«تريو جبران» يستقي من ذكرياته مع محمود درويش ليكمل الطريق

سمير جبران لـ«الشرق الأوسط»: نصطاد المنابر اصطياداً لنرفع صوت فلسطين

«تريو جبران» مع الشاعر الفلسطيني محمود درويش في كواليس إحدى الأمسيات التي جمعتهم (إدارة أعمال الفرقة)
«تريو جبران» مع الشاعر الفلسطيني محمود درويش في كواليس إحدى الأمسيات التي جمعتهم (إدارة أعمال الفرقة)
TT

«تريو جبران» يستقي من ذكرياته مع محمود درويش ليكمل الطريق

«تريو جبران» مع الشاعر الفلسطيني محمود درويش في كواليس إحدى الأمسيات التي جمعتهم (إدارة أعمال الفرقة)
«تريو جبران» مع الشاعر الفلسطيني محمود درويش في كواليس إحدى الأمسيات التي جمعتهم (إدارة أعمال الفرقة)

يتزامن مرور 20 سنة على ولادة «تريو جبران»، مع اهتزاز الأرض التي انطلقت منها الفرقة إلى العالم. خشبُ أعواد الإخوة جبران الثلاثة من فلسطين، كذلك روحُ موسيقاهم. لا يحضر اللحن إن لم يحلّق طيف محمود درويش في البال، وإن لم تتراقص قصيدتُه على أوتار العود.

يجلس الأخ الأكبر سمير جبران في منزله في رام الله. يعدّ الأيام التي انقضت ثقيلةً ومؤلمة منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023. لا تخفّف من وطأة الوقت والمأساة، سوى مجموعة حفلات يحييها ثلاثيّ العود الفلسطيني ويروح ريعها لغزّة وأهلها المنكوبين، بالتعاون مع الهلال الأحمر الفلسطيني.

يحتفل «تريو جبران» بمرور 20 سنة على انطلاقته كثلاثيّ مؤلّف من 3 أشقّاء يعزفون العود (إدارة أعمال الفرقة)

خطبة الهنديّ الأحمر

«مع إلغاء عدد كبير من عروضنا في أوروبا، بسبب التشويه الذي تعرّض له الفلسطينيون حول العالم بعد 7 أكتوبر، صرنا نصطاد المنابر اصطياداً»، يخبر جبران «الشرق الأوسط». بين إسطنبول وسلطنة عُمان، وصولاً إلى لندن وهولندا، حمل الإخوة أعوادهم والقضيّة.

«وُلدنا هنا بين ماءٍ ونار ونولدُ ثانيةً في الغيوم على حافّة الساحل اللازورديّ بعد القيامة... عمّا قليل

فلا تقتل العشب أكثر، للعشب روحٌ يدافع فينا عن الروح في الأرض».

يعلن صوت درويش، وهو يلقي «خطبة الهنديّ الأحمر»، انتهاءَ دقيقة الصمت عن أرواح مَن سقطوا، وانطلاقَ العرض الموسيقيّ. بين معزوفةٍ وأخرى، مساحةٌ للتصفيق والهتاف، ثمّ سكوتٌ تُسمع فيه الدموع والغصّات. يشرح سمير جبران أن حفلات ما بعد الحرب على غزّة، لا تشبه أياً ممّا سبقها. «الصبغة العامة للحفل على درجة عالية من الحساسية. إضافةً إلى المقطوعات التي جرى تأليفها على إثر المجزرة الحاصلة، يتنوّع نبض العرض ما بين لحظاتٍ من الذروة الطربيّة ووقفاتٍ مع الصمت القاتل».

يؤكد سمير جبران أنّ حفلات ما بعد الحرب على غزّة لا تشبه بشيء كل ما سبقها (إنستغرام)

على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة

رغم أنّ الجمهور بمعظمه من الأوروبيين الذين يستمتعون بموسيقى «تريو جبران» الشرقيّة، فإنّ الغصّة واحدة وهي تتناهى إلى مسامع سمير وأخوَيه وسام وعدنان. وقبل أن يُسدَل الستار، يعود صوت محمود درويش ليصدح: «على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة».

هي نوطة أمل استقى منها الإخوة جبران طاقةً للعودة إلى المسرح بعد إحباط الأسابيع الأولى من الحرب. في السياق، يخبر سمير الذي عايشَ الانتفاضة الأولى، وعاينَ الثانية عن قُرب من داخل منزله في رام الله: «قبل أن يقصف الطيران الإسرائيلي محيط بيتي خلال الانتفاضة الثانية، كنت أقول إن الموسيقى سلاح. أما عندما نزلت قنبلة ضخمة قرب رأسي، فتساءلتُ ساخراً ما إذا كان يجب أن أخرج مع عودي وأدندن للطائرة».

لكن بعد الشعور بالعجز ومعاينة انسداد الأفق واسوِداده، تمسّك «تريو جبران» بفسحة الضوء التي تُسمّى أمل. دفعتهم الرغبة بالمساعدة الاجتماعية والإنسانية خارج منازلهم، وكذلك فعل الإرثُ الذي حمّلهم إياه صديق الرحلة الشاعر الفلسطيني محمود درويش.

تعرّف سمير جبران إلى درويش عام 1996. كان في بداية مشواره الموسيقيّ قبل أن ينضمّ إليه شقيقاه عام 2004. تردّدَ الشاعر حينذاك في أن يشاركه الشابّ اليافع عزفاً على العود، إلى درجة التهديد بإنزاله عن المسرح. على الخشبة الفرنسية ذاتها، التقيا بعد 12 عاماً وكانت قد نبتت بينهما صداقة متينة، أثمرت 32 أمسية جالت فيها أعواد الإخوة جبران مع أبيات درويش حول العالم.

جمعت 32 أمسية محمود درويش و«تريو جبران» حتى وفاته عام 2008 (إنستغرام)

لا مصدر إلهام سوى درويش

يجزم المؤلّف الموسيقي والعازف أنّ مقطوعات الفرقة كافةً مستوحاة من شعر درويش حصراً. «20 سنة لم نعثر خلالها على مصدر إلهام آخر»، يؤكد جبران. فشعرُ درويش فيه ما يكفي من الإيقاعات المتجدّدة كي يُعادَ اكتشافُه يومياً، وفق الفنان الفلسطيني الذي يمضي 10 ساعات مع درويش في اليوم الواحد، ما بين قراءاتٍ وذكريات. «أنا مسكون بمحمود درويش وهو توأم مشروعنا الموسيقي».

في حضرة غيابه، يواصل «تريو جبران» الدرب. هم حتماً ليسوا أوّل ولا آخر من استلهمَ شعره ليصنعوا فناً. وعندما يُسأل سمير جبران عمّا يميّز قصيدة درويش بقالب «التريو»، يستعير من نظريّةٍ شاركه إياها الشاعر ليجيب: «حين ينسكب اللحن فوق الكلمات يسجن حرّيّتها، فيما الموسيقى الآليّة قابلة للتأويل مثلها مثل جماليّة الشعر». ثمّ أوصاه في ذلك اليوم من عام 2006: «لا تلحّن لي بل دع موسيقاك مرادفة لكلماتي، حتى يكون الاثنان قابلَين للتأويل وللتحرّر».

كل المقطوعات الموسيقية التي ألّفها «تريو جبران» مستوحاة من شعر درويش (إدارة أعمال الفرقة)

«تَشاركنا الحياة والسفر والطعام والضحك والوقفة أمام الجمهور»، هكذا يتذكّر جبران الشاعرَ الذي كان يتحوّل «مغنياً على المسرح، وصاحبَ نكتةٍ ساخرة في جلساته الخاصة». يرى نفسه محظوظاً بكنز السنوات الـ12 إلى جانبه، هو الذي أمضى طفولته محاطاً بعمالقة الأدب الفلسطيني أمثال إميل حبيبي وتوفيق زيّاد وسميح القاسم.

قبل 25 يوماً على توقّف قلب درويش عن الخفقان في 9 أغسطس (آب) 2008، جمعته الحفلة الأخيرة بالتريو جنوبي فرنسا. يعود المشهد إلى ذاكرة سمير جبران: «قبل الصعود إلى المسرح بدقائق، كان متوتراً فاستعار سيجارتي، مع أنه كان قد توقّف عن التدخين قبل سنوات». أما في نهاية الأمسية وعشيّة سفره إلى الولايات المتحدة للخضوع لجراحة القلب، فوقف الشاعر والثلاثيّ لتحيّة الجمهور. همس سمير في أذنه: «استمتع بحبّهم لك»، فأجابه درويش: «نيّالك... أنت المستقبل قدّامك، أنا صار المستقبل وراي».

يقيم سمير جبران في رام الله أما شقيقاه وسام وعدنان ففي كلٍ من لندن وباريس (إنستغرام)

كما في حضوره كذلك في غيابه، تتنفّس موسيقى «تريو جبران» قصيدة درويش. يعيد الإخوة نسج روحه في «مخاضٍ مشترك لا يخلو من الخصام الفني الذي قد يمتدّ شهوراً، بسبب تفصيل صغير لم يكن محطّ إجماع». ليس من السهل أن تتلاقى الأمزجة، والتنازلات تصير أكثر صعوبةً بين الأشقّاء بما أنّهم متساوون. إلّا أن السجالات لا تُفسد قضية «تريو جبران» الفنية والوطنيّة. فها هم يستعدّون لحفلٍ في سويسرا على اسم غزّة، ولعملٍ ضخم يحتفي بعامهم العشرين في قاعة «فيلهارموني باريس» نهاية السنة.


مقالات ذات صلة

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

إعلام فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

مالك القعقور
يوميات الشرق المغني الإسباني خوليو إغليسياس (أ.ف.ب)

تقرير: خوليو إغليسياس يواجه اتهامات بالتحرش من امرأتين

كشفت تقارير إعلامية أن امرأتين وجّهتا اتهامات إلى النجم الإسباني خوليو إغليسياس بالاعتداء الجنسي عليهما خلال فترة عملهما موظفتين منزليتين.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
يوميات الشرق الأوركسترا السعودية تواصل حمل الإرث الموسيقي للبلاد إلى أبرز المسارح (واس)

«روائع الأوركسترا السعودية» تصافح «مرايا» العلا

تستضيف محافظة العلا، يومي 22 و23 يناير الحالي، حفل «روائع الأوركسترا السعودية»، الذي تنظمه هيئة الموسيقى داخل التحفة المعمارية العالمية قاعة «مرايا».

«الشرق الأوسط» (العلا)
يوميات الشرق خوسيه ماريا غياردو ديل راي وهبة القواس وسفير إسبانيا خيسوس سانتوس أغوادو وماجدة داغر (الشرق الأوسط)

«مهرجان بيروت الدولي للغيتار» ينطلق ويُعلن جائزته

عدا الجائزة المالية، فإنّ الرابحين الثلاثة الأوائل ستكون لهم عقود تضمن جولات في المدن الكبرى، تُعزّز مكانتهم الموسيقية في العالم...

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق جيسي باكلي تتألق مع جائزة أفضل ممثلة في فيلم درامي عن دورها في فيلم «هامنت» خلال حفل توزيع جوائز «غولدن غلوب» السنوي الثالث والثمانين في بيفرلي هيلز (د.ب.)

القائمة الكاملة للفائزين بجوائز «غولدن غلوب» لعام 2026

حصد فيلم الكوميديا السوداء «معركة واحدة تلو الأخرى» وفيلم «هامنت» أكبر جائزتين في حفل «غولدن غلوب» في دورتها الثالثة والثمانين.

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا)

هل يأخذ الآثاريون المصريون زمام المبادرة من الأجانب في مجال الحفريات؟

 البعثات الأثرية المصرية اكتشفت العديد من الآثار بسقارة (وزارة السياحة والآثار)
البعثات الأثرية المصرية اكتشفت العديد من الآثار بسقارة (وزارة السياحة والآثار)
TT

هل يأخذ الآثاريون المصريون زمام المبادرة من الأجانب في مجال الحفريات؟

 البعثات الأثرية المصرية اكتشفت العديد من الآثار بسقارة (وزارة السياحة والآثار)
البعثات الأثرية المصرية اكتشفت العديد من الآثار بسقارة (وزارة السياحة والآثار)

مع احتفال الآثاريين المصريين بعيدهم السنوي في 14 يناير (كانون الأول) الحالي، وبعد ما حققته البعثات الأثرية المصرية من إنجازات تمثلت في اكتشافات بمواقع أثرية متعددة خلال الأعوام الماضية، إلى جانب البعثات المشتركة بين المؤسسات المصرية والأجنبية؛ تُثار تساؤلات حول إمكانية أن يأخذ الآثاريون المصريون زمام المبادرة من الأجانب في مجال الحفريات، ذلك المجال الذي اشتهر منذ بداياته بجهود العلماء الأجانب.

ويعمل في مصر نحو 350 بعثة أثرية مصرية وأجنبية، وفق ما ذكره الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور محمد إسماعيل خالد، في محاضرة علمية واكبت إقامة معرض أثري مصري مؤقت بهونغ كونغ في الصين خلال نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وتعمل هذه البعثات في أماكن محددة وفق اتفاقيات التعاون الدولي المنعقدة بهذا الصدد بين جامعات ومؤسسات علمية أجنبية وبين المجلس الأعلى للآثار في مصر، وبعضها يعمل بالشراكة مع بعثات مصرية من الجامعات أو المؤسسات المصرية أو المجلس الأعلى للآثار.

البعثات الأثرية المصرية حققت اكتشافات في مواقع عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير الآثاري المصري حسين عبد البصير أنه «بعد عقود طويلة ظلّت فيها البعثات الأجنبية متصدّرة مشهد الحفريات الأثرية في مصر، من حيث القيادة العلمية والنشر الدولي وصناعة السرد الأثري، بدأت ملامح تحوّل حقيقي تفرض نفسها خلال الأعوام الأخيرة»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الآثاريين المصريين حققوا إنجازات لافتة، لا يمكن تجاهلها أو التقليل من شأنها، أعادت طرح سؤال جوهري: هل بات المصريون اليوم قادرين على استعادة زمام المبادرة في مجال الحفريات الأثرية؟».

وبينما أكد عبد البصير أن «الساحة الأثرية المصرية شهدت سلسلة من الاكتشافات الكبرى التي قادتها بعثات مصرية خالصة، خصوصاً في مواقع مثل سقارة، والأقصر، والغريفة، وتونا الجبل، وسيناء والبحر الأحمر، وهي اكتشافات جاءت نتيجة عمل ميداني منظم، وتخطيط علمي، وتعاون بين تخصصات مختلفة داخل الفريق الواحد»، فإنه رأى أن «تفوق البعثات الأجنبية تاريخياً لم يكن ناتجاً عن كفاءة ميدانية أعلى فحسب، بل عن منظومة علمية متكاملة شملت التمويل السخي، والمعامل المتطورة، والتخصصات البينية، وشبكات النشر الأكاديمي الدولية. غير أن هذه الفجوة بدأت تضيق تدريجياً، مع تحسّن البنية المؤسسية للعمل الأثري في مصر، وتراكم الخبرة لدى الأجيال الجديدة من الباحثين المصريين».

وشهدت السنوات الأخيرة أكثر من كشف أثري قامت به بعثات مصرية من بينها الكشف عن بقايا تحصينات عسكرية، ووحدات سكنية للجنود، وخندق يشير إلى إمكانية وجود قلعة أخرى بموقع تل أبو صيفي بمنطقة آثار شمال سيناء في 2025، والكشف عن مقبرة لقائد عسكري من عصر الملك رمسيس الثالث، ثاني ملوك الأسرة الـ20، ومجموعة من المقابر الجماعية والفردية من العصور اليونانية الرومانية والعصر المتأخر بمنطقة المسخوطة بمحافظة الإسماعيلية وكذلك اكتشاف البعثة الأثرية المصرية العاملة في سقارة عام 2023 أكبر وأكمل ورشتين للتحنيط آدمية وحيوانية من عصر الأسرة الـ30 والعصر البطلمي.

ويؤكد الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور محمد عبد المقصود، أنه لا يوجد موقع أثري في مصر إلا وبه بعثة أثرية مصرية، وهو أمر له كل التقدير، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «عدد البعثات الأثرية الأجنبية نحو 250 بعثة، وجهودها مقدرة ومعتبرة لما تقوم به من نشاط مميز وكذلك النشر العلمي في الدوريات الدولية الكبرى حول الحفريات المصرية»، مشيراً إلى أن تلك البعثات الأجنبية «تقدم خدمة دعائية لمصر في الخارج بالنشر العلمي وغيره، كما أن علم المصريات موجود في الجامعات الكبرى حول العالم وليس حصراً على مصر، وبالتالي وجود هذه البعثات من دول متعددة يتسق وعالمية علم المصريات ويؤكد على قوة الحضور المصرية أثرياً وعلمياً في التراث العالمي».

من اكتشافات البعثات المصرية (وزارة السياحة والآثار)

وإن كان العالم الآثاري رفض فكرة أخذ زمام المبادرة للآثاريين المصريين في الحفريات من الأجانب، فإنه أشاد بالجهود التي تقوم بها البعثات المصرية في كل المواقع الأثرية، سواء بشكل منفرد أو بالشراكة مع البعثات الأجنبية.

ومن بين البعثات الأجنبية التي تعمل في مصر بعثات من فرنسا، وألمانيا، والنمسا، وبولندا، والولايات المتحدة، وإيطاليا، وسويسرا، والتشيك، وإسبانيا، واليابان وغيرها، في مواقع متعددة مثل دهشور، وسقارة، والأقصر، وأسوان، والفيوم، وتونا الجبل بالمنيا. وفق تصريحات للخبير الآثاري الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه البعثات تعمل على نفقتها الشخصية وبأحدث تقنيات علمية للحفر والرفع المساحي والآثاري وتسجيل وتوثيق الآثار ونشرها نشراً علمياً بالدوريات العالمية ومن خلال إشراف مفتشي الآثار على أعمالها».

ورغم ذلك، وفق ريحان، «فهناك تقدم هائل في عمل البعثات المصرية نتيجة التدريب مع البعثات الأجنبية ودورات التدريب الميدانية بالمجلس الأعلى للآثار التي خرّجت جيلاً مؤهلاً للعمل وخبرات من الآثاريين مع وجود عدد كبير من الآثاريين بالمجلس مؤهلين لتوثيق وتسجيل هذه الآثار ونشرها نشراً علمياً».

واستشهد رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية بعدة اكتشافات للبعثات المصرية من بينها كشف البعثة المصرية المشتركة بين المجلس الأعلى للآثار ومؤسسة الدكتور زاهي حواس للآثار والتراث برئاسته، خلال 2025 عن مقبرة الأمير «وسر إف رع» ابن الملك «أوسر كاف» أول ملوك الأسرة الخامسة من الدولة القديمة، وذلك أثناء أعمال البعثة بمنطقة سقارة الأثرية.

كما تمكنت البعثة المصرية العاملة بمنطقة منقباد بمنطقة آثار أسيوط من الكشف عن مبنى من الطوب اللبن يرجع تاريخه إلى الفترة ما بين القرنين السادس والسابع الميلادي.


شقيق هشام ماجد يلحق بعالم الفن عبر فيلم قصير

أشرف عبد الباقي في صورة مع عدد من صناع الفيلم بالعرض الخاص (الشركة المنتجة)
أشرف عبد الباقي في صورة مع عدد من صناع الفيلم بالعرض الخاص (الشركة المنتجة)
TT

شقيق هشام ماجد يلحق بعالم الفن عبر فيلم قصير

أشرف عبد الباقي في صورة مع عدد من صناع الفيلم بالعرض الخاص (الشركة المنتجة)
أشرف عبد الباقي في صورة مع عدد من صناع الفيلم بالعرض الخاص (الشركة المنتجة)

لحق الفنان المصري الشاب محمود ماجد بشقيقه الأكبر هشام ماجد في عالم الفن من خلال كتابة وبطولة فيلمه القصير «ده صوت إيه ده»، الذي شاركه في بطولته أشرف عبد الباقي، واحتفل صنّاعه بإطلاقه في عرض خاص أقيم بالقاهرة، مساء الثلاثاء، وسط حضور عدد من نجوم الفن الذين حرصوا على مساندته في تجربته الأولى بالبطولة، ومن بينهم شقيقه، والمنتج محمد حفظي.

الفيلم الذي تدور أحداثه في أقل من 18 دقيقة شارك فيه الملحن إيهاب عبد الواحد، ومن إخراج محمد ربيع، وجرى طرحه على «يوتيوب»، بالتزامن مع إقامة العرض الخاص له.

وينتمي الفيلم لنوعية الأفلام الغنائية الاستعراضية، وتدور الأحداث حول شاب يجد نفسه فجأة أمام منعطف حاد يقلب موازين حياته رأساً على عقب، حيث تتراكم الأسئلة والشكوك وتضيق الدائرة من حوله، فلا يجد من يقف إلى جانبه سوى شخص واحد يمد له يد العون في لحظة فارقة.

أحد الملصقات الترويجية للفيلم (الشركة المنتجة)

وهذا الدعم البسيط في ظاهره يتحول إلى نقطة تحول عميقة، تدفعه إلى إعادة النظر في اختياراته ومخاوفه ورغبته في النجاة من حالة التيه التي يعيشها، في عالم تتداخل فيه الحقيقة بالخيال، وتتحول المشاعر إلى إيقاع وصورة وحركة.

وقال محمود ماجد، مؤلف وبطل الفيلم، إن فكرة العمل بدأت منذ عام 2020، حين كتبها في البداية بوصفها فيلماً تقليدياً، مدفوعاً بحلمه القديم بتقديم فيلم موسيقي، لكن بعد مراجعة النسخة الأولى شعر بأن هناك شيئاً ناقصاً، وأن تحويل الفكرة إلى عمل غنائي قد يجعلها أكثر بساطة في الوصول إلى الجمهور، وأكثر انسجاماً مع الأجواء الخيالية والكرتونية التي تقوم عليها الفكرة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «عرضت الفكرة على المخرج محمد ربيع، الذي كان لديه هو الآخر رغبة في تقديم عمل موسيقي، قبل أن تبدأ المناقشات مع محمد نوار وإيهاب عبد الواحد لوضع التصور النهائي للعمل»، مرجعاً فترة التحضير الطويلة للفيلم إلى «طبيعة المشروع الخاصة، وتصميمهم على تنفيذ الفيلم في قالب موسيقي، رغم أنه لم يكن يجيد الغناء في البداية، ما دفعه إلى خوض تدريبات مكثفة على الغناء».

ولفت إلى أن أول نسخة قام بتسجيلها لم تكن مُرضية بالنسبة له على الإطلاق، فقرر التوقف وتعلم الغناء بشكل جاد. كما أثرت تداعيات جائحة «كورونا» في وتيرة العمل، إلى جانب الحرص على توفير إنتاج جيد يليق بصورة الفيلم النهائية.

أشرف عبد الباقي على ملصق ترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

ولفت إلى أنه كان يرى الفنان أشرف عبد الباقي مناسباً لدور الكاهن، وكان يتخيل ملامحه وحضوره في الشخصية منذ البداية، مؤكداً أن «اللقاء الذي جمعنا للمرة الأولى استمر قرابة نصف ساعة، قدمنا خلاله عرضاً كاملاً للفكرة، وكانت الأغنية جاهزة بالفعل، وحين استمع إليها أبدى تعاوناً كبيراً وتعاملاً مريحاً شجع فريق العمل على المضي قدماً بثقة».

وأكد محمود ماجد أن هدفه الأكبر هو التمثيل، وأن حلمه بالوقوف أمام الكاميرا يرافقه منذ الطفولة، وأوضح: «مشاركتي في هذا الفيلم تمثل خطوة مهمة في تحقيق هذا الحلم، لكن لا مجال للمقارنة بيني وبين شقيقي هشام ماجد الذي سبقني بسنوات».

وأشاد الناقد الفني المصري، محمد عبد الرحمن، بإقامة صناع الفيلم عرضاً خاصاً له، عادّاً هذه الخطوة «تمثل دفعة إيجابية مهمة تسهم في إنعاش حركة الأفلام القصيرة ومنحها مساحة أكبر من الاهتمام والانتشار، إلى جانب وجود الممثل أشرف عبد الباقي الذي منح العمل أحد مصادر قوته الإضافية».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الفيلم ينتمي إلى نوعية الأفلام الموسيقية، وهي نوعية نادرة ومحدودة الحضور داخل السينما المصرية، مما يجعل خوضها حتى في إطار فيلم قصير خطوة مشجعة وقابلة للتطوير لاحقاً في أعمال أطول وأكثر اتساعاً»، معتبراً أن «تقديم القصة التي تحمل طابعاً فانتازياً منح العمل مسحة تأملية ورمزية واضحة».

وأكد الناقد الفني أن «عناصر الفيلم مجتمعة جاءت جيدة إلى حد كبير من حيث الفكرة والتنفيذ والمشاركة الفنية، إلا أن الملاحظة الأساسية التي يسجلها تتمثل في غياب العمق الدرامي الكافي، وعدم اكتمال البناء الدرامي والتأسيس النفسي للشخصيات بالشكل الذي يخلق حالة من التشويق، أو يدفع المتفرج إلى فهم دوافع الشخصية الرئيسية والتماهي معها بصورة أعمق».


«شبل صغير يستريح» لرمبرانت تعرض في الرياض

لوحة «شبل صغير يستريح» لرمبرانت (سوذبيز)
لوحة «شبل صغير يستريح» لرمبرانت (سوذبيز)
TT

«شبل صغير يستريح» لرمبرانت تعرض في الرياض

لوحة «شبل صغير يستريح» لرمبرانت (سوذبيز)
لوحة «شبل صغير يستريح» لرمبرانت (سوذبيز)

في التراث الفني العالمي تحتل أعمال الرسام الهولندي رمبرانت مكانة وحدها، تكفي مجموعة الصور الشخصية (البورتريه) التي رسمها وسجل بها مراحل عمره وعُدَّت سيرة ذاتية فريدة من نوعها، وغيرها من البورتريهات واللوحات التي لا تزال تجذب الزوار أينما عرضت.

وللمرة الأولى منذ عشر سنوات تعرض لوحة للفنان العالمي في مزاد لدار سوذبيز في شهر فبراير (شباط) المقبل. اللوحة «شبل صغير يستريح» من مقتنيات مجموعة «ليدن» الشهيرة، إحدى أهم المجموعات الخاصة في العالم للفن الهولندي والفلمنكي من القرن السابع عشر. اللوحة تصور رسماً مقرباً لشبل جالس نفذه رمبرانت في القرن الـ17. لا يعرف أين ولا حتى كيف صادف الفنان هذا الشبل، ولكن ما يكفي لأي عاشق لفنه هو التفاصيل التي التقطتها عينا الفنان وسجلها في لوحة صغيرة الحجم. وستعرض اللوحة للبيع في مزاد أعمال الأساتذة بدار سوذبيز بنيويورك في 4 فبراير.

اللوحة هي أهم رسمة لرامبرانت تُعرض في مزاد علني منذ 50 عاماً وتُقدّر قيمتها بما بين 15 و20 مليون دولار.

لوحة «شبل صغير يستريح» لرمبرانت (سوذبيز)

بالنسبة لغريغوري روبنستين، الرئيس العالمي لقسم رسومات الأساتذة القدامى في «سوذبيز»، فالرسم يعبر عن عبقرية رمبرانت الفنية وقدرته على «الغوص في أعماق موضوعه، سواء أكان إنساناً أم مخلوقاً من عالم الطبيعة، وتتجلى هذه الحساسية بوضوح في هذه الدراسة الحميمة بشكل لافت». ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «تتميز اللوحة بحيوية وقرب شديدين، وكأننا ننظر من فوق كتف الفنان. هنا، ينبض الأسد، الذي رُسم من الواقع ببراعة وطاقة استثنائيتين، بالحياة في كل ضربة فرشاة».

ولكن للشبل الصغير رحلة أخيرة قبل أن يعرض في نيويورك، فاللوحة ستعرض في الرياض يومي 24 - 25 يناير (كانون الثاني) الحالي مسجلة المرة الأولى التي تقدم فيها الدار لوحة من أعمال كبار الفنانين في السعودية.

تصف الدار اللوحة بأنها «صغيرة وحميمية» وربما ذلك يعود لقرب الشبل الصغير من الناظر ولوضعه الذي يوحي بالاسترخاء، ولكنه لا يستبعد الوثوب المفاجئ.

تطل لوحة الشبل الصغير على السعودية وتجد هناك صلات عميقة وقديمة مع صور من الحياة البرية فيها، مثل مقبرة الأسود الدادانية في العلا، وأيضاً تنسجم مع حرص المملكة على حماية الحياة البرية وهي مهمة تبنتها الهيئة الملكية للعلا. وهو أيضاً ما يتوافق مع ما تريد مجموعة «ليدن» من تحقيقه ببيع اللوحة؛ فالعائد سيخصص منظمة «بانثيرا» وهي المنظمة الرائدة عالمياً في مجال حماية القطط البرية. وتتجذر أعمال المنظمة بعمق في المملكة، ولا سيما في العلا، حيث تتعاون مع الهيئة الملكية للعلا لحماية وإعادة توطين النمر العربي المهدد بالانقراض، رابطةً بذلك بين الوجود التاريخي للرسم والحياة البرية في المنطقة.

وبالنسبة للدكتور توماس كابلان، مؤسس منظمة «بانثيرا» ومجموعة «ليدن»، فاللوحة تحمل معاني خاصة؛ فهي أول لوحة لرمبرانت اقتنتها المجموعة، وبالكشف عنها الآن وعرضها للبيع وتخصيص العائد نحو الحفاظ على البيئة، يكتسب العمل مستقبلاً مستداماً، ويربط بين الفن والتراث وحماية القطط البرية.

ويرى روبنستين أن عرض اللوحة في السعودية «أمر مناسب بشكل خاص في الوقت الذي تقود فيه منظمة (بانثيرا) عملية إعادة النمور المحلية إلى العلا؛ ما يخلق حواراً مؤثراً بين الفن والمكان والوجود الدائم للقطط الكبيرة في ماضي المنطقة ومستقبلها».

لوحة للفنان السعودي ضيا عزيز ضيا (سوذبيز)

وتعرَض اللوحة في الوقت نفسه الذي تقيم فيه «سوذبيز» في الدرعية بالرياض معرضاً لأعمال مزادها الثاني للفن الحديث والمعاصر بعنوان «أصول 2» والذي يضم أعمالاً لفنانين من الشرق الأوسط، منها لوحات لرواد الفن السعودي أمثال صفية بن زقر ومحمد السليم وعبد الحليم رضوي وضيا عزيز ضيا إلى جانب أعمال لفنانين عرب مثل لوحة «صيادان» للفنان المصري محمود مرسي ولوحة «المظاهرة» للفنان العراقي محمود صبري ولوحة «نحاس» للفنانة الفلسطينية سامية حلبي.

كما يضم المزاد مجموعة أعمال لفنانين عالميين، مثل بيكاسو وآندي وارهول وروي ليختنشتين وأنيش كابور. كما يقدم المزاد تمثالاً نادراً من المرمر لامرأة من جنوب الجزيرة العربية القديمة. ويستمر المعرض حتى 31 يناير حين يقام المزاد العلني.

تمثال نادر من المرمر لامرأة من جنوب الجزيرة العربية القديمة (سوذبيز)

تتميز في المزاد أربع مطبوعات للفنان الأميركي آندي وارهول صوَّر فيها الملاكم العالمي محمد علي كلاي أنجزها في عام 1978. ومن أعمال الفنان العالمي أنيش كابور تعرض مرآة مقعرة ضخمة من سلسلة أعماله الشهيرة، ومن أعمال الفنان روي ليختنشتاين «لوحة داخلية مع أجاك س (دراسة)»، وهي عبارة عن ورق مقصوص ومطلي ومطبوع وجرافیت على ورق مقوى، تم تنفیذھا في عام 1997. یصوّر ھذا العمل البطل الیوناني الشھیر في حرب طروادة، وھي دراسة للوحة طلبھا مصمم الأزیاء الراحل جیاني فیرساتشي مباشر ة من الفنان. كما یعرض في المزاد عمل «رایة الھرم الأكبر (دراسة)»، وھو عبارة عن شریط لاصق وورق مقصوص ومطلي ومطبوع وغرافیت على ورق مقوى، تم تنفیذه في عام 1980. كما يعرض المزاد من أعمال بيكاسو لوحة «منظر طبيعي» التي رسمها الفنان في 1965.

لوحة «منظر طبيعي» لبيكاسو (سوذبيز)