جو معلوف... الإعلاميّ المشاكس يتحوّل إلى «دي جي» بدوامٍ كامل

غادر الشاشة منذ سنتَين ليأخذ فاصلاً طويلاً مع الموسيقى

الإعلامي اللبناني جو معلوف يتفرّغ لشغفه تنسيق الموسيقى (إنستغرام)
الإعلامي اللبناني جو معلوف يتفرّغ لشغفه تنسيق الموسيقى (إنستغرام)
TT

جو معلوف... الإعلاميّ المشاكس يتحوّل إلى «دي جي» بدوامٍ كامل

الإعلامي اللبناني جو معلوف يتفرّغ لشغفه تنسيق الموسيقى (إنستغرام)
الإعلامي اللبناني جو معلوف يتفرّغ لشغفه تنسيق الموسيقى (إنستغرام)

عرفه المشاهدون اللبنانيون والعرب وجهاً تلفزيونياً قلّما يبتسم، لفَرط ثقل ومرارة القضايا الاجتماعية والإنسانية التي وضعها في صدارة برامجه. جو معلوف، غالباً ما أطلّ على الشاشة مستنفراً ضدّ ظلمٍ تعرّض له طفل، وغاضباً من نظامٍ عاث في البلاد فساداً.

منذ سنتَين غادر الإعلامي اللبناني جو معلوف الشاشة (إنستغرام)

من أمام الكاميرا إلى خلف أزرار تنسيق الموسيقى انتقل معلوف، بوجهٍ تعلوه الابتسامة هذه المرّة، وباسمٍ جديد هو Just J. كل الطرق كان لا بدّ من أن تؤدّي به إلى لقب DJ. أطفأ الشاشة خلفه ومشى باتّجاه شغفه، معتمراً السمّاعات وحاشداً حوله محبّي موسيقى «الهاوس» الإلكترونية.

يتذكّر في حديثه مع «الشرق الأوسط» كيف أسّس إذاعته الأولى في سنّ الـ13: «كنت أقيم عند جدَّيّ يوم فتحت إذاعة صغيرة تبثّ داخل الحيّ حيث نقطن». لاحقاً، وبالتزامن مع اختياره هندسة الكمبيوتر والاتصالات تخصُصاً جامعياً، ابتكر إذاعته الثانية من داخل منزل والدته. غير أنّ الأمر انتهى بأن اقتيدَ إلى التحقيق، بعد أن صدر قرار بتنظيم قطاع الإذاعات اللبنانية.

ركّب أجهزة البث بنفسه واستعان بحاسوبه لتشغيل الأغاني وتلقّي طلبات المستمعين. لكن بعد أن أُقفلت «إذاعة البيت» قسراً، تمسّك بحلمه ولم تمضِ سنوات حتى افتتح إذاعته الشرعية وسمّاها «جرس سكوب».

كان معلوف في الـ13 يوم أسّس إذاعته الأولى من داخل المنزل (صور الإعلامي)

رغم تلك البداية الإذاعيّة الطموحة، فإنّ الصورة التي انطبعت في أذهان الجمهور عن جو معلوف، هي لذاك الإعلاميّ المشاكس، صاحب الصوت العالي، والحامل قضايا اجتماعية شائكة في برامجه التلفزيونية التي جالت على أبرز المحطات طيلة 14 عاماً. فإن معلوف قرر وضع تلك الصورة جانباً منذ سنتَين، عائداً إلى حلم الطفولة إنما على هيئة DJ أو منسّق موسيقى.

يبدو قرار النقلة الصادم ناتجاً عن خيبةٍ من حائط المهنة المسدود، إذ إنّ رفع الصوت دفاعاً عن حقوق المواطنين لم يُجدِ نفعاً؛ «اتخذتُ قرار الابتعاد عن الشاشة بعدما تبيّنَ لي أنه لا نتيجة، وأنّني أدور في حلقةٍ مفرغة لا توصل الناس إلى حقوقها». بعد أن كرّس «هواءه» للمحرومين، والمقموعين، والمهمّشين، بلغ مرحلةً متقدّمة من عدم الرضا، «وبما أني لستُ متعلّقاً بالشاشة فإنّ الرحيل كان سهلاً»، يقول معلوف.

قدّم معلوف البرامج الاجتماعية وتولّى قضايا إنسانية طيلة 14 عاماً (إنستغرام)

يكرّر أنه لولا الموسيقى لما تخطّى الخيبة. ولا ينكر أنه عاش صراعاً ما بين حرّيته «وقضبان النظام اللبناني، التي ضاق خلفها هامش الحريات بفعل الارتهان»، وفق تعبير معلوف.

إلى حرّيّةٍ من نوع آخر، طار على أجنحة الموسيقى التي يحب. في طليعة اهتماماته حالياً عروضه التي يقيمها ما بين بيروت والعواصم العربية والأوروبية، وتلك التي ينظّمها مستقدماً إلى لبنان أبرز الأسماء العالمية في مجال التنسيق الموسيقي الإلكتروني.

«هذه أيضاً طريقة أخدم بلدي من خلالها. كان من الممكن أن أقبل العروض التلفزيونية التي أتتني من الخارج، لكنّي فضّلت البقاء هنا مانحاً نفسي فرصة الاستكشاف والسعادة، ولأدعم ثقافة الحياة والفرح في بلدي»؛ يُدرّ قطاع الترفيه على لبنان الكثير، لا سيّما خلال مواسم الاستقرار الأمني، وهذا ما قرّر معلوف الاستثمار فيه حتى إشعار آخر ضمن حفلات يفوق عدد حضورها أحياناً الـ5 آلاف شخص.

ليس تنسيق الموسيقى طارئاً على جدول أعمال جو معلوف، فهو حتى عندما كان إعلامياً بدوامٍ كامل، غالباً ما أحيا السهرات. «خلال عملي في التلفزيون كان الأمر بمثابة هواية. كنتُ DJ بخجَل وبعيداً عن الأضواء، أي أنني كنت أطلّ الاثنين على الشاشة لأناقش ملفّات حياتيّة ملحّة، ثم أظهر السبت في إحدى الحفلات لأشارك الساهرين تنسيقاتي الموسيقية». أما اليوم، فيخوض معلوف المجال بجدّية ومن زاوية ريادةِ الأعمال، وتعهُّد الحفلات، وإقامة شراكات مع جهات خارجية.

لم تأتِ النقلةُ النوعيّة من دون استجماع أكبر قدرٍ ممكن من الجرأة، وغالباً ما تسبّبت الحلّة الجديدة بصدمات من حول معلوف. يستذكر مبتسماً ردود الفعل على وجوه الساهرين، عندما يكتشفون أن الشخصية التلفزيونية التي يعرفون حاضرة بينهم وتتولّى نغمات سهرتهم.

معلوف مع الـDJ العالمي Black Coffee (صور الإعلامي)

هو الذي عُرف بقربِه من بعض نجوم الأغنية العربية وعلى رأسهم الموسيقار الراحل ملحم بركات، لا يلعب معلوف الأغاني العربية في سهراته ولا أغاني البوب الغربي الرائجة. اختار خطاً موسيقياً خاصاً تتضاعف شعبيّته مؤخراً، لا سيّما في أوساط الجيل الجديد. يمزج بين موسيقى الـ«إندي»، والـ«أفرو هاوس»، والـ«بروغريسيف».

من قلب الحلقة الموسيقية الطويلة، لا بدّ من فاصلٍ وسؤال: «هل طويتَ صفحة التلفزيون نهائياً؟». يجيب معلوف أنه لا يعترف بالمستحيلات، إلا أنّ العودة إلى الشاشة ليست من بين أولويّاته في الوقت الراهن. «لا أفكّر في الرجوع إلى التلفزيون ولا أسعى إليه ولا مكان له أصلاً على جدول أعمالي الحافل».

حدّد معلوف أولويّاته: «تنسيق الموسيقى وتنظيم الحفلات وإدارة أعمالي التي أسستها في هذا المجال». أما إذا كان لا بدّ من عودة تلفزيونية، «فلتكُن أقرب إلى الترفيه والموسيقى حتى أشعر بالتصالح والارتياح مع نفسي. لكن أن أعود إلى المعارك مع السياسيين وأصحاب القرار، فهذا لا أريده أبداً».

يحيى معلوف السهرات الموسيقية بين بيروت والرياض ودبي والدوحة وباريس (إنستغرام)

جو متعدّد الهويّات والاهتمامات، وهذا ما يودّ أن يحفظه الجمهور عنه؛ «لا أحبّ أن يتذكّرني الناس من خلال صورة واحدة، بل كشخصٍ لم يمرّ مرور الكرام وكان متعدّد الشخصيات والأهداف».

يبقى الشأن الإنساني في لبّ هذه الاهتمامات، فمن بين المشاريع التي أسسها معلوف جمعيّة «كرامة»، التي تُعنى بشؤون الأحداث في السجون اللبنانية. «هذه القضية أغلى ما على قلبي، وتعهّدتُ بأن أمنحها كل ما استطعت. أنا عشتُ طفولة صعبة، وأعرف تماماً شعور الولد ذي الأسرة المفكّكة، والمحروم ممّن يوجّهه».


مقالات ذات صلة

بعد توقُّف 3 سنوات... مصير مجهول يُغلِّف الصحافة الورقية بالسودان

خاص صحف ورقية كانت تصدر بالسودان قبل اندلاع الحرب (أرشيفية - وكالة السودان للأنباء)

بعد توقُّف 3 سنوات... مصير مجهول يُغلِّف الصحافة الورقية بالسودان

منذ اندلاع الحرب في السودان منتصف أبريل (نيسان) 2023، لا تزال الصحف الورقية في احتجاب كامل، دون أفق أو مؤشرات على عودتها في القريب العاجل.

وجدان طلحة (الخرطوم)
إعلام مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)

جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

عادت قرارات «حظر النشر» لتتصدَّر المشهد الإعلامي في مصر، مثيرةً نقاشاً متصاعداً حول الحدود الفاصلة بين متطلبات العدالة وحق المجتمع في المعرفة.

علاء حموده (القاهرة)
يوميات الشرق الكلمات التي كُتبت يومها كانت تمشي نحو ما سيحدث (رويترز)

صفحات تعود إلى زمن لبناني واكبت فيه الكتابة قلق مشهد يتبدَّل

لا يبدو اختيار الباحثة والصحافية الدكتورة بسكال عازار شلالا لموضوعها سهلاً. فالاقتراب من تلك المرحلة يحتاج إلى جهد بحثي شديد الحساسية...

فاطمة عبد الله (بيروت)
أوروبا شعار «هيئة الإذاعة البريطانية» (بي بي سي BBC) خارج مقر الشركة في لندن، 12 نوفمبر 2025 (أ.ب)

«بي بي سي» تعتزم إلغاء ألفَي وظيفة

أفادت وسائل إعلام بريطانية نقلاً عن مصادر الأربعاء، بأن هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) تعتزم إلغاء نحو ألفَي وظيفة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي أشخاص يمرون أمام لافتة تعرض صور الصحافييَن فاطمة فتوني وعلي شعيب اللذين قُتلا في غارة إسرائيلية في جنوب لبنان خلال مظاهرة في بغداد 7 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

«رابطة الصحافة الأجنبية» تتهم الجيش الإسرائيلي بفبركة صورة لصحافي لبناني لتبرير قتله

هاجمت «رابطة الصحافة الأجنبية» الجيش الإسرائيلي بسبب صورة مفبركة بالذكاء الاصطناعي استخدمها لاتهام صحافي لبناني قتله الشهر الماضي بأنه عضو في «حزب الله».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
TT

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)

عادت المطربة المصرية شيرين عبد الوهاب للأضواء مرة أخرى، بعد إعلان الملحن والموزع عزيز الشافعي عن قرب إصدار أغنية جديدة لها بعنوان «عايزة أشتكي»، ما حظي باهتمام لافت على صفحات «سوشيالية»، وتصدر «الترند» على «غوغل» في مصر، الأحد، وعَدّه بعض المتابعين والنقاد خطوة من شيرين لتجاوز أزمات تعرضت لها في الفترة الأخيرة، تسببت في غيابها عن الساحة الغنائية.

ونشر الملحن عزيز الشافعي مقطع فيديو تظهر فيه شيرين خلال تصوير أغنية جديدة تقول كلماتها «عايزة أشتكي... أشكي»، وقال في الفيديو إنه يعرف أنها أوحشت جمهورها كثيراً، وهي أيضاً تشتاق إليهم، معلناً عن عودتها قريباً بعد فترة غياب شغلت كل محبيها.

وتعرضت شيرين عبد الوهاب للعديد من الأزمات والقضايا والمحاضر المتبادلة بينها والملحن والمطرب حسام حبيب بعد ارتباطهما وانفصالهما أكثر من مرة، كما شهدت أزمات أخرى حول حقوق استغلال صفحاتها «السوشيالية» وفي علاقتها بأخيها وأسرتها، وتعرضت لأزمة صحية بعد جدل أثير حول حفل قدمته في المغرب، واتهمها الجمهور باستخدام «البلاي باك» على خلاف المتوقع منها.

شيرين عبد الوهاب (إنستغرام)

وغابت شيرين عن الساحة الفنية والغنائية لفترة طويلة، إلى أن ظهرت في مارس (آذار) الماضي عبر فيديو متداول على «السوشيال ميديا» بصحبة ابنتها هنا وهما يغنيان في حالة من البهجة والمرح، إلى أن ظهرت أخيراً في مقطع الفيديو الذي نشره عزيز الشافعي من كواليس التسجيل، معلناً عن عودتها للساحة الغنائية.

ويرى الناقد الموسيقي المصري، محمود فوزي السيد، أن محبي وجمهور شيرين يتمنى عودتها بشكل نهائي للساحة الغنائية وتجاوز كل أزماتها، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «للأسف رفاهية الفرص الجديدة لم تعد متاحة بشكل كبير بالنسبة لشيرين، خصوصاً أنها حظيت بفرص للعودة من قبل ولم تستثمرها بالشكل المنشود».

وتابع: «نتمنى رجوعها طبعاً لأنها صوت مهم جداً على ساحتي الغناء المصرية والعربية، ونتمنى أن يكون هذا قرار العودة النهائية بألبوم كامل، وأن يكون فريق العمل معها من ملحنين وشعراء وموزعين ومهندسي صوت على قدر المسؤولية؛ لأنها مسؤولية كبيرة عودة شيرين، ويجب أن تكون أعمالها القادمة مناسبة لقيمتها الفنية وموهبتها واشتياق الجمهور لها، وليست مجرد أعمال لملء الألبوم».

ووصف السيد صوت شيرين بأنه «يتميز بالأصالة الشديدة، ومن ثم حين تعود يجب أن تعود بكامل لياقتها الصوتية، لأنها صوت مميز جداً، وهذا التميز يجب أن يظل العلامة المميزة لصوتها وأدائها».

من كواليس الأغنية الجديدة (صفحة عزيز الشافعي على فيسبوك)

وقدمت شيرين العديد من الألبومات الغنائية والأغاني الفردية على مدى مشورها كما أحيت عشرات الحفلات في مصر والخارج، وكان أول ألبوماتها المفردة «جرح تاني» الذي صدر عام 2003، ثم توالت أعمالها مثل «آه يا ليل» و«بتوحشني» و«أنا كثير» و«حبيت»، وكانت أحدث أغنياتها بعنوان «باتمنى أنساك».

ويصف الناقد الموسيقي المصري، أحمد السماحي، الاهتمام بعودة شيرين بأنها «قد يكون مفتعلاً من صفحات مؤثرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «شيرين بقدر محبة جمهورها لها فهو غاضب منها، وربما كان الاهتمام بإعلان عزيز الشافعي قرب عودة شيرين؛ لأن الشافعي واحد من فرسان الساحة الغنائية حالياً، والجميع يهتم بما يعلن عنه».

وتابع السماحي: «أرجو أن تبعد شيرين أزماتها الأسرية والشخصية عن الإعلام والمجال العام، كما تفعل الكثير من المطربات، فهناك العديد من الأسرار في حياة النجوم ونجمات الغناء لا نعرف عنها شيئاً، لأنهم تمكنوا من بناء حائط صد وخط أحمر يفصل بين حياتهم الفنية وحياتهم الشخصية وأتمنى أن تتمكن شيرين من رسم هذا الخط الأحمر لحياتها الشخصية والأسرية، وتبتعد عن الصخب والجدل الذي يحيط بوجودها وتترك المساحة لصوتها فقط وأغنياتها؛ أقول ذلك بحكم محبتي لصوتها ومتابعتي لها منذ بداياتها، وأعرف مدى طيبتها وعفويتها».

وأشار السماحي إلى أن حضور شيرين حالياً في وجدان محبيها وجمهورها يعود إلى «عذوبة وجمال صوتها، واختياراتها الغنائية الموفقة، فهي من المطربات القليلات في مصر والوطن العربي اللائي يجيدن اختيار أغانيهن، لذلك حظيت بمكانة ما في قلب الجمهور العربي، لكن هذا المكان أصبح عرضة للتراجع بسبب الخلط بين الحياة الشخصية وبين المشوار الفني»؛ على حد تعبيره.


العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
TT

العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)

في سباق عالمي محتدم على استقطاب كبرى الإنتاجات السينمائية، تدخل العلا المشهد بثقل مختلف، لا يعتمد فقط على سحر الموقع، بل على «مشروع متكامل» يعيد تشكيل مفهوم صناعة الفيلم في المنطقة. فمن صحرائها التي احتضنت عبر التاريخ حضارات متعاقبة، تنطلق اليوم رؤية حديثة يقودها «فيلم العلا»، ليضع المملكة في موقع تنافسي جديد، ليس بوصفها محطة تصوير عابرة، بل وجهة إنتاج سينمائي متكاملة تسعى إلى ترسيخ حضورها في قلب الصناعة العالمية.

وفي مؤشر واضح على تصاعد حضورها الدولي، جاءت العلا مؤخراً ضمن القائمة النهائية لـ«جوائز الإنتاج العالمية 2026»، في فئة «مدينة الأفلام»، وهي من أبرز الجوائز المهنية التي تُنظم سنوياً بالتزامن مع «مهرجان كان السينمائي». ومن المقرر أن تُعلن النتائج في 18 مايو (أيار) 2026 خلال حفل رسمي بمدينة كان الفرنسية، حيث تتنافس العلا مع وجهات إنتاج عالمية، في سباق يعكس مكانتها المتنامية في صناعة السينما الدولية.

هذا الترشيح لا يُقرأ على أنه إنجاز رمزي فحسب، بل أيضاً بوصفه دليلاً على انتقال «فيلم العلا» من مشروع محلي ناشئ إلى لاعب حاضر في مشهد الإنتاج العالمي، مدعوماً ببنية تحتية متطورة ومواقع تصوير استثنائية.

من موقع تصوير إلى مركز إنتاج عالمي

لم يعد الرهان على جمال الطبيعة وحده كافياً، فالعلا، كما يؤكد لـ«الشرق الأوسط» المدير التنفيذي المكلف بالإنابة «فيلم العلا»، زيد شاكر، «تتحرك بخطى مدروسة نحو بناء منظومة إنتاج متكاملة، قادرة على استقطاب المشروعات العالمية وتوطينها في الوقت ذاته». ويشير إلى أن البنية التحتية التي يجري تطويرها ليست مجرد إضافة تقنية، «بل هي أيضاً عنصر حاسم في هذا التحول»، موضحاً أن الهدف هو الانتقال بالعلا «من موقع تصوير مميز إلى مركز إنتاج سينمائي متكامل يستقطب كبرى المشروعات العالمية».

خلال تصوير عدد من الأعمال العالمية، لم تكن الطبيعة وحدها هي العامل الجاذب، بل تكاملها مع بنية إنتاجية متقدمة. ويؤكد شاكر أن العلا تمتلك مزيجاً فريداً من «الصحارى والجبال والتكوينات الصخرية والمواقع الأثرية»؛ مما يمنحها قدرة استثنائية على تمثيل بيئات متعددة على الشاشة، دون الحاجة إلى التنقل بين مواقع مختلفة. لكن الأهم، وفقه، هو «ما وراء الكاميرا: استوديوهات مجهزة، ومرافق إنتاج، ودعم لوجيستي، وخدمات متكاملة... تتيح تنفيذ المشروعات السينمائية الكبرى بكفاءة عالية».

بين العالمية والمحلية

أحد أبرز رهانات «فيلم العلا» تمثل في تحقيق توازن مستدام بين استقطاب الإنتاجات العالمية، وبناء كوادر وطنية قادرة على قيادة الصناعة مستقبلاً. وفي هذا السياق، يوضح شاكر أن «الجهود تتركز على برامج تدريبية وشراكات تعليمية دولية، إلى جانب حوافز إنتاجية تنافسية لدعم المشروعات المحلية والعالمية، بما يسهم في نقل المعرفة وتوطينها».

قبل وصولهم إلى العلا، يحمل كثير من صناع الأفلام تصورات مسبقة عن تحديات التصوير في المنطقة، لكن هذه الصورة تتغير سريعاً بمجرد بدء العمل. ويشير شاكر إلى أن «الشركاء الدوليين يفاجأون بمستوى الجاهزية، وسلاسة الإجراءات، والدعم اللوجيستي المتكامل؛ مما يعزز ثقتهم ويشجعهم على العودة بمشروعات جديدة».

الجغرافيا بوصفها عاملاً إبداعياً... لا مجرد خلفية

ليست العلا مجرد موقع بصري جذاب، بل بيئة سردية تؤثر في طبيعة الأعمال التي تنتَج فيها. ويؤكد شاكر أن «الخصائص الجغرافية والتاريخية للمنطقة تلعب دوراً مباشراً في اختيار المشروعات؛ لما توفره من تنوع بصري وسردي يفتح آفاقاً واسعة أمام صناع الأفلام». ورغم البعد الاقتصادي الواضح، فإن «فيلم العلا» يحمل بعداً ثقافياً استراتيجياً، فالمشروع، وفق شاكر، «يسهم في إعادة تشكيل الصورة السينمائية للمملكة عالمياً، ويعزز حضورها مصدراً للقصص، وليس فقط موقعَ تصوير».

وعند تلخيص التجربة، تبدو الرسالة واضحة: العلا ليست مجرد موقع تصوير، بل بيئة متكاملة لصناعة القصص، ففي وقت تتنافس فيه الوجهات العالمية على جذب الإنتاجات، تقدم العلا نموذجاً مختلفاً، يجمع بين المكان، والبنية، والرؤية، ليؤسس لصناعة سينمائية واعدة، تتجاوز حدود الجغرافيا نحو فضاء أوسع من التأثير والحضور.


حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
TT

حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)

كُشف أخيراً عن مصير عائلة أميركية اختفت في ظروف غامضة قبل نحو سبعة عقود، في قضية أثارت اهتماماً واسعاً آنذاك. فقد اختفت عائلة مارتن، المكوّنة من الوالدين كينيث وباربرا، وبناتهما: باربي (14 عاماً)، وفيرجينيا (13 عاماً)، وسوزان (11 عاماً)، في ديسمبر (كانون الأول) 1958 بولاية أوريغون، بعد تغيّب الوالدين عن العمل بشكل مفاجئ. وعُثر بعد أشهر على جثتي فيرجينيا وسوزان، في حين ظل مصير بقية أفراد الأسرة مجهولاً، حسب «سي إن إن» الأميركية. وظل اختفاء باربي ووالديها لغزاً لعقود، إلى أن قاد اكتشاف حديث إلى حل القضية، إذ عثر الغواص آرتشر مايو، عام 2024 على سيارة من طراز «فورد ستيشن واغن» في نهر كولومبيا، قبل أن تُنتشل في العام التالي وبداخلها بقايا بشرية.

وأكدت فحوص الحمض النووي أنها تعود إلى بقية أفراد عائلة مارتن. وقالت كريستن ميتمان، من مختبر «أورثام»: «كثيرون عملوا لسنوات طويلة لكشف مصير العائلة، ونحن فخورون بالإسهام في هذا الإنجاز. مثل هذه الألغاز لا تثقل كاهل العائلة فحسب، بل المجتمع بأسره، ونأمل أن ينهي هذا حالة الانتظار الطويلة». وكان الابن الأكبر دونالد، الذي كان يبلغ 28 عاماً آنذاك ويقيم في نيويورك، قد شكك في فرضية الحادث العرضي، مرجحاً وجود شُبهة جنائية.

غير أن مكتب شريف مقاطعة هود ريفر، أكد عدم وجود أي دليل على وقوع جريمة، موضحاً أن العائلة اختفت خلال زيارة يُعتقد أنهم قاموا بها إلى منطقة كولومبيا ريفر غورج لجمع نباتات عيد الميلاد، وأنه رغم العثور على بقايا فيرجينيا وسوزان في مجرى النهر بعد أشهر، لم تُثمر عمليات البحث المكثفة، بما فيها الغوص، عن العثور على الوالدين كينيث وباربرا، أو الابنة الكبرى باربي آنذاك.