جو معلوف... الإعلاميّ المشاكس يتحوّل إلى «دي جي» بدوامٍ كامل

غادر الشاشة منذ سنتَين ليأخذ فاصلاً طويلاً مع الموسيقى

الإعلامي اللبناني جو معلوف يتفرّغ لشغفه تنسيق الموسيقى (إنستغرام)
الإعلامي اللبناني جو معلوف يتفرّغ لشغفه تنسيق الموسيقى (إنستغرام)
TT

جو معلوف... الإعلاميّ المشاكس يتحوّل إلى «دي جي» بدوامٍ كامل

الإعلامي اللبناني جو معلوف يتفرّغ لشغفه تنسيق الموسيقى (إنستغرام)
الإعلامي اللبناني جو معلوف يتفرّغ لشغفه تنسيق الموسيقى (إنستغرام)

عرفه المشاهدون اللبنانيون والعرب وجهاً تلفزيونياً قلّما يبتسم، لفَرط ثقل ومرارة القضايا الاجتماعية والإنسانية التي وضعها في صدارة برامجه. جو معلوف، غالباً ما أطلّ على الشاشة مستنفراً ضدّ ظلمٍ تعرّض له طفل، وغاضباً من نظامٍ عاث في البلاد فساداً.

منذ سنتَين غادر الإعلامي اللبناني جو معلوف الشاشة (إنستغرام)

من أمام الكاميرا إلى خلف أزرار تنسيق الموسيقى انتقل معلوف، بوجهٍ تعلوه الابتسامة هذه المرّة، وباسمٍ جديد هو Just J. كل الطرق كان لا بدّ من أن تؤدّي به إلى لقب DJ. أطفأ الشاشة خلفه ومشى باتّجاه شغفه، معتمراً السمّاعات وحاشداً حوله محبّي موسيقى «الهاوس» الإلكترونية.

يتذكّر في حديثه مع «الشرق الأوسط» كيف أسّس إذاعته الأولى في سنّ الـ13: «كنت أقيم عند جدَّيّ يوم فتحت إذاعة صغيرة تبثّ داخل الحيّ حيث نقطن». لاحقاً، وبالتزامن مع اختياره هندسة الكمبيوتر والاتصالات تخصُصاً جامعياً، ابتكر إذاعته الثانية من داخل منزل والدته. غير أنّ الأمر انتهى بأن اقتيدَ إلى التحقيق، بعد أن صدر قرار بتنظيم قطاع الإذاعات اللبنانية.

ركّب أجهزة البث بنفسه واستعان بحاسوبه لتشغيل الأغاني وتلقّي طلبات المستمعين. لكن بعد أن أُقفلت «إذاعة البيت» قسراً، تمسّك بحلمه ولم تمضِ سنوات حتى افتتح إذاعته الشرعية وسمّاها «جرس سكوب».

كان معلوف في الـ13 يوم أسّس إذاعته الأولى من داخل المنزل (صور الإعلامي)

رغم تلك البداية الإذاعيّة الطموحة، فإنّ الصورة التي انطبعت في أذهان الجمهور عن جو معلوف، هي لذاك الإعلاميّ المشاكس، صاحب الصوت العالي، والحامل قضايا اجتماعية شائكة في برامجه التلفزيونية التي جالت على أبرز المحطات طيلة 14 عاماً. فإن معلوف قرر وضع تلك الصورة جانباً منذ سنتَين، عائداً إلى حلم الطفولة إنما على هيئة DJ أو منسّق موسيقى.

يبدو قرار النقلة الصادم ناتجاً عن خيبةٍ من حائط المهنة المسدود، إذ إنّ رفع الصوت دفاعاً عن حقوق المواطنين لم يُجدِ نفعاً؛ «اتخذتُ قرار الابتعاد عن الشاشة بعدما تبيّنَ لي أنه لا نتيجة، وأنّني أدور في حلقةٍ مفرغة لا توصل الناس إلى حقوقها». بعد أن كرّس «هواءه» للمحرومين، والمقموعين، والمهمّشين، بلغ مرحلةً متقدّمة من عدم الرضا، «وبما أني لستُ متعلّقاً بالشاشة فإنّ الرحيل كان سهلاً»، يقول معلوف.

قدّم معلوف البرامج الاجتماعية وتولّى قضايا إنسانية طيلة 14 عاماً (إنستغرام)

يكرّر أنه لولا الموسيقى لما تخطّى الخيبة. ولا ينكر أنه عاش صراعاً ما بين حرّيته «وقضبان النظام اللبناني، التي ضاق خلفها هامش الحريات بفعل الارتهان»، وفق تعبير معلوف.

إلى حرّيّةٍ من نوع آخر، طار على أجنحة الموسيقى التي يحب. في طليعة اهتماماته حالياً عروضه التي يقيمها ما بين بيروت والعواصم العربية والأوروبية، وتلك التي ينظّمها مستقدماً إلى لبنان أبرز الأسماء العالمية في مجال التنسيق الموسيقي الإلكتروني.

«هذه أيضاً طريقة أخدم بلدي من خلالها. كان من الممكن أن أقبل العروض التلفزيونية التي أتتني من الخارج، لكنّي فضّلت البقاء هنا مانحاً نفسي فرصة الاستكشاف والسعادة، ولأدعم ثقافة الحياة والفرح في بلدي»؛ يُدرّ قطاع الترفيه على لبنان الكثير، لا سيّما خلال مواسم الاستقرار الأمني، وهذا ما قرّر معلوف الاستثمار فيه حتى إشعار آخر ضمن حفلات يفوق عدد حضورها أحياناً الـ5 آلاف شخص.

ليس تنسيق الموسيقى طارئاً على جدول أعمال جو معلوف، فهو حتى عندما كان إعلامياً بدوامٍ كامل، غالباً ما أحيا السهرات. «خلال عملي في التلفزيون كان الأمر بمثابة هواية. كنتُ DJ بخجَل وبعيداً عن الأضواء، أي أنني كنت أطلّ الاثنين على الشاشة لأناقش ملفّات حياتيّة ملحّة، ثم أظهر السبت في إحدى الحفلات لأشارك الساهرين تنسيقاتي الموسيقية». أما اليوم، فيخوض معلوف المجال بجدّية ومن زاوية ريادةِ الأعمال، وتعهُّد الحفلات، وإقامة شراكات مع جهات خارجية.

لم تأتِ النقلةُ النوعيّة من دون استجماع أكبر قدرٍ ممكن من الجرأة، وغالباً ما تسبّبت الحلّة الجديدة بصدمات من حول معلوف. يستذكر مبتسماً ردود الفعل على وجوه الساهرين، عندما يكتشفون أن الشخصية التلفزيونية التي يعرفون حاضرة بينهم وتتولّى نغمات سهرتهم.

معلوف مع الـDJ العالمي Black Coffee (صور الإعلامي)

هو الذي عُرف بقربِه من بعض نجوم الأغنية العربية وعلى رأسهم الموسيقار الراحل ملحم بركات، لا يلعب معلوف الأغاني العربية في سهراته ولا أغاني البوب الغربي الرائجة. اختار خطاً موسيقياً خاصاً تتضاعف شعبيّته مؤخراً، لا سيّما في أوساط الجيل الجديد. يمزج بين موسيقى الـ«إندي»، والـ«أفرو هاوس»، والـ«بروغريسيف».

من قلب الحلقة الموسيقية الطويلة، لا بدّ من فاصلٍ وسؤال: «هل طويتَ صفحة التلفزيون نهائياً؟». يجيب معلوف أنه لا يعترف بالمستحيلات، إلا أنّ العودة إلى الشاشة ليست من بين أولويّاته في الوقت الراهن. «لا أفكّر في الرجوع إلى التلفزيون ولا أسعى إليه ولا مكان له أصلاً على جدول أعمالي الحافل».

حدّد معلوف أولويّاته: «تنسيق الموسيقى وتنظيم الحفلات وإدارة أعمالي التي أسستها في هذا المجال». أما إذا كان لا بدّ من عودة تلفزيونية، «فلتكُن أقرب إلى الترفيه والموسيقى حتى أشعر بالتصالح والارتياح مع نفسي. لكن أن أعود إلى المعارك مع السياسيين وأصحاب القرار، فهذا لا أريده أبداً».

يحيى معلوف السهرات الموسيقية بين بيروت والرياض ودبي والدوحة وباريس (إنستغرام)

جو متعدّد الهويّات والاهتمامات، وهذا ما يودّ أن يحفظه الجمهور عنه؛ «لا أحبّ أن يتذكّرني الناس من خلال صورة واحدة، بل كشخصٍ لم يمرّ مرور الكرام وكان متعدّد الشخصيات والأهداف».

يبقى الشأن الإنساني في لبّ هذه الاهتمامات، فمن بين المشاريع التي أسسها معلوف جمعيّة «كرامة»، التي تُعنى بشؤون الأحداث في السجون اللبنانية. «هذه القضية أغلى ما على قلبي، وتعهّدتُ بأن أمنحها كل ما استطعت. أنا عشتُ طفولة صعبة، وأعرف تماماً شعور الولد ذي الأسرة المفكّكة، والمحروم ممّن يوجّهه».


مقالات ذات صلة

بعد توقُّف 3 سنوات... مصير مجهول يُغلِّف الصحافة الورقية بالسودان

خاص صحف ورقية كانت تصدر بالسودان قبل اندلاع الحرب (أرشيفية - وكالة السودان للأنباء)

بعد توقُّف 3 سنوات... مصير مجهول يُغلِّف الصحافة الورقية بالسودان

منذ اندلاع الحرب في السودان منتصف أبريل (نيسان) 2023، لا تزال الصحف الورقية في احتجاب كامل، دون أفق أو مؤشرات على عودتها في القريب العاجل.

وجدان طلحة (الخرطوم)
إعلام مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)

جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

عادت قرارات «حظر النشر» لتتصدَّر المشهد الإعلامي في مصر، مثيرةً نقاشاً متصاعداً حول الحدود الفاصلة بين متطلبات العدالة وحق المجتمع في المعرفة.

علاء حموده (القاهرة)
يوميات الشرق الكلمات التي كُتبت يومها كانت تمشي نحو ما سيحدث (رويترز)

صفحات تعود إلى زمن لبناني واكبت فيه الكتابة قلق مشهد يتبدَّل

لا يبدو اختيار الباحثة والصحافية الدكتورة بسكال عازار شلالا لموضوعها سهلاً. فالاقتراب من تلك المرحلة يحتاج إلى جهد بحثي شديد الحساسية...

فاطمة عبد الله (بيروت)
أوروبا شعار «هيئة الإذاعة البريطانية» (بي بي سي BBC) خارج مقر الشركة في لندن، 12 نوفمبر 2025 (أ.ب)

«بي بي سي» تعتزم إلغاء ألفَي وظيفة

أفادت وسائل إعلام بريطانية نقلاً عن مصادر الأربعاء، بأن هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) تعتزم إلغاء نحو ألفَي وظيفة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي أشخاص يمرون أمام لافتة تعرض صور الصحافييَن فاطمة فتوني وعلي شعيب اللذين قُتلا في غارة إسرائيلية في جنوب لبنان خلال مظاهرة في بغداد 7 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

«رابطة الصحافة الأجنبية» تتهم الجيش الإسرائيلي بفبركة صورة لصحافي لبناني لتبرير قتله

هاجمت «رابطة الصحافة الأجنبية» الجيش الإسرائيلي بسبب صورة مفبركة بالذكاء الاصطناعي استخدمها لاتهام صحافي لبناني قتله الشهر الماضي بأنه عضو في «حزب الله».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.