«تريو جبران» يستقي من ذكرياته مع محمود درويش ليكمل الطريق

سمير جبران لـ«الشرق الأوسط»: نصطاد المنابر اصطياداً لنرفع صوت فلسطين

«تريو جبران» مع الشاعر الفلسطيني محمود درويش في كواليس إحدى الأمسيات التي جمعتهم (إدارة أعمال الفرقة)
«تريو جبران» مع الشاعر الفلسطيني محمود درويش في كواليس إحدى الأمسيات التي جمعتهم (إدارة أعمال الفرقة)
TT

«تريو جبران» يستقي من ذكرياته مع محمود درويش ليكمل الطريق

«تريو جبران» مع الشاعر الفلسطيني محمود درويش في كواليس إحدى الأمسيات التي جمعتهم (إدارة أعمال الفرقة)
«تريو جبران» مع الشاعر الفلسطيني محمود درويش في كواليس إحدى الأمسيات التي جمعتهم (إدارة أعمال الفرقة)

يتزامن مرور 20 سنة على ولادة «تريو جبران»، مع اهتزاز الأرض التي انطلقت منها الفرقة إلى العالم. خشبُ أعواد الإخوة جبران الثلاثة من فلسطين، كذلك روحُ موسيقاهم. لا يحضر اللحن إن لم يحلّق طيف محمود درويش في البال، وإن لم تتراقص قصيدتُه على أوتار العود.

يجلس الأخ الأكبر سمير جبران في منزله في رام الله. يعدّ الأيام التي انقضت ثقيلةً ومؤلمة منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023. لا تخفّف من وطأة الوقت والمأساة، سوى مجموعة حفلات يحييها ثلاثيّ العود الفلسطيني ويروح ريعها لغزّة وأهلها المنكوبين، بالتعاون مع الهلال الأحمر الفلسطيني.

يحتفل «تريو جبران» بمرور 20 سنة على انطلاقته كثلاثيّ مؤلّف من 3 أشقّاء يعزفون العود (إدارة أعمال الفرقة)

خطبة الهنديّ الأحمر

«مع إلغاء عدد كبير من عروضنا في أوروبا، بسبب التشويه الذي تعرّض له الفلسطينيون حول العالم بعد 7 أكتوبر، صرنا نصطاد المنابر اصطياداً»، يخبر جبران «الشرق الأوسط». بين إسطنبول وسلطنة عُمان، وصولاً إلى لندن وهولندا، حمل الإخوة أعوادهم والقضيّة.

«وُلدنا هنا بين ماءٍ ونار ونولدُ ثانيةً في الغيوم على حافّة الساحل اللازورديّ بعد القيامة... عمّا قليل

فلا تقتل العشب أكثر، للعشب روحٌ يدافع فينا عن الروح في الأرض».

يعلن صوت درويش، وهو يلقي «خطبة الهنديّ الأحمر»، انتهاءَ دقيقة الصمت عن أرواح مَن سقطوا، وانطلاقَ العرض الموسيقيّ. بين معزوفةٍ وأخرى، مساحةٌ للتصفيق والهتاف، ثمّ سكوتٌ تُسمع فيه الدموع والغصّات. يشرح سمير جبران أن حفلات ما بعد الحرب على غزّة، لا تشبه أياً ممّا سبقها. «الصبغة العامة للحفل على درجة عالية من الحساسية. إضافةً إلى المقطوعات التي جرى تأليفها على إثر المجزرة الحاصلة، يتنوّع نبض العرض ما بين لحظاتٍ من الذروة الطربيّة ووقفاتٍ مع الصمت القاتل».

يؤكد سمير جبران أنّ حفلات ما بعد الحرب على غزّة لا تشبه بشيء كل ما سبقها (إنستغرام)

على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة

رغم أنّ الجمهور بمعظمه من الأوروبيين الذين يستمتعون بموسيقى «تريو جبران» الشرقيّة، فإنّ الغصّة واحدة وهي تتناهى إلى مسامع سمير وأخوَيه وسام وعدنان. وقبل أن يُسدَل الستار، يعود صوت محمود درويش ليصدح: «على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة».

هي نوطة أمل استقى منها الإخوة جبران طاقةً للعودة إلى المسرح بعد إحباط الأسابيع الأولى من الحرب. في السياق، يخبر سمير الذي عايشَ الانتفاضة الأولى، وعاينَ الثانية عن قُرب من داخل منزله في رام الله: «قبل أن يقصف الطيران الإسرائيلي محيط بيتي خلال الانتفاضة الثانية، كنت أقول إن الموسيقى سلاح. أما عندما نزلت قنبلة ضخمة قرب رأسي، فتساءلتُ ساخراً ما إذا كان يجب أن أخرج مع عودي وأدندن للطائرة».

لكن بعد الشعور بالعجز ومعاينة انسداد الأفق واسوِداده، تمسّك «تريو جبران» بفسحة الضوء التي تُسمّى أمل. دفعتهم الرغبة بالمساعدة الاجتماعية والإنسانية خارج منازلهم، وكذلك فعل الإرثُ الذي حمّلهم إياه صديق الرحلة الشاعر الفلسطيني محمود درويش.

تعرّف سمير جبران إلى درويش عام 1996. كان في بداية مشواره الموسيقيّ قبل أن ينضمّ إليه شقيقاه عام 2004. تردّدَ الشاعر حينذاك في أن يشاركه الشابّ اليافع عزفاً على العود، إلى درجة التهديد بإنزاله عن المسرح. على الخشبة الفرنسية ذاتها، التقيا بعد 12 عاماً وكانت قد نبتت بينهما صداقة متينة، أثمرت 32 أمسية جالت فيها أعواد الإخوة جبران مع أبيات درويش حول العالم.

جمعت 32 أمسية محمود درويش و«تريو جبران» حتى وفاته عام 2008 (إنستغرام)

لا مصدر إلهام سوى درويش

يجزم المؤلّف الموسيقي والعازف أنّ مقطوعات الفرقة كافةً مستوحاة من شعر درويش حصراً. «20 سنة لم نعثر خلالها على مصدر إلهام آخر»، يؤكد جبران. فشعرُ درويش فيه ما يكفي من الإيقاعات المتجدّدة كي يُعادَ اكتشافُه يومياً، وفق الفنان الفلسطيني الذي يمضي 10 ساعات مع درويش في اليوم الواحد، ما بين قراءاتٍ وذكريات. «أنا مسكون بمحمود درويش وهو توأم مشروعنا الموسيقي».

في حضرة غيابه، يواصل «تريو جبران» الدرب. هم حتماً ليسوا أوّل ولا آخر من استلهمَ شعره ليصنعوا فناً. وعندما يُسأل سمير جبران عمّا يميّز قصيدة درويش بقالب «التريو»، يستعير من نظريّةٍ شاركه إياها الشاعر ليجيب: «حين ينسكب اللحن فوق الكلمات يسجن حرّيّتها، فيما الموسيقى الآليّة قابلة للتأويل مثلها مثل جماليّة الشعر». ثمّ أوصاه في ذلك اليوم من عام 2006: «لا تلحّن لي بل دع موسيقاك مرادفة لكلماتي، حتى يكون الاثنان قابلَين للتأويل وللتحرّر».

كل المقطوعات الموسيقية التي ألّفها «تريو جبران» مستوحاة من شعر درويش (إدارة أعمال الفرقة)

«تَشاركنا الحياة والسفر والطعام والضحك والوقفة أمام الجمهور»، هكذا يتذكّر جبران الشاعرَ الذي كان يتحوّل «مغنياً على المسرح، وصاحبَ نكتةٍ ساخرة في جلساته الخاصة». يرى نفسه محظوظاً بكنز السنوات الـ12 إلى جانبه، هو الذي أمضى طفولته محاطاً بعمالقة الأدب الفلسطيني أمثال إميل حبيبي وتوفيق زيّاد وسميح القاسم.

قبل 25 يوماً على توقّف قلب درويش عن الخفقان في 9 أغسطس (آب) 2008، جمعته الحفلة الأخيرة بالتريو جنوبي فرنسا. يعود المشهد إلى ذاكرة سمير جبران: «قبل الصعود إلى المسرح بدقائق، كان متوتراً فاستعار سيجارتي، مع أنه كان قد توقّف عن التدخين قبل سنوات». أما في نهاية الأمسية وعشيّة سفره إلى الولايات المتحدة للخضوع لجراحة القلب، فوقف الشاعر والثلاثيّ لتحيّة الجمهور. همس سمير في أذنه: «استمتع بحبّهم لك»، فأجابه درويش: «نيّالك... أنت المستقبل قدّامك، أنا صار المستقبل وراي».

يقيم سمير جبران في رام الله أما شقيقاه وسام وعدنان ففي كلٍ من لندن وباريس (إنستغرام)

كما في حضوره كذلك في غيابه، تتنفّس موسيقى «تريو جبران» قصيدة درويش. يعيد الإخوة نسج روحه في «مخاضٍ مشترك لا يخلو من الخصام الفني الذي قد يمتدّ شهوراً، بسبب تفصيل صغير لم يكن محطّ إجماع». ليس من السهل أن تتلاقى الأمزجة، والتنازلات تصير أكثر صعوبةً بين الأشقّاء بما أنّهم متساوون. إلّا أن السجالات لا تُفسد قضية «تريو جبران» الفنية والوطنيّة. فها هم يستعدّون لحفلٍ في سويسرا على اسم غزّة، ولعملٍ ضخم يحتفي بعامهم العشرين في قاعة «فيلهارموني باريس» نهاية السنة.


مقالات ذات صلة

هاني شاكر الذي أحبَّ لبنان وحرست حنجرته أحزاننا المُقيمة

يوميات الشرق في صوته نجد ما تركناه في منتصف الشعور (فيسبوك)

هاني شاكر الذي أحبَّ لبنان وحرست حنجرته أحزاننا المُقيمة

كان أحد الذين علَّمونا كيف يبدو الحزن حين يرتدي أناقته، وكيف يستطيع الوجع أن يبقى نبيلاً وخفيضاً ومهذّباً...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق الفنان المصري هاني شاكر (حسابه على فيسبوك)

رحيل «أمير الغناء العربي» هاني شاكر عن 74 عاماً

غيب الموت اليوم (الأحد) المطرب المصري هاني شاكر الملقب بـ«أمير الغناء العربي» بعد تدهور حالته الصحية مؤخراً وسفره إلى فرنسا للعلاج .

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق كلّ شيء في مكانه... ما عدا الداخل (IMDB)

الخوف الذي تعلَّم الرقص: الوجه الإنساني لمايكل جاكسون

لم يُرمِّم الفنّ طفولة مايكل، لكنه منحها شكلاً يمكن للجمهور أن يُصفِّق له...

فاطمة عبد الله (بيروت)
الوتر السادس الشامي لـ«الشرق الأوسط»: القدر أعادني إلى «ذا فويس كيدز» مُدرباً

الشامي لـ«الشرق الأوسط»: القدر أعادني إلى «ذا فويس كيدز» مُدرباً

قال المطرب الشامي إن مشاركته في لجنة تحكيم برنامج «ذا فويس كيدز» تشكل بالنسبة له محطة فارقة، موضحاً أنه لم يتردد في قبولها رغم ما صاحبها من رهبة في البداية.

أحمد عدلي (القاهرة)
الوتر السادس كفاح زين الدين لـ«الشرق الأوسط»: في الأغاني انحسرت البلاغة لصالح البساطة

كفاح زين الدين لـ«الشرق الأوسط»: في الأغاني انحسرت البلاغة لصالح البساطة

يجمع كفاح زين الدين بين فنون مختلفة ومنها كتابة الشعر والتلحين والإنتاج الفني. أعماله ليست بالغزيرة، ولكنها تترك أثرها في كل مرة ترى النور

فيفيان حداد (بيروت)

«من الأرض»... معرض سعودي للفنون المعاصرة يكشف الوجه الخفي للتكنولوجيا

عمل «حاسوبيا» للفنان مات كوليشو في «معرض من الأرض» (الشرق الأوسط)
عمل «حاسوبيا» للفنان مات كوليشو في «معرض من الأرض» (الشرق الأوسط)
TT

«من الأرض»... معرض سعودي للفنون المعاصرة يكشف الوجه الخفي للتكنولوجيا

عمل «حاسوبيا» للفنان مات كوليشو في «معرض من الأرض» (الشرق الأوسط)
عمل «حاسوبيا» للفنان مات كوليشو في «معرض من الأرض» (الشرق الأوسط)

تتوارى الحدود بين ما هو مادي وما هو رقمي اليوم خلف قدر كبير من الالتباس، في زمن تبدو فيه التكنولوجيا كأنها انفصلت عن جذورها. ويأتي معرض «من الأرض... من تكنولوجيات أرضية إلى بيولوجيات حاسوبية» بوصفه أحد أبرز معارض الدرعية حضوراً هذا العام.

ويتحول الفن في أروقة المعرض، الذي يحتضنه مركز الدرعية لفنون المستقبل، إلى أداة تفكير تتجاوز العرض البصري، لتفكيك العلاقة المعقدة بين الإنسان والتكنولوجيا والطبيعة.

يتحول الفن في أروقة المعرض إلى أداة تفكير تتجاوز العرض البصري (الشرق الأوسط)

ويشارك في المعرض نحو 30 فناناً وفنانة في عرض جماعي يضم أسماء بارزة من المشهدين المحلي والدولي، من بينهم الفنانة زهرة الغامدي، إلى جانب مجموعة من الفنانين السعوديين الذين تتقاطع أعمالهم حول موضوعات الذاكرة والبيئة والأنظمة التقنية المعاصرة.

زهرة الغامدي... الجلد والطين

عمل «شظايا قوة هادئة» للفنانة زهرة الغامدي (الشرق الأوسط)

تبني الفنانة زهرة الغامدي مشهداً بصرياً يبدو في حالة تشكّل دائم في عملها «شظايا قوة هادئة»، حيث تتوزع طبقات الجلد والطين بين الأرض والجدار، في تكوين يعكس توتراً بين الهشاشة والقوة.

وأوضحت الغامدي لـ«الشرق الأوسط» أن العمل جاء نتيجة مسار طويل من البحث، قائلة: «استغرق تنفيذ العمل أشهر عدَّة من البحث والتجريب، لأنني كنت أعمل على تطوير علاقة حسية ومادية بين الجلد والطين بوصفهما عنصرين يحملان ذاكرة الأرض والجسد في آن واحد»، مشيرة إلى أن التحدي الأساسي كان قد خلق حالة من التوازن بين هشاشة المادة وقوتها، بحيث يبدو العمل كأنه يتشكل طبيعياً بفعل قوة داخلية غير مرئية.

وكشفت الغامدي عن مصدر الفكرة، وقالت: «جاءت من تأمل عميق في مفهوم الصمود الهادئ؛ تلك القوة الكامنة التي لا تعلن نفسها بصخب، لكنها تتجلى عبر التكوين والتحول والاستمرار، ومن خلال طبقات الجلد وعناصر الطين الممتدة بين الأرض والجدار». سعت زهرة إلى بناء مشهد يحاكي كائنات عضوية تبحث عن النور والتجدد، وكأنها تنبعث من ذاكرة الأرض الجمعية.

جانب من الأعمال الفنية في «معرض من الأرض» (الشرق الأوسط)

ووصفت مشاركتها في معرض «من الأرض» بالتجربة المثرية على الصعيدين الفني والشخصي، قائلةً: «إن فكرة المعرض تنسجم بعمق مع كثير من الأسئلة التي أطرحها في ممارستي الفنية حول الأرض والذاكرة والهوية. شعرت بأن العمل وجد سياقه الطبيعي داخل هذا المعرض، حيث أصبح جزءاً من حوار أوسع عن علاقتنا بالمكان والمواد الخام والجذور الثقافية».

مقاربات سعودية بين المادة والذاكرة والتقنية

قدم عدد من الفنانين السعوديين المشاركين قراءات متعددة لعلاقة الإنسان بالبيئة والتكنولوجيا، عبر أعمال تتنوع بين التركيب والفيديو والسرديات البصرية. أعاد الفنان خالد بن عفيف تشكيل مادة البلاستيك في هيئة شجرة ضخمة في عمله «فواكه من الأرض»، في محاولة للتفكير بمفهوم الاستهلاك.

عمل «سور الطعام» للفنانة ريم الناصر في المعرض (الشرق الأوسط)

وبرزت الفنانة ريم الناصر خلال عملها «سور الطعام»، بتركيب سمعي بصري يحول الغذاء إلى بنية رمزية للحماية والبقاء، مستلهمة سياقات تاريخية مرتبطة بالبيئة الصحراوية، مستخدمةً نبات السمح غذاءً.

وجاء الفنان أيمن زيداني بعمله «الأرض للجميع»، الذي يربط بين البيئة والروحانية وسرديات التاريخ في شبه الجزيرة العربية، بالإضافة إلى الفنان محمد الفرج في عمله «ثمة أمر مريب!» الذي يبني عالماً تخييلياً يعكس تعقيدات العلاقة بين الإنسان والطبيعة.

حين تندمج الكائنات... ما بعد حدود الحياة

تألقت الفنانة روبرتينا شبيانيتش من خلال عملها الفني «أوريليا +1 هرتز/ مُولّد بروتو فايفا»، الذي تجاوز الحدود التقليدية بين الكائن الحي والآلة، حيث يعمل على نظام حي يدمج بين قنديل بحر وكيان آلي، في تكوين هجين يعيد تعريف مفهوم الحياة خارج الإطار الرقمي.

يبرز عمل «أوريليا +1 هرتز/ مُولّد بروتو فايفا» اندماج الكائنات بالآلة (الشرق الأوسط)

واستخدمت الفنانة كائناً حياً لإضفاء الديناميكية على الآلة بدلاً من الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، ويستند هذا الطرح إلى اهتمام شبيانيتش بالبيئات المائية وتأثير الإنسان عليها ضمن سياق «الأنثروبوسين».

ويستمر معرض «من الأرض» في مركز الدرعية لفنون المستقبل حتى 15 مايو (أيار)، مقدماً تجربة متعددة الحواس تستكشف كيفية إعادة تصور التكنولوجيا بوصفها جزءاً من منظومة بيئية مترابطة، بتنظيم القيمة الفنية إيريني باباديميترو. كما يرتكز المعرض على 4 محاور رئيسية تتناول التداخل بين الكائنات الحية والآلات، وإعادة تعريف «اللامادية» في العالم الرقمي، بالإضافة إلى أثر التقنيات على البيئة وإمكانات التعايش بين الأنظمة الطبيعية والصناعية.


رحيل هاني شاكر بعد مشوار غنائي باهر

تميز شاكر بأغنياتة الرومانسية والحزينة -حسابه على فيسبوك
تميز شاكر بأغنياتة الرومانسية والحزينة -حسابه على فيسبوك
TT

رحيل هاني شاكر بعد مشوار غنائي باهر

تميز شاكر بأغنياتة الرومانسية والحزينة -حسابه على فيسبوك
تميز شاكر بأغنياتة الرومانسية والحزينة -حسابه على فيسبوك

بعد مشوار غنائي باهر امتد نصف قرن، رحل المطرب المصري هاني شاكر عن 74 عاماً في مستشفى بالعاصمة الفرنسية باريس حيث كان يتعالج.

بدأت «حكاية عاشق» الطرب والموسيقى في حي السيدة زينب بالقاهرة، وانطلق في سماء النجومية مبكراً، حين قدمه الموسيقار محمد الموجي لتكون «حلوة يا دنيا» هي شهادة ميلاده الفنية، ومضى يغزل من مشاعره روائع فنية، فكانت «بعشق ضحكتك» تعبيراً عن بهجة اللقاء، بينما جسدت «غلطة» مرارة الخذلان، وظلت «إنتي لسه بتسألي» أنشودة العاشقين التي لا تموت.

تحول إلى علامة فارقة في تاريخ الأغنية العربية، بفضل بصمته المتفردة في اللون العاطفي الرومانسي، فبالإضافة إلى امتلاكه صوتاً عذباً، جسدت أعماله حالةً استثنائيةً من نبل المشاعر ورقي الكلمة.


هاني شاكر يودع «الحلم الجميل» بعد مشوار غنائي باهر

حزن واسع في مصر لرحيل هاني شاكر (حسابه على فيسبوك)
حزن واسع في مصر لرحيل هاني شاكر (حسابه على فيسبوك)
TT

هاني شاكر يودع «الحلم الجميل» بعد مشوار غنائي باهر

حزن واسع في مصر لرحيل هاني شاكر (حسابه على فيسبوك)
حزن واسع في مصر لرحيل هاني شاكر (حسابه على فيسبوك)

في يوم حزين غلفه غيم داكن من الوداع، كُتب على عشاقه أن يسيروا في «دنيا ودروب - قلوبنا فيها تدوب». رحل عن دنيانا الفنان المصري هاني شاكر، الذي نقش على قلوب محبيه مفردات الهوى، وعلى أرواحهم أبجدية الأسى والحنين، ليصبح لسان حال كل فرد من جمهوره، وكأنه يهتف: «يا ليتني أستطيع إيقاف هذه اللحظة المشحونة بالألم والمحتومة بالفقد»، بعد أسابيع خاض فيها صراعاً شرساً مع المرض في مستشفى «فوش» بباريس.

رحل «أمير الغناء العربي» بعد مشوار فني باهر، علم خلاله كل فرد في مملكة المشاعر أن «الحب ملوش كبير»، وأن الحس الصادق هو ما يبقى بعد أن تغادرنا الوجوه، لتظل الجماهير المحتشدة على بوابة الوجدان تهتف: «نسيانك صعب أكيد».

عدد كبير من الفنانين أعربوا عن حزنهم لوفاة شاكر (حسابه على فيسبوك)

وصف الناقد الفني طارق الشناوي صمود هاني شاكر على قمة الغناء لأكثر من نصف قرن، وسط تغير موجات الطرب وأذواق الجمهور من زمن أم كلثوم حتى ظاهرة مطربي المهرجانات، بأنه «إنجاز يصل إلى حد الإعجاز، حيث استطاع أن يصل إلى مختلف الطبقات والفئات ليصبح ظاهرة مدهشة عابرة للأجيال».

وظل هاني شاكر حتى اللحظات الأخيرة من حياته، وفق الشناوي، يقدم أروع الحفلات داخل مصر وخارجها، بقوة حضور لافتة، وسرعة بديهة واضحة، وخفة ظل تلقائية، ومداعبات شديدة العفوية، مع قدرة استثنائية على استيعاب جميع متغيرات الفن والغناء عربياً وعالمياً.

مشوار الدنيا

بدأت «حكاية عاشق» الطرب والموسيقى في حي السيدة زينب بالقاهرة، حيث وُلد في 21 ديسمبر (كانون الأول) 1952، فكان يتنفس الفن منذ صغره وشارك في برامج الأطفال بالتلفزيون المصري. ثم تخرج في معهد «الكونسرفتوار» بعد أن درس الموسيقى، ليبدأ «مشوار الدنيا المكتوب بالثانية»، حيث تعلم مزج الدرس الأكاديمي بعاصفة من العواطف، التي كانت تنتظر لحظة الانطلاق كي تعلو «الضحكاية» ويتلقفها الشباب الباحث عن نغمة مختلفة في حقبة السبعينات.

تميَّز شاكر بأغنياته الرومانسية والحزينة (حسابه على فيسبوك)

نشأ بين أب كان موظفاً بمصلحة الضرائب قبل أن يودع الدنيا عام 1970، وأم وهبت حياتها للعمل بوزارة الصحة حتى رحيلها عام 2009، وكانت والدته الحاضنة الأولى لمسيرته، فاضطلعت بدور «الوكيل» و«مدير الأعمال» في بدايات انطلاقته، مشرفة على صقل تدريباته ودفع خطاه المهنية نحو القمة.

هكذا بدأت رحلته بشغف طفولي، هُذّب لاحقاً في أروقة الدراسة الأكاديمية في كلية التربية الموسيقية بحي «الزمالك» بالقاهرة، ومن خلف ميكروفونات برامج الأطفال بصحبة «أبلة فضيلة»، و«ماما سميحة»، تبلورت ملامح فنان استثنائي، لم يراهن طوال مسيرته إلا على موهبته الفذة والتزامه الرصين.

أيقونة الرومانسية

انطلق في سماء النجومية مبكراً، حين قدّمه الموسيقار محمد الموجي، لتكون أغنية «حلوة يا دنيا» شهادة ميلاده الفنية، معلنة ولادة صوت رومانسي كلاسيكي يمتد لزمن الكبار. مضى يغزل من مشاعره روائع فنية، فكانت «بعشق ضحكتك» تعبيراً عن بهجة اللقاء، في حين جسدت «غلطة» مرارة الخذلان، وظلت «إنتي لسه بتسألي» أنشودة العاشقين التي لا تموت.

شاكر قدم مسيرة فنية باهرة (حسابه على فيسبوك)

تحول إلى علامة فارقة في تاريخ الأغنية العربية، بفضل بصمته المتفردة في اللون العاطفي الرومانسي، فبالإضافة إلى امتلاكه صوتاً عذباً، جسدت أعماله حالة استثنائية من نبل المشاعر ورقي الكلمة.

تمتع هاني شاكر بطبقة صوتية دافئة، وقدرة فائقة على تلوين الآهات بوجع نبيل أو فرح خجول، ما جعل أغنياته ملاذاً للعشاق، عبر أسلوب «السهل الممتنع»، فانتقى نصوصاً تعزف على أوتار القلب، واستطاع أن يحافظ على وقار الرومانسية الكلاسيكية في زمن المتغيرات السريعة، ليصبح مدرسة للشجن الراقي التي تسمو بالروح.

معارك غنائية

حين جلس على مقعد نقيب المهن الموسيقية في يوليو (تموز) 2015، خاض معركة شرسة ضد بعض مطربي المهرجانات للحفاظ على «الأصالة»، مؤمناً بأن النقابة هي الحارس الأمين على خزائن الذوق والإحساس، فخاض حروباً شهيرة ضدهم.

ورغم ما واجهه من اتهامات بـ«التشدد ومحاربة أرزاق الشباب»، ظل ثابتاً على موقفه، يرى في الصرامة «واجباً وطنياً» لا يقبل المساومة.

جرحي أنا

رحلت ابنته دينا فجأة عام 2011، فتحولت الدنيا في عينيه وقلبه إلى «بستان شوك» بعد أن كان يظنها «باقة من الورود»، وتحولت نبرات صوته إلى مرثية حية تجسد ألماً عصياً يسكن أعماق الروح.

الفنان المصري هاني شاكر (حسابه على فيسبوك)

في تلك اللحظات القاسية، شعر بأن «كل ليلة» تمر عليه هي دهر من المواجع، فتوارت ملامحه خلف ستائر الدموع، وتجلى حزنه في تساؤل صامت: «لو رحت بعيد، كيف سأعثر على عينيك بين الوجوه؟» كان فقدها «عيد ميلاد جرح» لا يطل كسحابة سوداء كل عام، بل في كل لحظة تنطفئ فيها الأنوار وينفض الزحام، ليخلد الأب الموجوع إلى نفسه في لحظة اختلاء بالذات.

نعي ورثاء

ونعى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الفنان الراحل قائلاً: «أتقدم بخالص العزاء إلى الشعب المصري ومحبي الفن الأصيل في وفاة الفنان هاني شاكر الذي أثرى الغناء بأعذب الإبداعات الفنية في جميع المناسبات الوطنية والاجتماعية والإنسانية بصوته المميز وأدائه الراقي».

ونعت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، هاني شاكر، مؤكدة أنه «قدّم أعمالاً خالدة شكّلت جزءاً مهماً من تاريخ الغناء العربي، حيث كان أحد أبرز الأصوات التي أثرت الساحة الغنائية لعقود، ونجح في ترك إرث فني وإنساني ثري ألهم أجيالاً من الفنانين والجمهور على حد سواء».

هاني شاكر ومحمد ثروت (حساب محمد ثروت على فيسبوك)

وقال الكاتب أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، إن «الفن العربي خسر واحداً من كبار نجومه الذين أعطوا حياتهم للرقي والجمال»، مضيفاً أن «هاني شاكر نموذج للموهبة الكبرى، والعطاء العابر للأجيال».

أما صديقه الفنان محمد ثروت فنعاه بكلمات مؤثرة عبر صفحته على «فيسبوك»، قائلاً: «أشهد الله أنك كنت من أنقى القلوب، وأن ضحكتك كانت تنوّر أي مكان تدخله، حزنت قلوبنا على فراقك... لكن ستظل في قلوبنا دائماً».

وقالت الفنانة يسرا إن أعمال «أمير الغناء العربي» هاني شاكر ستظل محفورة في وجدان جمهوره عبر الأجيال.

وقال عمرو دياب: «ننعى فقيد الفن العربي، المطرب الكبير هاني شاكر، صوت من أهم الأصوات التي شكلت وجدان أجيال، وترك إرثاً فنياً لا يُنسى».

وأعلنت نقابة المهن الموسيقية عن صلاة الجنازة على هاني شاكر يوم الأربعاء المقبل بعد وصول جثمانه من باريس.