«ملتقى طويق للنحت» حين يتهيأ الغرانيت للرقص

فنانوه منشغلون بـ«فن العمارة» و«المستقبل»

اجتمع لملتقى طويق للنحت في دورته الخامسة 30 نحاتاً من عشرين دولة (رياض آرت)
اجتمع لملتقى طويق للنحت في دورته الخامسة 30 نحاتاً من عشرين دولة (رياض آرت)
TT

«ملتقى طويق للنحت» حين يتهيأ الغرانيت للرقص

اجتمع لملتقى طويق للنحت في دورته الخامسة 30 نحاتاً من عشرين دولة (رياض آرت)
اجتمع لملتقى طويق للنحت في دورته الخامسة 30 نحاتاً من عشرين دولة (رياض آرت)

لا يخفي النحات البولندي بيوتر غرغاس أن مغادرته السعودية بعد إقامة قاربت الشهر تصيبه بالحزن، فإضافة إلى الحفاوة، والشمس المشرقة التي يفتقدها في بلاده، ثمة دفء في العلاقات الإنسانية انعكس على أعمال الفنانين الأجانب الذين يستقبلهم «ملتقى طويق للنحت» في دورته الخامسة. هؤلاء طوال 23 يوماً تقاسموا مع الفنانين السعوديين والعرب يومياتهم، ونحتوا أعمالهم في سباق مع الزمن لوضع لمساتهم الأخيرة عليها، قبل يوم الافتتاح، في الثامن من فبراير (شباط) الماضي.

اجتمع لملتقى طويق للنحت في دورته الخامسة 30 نحاتاً من عشرين دولة (رياض آرت)

هي السنة الخامسة إذن لهذا الملتقى الذي اجتمع له هذه السنة ثلاثون نحاتاً من عشرين دولة، ثلثهم من السعودية. تم اختيار الفنانين من بين 650 نحاتاً، من 84 دولة، تقدموا للمشاركة. اللجنة بحسب الدكتور فهد الجبرين، وهو قيم فني لطويق للنحت، كانت لها معاييرها الفنية التي اختارت تبعها النحاتين، وفقاً للمشاريع التي تقدموا بها، ومساراتهم الفنية التجديدية.

البولندي بيوتر غرغاس: الميل إلى التحدي

عنوان الدورة الحالية هو «أبعاد الحركة». ثيمة، بمثابة تحدٍ لأي عمل نحتي. البولندي غرغاس، الذي له باع في الشغل على انسيابية الجسد، أنجز هذه المرة عملاً تجريدياً، فيه لمسة أنثوية، وكأنه في منحنياته، والتفافاته، جعل الحجر يبدو كأنه يتهيأً للرقص. يمرر غرغاس يده على منحوتته بنعومة، وهو يحدثنا ويقول: «لقد أحببتها كثيراً». الميل إلى التحدي نراه أيضاً في عمل الفنانة التركية كانان زونقور التي نحتت ما يشبه شريط هدايا يلتف صعوداً وهبوطاً ليشكل ربطة غالباً ما تعقد من القماش لا من مادة صلبة كالحجر. الفنانة تقول إنها بمنحوتتها هذه تجسد «خط الحياة، الذي له طرفان، البداية والنهاية، وما بينهما منحنيات وعقد». للفنانين أن يقولوا ما يريدون لكنهم هنا في هذا الملتقى، خاضوا جميعهم صراعاً مع حجر الغرانيت الصلب لتطويعه، وجعله لدناً بين أيديهم، وفق عنوان مشترك، لكنهم توصلوا، في النهاية إلى نتائج متنوعة للغاية، تنوع الخلفية التي أتى منها كل منهم.

النحاتة التركية كانان زونقور مع عملها رقصة الحجر

جورج بدوي: المنحنيات الرحمية

تزداد صعوبة تطويع الحجر، حين يقرر فنان مثل السوري جورج بدوي المقيم في السويد، تقديم فكرة «الاحتواء» بمنحنياتها الرحمية على شكل بوابة بارتفاع 4 أمتار، لها قنطرة كأنما شقت من أعلاها إلى قسمين. «هما وجها رجل وامرأة يتقابلان عند النقطة العلوية للقنطرة لهذا أردتهما بلونين مختلفين، وحجر أحدهما أكثر لمعاناً ونعومة من الآخر». حياته في السويد وبلدان أخرى لم تفقد الفنان روحه الحلبية. «في تلك المدينة التي يجتمع فيها مهاجرون من مختلف الأطياف، سريان أكراد، أرمن، وغيرهم، عشت مع عائلتي المهاجرة من حمص. من يومها وفكرة اللقاء تستهويني، والتعايش يأسرني».

جورج بدوي مع منحوتته المسار (رياض آرت)

بمقدورك أن تصعد إلى منحوتة جورج بدوي ببضع درجات، لتقف بين الوجهين المتقابلين، وترى أن بوابته لا تشبه في أي حال بوابة اليوناني فاسيليس فاسيلي التي يعتليها الزائر بدرجات أيضاً لكن خطوطها مستقيمة، وإن اعتمدت الرأس المنحني. هي «مدخل إلى الأمل والصعود والتوق إلى الأعلى والتطلع للمستقبل».

الألماني كلاوس هانسيكر: المستقبل أراه هنا

تشجيع المتفرج على التفاعل مع المنحوتة، تسلقها، لمسها، ارتقاء درجاتها، هو مبتغى العديد من الفنانين. أما الغد فيشغل غالبية نحاتي الملتقى الذين تنتصب أعمالهم في واجهة روشن، في الرياض، وستبقى مزاراً لمحبي الفن حتى الرابع والعشرين من الحالي، وبينهم الفنان الألماني كلاوس هانسيكر الذي نحت ثلاثة مثلثات تصطف على خط منحنى يشكل ثلث دائرة كالهلال. المثلث الأول الذي يطل برأسه من أعلى يرمز للمستقبل، وفي الوسط الحاضر وقبله الماضي. «الدائرة هي خط الحياة، لا شيء يأتي من لا شيء، والأشكال الهندسية المصطفة عليها تدل على الأزمنة». لا يخفي هانسيكر أن عمله يعبّر عن مخاوفه، إذ يرى أن ألمانيا وهي تهوي سريعاً باتت جزءاً من حركة تغرب، فيما القادم ينبجس هنا، في الرياض. شارك الفنان الألماني في الدورة الأولى للملتقى «وكان حجمه صغيراً ومتواضعاً. أنا مذهول من التحسين السريع، وسد كل ثغرة يشكو منها الفنانون. كل شيء يتطور، مكان العمل، التجهيزات، المعدات، والتنظيم. كل المشكلات تحلّ من دون انتظار. حين أقارن ما أراه هنا بما نعيشه في ألمانيا، لا أجد نفسي متفائلاً بأننا سنستعيد المبادرة قريباً».

نحاتو السعودية يتطلعون إلى «المستقبل» بفرح

عنوانان يمكن اعتبارهما شاغل الفنانين لهذه الدورة، «فن العمارة»، و«المستقبل»، خاصة عند الفنانين السعوديين، المستلهمة أعمالهم من وحي التحولات السريعة في مجتمعهم. وهم متفائلون، ينظرون إلى الآتي، بعين البهجة، يرغبون في أن يكونوا جزءاً من هذه الحيوية النشطة التي تحيطهم.

منحوتة الفنان السعودي طلال الطخيس بعنوان نقطة تقدم (رياض آرت)

تظن عمل النحات طلال الطخيس أنه حرف دبليو بالإنجليزية، لكنه يشرح لنا أنه نحت حركة النقطة باللغة العربية في سقوطها وارتطامها بالأرض، ثم قفزها إلى الأعلى. «هي حركتنا نحن، ووقوعنا في حروب ومن ثم تسلحنا بالعلم والمعرفة لنعود وننهض من جديد. هذا خط الحياة، في السعودية التي كانت قبل مائة سنة صحراء قاحلة، ثم انبجست بقوة. السمبوزيوم بالحجم الذي هو عليه بإمكانياته الوفيرة، ليس موجوداً في أي مكان آخر».

بنفس الروح عمل النحات السعودي محمد بن عبد الرحمن الفارس، الذي اشتغل على مفتاح يعلوه ما يرمز لـ«مبنى المكعب» الذي يشيد في قلب الرياض بعلو 400 متر وبضخامة توازي 20 مرة مبنى «أمباير ستيت» في نيويورك، وسيكون أيقونة معمارية حجازية في الرياض، بفرادة تصميمه.

عمل الفنان السعودي محمد الثقفي (رياض آرت)

أما محمد الثقفي، الذي يشارك للمرة الرابعة في «ملتقى طويق»، فهو أيضاً في عمله ينظر صوب الأفق، مازجاً «الخطوط المستقيمة التي توحي بالقوة في اتخاذ القرارات بالخطوط المنحنية التي تشي بالسلاسة في الحركة، وهذه الكتل المتلاصقة تدل على اللحمة بين أفراد المجتمع في الرياض، للنهوض في المدينة. أما أزهار سعيد التي كانت أول نحاتة سعودية تشارك في «ملتقى طويق» فقد قدّمت هذه المرة خلايا نحل، بأحجام متفاوتة، في إحالة إلى إنتاج العسل في بلادها، ورمزية النحل للدلالة على النشاط والعمل، كما أنها تقصدّت أن تجعل أجزاء عملها ذات جاذبية لتفاعل الجمهور معها.

منحوتة الفنان السعودي طلال الطخيس بعنوان نقطة تقدم (رياض آرت)

«العمارة» في إنسانيتها

بالعودة إلى العمارة فهي في صميم عمل غالينا ستاتكو من كندا، وماكس سيبالد من النمسا وآخرين كثر، بينهم المصري أحمد قرعلي الذي تميز بمنحوتة لافتة، تعكس تصوره «للعمارة العربية لو أنها لم تنقطع عن مسارها الطبيعي، وتطورت بنوافذها، وشرفاتها وأقواسها التي تطبع العمارة الإسلامية».

منحوتة أحمد قرعلي من مصر (رياض آرت)

«ملتقى طويق للنحت» من مشاريع «الرياض آرت»، والمنحوتات التي ينجزها الفنانون سنة بعد أخرى هي ذخيرة إبداعية ستوزع في أنحاء العاصمة السعودية، بهدف تحويلها إلى متحف مفتوح يضم ألف عمل.


مقالات ذات صلة

أرمن أجوب لتمثيل مصر في «بينالي البندقية 2026»

يوميات الشرق الفنان أرمن أجوب (كريم كادل)

أرمن أجوب لتمثيل مصر في «بينالي البندقية 2026»

يُقدّم معرض الفنان في الجناح المصري تصوراً للفن بوصفه مساحة للصمت والإصغاء والتأمل، ويدعو الزوار للتأمل في تحولات عالمهم الداخلي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق حيوانات تجتذب الصغار (الشرق الأوسط)

غابت الأبقار عن صالون الزراعة في باريس فانخفض عدد الزوار

الإقبال تراجع بنسبة 25 في المائة، على أمل التعويض في الأسبوع الثاني من المعرض...

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق اللون يتقدّم خطوة ثم يترك للأثر أن يكمّل المسار (الشرق الأوسط)

«غابة الحرّية»... مارون الحكيم يرسم إمكان استعادة البداية

التخيُّل عند مارون الحكيم تقنيّة ووعي وإتقان، يمرّ عبر التحكُّم بالسطح وبالصدمة البصرية وبالإيقاع الداخلي للنقاط واللطخات...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)

الإعلان عن موعد الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية

يعود بينالي الفنون الإسلامية في دورته الثالثة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2027 لصالة الحجاج الغربية في مدينة جدة، ليبني على النجاحات التي حقّقها في دورتيه الأولى…

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق إعادة وصل الجمهور بكنوز لم تُرَ من قبل (آرت يو كيه)

مليون عمل... وكنوز الفنّ العام البريطاني لم تُكشف بعد

تتجلَّى مجموعة الفنّ العام في المملكة المتحدة على هيئة عالم ثري ومتنوّع على نحو لافت...

«الشرق الأوسط» (لندن)

صدمة في الوسط الفني بمصر لرحيل الممثلة الشابة إيناس الليثي

المذيعة والممثلة إيناس الليثي (فيسبوك)
المذيعة والممثلة إيناس الليثي (فيسبوك)
TT

صدمة في الوسط الفني بمصر لرحيل الممثلة الشابة إيناس الليثي

المذيعة والممثلة إيناس الليثي (فيسبوك)
المذيعة والممثلة إيناس الليثي (فيسبوك)

تسبَّب خبر رحيل المذيعة والممثلة المصرية الشابة إيناس الليثي في صدمة وحزن داخل الوسط الفني في مصر، وذلك عقب تداول نبأ وفاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، ليتصدر اسمها «الترند» على محرك البحث «غوغل». وشُيِّعت جنازتها من أحد المساجد عقب صلاة عصر السبت في مصر.

ونشر حساب يحمل اسم «سيدات مصر»، على موقع «فيسبوك»، أن الفنانة والمذيعة إيناس الليثي توفيت نتيجة هبوط حاد في الدورة الدموية أثناء نومها، حيث تم نقلها إلى المستشفى، إلا أنها فارقت الحياة.

بدأت إيناس الليثي، التي درست التمثيل أكاديمياً، مشوارها المهني بالعمل مقدمةَ برامج عبر إحدى الإذاعات المحلية، ومن ثَمّ انتقلت إلى العمل مذيعة في قنوات تلفزيونية، وقدمت برامج اجتماعية وطبية، من بينها: «أحسن ناس» و«صحتك بالدنيا» و«جمالك».

واتجهت إيناس الليثي لاحقاً إلى التمثيل، وشاركت في أكثر من عمل درامي، منها: «مملكة يوسف المغربي» و«مدرسة الحب 3»، إلى جانب مشاركاتها في حلقات من برنامج «أسعد الله مساءكم» الذي يقدمه الفنان أكرم حسني، الذي نعاها عبر حسابه الشخصي على موقع «فيسبوك».

كما نعى إيناس الليثي عددٌ من الفنانين في مصر عبر حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، من بينهم زينب العبد التي أعلنت خبر وفاتها بحزن شديد، وتناقلته حسابات أخرى، وكذلك دنيا سامي التي وصفتها بالشخصية الطيبة والحنونة، إضافة إلى هايدي سليم، وتامر فرج، ومروة صبري، ودينا أبو السعود. وكتبت الأخيرة عن علاقتها بالراحلة عبر حسابها على موقع «فيسبوك» قائلة: «تعرفت على إيناس قبل 10 سنوات، وعملنا معاً في قنوات محلية عدة».

المذيعة والممثلة الشابة إيناس الليثي (فيسبوك)

وأضافت دينا أبو السعود: «إيناس من أجمل المذيعات اللاتي عملت معهن، وتمتلك كل الصفات الطيبة. كنا صديقتين داخل العمل وخارجه»، موضحة أن علاقتهما استمرت حتى عام 2023، حين سافرت إيناس الليثي إلى الولايات المتحدة، ليصبح التواصل بينهما أقل.

من جانبه، أكد الكاتب والناقد الفني المصري عماد يسري أن خبر وفاة المذيعة والممثلة الشابة إيناس الليثي تسبب في صدمة كبيرة داخل الوسط الفني، وتحديداً بين زملائها وأصدقائها ومَن عملوا معها خلال مشوارها الفني والإعلامي، مشيراً إلى أن هذه العلاقات المهنية والإنسانية خلّفت مواقف جميلة وذكريات متعددة.

ونوَّه عماد يسري، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بأن تداول خبر رحيلها بكثرة منذ الإعلان عنه يعود إلى غَلَبة الجانب العاطفي لدى الناس في القضايا والمواقف المرتبطة بالزواج والطلاق والوفاة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمشاهير في مختلف المجالات.

ووصف عماد يسري ما كتبه زملاء إيناس الليثي عقب رحيلها بـ«تظاهرة حب»، انتشرت سريعاً على أرض الواقع وعبر منصات التواصل الاجتماعي، بما يدل على بقاء سيرتها الطيبة وجمال أخلاقها، كما عكسته كلماتهم المؤثرة وعدم تصديقهم لرحيلها المفاجئ.


ساشا فايدر: استلهمت فيلم «حين يسقط الضوء» من وفاة أمي

قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)
قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)
TT

ساشا فايدر: استلهمت فيلم «حين يسقط الضوء» من وفاة أمي

قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)
قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)

في فيلمه الروائي الأول «حين يسقط الضوء» يقترب المخرج الألماني ساشا فايدر من أكثر اللحظات إنسانية وهشاشة في حياة أي أسرة، وهي لحظة انتظار الفقد. لا يذهب الفيلم إلى الميلودراما ولا يعتمد على مشاهد صاخبة أو انفعالات حادة، بل يختار منطقة الصمت الذي يسبق الوداع، والإنكار الذي يسبق الاعتراف.

تدور أحداث الفيلم، الذي عرض للمرة الأولى عالمياً ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، في أطراف العاصمة الألمانية، حيث يعيش «إيلاي»، فتى في السادسة عشرة، حياة تبدو عادية في ظاهرها، يعمل في مركز لوجيستي، يؤدي خدمة مجتمعية، يلتقي أصدقاءه عند البحيرة، ويتصرف كما لو أن العالم يسير بإيقاعه الطبيعي، لكن داخل البيت، هناك زمن آخر، والدته «ماريا» ترقد في أيامها الأخيرة، جسدها يضعف بهدوء، بينما يرفض الابن أن يمنح الفكرة اسمها الحقيقي.

الفيلم لا يلاحق المرض بوصفه حدثاً طبياً، بل يلاحق أثره النفسي، «إيلاي» لا يبكي ولا ينهار، بل يتعامل بشكل مغاير، يسهر ليلاً، يتجول في المدينة بلا هدف، كأنه يحاول أن يهرب من جدران البيت التي تذكّره بما يحدث. في لحظة اندفاع، يسرق كلباً في تصرف يبدو عبثياً، لكنه في العمق محاولة للتشبث بالحياة، أو لإثبات أن شيئاً ما زال تحت سيطرته.

ركز العمل على جوانب إنسانية عدة - الشر(الشركة المنتجة)

لا يقتصر البناء الدرامي على علاقة الأم بابنها، بل يمنح مساحة شديدة الأهمية لشخصية «آنا»، الممرضة المكسيكية التي تتولى رعاية ماريا في أيامها الأخيرة، فهي عنصر توازن إنساني بين طرفين يتعاملان مع الموت بطريقتين متناقضتين.

«ماريا» تقترب من النهاية بهدوء مستسلم، و«إيلاي» يهرب منها بإنكار صامت، بينما تقف «آنا» في المنتصف، تعرف الحقيقة، تعترف بها، لكنها تحاول أن تجعلها أقل قسوة، فهي الشاهد الأكثر قرباً على التحول البطيء في الجسد، وعلى التصدع الذي يصيب الابن من الداخل.

يقول المخرج الألماني ساشا فايدر لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة الفيلم انطلقت من تجربة شخصية، بعد وفاة والدته التي كانت لحظة فاصلة في حياته، لكنها لم تتحول إلى حكاية مباشرة على الشاشة، مشيراً إلى أن ما شغله لم يكن حدث الرحيل ذاته، بل الأيام التي سبقته، حين يعيش الإنسان بين تصديق الحقيقة ورفضها في الوقت نفسه.

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

وأوضح أن فقدان والدته جعله يعيد التفكير في معنى الزمن، لأن الساعات الأخيرة لا تُقاس بالدقائق، بل بثقلها العاطفي، معتبراً أن أصعب ما مرَّ به لم يكن إعلان الوفاة، بل الشعور بالعجز أمام معاناة شخص يحبه، وهو إحساس حاول أن ينقله إلى شخصية «إيلاي» من دون مبالغة أو خطاب مباشر.

وأضاف أن الإنكار في الفيلم ليس موقفاً فكرياً، بل رد فعل إنساني غريزي، لأن كثيرين، خاصة في سن المراهقة، لا يعرفون كيف يواجهون فكرة الفقد، فيختارون الهروب أو التصرف بعدوانية صامتة، مشيراً إلى أن «إيلاي» لا يرفض أمه، بل يرفض فكرة غيابها، ولهذا يتمسك بإيمانه بأن الموت ليس نهاية حاسمة.

وفاة والدة المخرج سبب إلهامه بفكرة العمل (الشركة المنتجة)

وأشار فايدر إلى أنه تعمَّد الابتعاد عن المشاهد العاطفية التقليدية، لأن الحزن الحقيقي غالباً ما يكون هادئاً وأكثر اللحظات صدقاً في حياته لم تكن تلك التي انفجر فيها بالبكاء، بل تلك التي شعر فيها بفراغ داخلي عميق، لا يجد له تفسيراً. لذلك ترك مساحات واسعة للصمت في الفيلم، معتبراً أن الصمت أحياناً أبلغ من أي حوار.

وتحدث المخرج عن علاقته بوالدته، قائلاً إنها «لم تكن فقط مصدر إلهام، بل كانت سبباً في إعادة صياغة نظرته إلى الحياة»، لافتاً إلى أن السينما منحته فرصة لفهم مشاعره بدلاً من الهروب منها، وأن «حين يسقط الضوء» هو محاولة لمصالحة داخلية أكثر منه استعادة لذكرى شخصية.

يؤكد ساشا فايدر أن العمل مع ممثلين غير محترفين كان أحد أكبر التحديات في فيلمه، إذ يعتمد بشكل أساسي على اختيار وجوه من الشارع بدلاً من الأسماء المعروفة، وهي عملية لا تتم بسرعة، بل تمتد لما يقارب سنة ونصف إلى عامين، وتتطلب قدراً كبيراً من الصبر والمثابرة.

المخرج الألماني (مهرجان برلين)

ويشير فايدر إلى أن اختيار الممثلين يتم عبر عملية منظمة تشمل تجارب أداء وبروفات متعددة، إلى جانب فريق متخصص في البحث عن مواهب جديدة في أماكن مختلفة، من الشارع إلى المؤسسات مثل المستشفيات، حيث تم اختيار إحدى المشاركات في الفيلم. بعد ذلك يخضع المتقدمون لاختبارات وتدريبات قبل أن يُحسم القرار النهائي بناء على مدى الانسجام بينهم وقدرتهم على الاندماج في العالم الذي يبنيه الفيلم، وهو مسار يتطلب دقة وحساسية كبيرة في التعامل مع أشخاص يخوضون تجربتهم التمثيلية الأولى.


خالد سرحان: «المداح 6» ملحمة درامية مليئة بالأحداث

خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)
خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)
TT

خالد سرحان: «المداح 6» ملحمة درامية مليئة بالأحداث

خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)
خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)

أكد الممثل المصري، خالد سرحان، أن وجوده في الدراما الرمضانية بتجربتين مختلفتين أمر لم يكن مخططاً له في البداية، لكنه جاء بالمصادفة، لحماسه للمشاركة في «المداح 6»، و«وننسى اللي كان»، مع اختلاف طبيعة الدورين اللذين يقدمهما.

وعن مشاركته في مسلسل «وننسى اللي كان»، قال خالد سرحان، لـ«الشرق الأوسط»، إن «العمل عُرِض عليَّ من السيناريست عمرو محمود ياسين، الذي أحب الاشتراك في التجارب التي يكتبها، كما اشتركتُ من قبل مع ياسمين عبد العزيز في عدة أعمال بين السينما والتلفزيون، وتربطنا نجاحات متميزة».

وأضاف أن «ياسمين ممثلة محترفة، ولديها حضور جماهيري كبير بالعالم العربي، والتمثيل أمامها يكون فرصة لتقديم تجربة متماسكة فنيّاً، وهو ما يعززه وجود المخرج محمد الخبيري الذي يمتلك رؤية إخراجية واعية للتعامل مع سيناريو العمل».

وأوضح أنه وجد في المسلسل تجربة درامية تتوفَّر فيها عناصر النجاح، على جميع المستويات منذ قراءة السيناريو للمرة الأولى، مشيراً إلى أن شخصية شاهر الجبالي التي يقدمها من الأدوار المركَّبة التي جلس للنقاش بشأنها مع المؤلف.

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

وأضاف أنه حاول العمل على الدور من عدة جوانب، بهدف إبراز سلسلة من الصراعات النفسية والمهنية المعقدة التي يمر بها في حياته وتنعكس على تصرفاته وسلوكياته بشكل واضح، لافتاً إلى أن الدور بعيد عن التصنيف التقليدي للشر أو الخير، لكونه يتحرك بدوافع إنسانية متناقضة تتقاطع فيها الرغبة في السيطرة مع الخوف من الخسارة والانكسار.

وأكد أنه كان حريصاً على التحضير للدور من الناحية الجسدية، بما يتناسب مع طبيعته، مما دفعه لاتباع حمية غذائية، وإنقاص وزنه، لكونه يرتدي بدلة رسمية، ويظهر في مناسبات اجتماعية وفنية عدة، بجانب العمل على فهم الدوافع الموجودة لدى الشخصية للقرارات التي يتخذها حتى يقدمها، حتى لو كان غير مقتنع على المستوى الشخصي بالمبررات التي تسوقها لنفسها.

وحول المشاهد الصعبة في التصوير، قال خالد سرحان إن «العمل مليء بالمشاهد المهمة التي تشكل محوراً مهمّاً في الأحداث، لكن المناقشات التي سبقت التصوير وروح التفاهم والتناغم بين فريق العمل ساعدت على التعامل مع جميع الصعوبات بشكل سهل، حتى مع استمرار التصوير لساعات طويلة يومياً».

ولفت إلى أنه، بالرغم من كون العمل سيعرض في 30 حلقة، فإن الأحداث مليئة بالمفاجآت التي ستظهر تباعاً، مع تصاعد درامي لن يجعل المشاهد يشعر بالملل، مؤكداً أن «الواقعية والمحافظة على الإيقاع اللذين تميز بهما السيناريو من أهم نقاط قوة العمل»، على حد تعبيره.

الملصق الترويجي لمسلسل «المداح 6 » (حسابه على «فيسبوك»)

وقال خالد إن وجوده في «المداح 6» أمر طبيعي لاستكمال دور «حسن» الذي يعتز به كثيراً، وبالنجاح الذي حققه في الأجزاء السابقة مع الجمهور، لكن هذه المرة التحولات الحادة التي يمر بها، والتي ستتصاعد خلال الحلقات المقبلة تحمل كثيراً من المفاجآت.

وأضاف أن فريق كتابة العمل نجح في تقديم «ملحمة درامية» متميزة فنياً، عبر التطرق إلى مساحات مختلفة درامياً، وتكثيف للأحداث وتناول عميق، وهو أمر جعله لا يشعر بالتردد في الموافقة على استكمال الدور بعد الإعلان عن تقديم الجزء الجديد.

وأوضح أن «من أسباب تميُّز الجزء السادس التصاعد الدرامي الذي كتب به السيناريو، والتصرف في الأحداث بناء على تراكمات الأجزاء السابقة، مع إدراك عمق التفاصيل في كل دور، وعودة شخصيات مؤثرة، على غرار دور (سميح) الذي يقدمه فتحي عبد الوهاب، وشكّل نقطة قوة مؤثرة في العمل».

وفسَّر خالد سرحان تعاطف الجمهور مع شخصية «حسن»، لكون الأمر مرتبطاً بتركيبته الإنسانية الملتبسة، وباعتباره شخصاً مأزوماً ويعيش صراعات إنسانية داخلية تصل لدرجة التناقض، وهو ما يجعله قريباً من الجمهور.