لأن العاطفة البشرية لا يحكمها القانون... إليكم 4 محاور لتبسيطها ومحاولة فهمها

كيف تعزز هذه المحاور الذكاء الاصطناعي؟

العواطف هي الخيوط النابضة بالحياة التي تنسج لحظاتنا العميقة وتفاعلاتنا اليومية (Shutterstock)
العواطف هي الخيوط النابضة بالحياة التي تنسج لحظاتنا العميقة وتفاعلاتنا اليومية (Shutterstock)
TT

لأن العاطفة البشرية لا يحكمها القانون... إليكم 4 محاور لتبسيطها ومحاولة فهمها

العواطف هي الخيوط النابضة بالحياة التي تنسج لحظاتنا العميقة وتفاعلاتنا اليومية (Shutterstock)
العواطف هي الخيوط النابضة بالحياة التي تنسج لحظاتنا العميقة وتفاعلاتنا اليومية (Shutterstock)

يقول المهاتما غاندي: «لا يمكن تصنيع العاطفة أو تنظيمها بموجب القانون»، ففي نسيج التجربة الإنسانية الغني، تعد العواطف هي الخيوط النابضة بالحياة التي تنسج لحظاتنا العميقة وتفاعلاتنا اليومية، هي أشبه مجموعة من الألوان، كل لون منها شعور مميز يرسم لوحات حياتنا بالفرح والحزن والعاطفة والخوف.

وفي تقرير لموقع «سايكولوجي توداي»، قال الدكتور ويليام أ. هاسيلتاين رئيس منظمة «ACCESS Health International»، إن «عالم العواطف هذا عالمي ولكنه شخصي للغاية، لأنه يشكل التصورات والسلوكيات عبر الثقافات. ومع ذلك، فإن فهم هذه المشاعر والتعبير عنها من خلال اللغة يمكن أن يشكل تحديًا. وبالمثل، فإن فهم مشاعر الآخرين والطرق التي يحاولون بها التعبير عن أنفسهم قد يبدو مستحيلاً تقريباً».

ومنظمة «ACCESS Health International» هي منظمة غير ربحية تعمل على ضمان حصول جميع الأشخاص، بغض النظر عن أعمارهم أو المكان الذي يعيشون فيه، على رعاية صحية عالية الجودة وبأسعار معقولة.

دراسة حددت 4 محاور عاطفية لتبسيط عالم العواطف المعقد (سايكولوجي توداي)

أربعة محاور عاطفية لتبسيط عالم العواطف المعقد

ووفق التقرير، سعت دراسة حديثة نشرت في مجلة «Nature Scientific Reports» إلى تبسيط عالم العواطف المعقد من خلال تحديد اللغة العاطفية الأكثر شيوعاً. وباستخدام تحليل شامل للكلمات التي تشترك في المعنى، تمكنوا من تحديد 4 محاور عاطفية مركزية ترتبط بها جميع الكلمات العاطفية الأخرى: جيد- يريد- سيئ- حب.

وبحسب الدراسة، فإن جميع الكلمات العاطفية لها صلة بأحد هذه المحاور في العديد من اللغات، وليس الإنجليزية فقط. ومن خلال البحث عن الجوهر المشترك للغة العاطفية، اكتشف الباحثون بعضاً مما يعنيه أن تكون إنساناً وأن تعبر عن المشاعر.

فهم اللغة العاطفية لكن خارج حدود اللغة

يشير التجميع إلى الظاهرة التي يعبر فيها مصطلح لغوي واحد عن مفهومين متميزين أو أكثر في اللغة. ومن خلال دراسة أنماط المعنى المشترك عبر اللغات، يمكن للباحثين اكتشاف الارتباطات المعرفية والثقافية الأساسية التي تشكل التعبير اللغوي.

وهذا يسلط الضوء على الجوانب العالمية للعاطفة الإنسانية من خلال تحديد المحاور العاطفية المشتركة التي تكمن وراء التعبيرات اللغوية المتنوعة.

وأشار هاسيلتاين إلى أن هذا النهج المبتكر يثري فهمنا للغة والعاطفة ويعمق تقديرنا للنسيج الغني للتواصل البشري.

وشرح أن «اللغة تعمل بوصفها أداة قوية لتشكيل إدراكنا وتجربتنا للعواطف، وتؤثر الفروق الصغيرة المضمنة في الكلمات على كيفية تفسيرنا لمشاعرنا والتعبير عنها»، وأعطى مثالاً على ذلك.

تؤثر الفروق الصغيرة المضمنة في الكلمات على كيفية تفسيرنا لمشاعرنا والتعبير عنها (Shutterstock)

إذ يمكن أن تثير المرادفات المختلفة لكلمة «الحب» عدداً كبيراً من الاستجابات العاطفية القوية، كل منها يستدعي تجربة فريدة وعميقة:

فعندما نتحدث عن «العشق»، فإننا ننقل عاطفة وإعجاباً عميقين، وغالباً ما يرتبطان بالافتتان الرومانسي.

«نعتز به» يجلب إحساساً بالاعتزاز، وغالباً ما يرتبط بالروابط العائلية أو الذكريات العزيزة.

بينما «الإعجاب» يعكس الاحترام والتقدير، والاعتراف بصفات شخص ما أو إنجازاته.

«الإخلاص» ينقل الولاء والتفاني الذي لا يتزعزع، والذي غالباً ما يظهر في العلاقات الملتزمة أو الحماسة الدينية.

وأخيراً، «الشغف» يشعل الرغبة الشديدة والحماس، وغالباً ما يرتبط بالمساعي الرومانسية أو الإبداعية. ومن خلال استكشاف هذه المرادفات، نكشف عن النسيج المعقد للعواطف والروابط التي يشملها الحب.

ويسلط تحديد المحاور العاطفية الضوء على الترابط بين المفاهيم العاطفية عبر اللغات. تعمل الكلمات المرتبطة بهذه المحاور على أنها مرتكزات لفهم مجموعة واسعة من التجارب العاطفية والتعبير عنها. ويساعدنا هذا الاكتشاف على فهم مدى كون اللغة والعواطف عالمية ويمكن فهمها خارج حواجز اللغة. وهذا يزيد من التعاطف والتفاهم بين الناس.

الذكاء العاطفي والتواصل

أشار التقرير أيضاً إلى أن التواصل الفعال يعتمد على الذكاء العاطفي، أي القدرة على التعرف على العواطف وفهمها وإدارتها لدى النفس والآخرين، موضحاً أن فك رموز اللغة العاطفية المشتركة الكامنة وراء الثقافات المتنوعة يمكن أن يعزز التفاعلات بين الأفراد ويبني روابط ذات معنى.

على سبيل المثال، يمكن للمعالجين مساعدة العملاء على تطوير مفردات أكثر دقة وشمولية للتعبير عن مشاعرهم وتجاربهم. وهذا يمكن أن يمكّن العملاء من التعبير عن مشاعرهم بشكل أكثر فاعلية، وتعزيز الوعي الذاتي والتنظيم العاطفي.

كيف تعزز العاطفة فهم الذكاء الاصطناعي للمشاعر الإنسانية؟ (Adobe Stock)

العاطفة تعزز فهم الذكاء الاصطناعي للمشاعر الإنسانية

بحسب هاسيلتاين، فإن الأفكار المكتسبة من تحديد المحاور العاطفية لها آثار عميقة على تطوير نماذج اللغة والذكاء الاصطناعي (AI).

وشرح هاسيلتاين أن نماذج اللغة تعتمد على كميات هائلة من البيانات النصية لتوليد لغة شبيهة بالإنسان وفهم السياق. ومن خلال دمج المعرفة المستمدة من دراسة المعنى المشترك في اللغة، يمكن لنماذج اللغة أن تفهم بشكل أفضل العلاقات الدقيقة بين الكلمات والمفاهيم، ما يعزز قدرتها على التقاط تعقيدات المشاعر الإنسانية والتعبير.

يمكن أن يكون لهذا العديد من الفوائد، بما في ذلك قدرة الذكاء الاصطناعي على القيام بدور أكثر أهمية في الطب، ما يوفر للأطباء المثقلين بالعمل فرصة التواصل مع مرضاهم.

ووجدت دراسة حديثة أن الذكاء الاصطناعي يحتل مرتبة أفضل في التعامل مع المرضى مقارنة ببعض الأطباء، ويرجع ذلك جزئياً إلى اللغة والاستجابة العاطفية التي يمكن للذكاء الاصطناعي تقليدها.

تقدم الدراسة الكمية الأخيرة لمحة رائعة عن الشبكة المعقدة من اللغة والعاطفة التي تحدد التجربة الإنسانية، والمؤمل أن تساعدك هذه الدراسة على فهم المشاعر بشكل أفضل من خلال تحديد المحاور العاطفية المشتركة عبر اللغات.


مقالات ذات صلة

أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

تكنولوجيا الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

اتهم البيت الأبيض الصين، اليوم الخميس، بالضلوع في سرقة الملكية الفكرية لمختبرات ذكاء اصطناعي أميركية على نطاق صناعي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد شاشة تعرض شعار شركة «نوكيا» في قاعة التداول في بورصة نيويورك (رويترز)

بعد تجاوز أرباحها التوقعات... سهم «نوكيا» يقفز لأعلى مستوى في 16 عاماً

رفعت شركة «نوكيا» يوم الخميس أهداف نمو أعمالها المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بعد أن تجاوزت نتائجها الفصلية توقعات السوق للأرباح التشغيلية.

«الشرق الأوسط» (هلسنكي )
علوم حوكمة «الذكاء الاصطناعي المسؤول» لمؤسستك... خلال 90 يوماً

حوكمة «الذكاء الاصطناعي المسؤول» لمؤسستك... خلال 90 يوماً

تحقق مبادئ الالتزامات بالعدالة وعدم التمييز والإشراف البشري والمسؤولية المجتمعية

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص تقدم «غوغل كلاود» الذكاء الاصطناعي بوصفه نموذجاً تشغيلياً متكاملاً للمؤسسات لا مجرد مجموعة أدوات منفصلة (غوغل)

خاص من لاس فيغاس... «غوغل كلاود نيكست 2026» يرسم المرحلة التالية للذكاء الاصطناعي المؤسسي

تقدم «غوغل كلاود» في «نيكست 2026» الذكاء الاصطناعي كاختبار لجاهزية المؤسسات في البنية والبيانات والحوكمة والأمن والتشغيل.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.