«مخاوي الذيب»... من أحاديث المجالس إلى فيلم «بين الرمال»

يُعرض في دور السينما السعودية هذا الأسبوع... والمخرج يكشف لـ«الشرق الأوسط» رحلة العمل

يستلهم الفيلم قصته من أسطورة «مخاوي الذيب» الشهيرة (الشرق الأوسط)
يستلهم الفيلم قصته من أسطورة «مخاوي الذيب» الشهيرة (الشرق الأوسط)
TT

«مخاوي الذيب»... من أحاديث المجالس إلى فيلم «بين الرمال»

يستلهم الفيلم قصته من أسطورة «مخاوي الذيب» الشهيرة (الشرق الأوسط)
يستلهم الفيلم قصته من أسطورة «مخاوي الذيب» الشهيرة (الشرق الأوسط)

بعد طول انتظار، يتطلع الجمهور السعودي إلى عرض الفيلم الروائي «بين الرمال» في صالات السينما، الخميس 15 فبراير (شباط)، والذي يعد أول فيلم سعودي يتم تصويره بالكامل في مدينة المستقبل «نيوم»، وهو من كتابة وإخراج محمد العطاوي، ويشارك فيه طاقم تمثيل سعودي بالكامل، وهو مبني على أسطورة سعودية متداولة في الموروث الشعبي، يقدمها الفيلم بطابع سينمائي.

المخرج محمد العطاوي مع فريق الفيلم (الشرق الأوسط)

«مخاوي الذيب»

المخرج والكاتب محمد العطاوي أوضح في حديث له مع «الشرق الأوسط»، أن الفيلم مبني على القصة الأسطورية الشهيرة «مخاوي الذيب»، إحدى القصص المعروفة والمتداولة بكثرة في المحيط القبلي في أكثر من منطقة في السعودية، وأضاف: «عندما قمت بالبحث حول أحداثها، تخيّلت صورة الذئب ورجلاً بدوياً في الصحراء، هنا فقط شعرت بأنها صورة سينمائية خالصة، فقررت أن أتعمق بها أكثر، وحين أنهيت عملية البحث وجدت أن هناك أكثر من رواية لنفس القصة، غير أني لم أجد كتباً أو أفلاماً وثائقية يُعتد بها كمرجع بحثي، فهي متداولة في المجالس بصورة أكبر».

ويشير العطاوي إلى أن كل فرد كان يسرد القصة بطريقته الخاصة، مما يجعل من الصعوبة تحديد المكان الذي حدثت فيه، لكن أثناء بحثه عرف أن الذئب العربي يعيش غالباً في شمال السعودية، وهنا خمّن أن القصة حدثت في الشمال؛ لذا قرر الانطلاق من هناك، فبدأ في تدوين رؤوس أقلام عن القصة وتفريغها بطابع سينمائي. ويردف: «بدأت في كتابة النص قبل سنوات، وأكملت أول نسخة منه في عام 2019، ثم تعمقت بالتفاصيل أكثر في 2020، ما نتج عنه فوز النص بجائزة مسابقة (ضوء) للأفلام».

ومنذ البداية، تمحورت الفكرة حول نقل قصة فولكلورية سعودية بشكل سينمائي، بحسب العطاوي، الذي أجاب عند سؤاله عما إذا كانت القصة حقيقية أم هي من وحي الخيال، بأنه يميل لكونها حدثت بالفعل، مستشهداً بسؤاله مجموعة من المتخصصين بسلوك الذئاب الذين أفادوه بأن ما حصل بين الذئب والشخصية الرئيسية في القصة هو أمر وارد الحدوث، علاوة على أن القصة متداولة في عدد من القصائد وتناولها الموروث الأدبي.

أول فيلم سعودي يتم تصويره بالكامل في نيوم (الشرق الأوسط)

صحراء بجدة

الفيلم يتخذ أهميته بسبب موقع تصويره، في صحراء منطقة بجدة الواقعة في نيوم (شمال السعودية)، وبسؤال المخرج عن ذلك يقول: «الصحراء بالنسبة لي ليست مجرد مكان، بل هي جزء رئيسي في القصة»، مبيناً أنه يرى أن صحراء بجدة تطابق في تضاريسها الكثير مما في القصة، وتابع: «حاولنا تكوين هوية بصرية خالصة للصحراء السعودية، مختلفة عن الصحاري القاحلة التي تظهر كثيراً في الأفلام الأميركية، فالصحراء بالنسبة لنا كسعوديين لها سحر خاص، وهو ما حاولنا إظهاره في الفيلم».

يُظهر الفيلم جمال تضاريس صحراء بجدة في نيوم شمال السعودية (الشرق الأوسط)

اللهجة الحائلية

وبسؤال العطاوي عن اللهجة المستخدمة في الفيلم، يقول هي اللهجة الحائلية الدارجة (شمال المملكة)، وهي ما يصفها بأحد تحديات العمل التي اشتغل عليها كثيراً، ويضيف: «تدربنا على إتقان اللهجة الحائلية لنحو 4 أشهر، وكان هناك مدقق لغوي يساعد الممثلين في ذلك»، لافتاً إلى أن طول المدة التي استغرقها إنهاء العمل يعود إلى رغبته في أن يخرج العمل بصورة تنقل السينما السعودية لمستوى جديد.

قصة الفيلم

تدور أحداث «بين الرمال» حول شخصية «سنام»، تاجر شاب يبلغ من العمر 23 عاماً، يلعب دوره الوجه الجديد رائد الشمري، يخرج في رحلة محفوفة بالمخاطر إلى الصحراء، يتعرض خلالها للنهب من قبل قطّاع الطرق، فتتحوّل رحلته إلى صراع من أجل البقاء، يكوّن خلالها علاقة فريدة مع ذئب وسط الصحراء.

الذئب «نيلسون»

وبحسب المخرج، مر الفيلم بعدة مراحل، منها التصوير لأكثر من شهر في صحراء بجدة الباردة، والعمل مع ذئاب خلال التصوير. ويضيف: «أصبح الذئب الرئيسي (نيلسون) من مركز (هوركاي) من المجر، جزءاً لا يتجزأ من فريق العمل، وقد ودعناه بشكل جماعي بعد تصوير مشهده الأخير؛ إذ يعد فيلم (بين الرمال) آخر أفلام مسيرة (نيلسون) التمثيلية التي شملت أكثر من 13 فيلماً».

مشهد من فيلم «بين الرمال» الذي يُعرض في صالات السينما السعودية هذا الأسبوع (الشرق الأوسط)

ما بعد الإنتاج

أما فيما يتعلق بمرحلة ما بعد الإنتاج، التي تم تقسيمها بين لندن وفنلندا وإيطاليا، فيقول العطاوي: «ركزنا على الحفاظ على جوهر الفيلم الثقافي بمساعدة فريقنا العالمي، وتحوّل هذا التعاون إلى تبادل ثقافي مهم، نتج عنه تجربة أوركسترا أوروبية بآلات موسيقية سعودية، وأسفر هذا التعاون عن ولادة موسيقى وإيقاعات مبتكرة». مع ضرورة الإشارة إلى أن هذا الفيلم حاز إعجاب النقاد؛ إذ سبق أن فاز بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي بجدة، برئاسة المخرج الأميركي الحاصل على عدد من جوائز «الأوسكار» أوليفر ستون، كما تم اختياره في مسابقة «ضوء» لدعم الأفلام من وزارة الثقافة، ممثلة بهيئة الأفلام، مع التنويه بحصول الفيلم على دعم لوجستي كامل خلال مرحلة التصوير في صحراء بجدة في نيوم، باعتباره عملاً سينمائياً واعداً.


مقالات ذات صلة

تكريم الفنان السعودي إبراهيم الحساوي بمهرجان مصري للأفلام

يوميات الشرق الفنان إبراهيم الحساوي قدم عديداً من الأعمال السينمائية والدرامية (الشرق الأوسط)

تكريم الفنان السعودي إبراهيم الحساوي بمهرجان مصري للأفلام

أعلن مهرجان «VS-FILM» للأفلام القصيرة جداً، الاثنين، عن تكريم الفنان السعودي إبراهيم الحساوي عن مجمل أعماله.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق عُرض الفيلم ضمن فعاليات مهرجان «لوكارنو» (إدارة المهرجان)

من بيروت إلى غزة... مهند يعقوبي يستعيد أرشيف جوسلين صعب

الفيلم، في نهاية المطاف، لا يتناول جوسلين صعب فحسب، بل يتناولني ويتناول تاريخي أيضاً.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق الفيلم عُرض ضمن مهرجان سراييفو (إدارة المهرجان)

بليرتا باشولي: «دوا» يرصد أحلام المراهقين وسط الحرب

قالت المخرجة الكوسوفية بليرتا باشولي إن فيلمها «دوا» يرتبط بحياتها الشخصية، إذ تستند حكايته إلى تجربتها خلال الحرب في كوسوفو.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الممثل مارك روفالو ودبوس عن رينيه غود التي قتلت بالرصاص على يد عميل فيدرالي للهجرة في مدينة مينيابوليس في حفل «غولدن غلوب» في يناير 2026 (أرشيفية - أ.ف.ب)

مارك روفالو يرد على «باراماونت» بعد اتهامه بمعاداة السامية

ردّ مارك روفالو على شركة «باراماونت سكاي دانس» الإعلامية بعد أن اتهمته الشركة باستخدام «عبارات معادية للسامية» في انتقاده لصفقة اندماجها مع شركة «وارنر بروذرز».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق جاك تاتي يعرف كم يلزم من الفوضى كي تستقيم الحياة (متروبوليس)

أفلام جاك تاتي في بيروت... «أولو» يعبُر زمن الحداثة

أهم ما في «أولو» أنه خارج المقاس؛ طويلٌ أكثر ممّا يلزم، ومتأخّر عن إيقاع المكان، وغير بارع في تقديم نفسه...

فاطمة عبد الله (بيروت)

مقاطع الطعام عبر «تيك توك» تحفّز شهية المراهقين

شعار تطبيق «تيك توك» في طوكيو (أ.ف.ب)
شعار تطبيق «تيك توك» في طوكيو (أ.ف.ب)
TT

مقاطع الطعام عبر «تيك توك» تحفّز شهية المراهقين

شعار تطبيق «تيك توك» في طوكيو (أ.ف.ب)
شعار تطبيق «تيك توك» في طوكيو (أ.ف.ب)

كشفت دراسة أميركية عن أن تطبيق «تيك توك» لعرض مقاطع الفيديو يُسهم في تشكيل شهية المراهقين.

وحسب الدراسة التي نشرتها الدورية العلمية «Journal of Nutrition Education and Behavior»، المتخصصة في التغذية والعلوم السلوكية، فقد لُوحظ أن مشاهدة مقاطع الفيديو على «تيك توك» تحفّز شهية المراهقين وتثير اهتمامهم من أجل تجربة أنواع جديدة من المأكولات.

وذكرت الباحثة من جامعة مينيسوتا، أدريانا بيل، أن «المراهقين يصفون (تيك توك) باعتباره بيئة جاذبة للغاية حيث تستحوذ مقاطع الفيديو الخاصة بالمأكولات على اهتمامهم بسرعة، وتثير رغبتهم في تجربة أصناف جديدة من الأطعمة»، حسبما أفادت «وكالة الأنباء الألمانية».

وتؤكد الدراسة أن الآباء يمكنهم توفير الحماية للمراهقين من مخاطر هذه التطبيقات عن طريق متابعة المحتوى الذي يشاهده الأبناء، ومدى تأثير هذا المحتوى على سلوكياتهم.

وشملت الدراسة مجموعة من المتطوعين في سن المراهقة، تتراوح أعمارهم ما بين 15 و16 عاماً من إحدى المدارس الثانوية من الغرب الأوسط الأميركي. وكشف المتطوعون في التجربة عن أنهم يشاهدون عدداً كبيراً من المقاطع التي تتناول تقييمات للمطاعم ووصفات للمأكولات، فضلاً عن نصائح وإعلانات بشأن الوجبات اليومية، وأكدوا أن هذه المقاطع تثير شهيتهم نحو تناول بعض الأطعمة والمأكولات.

وبالنسبة إلى المؤثرين على شبكة الإنترنت، ذكر بعض المراهقين في التجربة أنهم قد يرغبون في تناول بعض الأطعمة إذا كان المؤثر الذي يعرضها على الإنترنت يتسم بمظهر جيد.

ونقل الموقع الإلكتروني «هيلث داي»، المتخصص في الأبحاث الطبية، عن الباحثة أدريانا بيل قولها إن «الآباء يلعبون دوراً مهماً في منع التعرض لمقاطع الفيديو الخاصة بالمأكولات، وفتح نقاشات نقدية مع الأبناء بشأن هذا المحتوى».


رحيل سليمان منصور... ريشة الصمود الفلسطيني بوجه محو الذاكرة

الفنان الفلسطيني سليمان منصور وأكثر لوحاته انتشاراً «جمل المحامل» (إنستغرام الفنان)
الفنان الفلسطيني سليمان منصور وأكثر لوحاته انتشاراً «جمل المحامل» (إنستغرام الفنان)
TT

رحيل سليمان منصور... ريشة الصمود الفلسطيني بوجه محو الذاكرة

الفنان الفلسطيني سليمان منصور وأكثر لوحاته انتشاراً «جمل المحامل» (إنستغرام الفنان)
الفنان الفلسطيني سليمان منصور وأكثر لوحاته انتشاراً «جمل المحامل» (إنستغرام الفنان)

رحل سليمان منصور عن 79 عاماً من حبِّ فلسطين وسَردِ حكايتها ألواناً وخطوطاً ووجوهاً. وُلدَ والنكبة بفارق سنة، هو يكبرها ببضعة أشهر. وكأنَّه أتى إلى الدنيا في تلك اللحظة تحديداً، كي يوثّق أحمال البلاد وجراحَها الكثيرة وذاكرتَها المعرّضة للتشويه والطمس.

قبل شهرٍ من موعد الرحيل، كان الرسام والفنان التشكيليّ يحتفل بعيد ميلاده. قال لمتابعيه الكثيرين على وسائل التواصل الاجتماعي، إنه كلّما أطفأَ شمعةً شعر بأنه صغُرَ سنة. كان يحاول ممازحة المرض وتأجيل الموت؛ لأنه ومن قلب تعبِه كان يشدُّ على الريشة ويعزّ عليه أن تفلتَ منه.

خلال أيامه الأخيرة، كان لا يزال ينشر لوحاتٍ من أرشيفه على «إنستغرام». ثم تدهورت حالته الصحية ما دفع بابنه إلى التمنّي على مُحبّيه أن يذكروه في صلواتهم، قبل أن يعلن خبر الوفاة ناعياً والده بالقول إنه «ترك خلفه حياةً ملؤها الجمال، وإرثاً محفوراً في ذاكرة كل من عرف فنَّه».

أمضى سليمان منصور العمر وهو يرسم فلسطين حتى النفس الأخير (إنستغرام الفنان)

وُلد سليمان منصور في بيرزيت - فلسطين صيف 1947. أمضى جزءاً من طفولته وشبابه في الريف الفلسطيني مع أمّه التي تولّت الاعتناء به وبإخوته، بعد وفاة والده وهو في الرابعة من عمره. تأثّر بألوان الأرض، وبأيادي الفلّاحين. لعب بين أشجار الزيتون وتنشّق زهر الليمون. وبعد أن اكتنزت حواسُّه بطبيعة فلسطين، بدأ يسكبها على الورق.

في حوارٍ مع «الشرق الأوسط» سبق رحيله بسنتَين، استذكرَ كيف أن الأهل والجيران ظنّوا بدايةً أنه مجرّد طفلٍ يلهو بالأقلام والأوراق، إلى أن فاز بمسابقة رسم نظَّمتها الأمم المتحدة وهو في الـ13 من العمر.

بعثت ألوان سليمان منصور مزيداً من الحياة في صور أرض فلسطين (إنستغرام الفنان)

كَبُر سليمان منصور ليفهم أن حكاية فلسطين لا تُختصَر بأشجار الزيتون والليمون، وبمَشاهد حصاد القمح، وبالفساتين المطرّزة بخيطان الفرح. أيقنَ الشاب أنه آتٍ من أرضٍ مثقلة بالدم والظلم، أرضٍ كلّما زُرعت فيها غرسةُ حياة جاءت آلة القتل الإسرائيلية لتقتلعها.

من دون أن يتوقّف عن توثيق جمال الأرض، بدأ سليمان منصور يروي فصلاً جديداً من تاريخ فلسطين؛ فصل الثورة والكرامة والتمسّك بالجذور. ورغم قسوةِ الفصول التي توالت على البلاد، لم يغرق الفنان يوماً في السواد، ولم يبدّل الرقّة بالقسوة. «أردتُ رسمَ فلسطين بأسلوب رومانسي، ومن دون شوائب»، هكذا شرح خياره الفني لـ«الشرق الأوسط». صار منصور أحد روّاد الرمزيّة الواقعيّة بلوحاته التي تعكس مفهوم الصمود الفلسطيني.

رغم ظروف فلسطين الحالكة لطالما لمع الأمل من لوحات سليمان منصور (إنستغرام الفنان)

من بين اللوحات، جاءت واحدةٌ لتشكِّل علامة فارقة ونقطة تحوّل في مسيرته. كان سليمان منصور في الـ26 يومَ رسم «جمل المحامل». مع تلك اللوحة التي تجسّد مسنّاً يحمل القدس والمسجد الأقصى على ظهره، دخل منصور كل بيتٍ فلسطينيّ حول العالم. كرّسه ذلك العمل أحد أبرز سفراء الفن الفلسطيني.

كان يعزّ على منصور أن العمر انقضى والفلسطينيّ ما زال يحمل مآسيه على كتفَيه ويجوب بها العالم. هو الذي واكبَ كل حقبةٍ من المأساة، لم يتصوَّر أن تبلغ الوحشيّة ذروتها وأن تمرّ من دون عقاب في زمن الإعلام العصريّ والتواصل الحديث. «كل فلسطيني يعرف أن الحركة الصهيونية ستسعى إلى طرده من أرضه عندما تحين الفرصة، لكني لم أتصوَّر أن تكون عملية الطرد بهذه الوحشيَّة. ظننتُ أن عصر النكبة قد ولَّى، وأن وسائل التواصل ستحمينا ولو قليلاً، لكني كنت على خطأ»، هكذا علَّق على حرب غزّة والمجازر التي ارتكبتها إسرائيل بحق الغزيين.

أعاد تاريخ الحقد الإسرائيلي نفسه في لوحات سليمان منصور من النكبة إلى مجازر غزة (إنستغرام الفنان)

جال سليمان منصور بفنِّه قارات العالم. فتحت له كبرى العواصم أبواب معارضها. حاضرَ في الرسم والتشكيل ولم يبخل بخبرته وموهبته على الأجيال الصاعدة. لكنه لم يرسم يوماً سوى فلسطين. هو ريشة فلسطين التي جمعت بين الرقّة والثورة، وصنعت معجزة الفرح رغم الأحزان المتكدِّسة عبر الأجيال. كانت للرسّام الفلسطيني اليدُ الطولى في الحفاظ على هوية بلاده وتعريف الشعوب بها.

لوحة سليمان منصور هي ابنةُ أرضها. تستعين بعناصرها الطبيعية وبرموزها بوصفها موادَّ أولية ومصادرَ وحي، فتأتي النتيجة محاكاةً للإرث الفلسطيني تاريخاً وجغرافيا.

لوحة «قطاف الزيتون» من عام 1990 بريشة سليمان منصور (إنستغرام الفنان)

عام 1980، وتعبيراً عن الصمود والاكتفاء بخيرات الأرض، رسمَ سليمان منصور لوحة «إفطار فلسطيني»، وهي مائدة عليها خبز الطابون والطماطم والبصل والزيتون.

ومع بداية الانتفاضة الأولى عام 1987، وكموقفٍ سياسيّ يترجم الاكتفاء الذاتي تزامناً مع مقاطعة البضائع الإسرائيلية، راح منصور يبحث عن مواد من الطبيعة لاستعمالها في الفن. صار يخلط الطين بمكوّنات الطعام مثل السمّاق، والكمّون، والقهوة، والحنّاء. «كانت أعمالي في تلك الفترة تجريدية، ولاحقاً ركزت على الطين ودلالاته الإنسانية والسياسية ليعود فنّي إلى الواقعية».

تعدّدت المواد والتقنيات وبقيَت الرموز الفلسطينية ثابتة في لوحات سليمان منصور، كالزيِّ التقليدي المطرز، والكوفية، وطيور الحمام، وشجر الزيتون، وسنابل القمح، وقبة الأقصى، والعائلة المقدسة.

تعبِّر لوحة «إفطار فلسطيني» عن مفهوم الصمود والاكتفاء الذاتي (إنستغرام الفنان)

من أبرز الرموز التي اكتنزت لوحات سليمان منصور، المرأة الفلسطينية بزيِّها التقليدي المطرّز والمنديل الطويل الذي يغطّي شعرها. المرأة في لوحاته هي الأرض والأمومة والخصوبة والثمر. كان في طليعة أهدافه «تقديم الإنسان الفلسطيني بأجمل صورة، خصوصاً من خلال المرأة التي هي رمز الوطن. لا أراها سوى جميلة بعنقها الممشوق الذي يرمز إلى شموخها. كما يجب أن تكون يداها قويّتَين تجسيداً لارتباطها بالأرض والعمل، ثم يأتي الثوب التقليدي ليكمِّل هويتها الفلسطينية».

المرأة الفلسطينية بزيِّها التقليدي المطرَّز من أبرز رموز لوحات سليمان منصور (إنستغرام الفنان)

أدرك سليمان منصور مبكراً أن أحد تكتيكات الحرب الإسرائيلية هي محاولة شيطنة الفلسطيني وتشويه صورته، فوقف بريشتِه بالمرصاد. من بين أساليب المواجهة التي اعتمدها، التذكير بأن العائلة المقدسة هي فلسطينية فألبسَ السيّد المسيح الكوفية. «تجسيد العائلة المقدّسة كعائلةٍ فلسطينية، هو جزء من جهد إعادة الإنسانية إلى الفلسطينيين، وهو تذكير بأن المسيح كان فلسطينياً بثقافتَيه المادية والمعنوية، بغضِّ النظر عن هوية إيمانه».

سليمان منصور هو الرسام الذي ألبسَ المسيح الكوفية الفلسطينية (إنستغرام الفنان)

في حواره الأخير مع «الشرق الأوسط»، والذي سُجِّل بعد أشهرٍ على اندلاع حرب غزة، سألتُ سليمان منصور عن اللوحة الحلم التي لم يرسمها بعد. أجاب: «أنا أحلم برسم فلسطين محرّرة وجميلة من دون عمليات تجميل».

أخذَ الحلم معه ورحل من دون أن يعرف ربما أنه تجاوزَ بريشته الواقع الأليم والتاريخ الدامي، فرسمَ فلسطين عروساً لا ينضب جمالُها، وأرضاً من الزهر والطيب لا تقدرُ عليها آلةُ التشويه المتوحشة.


السعودية تنشئ مركزاً ثقافياً في باريس

من مراسم توقيع اتفاقية سعودية - فرنسية خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس (واس)
من مراسم توقيع اتفاقية سعودية - فرنسية خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس (واس)
TT

السعودية تنشئ مركزاً ثقافياً في باريس

من مراسم توقيع اتفاقية سعودية - فرنسية خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس (واس)
من مراسم توقيع اتفاقية سعودية - فرنسية خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس (واس)

أعلنت السعودية، الاثنين، إنشاء مركز ثقافي في باريس، وذلك على هامش زيارة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء إلى فرنسا.

وذكرت وزارة الثقافة السعودية أن المركز سيشكّل منصة للتعريف بالثقافة السعودية، وإبراز عمقها التاريخي وتنوعها الإبداعي، من خلال تنظيم البرامج الثقافية النوعية، وإشراك الممارسين والمؤسسات والجمهور الفرنسي في مبادراته.

وسيعمل المركز على دعم حضور الممارسين الثقافيين السعوديين دولياً، وتعزيز التواصل بين المثقفين والمبدعين في البلدين، وبناء شراكات استراتيجية بين المؤسسات الثقافية السعودية والفرنسية، بما يتيح تبادل الخبرات، وتنفيذ المبادرات المشتركة.

ويجسّد إنشاء المركز ما تشهده علاقات البلدين من تطور مستمر، ويؤكّد حرص السعودية على تعزيز حضورها الثقافي الدولي، وتقديم صورة ثقافية أصيلة تعرّف العالم بإرثها الحضاري، وإنتاجها الإبداعي المعاصر.