14 ثنائياً عربياً خلّدوا الحبّ فناً وعشقاً

14 ثنائياً عربياً خلّدوا الحبّ فناً وعشقاً
TT

14 ثنائياً عربياً خلّدوا الحبّ فناً وعشقاً

14 ثنائياً عربياً خلّدوا الحبّ فناً وعشقاً

قلّما تُكتب النهايات السعيدة لقصص الحب التي يعيشها المشاهير. لكن مهما اختلف المشهد الأخير، فإنّ بعض تلك الحكايات دخل تاريخ العشق واستقرّ هناك إلى الأبد.

«وردة بليغ»

«لا الزمان ولا المكان» استطاع أن يقلب الصفحة على كتاب حب وردة وبليغ حمدي. منذ اللحظة التي شاهدت فيها الشابة الجزائرية فيلم «الوسادة الخالية» عام 1957، استشعرت بأنّ صاحب لحن أغنية «تخونوه» لن يكون عابراً في حياتها.

انقضت 5 سنوات قبل أن يحصل اللقاء الأول في مصر، فخفق القلبان وجمعتهما الأغاني، لكن لم يجمعهما بيتٌ واحد بعد أن رفض والد وردة طلب بليغ يد ابنته.

المطربة وردة الجزائريّة والملحّن بليغ حمدي

فرّقتهما السنوات وزواج وردة في الجزائر، فامتدّ صوت أم كلثوم بينهما جسرَ شوق من خلال «بعيد عنك»، «فات الميعاد» وغيرها من الأعمال التي لحّنها حمدي.

نداء الفن والحب دفع بوردة إلى الانفصال عن زوجها الأول والعودة إلى مصر على إيقاع ألحان بليغ مثل «العيون السود»، و«خلّيك هنا». وتوّج النجاحَ الفني زواجٌ استمرّ 6 سنوات (1973 – 1979)، عطّره بليغ بباقات الورد التي كانت تصل إلى وردة كل يومٍ من أيام الزواج.

لم يعوّض عطر الورد غياب بليغ وطباعه «البوهيميّة» التي لم تستطع وردة التعايش معها، فحصل الطلاق. غير أنّ «وردة بليغ» لم تتوقّف يوماً عن غناء ألحانه، وهي رافقت نفسه الأخير صادحةً «بودّعك الله معك».

أرشيف مطرّز بالحب... والحزن

سيّدة القلعة الرحبانيّة وملكة قلب عاصي... نهاد حدّاد التي صارت فيروز، والتي بصوتها اكتملت عبقريّة الموسيقار اللبنانيّ.

تعارفا في الإذاعة اللبنانية عام 1949 وهي كانت بعدُ «فتاة كورال». التمسَ في حسّها الكثير من الفن والحبّ، فقرر أن يجعل منها نجمة موسيقاه وبيته. كانت فيروز في الـ22 وعاصي الرحباني في الـ33 يوم تزوّجا عام 1955.

زفاف فيروز وعاصي الرحباني عام 1955

أثمر هذا الارتباط 4 أولاد وعشرات الأغاني والمسرحيات الخالدة، غير أنّ اليوميات بين عاصي وفيروز لم تكن بالقدر ذاته من السحر والحلم الذي طبع أغانيهما. في الواقع ووفق ما ردّدت الفنانة اللبنانية، فإنّ «عاصي كان ديكتاتورا ومتقلّبا وقاسيا وصعب الإرضاء في العمل»، وقد انعكس ذلك سلباً على العلاقة الزوجيّة التي انتهت بالانفصال.

رغم ذلك، فإنّ أسطورة فيروز وعاصي مقيمة في الذاكرة الجماعيّة العربيّة، وفي الأرشيف المطرّز بالحب الذي تركاه لأجيالٍ وأجيال.

انتهت العلاقة بين فيروز وعاصي بالفراق، لكنهما انحفرا ثنائياً أسطورياً في الذاكرة الجماعية العربية

حتى المشهد الأخير

من قلب معاناته مع مرض ألزهايمر، لم ينسَ عمر الشريف حبّه الأوحد وظلّ يردّد اسم «فاتن» حتى النفس الأخير.

منذ القبلة الأولى بينهما في فيلم «صراع في الوادي» عام 1954، أيقن الممثل المبتدئ ميشال شلهوب أنّ جميلة الشاشة العربية فاتن حمامة ستلعب دور البطولة في حياته. من أجلها أشهرَ إسلامه وغيّر اسمَه، فتزوّجا سنة 1955 ورُزقا بولد.

الممثلان عمر الشريف وفاتن حمامة

جمعتهما أفلام كثيرة مثل «أيامنا الحلوة»، و«لا أنام»، و«سيدة القصر»، و«نهر الحب». لكن مع دخول الشريف العالمية وكثرة رحلاته وغيابه الطويل عن المنزل، تفاقمت الخلافات بينهما ما أدّى إلى القضاء على زواجهما عام 1966، ليتمّ الطلاق بعد 8 سنوات.

عام 1975، تزوّجت حمامة أما هو فلم يرتبط بعد ذلك، وكان يقول: «ما عرفتش أعيش مع واحدة تانية من بعديها».

تُوّجت قصة الحب التاريخية تلك بصُدفةٍ مؤثّرة، إذ توفّي الشريف وحمامة في السنة ذاتها (2015) بفارق أشهر قليلة.

بقي عمر الشريف يردد اسم «فاتن» حتى أيامه الأخيرة عام 2015 رغم معاناته ألزهايمر

ليلى لم يكن قلبها دليلها

صحيح أن القصة التي جمعت بين ليلى مراد وأنور وجدي دخلت التاريخ هي الأخرى، إلّا أنها اهتزّت على وقع الخلافات الكثيرة التي نشبت بين الفنانَين المصريَين.

تزوّجا خلال أربعينات القرن الماضي، وأمضيا 7 سنوات معاً شهدت على منافسة مهنيّة حادّة بينهما لم تخلُ من الغيرة الفنية والعنف. وما زاد الأمر سوءاً أنّ مراد اكتشفت خيانة وجدي لها مع فنانة فرنسية، فقررت إنهاء العلاقة. لم ينجب الثنائي أولاداً، إلاّ أنهما أطلّا معاً في أفلام عدة أبرزها «ليلى بنت الريف»، و«قلبي دليلي».

المطربة والممثلة ليلى مراد والممثل أنور وجدي (فيسبوك)

حاول الانتحار من أجل سامية

من بين كل زيجاته، كان زواج رشدي أباظة بسامية جمال الأطول مدّةً، إذ إنهما أمضيا معاً 17 عاماً. هي التي تعرّفت عليه خلال تصوير فيلم «الرجل الثاني»، كانت الزوجة الثانية في حياته وقد تطلّق من أجلها. غير أنّ هزّاتٍ كثيرة ضربت تلك العلاقة، في طليعتها زواج أباظة الخاطف من الفنانة اللبنانية صباح.

يُحكى أن الممثل حاول الانتحار مراراً عندما فقد الأمل بعودة الراقصة إليه، وبعد مدٍّ وجزرٍ بينهما انتهت العلاقة بالطلاق عام 1979.

الممثل رشدي أباظة والراقصة سامية جمال

فايزة ومحمد... وفاءٌ أبديّ

رغم فارق السنّ بينهما، ارتبط الملحّن محمد سلطان عام 1963 بالمطربة فايزة أحمد التي كانت تكبره بـ3 أعوام.

حصل اللقاء الأول في منزل الفنان فريد الأطرش، وبقيا إلى جانب بعضهما البعض حتى وفاة أحمد عام 1983، رغم انفصالَين سريعَين عادت بعدهما صاحبة «خلّيكو شاهدين» لتلفظ آخر أنفاسها على صدر زوجها.

أنجبت منه ولدَين وغنّت من ألحانه عشرات الأغاني، فشكّلا ثنائياً عاطفياً وفنياً من بين الأبرز عربياً. ومن اللافت أن سلطان بقي وفياً لذكرى فايزة، فلم يتزوّج بعدها.

المطربة فايزة أحمد والملحّن محمد سلطان

«إن كنت ناسي أفكّرك»

كان الممثل فريد شوقي، وكلّما سمع أغنية «إن كنت ناسي أفكّرك» بصوت هدى سلطان، يسرح في ذكريات 18 سنة من الحب بينهما.

جمعهما العمل في فيلم «حكم القوي» عام 1951، وعاد العمل ليفرّق بينهما بسبب الغيرة المهنيّة التي انتقلت إلى البيت الزوجيّ، مع العلم بأنّهما مثّلا معاً في أكثر من 20 فيلماً. بعد الطلاق، حافظ شوقي وسلطان على صداقتهما من أجل ابنتيهما ناهد ومها.

الممثلان فريد شوقي وهدى سلطان

إلسي وجورج... 40 سنة فن وزواج

من بين أكثر الثنائيات الفنية الناجحة على الشاشة وفي البيت، الممثلان اللبنانيان جورج شلهوب وإلسي فرنيني. نشأت قصة حبهما في كواليس مسلسل «مذكّرات ممرضة» عام 1974، وفور الانتهاء من التصوير عزما على الزواج مدنياً في قبرص، وهي اعتُبرت خطوة جريئة في تلك الآونة. رُزق شلهوب وفرنيني بولدَين، وجمعتهما مسلسلات عدّة فعُرفا كثنائيٍّ مؤسس في الدراما اللبنانية والعربية.

الممثلان جورج شلهوب وإلسي فرنيني

«آسفة أرفض الطلاق»

خفقت القلوب طويلاً لقصة الحب التي جمعت بين الممثلَين حسين فهمي وميرفت أمين، والتي تُوّجت بالزواج عام 1974. كان هذا الزواج الأول لفهمي، أما أمين فكانت قد تزوّجت مرّتين قبله، ومنه أنجبت ابنة.

لكنّ القصة التي بدأت في فيلم «نغم في حياتي» لم يُكتَب لها العيش أكثر من 12 سنة. المفارقة أنهما لم يعملا معاً طيلة مدّة زواجهما سوى في فيلم واحد هو «آسفة أرفض الطلاق»، غير أنّ عنوانه كان نذير شؤم على العلاقة.

الممثلان حسين فهمي وميرفت أمين

في حبّ دلال وسمير

لقصة دلال عبد العزيز وسمير غانم فعلُ البلسم على القلوب، فهذان البطلان على الشاشة وعلى الخشبة، اختبرا بطولة الحب لأربعة عقود.

لم تتردّد عبد العزيز يوماً بالاعتراف بأنها هي مَن سعت خلف غانم الذي يكبرها بـ23 سنة، والذي كان عازفاً عن فكرة الزواج. تحدّت الزملاء والأصدقاء وأكّدت لهم أنهما مع إسدال الستارة على مسرحية «أهلا يا دكتور» بعد 4 سنوات من العرض، سيكونان قد تزوّجا وهكذا حصل.

الممثلان سمير غانم ودلال عبد العزيز

اتّسمت علاقة النجمَين المصريَين بالاحترام والاستقرار والإخلاص، وقد انعكست خفّة دمهما عليها إيجاباً. أثمر زواجهما ابنتَين وأعمالاً مشتركة عدّة، أما الفراق فكان من الأشدّ إيلاماً بين قصص حب المشاهير. إذ أصيب الثنائيّ بوباء كورونا عام 2021 وتدهورت حالتهما بسرعة، ففارق سمير الحياة في شهر مايو (أيار) لتلحق به دلال بعد أقلّ من 3 أشهر.

طلاق وزيجتان

يوم رفض والد بوسي طلب نور الشريف يدها للزواج، نقلت الدراما من الشاشة إلى البيت وهدّدت بالانتحار. رضخ الوالد لتهديدات ابنته فارتبط الممثّلان المصريّان عام 1972، وأثمر الزواج ابنتين. كما تعاون النجمان في أفلام كثيرة أبرزها «حبيبي دائماً»، «آخر الرجال المحترمين»، «زمن حاتم زهران»، و«العاشقان»...

لكن بعد علاقة استمرت 34 سنة انفصل نور وبوسي، إلا أن الشمل عاد ليلتئم بعد 9 سنوات وتزوّجا ثانيةً قبل وفاة الشريف بأشهر قليلة.

الممثلان نور الشريف وبوسي

ملكة وليد

بعد اغتيال زوجها علي حسن سلامة على يد الموساد الإسرائيلي في بيروت عام 1979، لم تكن ملكة جمال لبنان والكون جورجينا رزق تفكّر بالزواج مرة ثانية، وهي تفرّغت لتربية ابنها.

في الأثناء، أصرّت الصُدَف على أن تتكرّر وتجمعها بالفنان اللبناني وليد توفيق، لتتوطّد الصداقة بينهما وتتحوّل إلى حبٍ تكلّل بالزواج عام 1990 وأثمر ولدَين وعلاقة مستقرّة ومستمرّة منذ 34 عاماً.

الفنان وليد توفيق وملكة جمال الكون 1971 جورجينا رزق

عبلة كامل ومحمود الجندي

لا يُعرف الكثير عن قصة الحب التي جمعت عبلة كمال ومحمود الجندي، وهي ليست من بين الأكثر تداولاً. لم يستمرّ زواج نجمَي الشاشة المصريّة أكثر من سنتَين (2003 حتى 2005)، ويُرجّح أن تكون الغيرة المهنيّة وراء الانفصال، خصوصاً بسبب انشغالات كامل الكثيرة. في إحدى المقابلات التلفزيونية بعد الطلاق، قال الجندي: «هي ليها بطولات ونجومية أكتر مني وده أثّر فيّا قوي وخاصةً أنهم كانوا يختاروني معاها في الأدوار مجاملة ليها».

أما سبب إعجاب الجندي بكامل فهو، ووفق قوله، أنها تشبه السيّدات المصريّات الأصيلات بإنسانياتها وأخلاقها والقيَم التي تربّت عليها.

الممثلان عبلة كامل ومحمود الجندي

حبّ بعد صداقة

شكّل أحمد حلمي ومنى زكي الثنائيّ الحلم بالنسبة إلى كثيرين. لكن في بدايات التعارف، لم يكن هناك شيءٌ يوحي بأنّهما سيصبحان زوجَين. يخبر حلمي أنّ اللقاء الأول بينه وبين زكي حصل في مكتب المنتج محمد فوزي، ولم يكن هندامه حينها مناسباً فارتبكَ طيلة مدّة اللقاء.

التقيا في تدريبات مسرحيّة لم تبصر النور، لكنّ صداقتهما كانت قد بدأت تشقّ طريقها باتّجاه ما هو أكبر. توالت الأعمال التي جمعتهما، من بينها فيلم «عمر 2000» و«ليه خلّتني أحبك»، ليعترف حلمي بعد ذلك بحبّه لمنى التي جعلته ينتظر شهوراً قبل أن تعلن له أنها تبادله المشاعر.

الممثلان منى زكي وأحمد حلمي

تزوّجا عام 2002، ولطالما عبّر الثنائي عن تقدير كل منهما للآخر، وأثبتا أنهما سنَد لبعضهما البعض في المواقف الصعبة والأزمات الفنية.


مقالات ذات صلة

في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

يوميات الشرق الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)

في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

حوّل قعبور الأشياء الرتيبة المكرورة إلى ألحان اختلط فيها الفرح بالشجن، ونسج حكايات يتماهى معها الهامشيون والمنسيون.

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق تحمل أرضها في صوتها وتزرعها فنّاً فوق الخشبة (سينتيا كرم)

«الغارابيا»... سينتيا كرم تعبُر بين الفلامنكو والوجع العربي

سينتيا كرم حملت إلى «الغارابيا» طبقة إنسانية مُثقلة بواقعها الشخصي ونزف بلدها...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق نجاة والمسلماني في أحدث ظهور لها (الهيئة الوطنية للإعلام)

«صورة مزيفة» تعيد الفنانة نجاة الصغيرة للواجهة

عادت الفنانة المصرية نجاة الصغيرة للواجهة، بسبب صورة مزيفة، وتصدرت «التريند»، على موقع «إكس»، الخميس، في مصر.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق صوتٌ يشبه اليد الممدودة... يمكن أن يُشعَر به (مواقع التواصل)

أحمد قعبور... صوت رافق التحوّلات وبقي في الذاكرة

تبدو تجربة أحمد قعبور متداخلة مع سياقها إلى حدّ يصعب معه الفصل بين الصوت والمرحلة...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق الفنان هاني شاكر يخضع للعلاج في فرنسا (صفحته على «فيسبوك»)

هاني شاكر يغادر «الرعاية المركزة» ويبدأ العلاج الطبيعي

استقرت الحالة الصحية للفنان المصري هاني شاكر بعد فترة من إقامته في الرعاية المركزة عقب الأزمة الصحية التي تعرض لها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
TT

في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)

في ظرف حالك، ودّع لبنان أحمد قعبور، الفنان الذي غنى بيروت والجنوب كما لم يفعل أحد. صراعه الطويل مع المرض لم يمنعه من أن يبقى كالرمح يقف على الخشبات حتى الرمق الأخير، ويمتّع جمهوره بحضوره الدمث وأغنياته التي حفرت عميقاً في وجدان الناس.

هو ابن الحروب والمعاناة، من رحمها وُلد، وبقي وفياً لآلام الناس وتفاصيلهم الصغيرة الحميمة. بيروتي أصيل، سكنت مدينته روحه، وقضايا المقهورين وجدانه. وُلد عام 1955 ونشأ في الستينات، في حين كانت النهضة اللبنانية الفنية في قمة فورانها. تأثر بوالده عازف الكمان محمود الرشيدي الذي اصطحبه معه إلى حفلات زرعت في نفسه حسّاً فنياً مبكراً، ثم جاء دخوله معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية ليشحذ ميوله الأولى، ويصقل موهبته.

أحمد قعبور في البدايات (فيسبوك)

هو ملحّن، ممثل، كاتب، مغنٍّ، تلفزيوني، إذاعي، مسرحي... تعددت اهتمامات أحمد قعبور، وبقيت كلها تصب في مكان واحدٍ: الفن الملتزم بالإنسانية نهجاً. تفرعت إبداعات أحمد قعبور، حتى قال إن تلك المجالات العديدة التي عمل فيها ربما شغلته عن التركيز. لكنه في حقيقة الأمر كان فناناً أخّاذاً، أينما يمّم وجهه.

قال ذات مرة وهو الذي بقي فلسطيني الهوى والبوصلة، إن قناعاته الآيديولوجية الأولى تحولت إلى كل ما له علاقة بالقيمة الإنسانية والكرامة، وصوب ذاكرته الفردية والجماعية.

مع بدء الحرب اللبنانية الأهلية، وكان في التاسعة عشرة من عمره، انخرط في دعم ومساعدة المواطنين، يجمع الأغذية ويوزعها على المحتاجين. في تلك الفترة كان يقرأ الشاعر توفيق زياد، ووقع على قصيدته «أناديكم، أشد على أياديكم، وأبوس الأرض تحت نعالكم، وأقول: أفديكم». أحبها ولحّنها، وغنّاها، أثناء تجوال له مع فرقة موسيقية شبابية صغيرة، في مستشفى ميداني في «جامعة بيروت العربية»، فجاء تجاوب الجرحى والمرضى مفاجئاً له، واضطر إلى أن يكررها مرّات ومرات وسط استغراب الموجودين واستغرابه هو أيضاً.

صارت أغنيته الأولى هذه نشيداً لا ينطفئ، وبقي الناس يرددونها طوال خمسين سنة، بالحماسة نفسها وكأنها وُلدت اليوم.

كرّت سبحة أغنيات قعبور، وبقيت كلها أمينة لنصيحة والده، حاملة «نبض الناس». هكذا جاءت «يا رايح صوب بلادي»، و«علوا البيارق»، و«نحنا الناس»، و«نبض الضفة»... حيث ظل الإنسان العادي الكادح، في صميم أعماله، وهو يمثل ويعلّم ويلحّن، ويكتب أغنياته.

بيروتي بحق، تأثر إلى حدّ بعيد بابن مدينته الفنان الثائر عمر الزعني الذي لُقب بـ«موليير الشرق». ولإعجابه الشديد به، أعاد أغنياته إلى الحياة في ألبوم خاص، بعد أن كان منسياً، كاشفاً عن عبقرية فذة ذات روح كاريكاتيرية، تنهل من الحياة اليومية، وتعيدها ألحاناً وكلمات.

يوم كان الغناء رسالة وأصحابه يجوبون المؤسسات التعليمية (فيسبوك)

رأى قعبور نفسه في هذا الفنان البيروتي المنتفض على الظلم الاجتماعي الذي التقط صور من حوله بعينَيه، وترجمها كلاماً هزلياً جارحاً وموسيقى متهادية. فغنى قعبور «بيروت زهرة في غير أوانها... محلاها ومحلا زمنها»، و«بدي غني للناس، إلي ما عندن ناس، وكانوا هني الأساس»، و«بيروت يا قصة، يا صندوق فرجة كبير». غرف من قاموس مدينته الجريحة، وهو يغني قاموسه الفني، دون أن تجفّ بئره. ابن حارات «البسطة التحتى»، نسج لكل مناسبة وركن في بيروت أغنية، من العيد إلى رمضان بفوانيسه، إلى شوارعها، وبحرها، وشمسها، وعصافيرها... غنى لأمه التي ودّعته في الصباح «بضفيرة قليلة ويدين من دعاء»، وأوقدت «ناراً صغيرة لأجله». حوّل قعبور الأشياء الرتيبة المكرورة إلى ألحان اختلط فيها الفرح بالشجن، ونسج حكايات يتماهى معها الهامشيون والمنسيون.

كما واكب قعبور مآسي فلسطين، ونازحي المخيمات، وأهل الجنوب اللبناني، والهجمات الغادرة عليهم. لم يتوقف جمهوره عن تكرار «الشمس تأكل لحمهم لكنهم يعاندون الشمس، من بطون الأرض يطلعون من عيون الشمس يطلعون، من وجه القمر، إنهم جنوبيون». بقيت أغنياته هذه تسطع مع كل قصف وغزو. وها هي «يا رايح صوب الليطاني دخلك وصللي السلام، صبّح أهالي النبطية، وطلّ شوية عالخيام»، تعود وكأنها تُكتب اليوم لبلدات تُجتاح وتُهدم من جديد.

وكما الكبار، كان للصغار منه حصة وافية؛ إذ ساهم في تلحين وغناء مسرحيات عديدة مثل «كلو من الزيبق» و«شو صار بكفر منخار». كما أدى دور الصحافي في مسرحية زياد الرحباني «شي فاشل»، وأدى أدواراً تمثيلية، في السينما في فيلم «ناجي العلي» و«كارلوس»، وفي مسلسل «النار بالنار».

ورغم أنه عمل في أكثر من تلفزيون وإذاعة، فإنه برز بشكل خاص حين انخرط في «تلفزيون المستقبل» راسماً هويته الموسيقية، بأغنيات أثارت الكثير من الجدل، وكأنها تتناقض مع توجهاته اليسارية، النضالية الأولى. وأشهر تلك الأغنيات التي بقيت في ذاكرة الناس هي «لعيونك بتمون»، وسلسلة أخرى من الأغنيات التي رافقت حياة هذه المحطة ووسمت إطلالتها.

وانتشر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيديو لأحمد قعبور، ظهر خلاله وقد فقد توازنه واضطر إلى الجلوس قبل مساعدته من قبل بعض الحضور. كان ذلك خلال مشاركته في حفل «قلوب تغني لحن العطاء»، لرعاية «دار الأيتام الإسلامية». وأثناء غنائه «أناديكم»، بدا عليه التأثر والتعب، وكأنه سيهوي، فهرع الحضور لمساعدته. يومها أثارت حالته قلق محبيه، وخاصة أنه كان يخضع لعلاج سرطان أصيب به.

رحل باكراً أحمد قعبور الذي بقي، رغم مرضه، لا تفارق السيجارة يده، ولا يكف عن تلبية الدعوة للغناء أو المساعدة في أمر خيري. وبغيابه يُطوى اسم أساسي، ضمن كوكبة صنعت مجد الأغنية الملتزمة في لبنان والعالم العربي. ومع أنه كان يكرّر أن التزامه لم يعد نضالياً، حاراً، كما سبق، وأن له معنى مختلفاً، فإن أغنياته بقيت في مجملها ذات طعم وطني، نقدي، متمرد، وإن تغلفت بوشاح رومانسي هادئ.


«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
TT

«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)

أبدى صُنَّاع للسينما في مصر تخوفهم من خسائر كبيرة قد تتجاوز نصف إيرادات دور العرض، مع بدء تطبيق القرار الحكومي الخاص بترشيد استهلاك الطاقة، اعتباراً من السبت 28 مارس (آذار) الحالي ولمدة شهر، والذي ينصُّ على إغلاق جميع صالات السينما في تمام التاسعة مساءً، ضمن حزمة إجراءات أوسع تستهدف خفض استهلاك الكهرباء في قطاعات عدة، على خلفية تداعيات الحرب الإيرانية.

وبموجب القرار الجديد، ستتأثر خريطة عرض الأفلام بشكل مباشر، حيث ستبدأ آخر الحفلات السينمائية في الأيام العادية في السابعة مساءً، بينما تكون آخر العروض في عطلة نهاية الأسبوع عند الثامنة مساءً، ما يعني تقليص عدد الحفلات اليومية، خصوصاً في فترة السهرة التي تُمثِّل عادةً النسبة الأكبر من إيرادات شباك التذاكر.

ويثير هذا التغيير مخاوف لدى المنتجين وأصحاب دور العرض، الذين يعتمدون بشكل أساسي على حفلات المساء لتحقيق أعلى نسب حضور، مع وجود 4 أفلام مصرية تُحقِّق إيرادات جيدة في شباك التذاكر.

وسجَّلت إيرادات السينما المصرية أداءً قوياً خلال الفترة الماضية مع انطلاق موسم عيد الفطر، حيث حقَّقت إيرادات اقتربت من 100 مليون جنيه في 10 أيام فقط، مدفوعة بعرض 3 أفلام رئيسية هي «برشامة» بطولة هشام ماجد، و«فاميلي بيزنس» لمحمد سعد، و«إيجي بيست» لأحمد مالك. وانضم إليها لاحقاً فيلم «اعترافات سفاح التجمع» بطولة أحمد الفيشاوي، والذي شهد أزمةً رقابيةً أدت إلى سحبه مؤقتاً من دور العرض لنحو أسبوع قبل إعادة طرحه.

الملصق الترويجي لفيلم «برشامة» (الشركة المنتجة)

وقال الموزِّع السينمائي محمود الدفراوي لـ«الشرق الأوسط» إن «تأثير القرار سيكون كبيراً للغاية على إيرادات السينما، لكون حفلات ما بعد التاسعة وحتى منتصف الليل تمثل عادة ما بين 60 و70 في المائة من إجمالي الإيراد اليومي، وهو ما يعني فقدان النسبة الأكبر من الدخل اليومي لدور العرض، مع إلغاء الحفلات التي تُمثِّل الركيزة الأساسية لشباك التذاكر، في ظلِّ ضعف الإقبال على الحفلات الصباحية بطبيعتها».

وأوضح أن «الأزمة لن تقتصر على تراجع الإيرادات فقط لأفلام العيد، بل ستمتد إلى قرارات الإنتاج والتوزيع لكون الصناعة تعتمد على عدد كبير من العاملين. ومع تقليص عدد الحفلات اليومية لن يكون هناك حافز كافٍ لطرح أفلام جديدة، الأمر الذي سيدفع صُنَّاع السينما للتريث ومراقبة تطورات الوضع، في وقت لن يغامر فيه أي منتِج بطرح فيلم جديد في ظلِّ عدد حفلات محدود، وهو ما قد يؤدي إلى حالة من التباطؤ في حركة السوق».

وأضاف الدفراوي أن «هذا الوضع قد يدفع إلى إعادة النظر في طرح عدد من الأفلام، خصوصاً ذات الميزانيات الكبيرة، نظراً لاعتماد الصناعة بشكل أساسي على كثافة الحفلات اليومية، وهو ما يجعل أي تقليص فيها مؤثراً بشكل كبير».

صناع فيلم «برشامة» في العرض الخاص (الشركة المنتجة)

ووصف المنتِج والموزع السينمائي جابي خوري القرار بـ«الكارثة». وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «سيؤدي إلى مشكلات كبيرة داخل صناعة السينما ويفاقم أزماتها لكونه يؤثر على منظومة العمل بشكل كامل، وفي ظلِّ خسائر متوقعة لن تقل عن 50 إلى 60 في المائة»، لافتاً إلى أن «تداعيات القرار ستنعكس سريعاً على حركة طرح الأفلام، ولن يكون هناك إقبال من المنتجين على تقديم أعمال جديدة في ظل هذه الظروف، بما يهدد استقرار السوق السينمائية خلال الفترة المقبلة».

رأي دعمه المستشار الإعلامي لـ«الشركة العربية للإنتاج والتوزيع» عبد الجليل حسن، الذي أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «القرار تسبَّب فعلياً في إلغاء ما لا يقل عن 3 حفلات يومياً بدور العرض»، موضحاً أن «الحفلة الوحيدة التي تشهد إقبالاً ملحوظاً هي التي تبدأ في السادسة مساءً، بينما تظل الحفلات الصباحية ضعيفة من حيث الحضور».

وأضاف أن «هذا الوضع سيؤدي إلى خسائر كبيرة لن تقل عن 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مع تقليص فرص تحقيق إيرادات كافية لتغطية تكاليف التشغيل داخل صالات السينما ذاتها».


ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
TT

ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

قال الفنان الفرنسي هنري ماتيس، عام 1950، وهو في الثمانين من عمره: «آمل أن نموت شباباً حتى إن عشنا عمراً طويلاً». رغم أنه عاش لـ4 سنوات أخرى بعد ذلك، كان قد شعر بالفعل طوال عقد، منذ اقترابه من الموت خلال عملية جراحية لمحاربة سرطان الأمعاء، أنه كان يمر بمرحلة جديدة من النمو الإبداعي العميق، أو «حياة ثانية» كما وصفها في خطاب إلى ابنه بيير.

وشهدت هذه الحقبة أعمال الفنان، التي يضمّها معرض باريسي مبهر، يخطف الأنفاس بعنوان «ماتيس... 1941 - 1954». وهو تعاون بين مركز «بومبيدو»، الذي تم إغلاق مقره لأعمال التجديد حتى 2030، وصالة عرض «غراند باليه»، ويستمر حتى يوليو (تموز) 2026.

جانب من معرض «ماتيس: 1941-1954» المقام في غراند باليه بباريس (رويترز)

الحياة الثانية لماتيس

يضم المعرض أكثر من 300 عمل مستعار من جميع أنحاء العالم، وبعضها يُعرض لأول مرة، توضح جميعها كيف تجاوزت الأعمال الفنية الرائعة لذلك الفنان الفرنسي المتميز نطاق لوحاته الشهيرة، لتضم رسوماً ابتكارية وقصاصات من الجواش، وكتباً مصورة، ومنسوجات، ونوافذ من الزجاج الملون المعشّق.

كذلك يتحدى النظرة التقليدية للسنوات «الأخيرة» من حياة أي فنان، كفترة اضمحلال حتمي، حيث نرى هنا دافعاً مزدهراً دؤوباً لتجربة وسائط جديدة وبساطة شديدة يتطلب إنجازها عمراً بأكمله.

جانب من معرض «ماتيس: 1941-1954» المقام في غراند باليه بباريس (إ.ب.أ)

كانت بداية العقد الرابع من القرن العشرين فترة ثرية مشحونة بالنسبة لماتيس، لأسباب بعيدة عن مرضه الشخصي. عندما غزا النازيون فرنسا في يونيو (حزيران) 1940، كان الفنان يزور باريس، لكنه سرعان ما عاد إلى منزله بجنوب فرنسا، التي كانت لا تزال منطقة حرة آنذاك. وظل في هذه المدينة النابضة بالحياة المطلّة على البحر حتى عام 1943، عندما دفعه اقتراب التهديد الألماني باتجاه الشمال نحو التلال حيث وجد الاسترخاء في فيلا مستأجرة تحمل اسم «لا ريف» (الحلم).

ولم تكن الأمور على ما يرام، رغم أن ماتيس كان محاطاً بالخضرة الكثيفة والضوء الذي ذكّره برحلة مؤثرة سابقة إلى تاهيتي. في ربيع 1944، ألقى «الغيستابو» (جهاز أمن الدول الألماني) القبض على زوجته إيميلي وابنته مارغريت للقيام بأعمال مقاومة، وسُجنت إيميلي 6 أشهر، وعُذبت مارغريت ورُحّلت. ورفض ماتيس، الذي صنّفه النازيون بأنه «فنان منحلّ وفاسد»، عرض أعماله أثناء الحرب، بل رفض أيضاً مغادرة فرنسا، في خطوة شعر أنها سوف تكون تخلياً عن البلد وعن مستقبله. مع ذلك، واصل ماتيس العمل بإصرار ومثابرة على نطاق خاص ضيق.

ألوان ومزهريات

يفتتح معرض «غراند بالي»، الذي تُرتب فيه الأعمال زمنياً، العرض بلوحات مضيئة على قماش القنب تتحدى قليلاً الفوضى والخطر الذي أحاط بفترة إبداعها. مع ذلك، تظل ألوان الأحمر والأخضر والأصفر والمغرة (درجة لونية تتراوح بين الأصفر الداكن والأحمر والبني الفاتح) تهيمن على حياة مزهريات، منثور عليها زهر الليمون على طاولات.

لوحة «القميص الروماني» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

وتوجد سلسلة من التصميمات الفنية الداخلية بدرجات لونية مماثلة ومحددة بخطوط سميكة مبسّطة لإظهار غرف تغمرها أشعة الشمس، بها نساء يتكئّن باسترخاء وحدهن على مقاعد مخططة، أو يجلسن في باريس على طاولة.

إنهن يقرأنّ أو يأكلنّ سوياً، بينما توجد وراءهن نافذة مفتوحة على مصراعيها، وتظهر أوراق الشجر المتساقطة على بعد.

«موضوعات وتنويعات»

في الوقت ذاته، اتجه الفنان إلى الرسم والعمل على المطبوعات، التي أشار إليها بأنها كتب «مزيّنة» أكثر من كونها «مصوّرة»، حيث كان يعتقد أن العناصر البصرية مكافئة للنص، ولا تقلّ عنه أهمية. ورسم ماتيس بغزارة، حيث أنتج مئات الصور الشخصية، التي كانت تشهد تكراراً للوجوه نفسها، مع بعض الاختلافات الطفيفة الثانوية.

تعرض مجموعة من 12 لوحة، تصور الكاتب الفرنسي لوي آراغون في أوضاع متباينة، وبتعبيرات وزوايا متنوعة. ومجموعات أخرى، تصور بعضها امرأة متكئة أو حياة ساكنة، وكل صورة مختلفة قليلاً، مثل حركة الكادرات والصور السينمائية المتتابعة. وتوضح تلك المجموعة المتسلسلة، التي أطلق عليها ماتيس «موضوعات وتنويعات»، الخط المتموج المميز للفنان المختزل لأبسط صور من الضربات المفردة الواثقة للحبر على الورق.

عالم من القصاصات

ويخصص المعرض غرفة دائرية مظلمة تذاع فيها مقطوعة صوتية معدّة خصيصاً، لعرض مجموعة من 20 مطبوعة تتمحور حول موضوع السيرك، مصنوعة من القصاصات الورقية الملونة بالجواش والألوان المائية، تتميز بلمساتها النهائية غير اللامعة والدرجات اللونية المشبّعة بكثافة.

تلك الأعمال ذات الألوان المشبّعة العميقة المشعّة المستلهمة من ألوان الأحجار الكريمة صغيرة الحجم، لكنها مذهلة من حيث المضمون والألوان، حيث تتناوب بين الأنماط البسيطة ذات اللونين، وبين التصميمات المعقّدة والمزخرفة بشدة لأشكال ورموز مجردة موجزة.

لوحة «إيكاروس» لهنري ماتيس في المعرض المقام بباريس (رويترز)

من تلك الرسومات «إيكاروس» التي أعاد ماتيس إنتاجها مرات عديدة، وتصور شخص إيكاروس الطائر نحو الشمس، في هيئة جسد أسود بذراعين في وضع ممتد، ونقطة حمراء صغيرة تمثل القلب، ويمثل وضعية السقوط عبر سماء بلون حجر اللازورد الأزرق، مرصّعة بنجوم صفراء مسننة.

وبحلول عام 1948، كانت جدران مرسمه في «لا ريف» قد تغطت بأعمال الكولاج المستخدمة بها ألوان الجواش بمختلف الأحجام، التي كان أحياناً ما تكون كبيرة الحجم، وكثيراً ما تكون مع صور تستدعي الطبيعة مثل سعف النخيل والمرجان والطيور والسمك والنجوم والشمس.

الألوان المحلّقة الطائرة

كان المرسم بالنسبة إلى ماتيس مكاناً لإنتاجية لا تتوقف أو تنتهي. وكان يطلق عليه اسم «المصنع». ويوضح فيلم نادر يعود إلى عام 1951 استخدام ماتيس لمقصات ضخمة، عادة ما تستخدم في تفصيل الفساتين، من أجل قصّ أشكال من الورق الملون، وكانت حركاته سلسة وغريزية، مثل ضربات الفرشاة أو القلم الرصاص، في امتداد مستمر لعمله باستخدام وسائط أخرى.

وقال الفنان عام 1952: «لا يمكن تصور المدة التي قضيتها في فترة أعمال القصاصات. لقد ساعدني الشعور بالتحليق الذي تفجر داخلي في تهذيب حركة يدي، عندما كانت هي المرشد على طريق المقصات». ويظهر هذا الاقتباس في أحد الأقسام الأخيرة للمعرض، الذي يتجلى من خلاله هذا الشعور بالألوان المحلّقة الطائرة، في سلسلة من الخطوط البصرية المبهرة مع عمل واحد كبير متألق يقود إلى التالي ثم التالي.

جدارية من الزجاج الملون في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

وتمهد المربعات ذات اللون المتداخل في لوحة «ذا سنيل» (الحلزون) لأوراق النبات المنسابة في لوحة «أفنثوس» (نبات الأفنثوس)، وسعف النخيل المتألق في لوحة «ذا شيف» (الحزمة)، وأخيراً للأشكال المتعرجة في لوحة «ذا أكروبات» (الألعاب البهلوانية)، و4 أعمال باسم «بلو نيود».

في تلك الأعمال الأخيرة، يظهر شكل امرأة تموجات من خلال أوضاع متنوعة محددة ببراعة بدرجة لونية برّاقة وبعض القصاصات الورقية الملصقة على لوحة خالية من قماش القنب.

إنه لأمر منعش ومطمئن بشكل غريب أن نشاهد كيف خلقت البساطة المكتسبة بمشقة 84 عاماً من الفن.

* خدمة «نيويورك تايمز»