرين وقطر والعراق واليمن، أن يوم الخميس هو المتمم لشهر رمضان، والجمعة أول أيام عيد الفطر.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

8 مدن سعودية ضمن «مؤشر المدن الذكية 2026»

تقدّمت مدينة الرياض إلى المرتبة 24 عالمياً من 27 (واس)
تقدّمت مدينة الرياض إلى المرتبة 24 عالمياً من 27 (واس)
TT

8 مدن سعودية ضمن «مؤشر المدن الذكية 2026»

تقدّمت مدينة الرياض إلى المرتبة 24 عالمياً من 27 (واس)
تقدّمت مدينة الرياض إلى المرتبة 24 عالمياً من 27 (واس)

حقّقت 8 مدن سعودية حضوراً مميزاً في مؤشر IMD للمدن الذكية لعام 2026 الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية، في إنجاز يعكس تسارع وتيرة التطوير، وتحسّن جودة الحياة بمدن المملكة، ضمن مستهدفات «رؤية 2030».

وتقدّمت الرياض إلى المرتبة 24 عالمياً بعد أن كانت الـ27، وجاءت مكة المكرمة في الـ50، وجدة (55)، والمدينة المنورة (67)، والخبر (64)، بينما سجّلت العُلا قفزة نوعية، متقدمة من 112 إلى 85، في دلالة على التطور المتسارع بمشاريعها التنموية والسياحية.

وشهد المؤشر إدراج كلٍ من حائل ومحافظة حفر الباطن لأول مرة، حيث حققتا المرتبة 33 و100 على التوالي، من بين 148 مدينة حول العالم.

ويقيس هذا المؤشر العالمي مدى تطور المدن في تبني التقنيات الحديثة، من خلال تقييم انطباعات السكان حول جودة الخدمات والبنية التحتية الرقمية، وتأثيرها في تحسين أنماط الحياة اليومية.

ويؤكد هذا التقدم اللافت استمرار جهود السعودية في الارتقاء بالخدمات الحضرية، وبناء مدن ذكية ومستدامة تُسهم في تحسين جودة الحياة وتعزيز التنافسية العالمية، في الوقت الذي تحتفي فيه البلاد بـ«عام الذكاء الاصطناعي 2026».


قطاع الترفيه السعودي يجذب 89 مليون زائر خلال 2025

شهد قطاع الترفيه في السعودية تنظيم 1690 فعالية بإجمالي 75 ألفاً و661 «يوم فعالية» خلال عام 2025 (موسم الرياض)
شهد قطاع الترفيه في السعودية تنظيم 1690 فعالية بإجمالي 75 ألفاً و661 «يوم فعالية» خلال عام 2025 (موسم الرياض)
TT

قطاع الترفيه السعودي يجذب 89 مليون زائر خلال 2025

شهد قطاع الترفيه في السعودية تنظيم 1690 فعالية بإجمالي 75 ألفاً و661 «يوم فعالية» خلال عام 2025 (موسم الرياض)
شهد قطاع الترفيه في السعودية تنظيم 1690 فعالية بإجمالي 75 ألفاً و661 «يوم فعالية» خلال عام 2025 (موسم الرياض)

جذب قطاع الترفيه في السعودية خلال عام 2025 أكثر من 89 مليون زائر؛ مما يعكس حجم الحراك والنمو الذي يشهده، ضمن منظومة تنظيمية تستهدف رفع جودة التجربة، وتعزيز الامتثال، وتطوير الإجراءات ذات العلاقة.

وأوضح تقرير سنوي أصدرته «هيئة الترفيه» لعام 2025، أن القطاع شهد تنظيم 1690 فعالية، بإجمالي 75 ألفاً و661 «يوم فعالية»، وبمشاركة 6778 شركة، فضلاً عن إصدار 6490 ترخيصاً، وتسجيل نسبة 95 في المائة للفعاليات الترفيهية المصرّحة.

وأشار التقرير إلى الترخيص لـ472 وجهة ترفيهية خلال 2025، مقارنةً بـ422 وجهة في 2024، بزيادة بلغت 12 في المائة، فيما بلغ إجمالي الوجهات الترفيهية النشطة 975 وجهة، مقارنةً بـ513 خلال عام 2024، وبلغت نسبة المرخَّصة 93 في المائة.

وأظهر التقرير تحقيق نسبة 92 في المائة لالتزام المستثمرين ضوابط «الهيئة» لجميع الأنشطة المصرّحة، وازدياد وعيهم؛ مما أدى إلى انخفاض عدد المخالفات المرصودة من 6290 مخالفة في 2024 إلى 4662 عام 2025، بمعدل انخفاض بلغ 25.8 في المائة، مع تنفيذ 92 ألفاً و25 زيارة رقابية شملت جميع المناطق الإدارية في البلاد.

سجل «مؤشر الرضا العام للأنشطة الترفيهية» خلال عام 2025 نسبة 95 % (هيئة الترفيه)

ووفق التقرير، فقد حقَّق القطاع نسبة 65 في المائة تحسناً في جودة الخيارات الترفيهية، وجرت «تغطية قياس رضا الزوار» فيها بنسبة 74 في المائة، بأكثر من 755 ألف استجابة، وتنفيذ ما يزيد على 9400 زيارة مسح ميدانية لمختلف الأنشطة، فيما سجل «مؤشر الرضا العام» للأنشطة التي شملتها عمليات القياس نسبة 95 في المائة.

ووفقاً للتقرير، فقد بلغ عدد المستثمرين في نطاق التصنيف 1132 مستثمراً، أصدرت لهم شهادات بالرقم ذاته، كما جرى تطوير 27 معياراً في برنامج التصنيف، مع تنفيذه 3530 زيارة ميدانية.

وعلى صعيد السياسات والشراكات وحماية العملاء، أشار التقرير إلى التعامل مع 5831 شكوى، و1728 اعتراضاً، و1145 بلاغاً خلال سنة 2025، فضلاً عن تحديث «مسودة البيئة التشريعية» لـ«الهيئة» ورفعها على منصة «استطلاع»، والمواءمة مع 45 جهة حكومية.

وتُعدّ «الهيئة» الجهة المشرّعة والمنظمة لقطاع الترفيه في السعودية، وتعمل على تطوير البيئة التنظيمية، ورفع مستوى الامتثال، وتحسين جودة الخدمات والتجارب، وتمكين المستثمرين، بما يسهم في دعم نموه وتعزيز جاذبيته، وذلك ضمن مستهدفات «رؤية المملكة 2030» الهادفة إلى تنويع الاقتصاد، ورفع جودة الحياة، وتطوير القطاعات الواعدة، بما يعزز مكانة البلاد وجهةً عالميةً للترفيه.


«فصول السنة» في يوم واحد... اضطرابات جوية تضرب مصر

شارع جامعة الدول العربية الخميس (تصوير: عبد الفتاح فرج)
شارع جامعة الدول العربية الخميس (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

«فصول السنة» في يوم واحد... اضطرابات جوية تضرب مصر

شارع جامعة الدول العربية الخميس (تصوير: عبد الفتاح فرج)
شارع جامعة الدول العربية الخميس (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ضربت مصر، الخميس، موجة قوية من الاضطرابات الجوية وعدم الاستقرار، تمثلت في تصاعد كثيف للأتربة، وتدهور ملحوظ في الرؤية الأفقية، بالتزامن مع سقوط أمطار رعدية على عدة مناطق، وارتفاع نسبي في درجات الحرارة، في مشهد يجمع بين «فصول السنة» خلال يوم واحد.

وحذّرت الهيئة العامة للأرصاد الجوية، في بيان الخميس من أجواء غير مستقرة نتيجة عاصفة ترابية اجتاحت البلاد، وتسببت في انخفاض الرؤية الأفقية إلى أقل من 500 متر في مناطق من السواحل الشمالية، والوجه البحري، والقاهرة الكبرى، ومدن القناة، وشمال محافظة البحر الأحمر، إضافة إلى مناطق من الصحراء الغربية وشمال وجنوب الصعيد وسيناء.

وأشارت الهيئة إلى أن صور الأقمار الاصطناعية تُظهر تدفق السحب الممطرة على مناطق من وسط وجنوب الصعيد، وأجزاء من محافظة البحر الأحمر، مصحوبة بأمطار متفاوتة الشدة قد تصل إلى متوسطة أحياناً.

كما توقعت الهيئة استمرار فرص سقوط الأمطار على مناطق من شمال الصعيد ومدن القناة وخليج السويس وسيناء، مع امتدادها تدريجياً إلى مناطق من وسط وجنوب الصعيد وسلاسل جبال البحر الأحمر.

أتربة تعيق الرؤية الأفقية في القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ولفتت إلى أن «فرص هطول الأمطار ما زالت قائمة على مناطق من القاهرة الكبرى وجنوب الوجه البحري ومدن القناة، لكنها ستكون خفيفة خلال فترات النهار»، ومشيرة إلى أنه «من المتوقع أن تتحسن الأجواء مع نهاية اليوم».

ودعت الهيئة المواطنين إلى توخي الحذر أثناء القيادة بسبب انخفاض الرؤية، كما نصحت بتجنب الخروج إلا للضرورة، خصوصاً لمرضى الجيوب الأنفية وحساسية الصدر، مع ضرورة وضع الكمامات عند الخروج.

تقلبات الربيع

من جانبه، قال الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق، ونائب الرئيس السابق للهيئة العامة للأرصاد الجوية المصرية، إن فصل الربيع يشهد عادة تنوعاً في الظواهر الجوية خلال اليوم الواحد، إلا أن ربيع هذا العام يتسم بتقلبات أسرع وأكثر حدة وتطرفاً، مع ارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة، نتيجة شتاء كان دافئاً على نحو غير معتاد.

الأتربة تغطي معظم أحياء القاهرة الخميس (رويترز)

وأضاف قطب لـ«الشرق الأوسط»، أن درجات الحرارة خلال الشتاء الماضي تجاوزت معدلاتها الطبيعية بفوارق وصلت أحياناً إلى أكثر من 8 درجات مئوية، خصوصاً في ذروة الموسم خلال شهري فبراير (شباط) ومارس (آذار).

وأوضح أن هذا الارتفاع انعكس على طبيعة فصل الربيع، الذي يشهد حالياً تغيرات جوية حادة وسريعة، في صورة موجات متلاحقة قد تكون أسبوعية، تتجسد في تكاثر السحب وهطول أمطار تتراوح بين الغزيرة والمتوسطة، وقد تكون رعدية أحياناً، على معظم أنحاء الجمهورية من الشمال إلى الجنوب ومن الغرب إلى الشرق.

وأشار قطب إلى أن هذه الظواهر الجوية ترتبط في الأساس بمنخفضات جوية تتكون فوق سلسلة جبال أطلس في شمال أفريقيا، ثم تتحرك بمحاذاة الساحل الشمالي للقارة، بالتزامن مع تأثير التيار النفاث شبه المداري الذي يتزحزح نحو وسط البلاد، جالباً كتلاً هوائية شديدة البرودة في طبقات الجو العليا، ويؤدي تلاقي هذه العوامل مع المنخفضات السطحية إلى نشوء حالات متكررة من عدم الاستقرار الجوي.

نصائح لمرضى الصدر في مصر بعدم النزول إلا للضرورة (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وعن سبب تكاثر الأتربة، لفت إلى أن الرياح الجنوبية تنشط عادة قبل هطول الأمطار، وأحياناً بعدها، محمّلة بذرات الغبار الآتية من الصحراء الغربية والصحراء الكبرى، ما يؤدي إلى إثارة الأتربة والرمال وانخفاض مدى الرؤية الأفقية على الطرق.

وتوقع قطب أن تنتهي الموجة الحالية مساء اليوم، على أن يبدأ تحسن الأحوال الجوية اعتباراً من الغد، مع اعتدال نسبي في سرعة الرياح، وتلاشي فرص سقوط الأمطار، وزيادة فترات سطوع الشمس، نتيجة تحرك المنخفض الجوي بعيداً عن مصر باتجاه شبه الجزيرة العربية وضعف تأثيره.

كما رجّح تكرار مثل هذه الحالات من عدم الاستقرار خلال الأسابيع المقبلة من فصل الربيع، الذي ينتهي في 20 يونيو (حزيران) 2026، موضحاً أن حدة هذه الموجات تبلغ ذروتها حتى منتصف مايو (أيار)، قبل أن تبدأ في التراجع تدريجياً، تمهيداً لدخول فصل الصيف.

ونبّه إلى أن تفاقم الظواهر الجوية المتطرفة في الربيع يرتبط أيضاً بتغيرات مناخية أوسع، تعود إلى عوامل متعددة، من بينها النشاط البشري، وزيادة استخدام الوقود الأحفوري، والصناعات الملوثة للبيئة، فضلاً عما تشهده منطقة الشرق الأوسط من صراعات وما يصاحبها من انفجارات واستهداف لمنشآت الطاقة، وهي عوامل تسهم مجتمعة في تسريع وتيرة التغير المناخي.

حالة من الطقس السيئ تضرب مصر (رويترز)

ونصح قطب بضرورة تجنب التعرض المباشر للصواعق خلال العواصف الرعدية، والاحتماء داخل المنازل، وارتداء غطاء للرأس عند الاضطرار للخروج، والابتعاد عن الأعمدة الكهربائية، مع متابعة النشرات الدورية الصادرة عن الهيئة العامة للأرصاد الجوية، التي تمتلك من الأجهزة وأدوات الرصد ما يتيح إصدار تنبؤات دقيقة.

انخفاض الرؤية الأفقية

فيما أكد الدكتور محمد علي فهيم، رئيس مركز معلومات تغير المناخ، أن الرمال المثارة ما زالت تتدفق من مناطق السواحل الشمالية الغربية والصحراء الغربية والظهير الصحراوي، متجهة شرقاً لتؤثر على القاهرة الكبرى والوجه البحري ومدن القناة والسواحل الشمالية الشرقية، وصولاً إلى أجزاء من شمال وجنوب الصعيد، ما أدى إلى انخفاض الرؤية الأفقية إلى أقل من ألف متر في بعض المناطق.

وحذّر فهيم، في بيان نشره عبر صفحته على «فيسبوك»، الخميس، من خطورة القيادة في هذه الأجواء، خصوصاً على الطرق المكشوفة، نتيجة تداخل الأتربة مع الأمطار وتراجع مستوى الرؤية. ونصح بتأجيل السفر قدر الإمكان، مع ضرورة توخي الحذر صحياً، لا سيما لمرضى الجهاز التنفسي وكبار السن.

وفيما يتعلق بتأثيرات هذه التقلبات على القطاع الزراعي، وصف فهيم الوضع الراهن بأنه «حرج» نتيجة تعرض المحاصيل لإجهاد مزدوج بفعل الرياح والأتربة والأمطار.