«ملتقى طويق للنحت» حين يتهيأ الغرانيت للرقص

فنانوه منشغلون بـ«فن العمارة» و«المستقبل»

اجتمع لملتقى طويق للنحت في دورته الخامسة 30 نحاتاً من عشرين دولة (رياض آرت)
اجتمع لملتقى طويق للنحت في دورته الخامسة 30 نحاتاً من عشرين دولة (رياض آرت)
TT

«ملتقى طويق للنحت» حين يتهيأ الغرانيت للرقص

اجتمع لملتقى طويق للنحت في دورته الخامسة 30 نحاتاً من عشرين دولة (رياض آرت)
اجتمع لملتقى طويق للنحت في دورته الخامسة 30 نحاتاً من عشرين دولة (رياض آرت)

لا يخفي النحات البولندي بيوتر غرغاس أن مغادرته السعودية بعد إقامة قاربت الشهر تصيبه بالحزن، فإضافة إلى الحفاوة، والشمس المشرقة التي يفتقدها في بلاده، ثمة دفء في العلاقات الإنسانية انعكس على أعمال الفنانين الأجانب الذين يستقبلهم «ملتقى طويق للنحت» في دورته الخامسة. هؤلاء طوال 23 يوماً تقاسموا مع الفنانين السعوديين والعرب يومياتهم، ونحتوا أعمالهم في سباق مع الزمن لوضع لمساتهم الأخيرة عليها، قبل يوم الافتتاح، في الثامن من فبراير (شباط) الماضي.

اجتمع لملتقى طويق للنحت في دورته الخامسة 30 نحاتاً من عشرين دولة (رياض آرت)

هي السنة الخامسة إذن لهذا الملتقى الذي اجتمع له هذه السنة ثلاثون نحاتاً من عشرين دولة، ثلثهم من السعودية. تم اختيار الفنانين من بين 650 نحاتاً، من 84 دولة، تقدموا للمشاركة. اللجنة بحسب الدكتور فهد الجبرين، وهو قيم فني لطويق للنحت، كانت لها معاييرها الفنية التي اختارت تبعها النحاتين، وفقاً للمشاريع التي تقدموا بها، ومساراتهم الفنية التجديدية.

البولندي بيوتر غرغاس: الميل إلى التحدي

عنوان الدورة الحالية هو «أبعاد الحركة». ثيمة، بمثابة تحدٍ لأي عمل نحتي. البولندي غرغاس، الذي له باع في الشغل على انسيابية الجسد، أنجز هذه المرة عملاً تجريدياً، فيه لمسة أنثوية، وكأنه في منحنياته، والتفافاته، جعل الحجر يبدو كأنه يتهيأً للرقص. يمرر غرغاس يده على منحوتته بنعومة، وهو يحدثنا ويقول: «لقد أحببتها كثيراً». الميل إلى التحدي نراه أيضاً في عمل الفنانة التركية كانان زونقور التي نحتت ما يشبه شريط هدايا يلتف صعوداً وهبوطاً ليشكل ربطة غالباً ما تعقد من القماش لا من مادة صلبة كالحجر. الفنانة تقول إنها بمنحوتتها هذه تجسد «خط الحياة، الذي له طرفان، البداية والنهاية، وما بينهما منحنيات وعقد». للفنانين أن يقولوا ما يريدون لكنهم هنا في هذا الملتقى، خاضوا جميعهم صراعاً مع حجر الغرانيت الصلب لتطويعه، وجعله لدناً بين أيديهم، وفق عنوان مشترك، لكنهم توصلوا، في النهاية إلى نتائج متنوعة للغاية، تنوع الخلفية التي أتى منها كل منهم.

النحاتة التركية كانان زونقور مع عملها رقصة الحجر

جورج بدوي: المنحنيات الرحمية

تزداد صعوبة تطويع الحجر، حين يقرر فنان مثل السوري جورج بدوي المقيم في السويد، تقديم فكرة «الاحتواء» بمنحنياتها الرحمية على شكل بوابة بارتفاع 4 أمتار، لها قنطرة كأنما شقت من أعلاها إلى قسمين. «هما وجها رجل وامرأة يتقابلان عند النقطة العلوية للقنطرة لهذا أردتهما بلونين مختلفين، وحجر أحدهما أكثر لمعاناً ونعومة من الآخر». حياته في السويد وبلدان أخرى لم تفقد الفنان روحه الحلبية. «في تلك المدينة التي يجتمع فيها مهاجرون من مختلف الأطياف، سريان أكراد، أرمن، وغيرهم، عشت مع عائلتي المهاجرة من حمص. من يومها وفكرة اللقاء تستهويني، والتعايش يأسرني».

جورج بدوي مع منحوتته المسار (رياض آرت)

بمقدورك أن تصعد إلى منحوتة جورج بدوي ببضع درجات، لتقف بين الوجهين المتقابلين، وترى أن بوابته لا تشبه في أي حال بوابة اليوناني فاسيليس فاسيلي التي يعتليها الزائر بدرجات أيضاً لكن خطوطها مستقيمة، وإن اعتمدت الرأس المنحني. هي «مدخل إلى الأمل والصعود والتوق إلى الأعلى والتطلع للمستقبل».

الألماني كلاوس هانسيكر: المستقبل أراه هنا

تشجيع المتفرج على التفاعل مع المنحوتة، تسلقها، لمسها، ارتقاء درجاتها، هو مبتغى العديد من الفنانين. أما الغد فيشغل غالبية نحاتي الملتقى الذين تنتصب أعمالهم في واجهة روشن، في الرياض، وستبقى مزاراً لمحبي الفن حتى الرابع والعشرين من الحالي، وبينهم الفنان الألماني كلاوس هانسيكر الذي نحت ثلاثة مثلثات تصطف على خط منحنى يشكل ثلث دائرة كالهلال. المثلث الأول الذي يطل برأسه من أعلى يرمز للمستقبل، وفي الوسط الحاضر وقبله الماضي. «الدائرة هي خط الحياة، لا شيء يأتي من لا شيء، والأشكال الهندسية المصطفة عليها تدل على الأزمنة». لا يخفي هانسيكر أن عمله يعبّر عن مخاوفه، إذ يرى أن ألمانيا وهي تهوي سريعاً باتت جزءاً من حركة تغرب، فيما القادم ينبجس هنا، في الرياض. شارك الفنان الألماني في الدورة الأولى للملتقى «وكان حجمه صغيراً ومتواضعاً. أنا مذهول من التحسين السريع، وسد كل ثغرة يشكو منها الفنانون. كل شيء يتطور، مكان العمل، التجهيزات، المعدات، والتنظيم. كل المشكلات تحلّ من دون انتظار. حين أقارن ما أراه هنا بما نعيشه في ألمانيا، لا أجد نفسي متفائلاً بأننا سنستعيد المبادرة قريباً».

نحاتو السعودية يتطلعون إلى «المستقبل» بفرح

عنوانان يمكن اعتبارهما شاغل الفنانين لهذه الدورة، «فن العمارة»، و«المستقبل»، خاصة عند الفنانين السعوديين، المستلهمة أعمالهم من وحي التحولات السريعة في مجتمعهم. وهم متفائلون، ينظرون إلى الآتي، بعين البهجة، يرغبون في أن يكونوا جزءاً من هذه الحيوية النشطة التي تحيطهم.

منحوتة الفنان السعودي طلال الطخيس بعنوان نقطة تقدم (رياض آرت)

تظن عمل النحات طلال الطخيس أنه حرف دبليو بالإنجليزية، لكنه يشرح لنا أنه نحت حركة النقطة باللغة العربية في سقوطها وارتطامها بالأرض، ثم قفزها إلى الأعلى. «هي حركتنا نحن، ووقوعنا في حروب ومن ثم تسلحنا بالعلم والمعرفة لنعود وننهض من جديد. هذا خط الحياة، في السعودية التي كانت قبل مائة سنة صحراء قاحلة، ثم انبجست بقوة. السمبوزيوم بالحجم الذي هو عليه بإمكانياته الوفيرة، ليس موجوداً في أي مكان آخر».

بنفس الروح عمل النحات السعودي محمد بن عبد الرحمن الفارس، الذي اشتغل على مفتاح يعلوه ما يرمز لـ«مبنى المكعب» الذي يشيد في قلب الرياض بعلو 400 متر وبضخامة توازي 20 مرة مبنى «أمباير ستيت» في نيويورك، وسيكون أيقونة معمارية حجازية في الرياض، بفرادة تصميمه.

عمل الفنان السعودي محمد الثقفي (رياض آرت)

أما محمد الثقفي، الذي يشارك للمرة الرابعة في «ملتقى طويق»، فهو أيضاً في عمله ينظر صوب الأفق، مازجاً «الخطوط المستقيمة التي توحي بالقوة في اتخاذ القرارات بالخطوط المنحنية التي تشي بالسلاسة في الحركة، وهذه الكتل المتلاصقة تدل على اللحمة بين أفراد المجتمع في الرياض، للنهوض في المدينة. أما أزهار سعيد التي كانت أول نحاتة سعودية تشارك في «ملتقى طويق» فقد قدّمت هذه المرة خلايا نحل، بأحجام متفاوتة، في إحالة إلى إنتاج العسل في بلادها، ورمزية النحل للدلالة على النشاط والعمل، كما أنها تقصدّت أن تجعل أجزاء عملها ذات جاذبية لتفاعل الجمهور معها.

منحوتة الفنان السعودي طلال الطخيس بعنوان نقطة تقدم (رياض آرت)

«العمارة» في إنسانيتها

بالعودة إلى العمارة فهي في صميم عمل غالينا ستاتكو من كندا، وماكس سيبالد من النمسا وآخرين كثر، بينهم المصري أحمد قرعلي الذي تميز بمنحوتة لافتة، تعكس تصوره «للعمارة العربية لو أنها لم تنقطع عن مسارها الطبيعي، وتطورت بنوافذها، وشرفاتها وأقواسها التي تطبع العمارة الإسلامية».

منحوتة أحمد قرعلي من مصر (رياض آرت)

«ملتقى طويق للنحت» من مشاريع «الرياض آرت»، والمنحوتات التي ينجزها الفنانون سنة بعد أخرى هي ذخيرة إبداعية ستوزع في أنحاء العاصمة السعودية، بهدف تحويلها إلى متحف مفتوح يضم ألف عمل.


مقالات ذات صلة

« لغز مصر» يبرز الحياة اليومية لسكان «المحروسة» في قلب باريس

يوميات الشرق نقل محمد كمال بعدسته صور من مدن مختلفة (تصوير: محمد كمال)

« لغز مصر» يبرز الحياة اليومية لسكان «المحروسة» في قلب باريس

يضم المعرض 22 صورة التقطها كمال وهواري لمختلف المدن المصرية موزعة اليوم في مركز «كاروسيل اللوفر» للتسوق بالقرب من المتحف الفرنسي الشهير.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الفنان أرمن أجوب (كريم كادل)

أرمن أجوب لتمثيل مصر في «بينالي البندقية 2026»

يُقدّم معرض الفنان في الجناح المصري تصوراً للفن بوصفه مساحة للصمت والإصغاء والتأمل، ويدعو الزوار للتأمل في تحولات عالمهم الداخلي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق حيوانات تجتذب الصغار (الشرق الأوسط)

غابت الأبقار عن صالون الزراعة في باريس فانخفض عدد الزوار

الإقبال تراجع بنسبة 25 في المائة، على أمل التعويض في الأسبوع الثاني من المعرض...

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق اللون يتقدّم خطوة ثم يترك للأثر أن يكمّل المسار (الشرق الأوسط)

«غابة الحرّية»... مارون الحكيم يرسم إمكان استعادة البداية

التخيُّل عند مارون الحكيم تقنيّة ووعي وإتقان، يمرّ عبر التحكُّم بالسطح وبالصدمة البصرية وبالإيقاع الداخلي للنقاط واللطخات...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)

الإعلان عن موعد الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية

يعود بينالي الفنون الإسلامية في دورته الثالثة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2027 لصالة الحجاج الغربية في مدينة جدة، ليبني على النجاحات التي حقّقها في دورتيه الأولى…

«الشرق الأوسط» (جدة)

مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
TT

مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)

أكدت وزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة جيهان زكي، أن الوزارة بصدد تنفيذ استراتيجية متعددة الأبعاد لنشر الثقافة والوعي والفنون والاحتفاء بالرموز الوطنية وبالمبدعين المصريين في كل أنحاء العالم.

وقالت خلال لقائها، رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، الاثنين، إن من ضمن خطة الوزارة أنه سيتم إطلاق منصة موحدة لمتاحف رموز الدولة المصرية؛ للتعريف بمسيرة تلك الرموز عبر أشكال رقمية لافتة، مثل «الريلز» وغيرها من داخل تلك المتاحف، بشكل رقمي جاذب للأجيال المُستهدفة، بالإضافة إلى تنظيم رحلات للمدارس والجامعات إلى تلك المتاحف لربط الأجيال بالرموز الوطنية، والترويج لزيارتها من خلال برامج مع وزارة السياحة، وتنفيذ برامج أخرى لتسويق التراث الوطني.

ومن المتاحف التي تخص رموزاً وطنية في مجالات شتى وتابعة لوزارة الثقافة، متحف سعد زغلول «المركز الثقافي بيت الأمة» ومتحف «رامتان» منزل «عميد الأدب العربي» طه حسين، ومتحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» ومتحف محمود مختار، ومتحف أم كلثوم ومتحف محمد عبد الوهاب.

وترتكز خطة الوزارة خلال الفترة المقبلة على ثلاثة أبعاد، هي «البعد الاجتماعي» ويستهدف تحقيق العدالة الثقافية وضمان الثقافة بصفتها حقاً للجميع، ثم «البعد الوطني»، ويسعى لضمان الأمن الثقافي عبر حماية الهوية والوعي، وأخيراً «البعد الحضاري»، ويرمي إلى تمكين المبدعين ونشر الإبداع في مصر، وفق بيان لرئاسة الوزراء، الاثنين.

ويستند البعد الاجتماعي إلى إرساء مبدأ العدالة الثقافية، وأكدت الوزيرة أنه من المخطط البدء الفوري في تطوير 30 قصر ثقافة في محافظات عدة، وذلك مرحلة أولى خلال 12 شهراً، وفق خطة تستهدف رفع جودة الخدمات الثقافية المُقدمة في القصور المطورة وزيادة إقبال المواطنين عليها.

وزيرة الثقافة خلال عرض خطة عمل الوزارة بمجلس الوزراء (رئاسة مجلس الوزراء)

بينما يهدف البعد الوطني إلى إنشاء برنامج متخصص لجيلَي «زد وألفا» يجمع بين التكنولوجيا والتراث المصري عبر تطبيقات تفاعلية وألعاب تعليمية ورحلات ثقافية، مع دمج المحتوى الثقافي المصري الأصيل في مناهج التعليم الأساسي لجميع المراحل لتعريف الأجيال بهويتهم وتراثهم.

ويتخذ البعد الحضاري شعار «مصر تبدع للعالم»، ويستهدف الاحتفاء بالمبدعين المصريين في كل مجالات الفنون والثقافة في أنحاء العالم، من خلال إنشاء استوديو مصر الرقمي ليكون مركز إنتاج رقمي متكاملاً لإنتاج محتوى مصري عالي المستوى يحكي قصة مصر للعالم بلغة العصر، بالإضافة إلى إنشاء برنامج التصدير الثقافي المصري، وبناء شراكة بين متاحف مصر الفنية وعواصم العالم لعرض قطع فنية للتعريف بالفنون المصرية والمبدعين المصريين.

وعرضت وزيرة الثقافة آليات تنفيذ محاور العمل المُستهدفة، سعياً لبناء منظومة ثقافية متكاملة، مشيرة إلى أن محور «الرقمنة» يشغل اهتماماً كبيراً ضمن أجندة عمل الوزارة، حيث تعدّه عصب منظومة الثقافة المصرية، وأنه لم يعد اختياراً، حيث تستهدف «الثقافة» بناء المنصة الثقافية الموحدة منصةً واحدة تجمع كل المبادرات الثقافية المصرية، مع السعي للوصول إلى عدد أكبر من المستفيدين لتحقيق الأهداف المرجوة.


مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
TT

مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)

ضمن ديكورات تتنقّل مشاهدها بين ثلاثة فضاءات مختلفة، تدور أحداث مسرحية «كذبة بيضا» (Mensonge blanc)، من تأليف ألكسندر نجار، وإخراج لينا أبيض، وبطولة أنطوني توما. تتوزّع هذه الفضاءات بين منزل عائلي، وثكنة لمقاتلين في ميليشيا، وخطوط تماس تفصل بين مناطق المدينة الواحدة، لتشكّل مشهداً بصرياً درامياً يعكس انقسام الشخصيات وتقلّباتها الداخلية.

مسرحية «كذبة بيضا» على مسرح مونو (الفنانة جوزيان بولس)

يبدأ عرض المسرحية في 5 مارس (آذار) على خشبة «مونو» في بيروت، وتروي حكاية شاب لبناني أراد الالتحاق بميليشيا مسلَّحة أسوة بأصدقائه، فيقرّر أهله إرساله إلى اسكوتلندا لإبعاده عن أجواء الحرب الأهلية في السبعينات.

يوصل الأهل ابنهم إلى مطار بيروت مطمئنين إلى أنه متجه نحو بلد ينعم بالسلام، لكن الشاب يعود سريعاً لينخرط مع أصدقائه في ثكنة للمقاتلين في منطقة السوديكو، ويخوض تجربة قاسية تستمر 6 أشهر تترك أثرها في مسيرته الحياتية.

وتوضح المخرجة لينا أبيض لـ«الشرق الأوسط» أن القصة حقيقية وصلت إلى مسامع المؤلف ألكسندر نجار، فتأثر بها وكتبها، مشيرة إلى أن الوجهة الأصلية للشاب كانت رومانيا، ومنها ولدت فكرة العمل في استعادة لحقبة عاشها اللبنانيون.

تدور المسرحية في حقبة الحرب الأهلية في السبعينات (الفنانة جوزيان بولس)

يشارك في المسرحية، إلى جانب أنطوني توما، 9 ممثلين منهم جو أبي عاد، وجلال الشعر، وغاييل عايلة، وجاك مارون، وعلي بليبل، وجوزيان بولس. وتُقدَّم باللغتين العربية والفرنسية، في انعكاس لأسلوب اللبنانيين في المزج بينهما، مع ترجمة متبادلة للحوار تُعرض على شاشة عملاقة أثناء العرض.

وعن سبب التسمية، تشرح لينا أن الشاب حين عاد إلى بيروت مخالفاً قرار أهله، بدأ يتساءل إن كان قد ارتكب خطأً وكذب عليهم، قبل أن تصف ممرضة فرنسية في الثكنة ما فعله بأنه «كذبة بيضاء»، وهو ما يفتح باباً لصراع داخلي وأسئلة وجودية.

تحمل المسرحية أبعاداً سياسية واجتماعية وفلسفية، وتطرح موضوع العلاقة بين الأهل والأبناء وفرض القرارات عليهم. وتستطرد لينا أبيض قائلة: «كان الشاب يحلم باحتراف الغناء، بينما أراد والده له مساراً مهنياً مختلفاً، رافضاً دخوله المجال الفني». وتشير لينا إلى أن العمل، رغم استعادته أحداث منتصف السبعينات، فإنه يعكس واقعاً لا تزال آثاره حاضرة اليوم، حيث تستمر التعقيدات السياسية وتبعات الحرب في حياة اللبنانيين.

وتؤكد أن الفكرة الأساسية تتمحور حول العلاقة بين الأجيال، وكيف يرث الأبناء أفكار ذويهم من دون مساحة كافية للاختيار أو الاعتراض، في دوامة تتكرر من جيل إلى آخر.

يتضمن العرض عناصر فنية متعددة، بينها الغناء، والموسيقى، وديكورات ذات حضور بصري لافت، إذ يؤدي أنطوني توما عدداً من الأغنيات، محققاً رمزياً حلم الشخصية التي حُرمت من ممارسة شغفها الفني.

الفنان أنطوني توما بطل العمل (الفنانة جوزيان بولس)

وترى لينا أن كل مشاهد سيتلقى العمل من زاويته الخاصة؛ فقد يدرك الأهل أخطاءهم، بينما يكتشف الشباب أهمية اتخاذ قراراتهم بأنفسهم، مؤكدة أن المسرحية تسعى إلى تعزيز التفاهم بين الأجيال من دون إصدار أحكام أو توجيه نقد مباشر.

كما يضم العمل ممثلين من أعمار مختلفة، من العشرينات حتى الستينات، لتقديم نماذج تمثِّل أجيالاً متعددة، مما يضفي على العرض نضجاً فنياً وإنسانياً. ويستغرق عرض المسرحية نحو ساعة، وهي، بحسب مخرجتها، «مسلية وفلسفية في آن واحد».


وفاء عامر: «الست موناليزا» يسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها

الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
TT

وفاء عامر: «الست موناليزا» يسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها

الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)

قالت الممثلة المصرية وفاء عامر، إن مسلسل «الست موناليزا» منذ حلقاته الأولى لم يكن يعتمد على الصدمات السريعة أو المفاجآت، بقدر ما كان يبني توتره بهدوء وثقة، عبر تفاصيل صغيرة تتراكم تدريجياً حتى تصل إلى لحظة فارقة تغيّر مسار الحكاية بالكامل، مؤكدة أن هذا النفس الدرامي الطويل هو ما جذبها إلى العمل وجعلها تتحمس للمشاركة فيه؛ لأنها شعرت بأن النص يراهن على وعي المشاهد وصبره، وليس على إبهاره اللحظي فقط.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن التحولات التي شهدتها شخصية «عفاف» في الحلقات التي أُذيعت لم تكن انقلاباً مفاجئاً أو تغييراً مصطنعاً لخلق الإثارة، بل نتيجة طبيعية لمسار درامي محسوب بدقة شديدة، موضحة أنها حين قرأت السيناريو أدركت أن الشخصية ستسير في هذا الاتجاه، حتى وإن ظهر في البداية أنها امرأة بسيطة، حنونة، قريبة من الجميع، تحمل ملامح الطيبة والتلقائية.

وأشارت إلى أن هذا الهدوء الظاهري كان يخفي خلفه طبقات أعمق، وأن «عفاف» منذ ظهورها الأول كانت تحمل بذور تحوّلها، لكن هذه البذور احتاجت وقتاً كي تنبت أمام أعين الجمهور، وهو ما حدث في أحدث الحلقات.

ويدور العمل حول شخصية «موناليزا» التي تجسدها مي عمر، والتي تعاني من زواج فاشل مرتبط بشروط صعبة، وتمر بسلسلة من المواقف المعقدة مع شخصيات متنوعة في محيط العائلة والأصدقاء، وبعد الانفصال تحاول إعادة بناء ذاتها.

وتتوقف وفاء عند فكرة أن «الدراما لا تقدم أسوأ ما في المجتمع» كما يظن البعض، بل تسلط الضوء على مناطق مسكوت عنها، معتبرة أن وظيفة الفن هي التنبيه، لا الإدانة فقط. فحين تعرض الدراما بوادر أزمة أو أعراض خلل نفسي أو اجتماعي، فإنها تمنح المشاهد فرصة للفهم والانتباه، وربما التصحيح.

راهنت وفاء عامر على تأثير دورها في الأحداث (صفحتها على «فيسبوك»)

وتؤكد أن شخصية «عفاف» تنتمي إلى هذا النوع من الشخصيات المركبة، التي تحمل داخلها صراعات لا يراها المحيطون بها بسهولة، لافتة إلى أنها تناقشت مع المؤلف والمخرج في الكثير من التفاصيل حول خلفياتها وطريقة التعامل معها.

وأوضحت أن أكثر ما أسعدها بعد عرض الحلقات هو أن عدداً كبيراً من المشاهدين عادوا إلى الحلقات الأولى ليتأملوا التفاصيل من جديد، فاكتشفوا أن الإشارات كانت موجودة منذ البداية، سواء في نظرة عابرة، أو جملة قصيرة بدت عادية في سياقها، لكنها حملت دلالة مختلفة بعد اكتمال الصورة.

وأكدت أن تعاونها مع المؤلف محمد سيد بشير كان سبباً أساسياً في حماسها للتجربة؛ لكونه كاتباً يؤمن بالشخصيات التي لا تُختصر في صفة واحدة، ولا يُحكم عليها من مشهد أو موقف، لافتة إلى أنه يجيد توزيع المفاجآت على امتداد الحلقات، بحيث لا يشعر المشاهد بقطيعة مفاجئة في تطور الشخصية.

أما عن تعاونها مع مي عمر، فأكدت أنها وجدت فيها ممثلة مجتهدة تحب عملها بصدق وتسعى دائماً إلى تطوير أدواتها، لافتة إلى أنها تواصلت معها فور قراءة السيناريو لتعبّر عن إعجابها بالشخصية التي تقدمها، وشعورها بأنها تناسبها للغاية، مشيرة إلى أن العلاقة بينهما على المستوى الإنساني انعكست بشكل واضح على الشاشة.

وقالت إن «الكيمياء بين الممثلين لا تُصنع فقط أمام الكاميرا، بل تبدأ من الاحترام المتبادل والثقة، وهو ما شعرت به منذ الأيام الأولى للتصوير»، معتبرة أن هذا التفاهم ساعدهما على تقديم مشاهد تعتمد على شدّ نفسي وتوتر داخلي أكثر من اعتمادها على المواجهات الصريحة.

وعلّقت على ما يُثار أحياناً عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن مي عمر، معتبرة أن «الجدل في حد ذاته دليل حضور وتأثير، وأن الفنان الذي لا يُثار حوله نقاش قد يكون بعيداً عن دائرة الضوء، في حين أن الجدل يعكس اهتمام الجمهور وترقبه، لكن الأهم في النهاية هو الاستمرار في العمل والاجتهاد وتقديم اختيارات متنوعة»، ومؤكدة أنها على المستوى الشخصي تحب متابعة أعمال مي عمر وتشاهدها كممثلة قبل أن تكون زميلة.

وفاء عامر تحدثت عن دورها في «الست موناليزا» (صفحتها على «فيسبوك»)

وتطرقت وفاء عامر إلى فكرة التنقل بين البطولة المطلقة والأدوار الرئيسية داخل الأعمال الفنية، معتبرة أن هذا الأمر بالنسبة لها مرتبط بالاختيارات الفنية وليس بحسابات المساحة أو عدد المشاهد.

وقالت: «لا أنظر إلى حجم الدور بقدر ما أنظر إلى تأثيره في البناء الكلي للعمل»، مشيرة إلى أن الشخصية التي تُحدث تحولاً في مسار الحكاية قد تكون أكثر أهمية من شخصية حاضرة في كل المشاهد بلا تأثير حقيقي.

وأشارت إلى أن هذا المفهوم يتجلى بوضوح في «الست موناليزا»؛ فشخصية «عفاف» رغم أنها ليست محور الحكاية الوحيد، فإن وجودها كان عنصراً مفصلياً في تغيير مسار العلاقات والصراعات بين الشخصيات. فبمجرد انكشاف دوافعها الحقيقية، أعادت ترتيب موازين القوى داخل العمل، ودفعت شخصيات أخرى إلى اتخاذ قرارات مصيرية، وهو ما تعتبره جوهر البطولة من وجهة نظرها.

وأضافت أن الفنان الحقيقي يجب أن يملك شجاعة التنقل بين المساحات المختلفة؛ لأن البطولة في رأيها ليست لقباً ثابتاً يُعلّق على «الأفيش»، بل حالة درامية تتحقق حين تكون الشخصية مكتوبة بعمق ومؤثرة في مجرى الأحداث. وأكدت أن هذا الوعي بات يحكم اختياراتها في السنوات الأخيرة؛ إذ تسعى إلى أدوار تضيف إلى رصيدها مناطق جديدة وتكشف جوانب لم تقدمها من قبل، بدلاً من تكرار أنماط نجحت سابقاً، لكنها لم تعد تشبع طموحها الفني.

وفي الختام عدّت وفاء عامر مسلسل «الست موناليزا» تجربة تعتز بها، ليس فقط بسبب ردود الفعل الإيجابية التي تلقتها؛ بل لأن شخصية «عفاف» منحتها مساحة تمثيلية ثرية، جمعت بين الهدوء الظاهري والعاصفة الداخلية.