الفنان السعودي راشد الشعشعي وأحلام الطفولة

يقول في حديث لـ«الشرق الأوسط»: أعمالي تتحدث عن إعلاء قيمة الإنسان

أشجار النخيل والثريا في العلا (Arts AlUla فنون العلا)
أشجار النخيل والثريا في العلا (Arts AlUla فنون العلا)
TT

الفنان السعودي راشد الشعشعي وأحلام الطفولة

أشجار النخيل والثريا في العلا (Arts AlUla فنون العلا)
أشجار النخيل والثريا في العلا (Arts AlUla فنون العلا)

في استوديو راشد الشعشعي بحي جاكس في الرياض يجلس الفنان مع مجموعة من المتدربات، يستمع باهتمام لحديثهن عن تجاربهن الفنية، يعلق في بعض الأحيان، يختار الاستماع أكثر من الكلام. في تعليق على سؤال لإحدى المشاركات عن استخدام المواد المختلفة في الأعمال الفنية، يقول: «واحدة من أهم العناصر في ممارسة الفن هي الخامة. هي الوسيط الذي ينقل ما نريد قوله للمتفرج، وكلما زادت الخبرة والممارسة أمكنك اختيار الوسيط المناسب».

يبدو الحديث عن الخامات مناسباً للبدء في حوار مع الشعشعي، الذي اشتهر بأعماله التركيبية التي تستخدم مفردات من الحياة اليومية للتعبير عن قضايا مهمة، فعرف باستخدام التشكيلات الضخمة، بعضها مستمد من أشكال الأقواس الإسلامية، ومن السجاد الشرقي وفناجين القهوة السعودية، وفي السنوات الأخيرة درج على استخدام السلال البلاستيكية وأقفاص الفواكه المصنوعة من الجريد لتكوين أعمال تركيبية ضخمة.

تحدث الشعشعي مع «الشرق الأوسط» عن أسلوبه الفني وما يشغله من مواضيع وافتتانه بالضوء. الحديث يعود به لطفولته وحياته في القرية وتأثير ذلك على أعماله، وهو ما يؤكد عليه خلال حديثه: «جزء كبير من أعمالي فيها عودة للطفولة».

عمل «أبواب الجنة» (إنستغرام الفنان)

بمناسبة مشاركته الأخيرة في احتفالية «نور الرياض» أتحدث معه عن السمة الغالبة على أعماله، وأسأله إن كان يعد أسلوبه الخاص «بصمته الفنية»، يرد قائلاً، إن كل فنان يعتمد أسلوباً معيناً يستمده من تراكم خبراته ومعارفه، وكل فنان يجد أسلوبه الخاص مع تراكم الأعمال، ويصبح عنده «مسيرة ولغة خاصة»، على العكس من الفنان المبتدئ الذي يتنقل من أسلوب لآخر. يتوقف هنا ويطرح نقطة راودته كثيراً: «دائماً أتساءل: هل هذا الشيء صحي للممارسة الفنية أو غير صحي؟ لأنه في اعتقادي الشخصي أن الفنان المعاصر صاحب قضية يؤمن بها، ويشتغل عليها، ويطوع الخامات والتقنيات لخدمتها أولاً، وليس لخدمة الشكل البصري».

هل يعني بكلامه أنه من الممكن أن يتخلى عن أسلوبه المميز إذا كانت هناك فكرة جديدة؟

يقول: «إذا كانت رغبتي في خلق دهشة بصرية لا تخدم الفكرة فأرى أن ذلك يمثل عجزاً، حتى لو كان الشكل البصري مدهشاً». التكامل بين الفكرة والشكل البصري من أولوياته، ولا يغلب الاهتمام بالإدهاش البصري، على حد تعبيره.

الحديث يأخذنا للمواد التي يستخدمها الفنان في أعماله من السلال البلاستيكية وصناديق الفاكهة الفارغة إلى الجريد وقطع السجاد، يقول شارحاً وجهة نظره: «من خصائص الفن المعاصر استخدامه لوسائل فنية متنوعة جداً، أنا أميل لاستخدام الخامة لنقل حالة رمزية... على سبيل المثال عندما استخدمت السجاد كنت أرمز للدول الإسلامية، استخدمت فناجين القهوة كرمز للثقافة السعودية، وعندما استخدمت خامة الجريد كنت أتكلم عن الحرفة والصناعة المحلية في السعودية».

من الأعمال التي استخدم فيها الجريد تلك التي نفذها في مدينة العلا وسماها «الثريا»، يقول شارحاً عمله: «العمل نفذته ضمن برنامج إقامة فنية في العلا عنوانه (إحياء الواحة) صنعت ثريا ضخمة جداً». يربط اختياره للثريا بارتباطها بالحياة الاجتماعية المحلية «الثريا في الجزيرة العربية هي مجموعة من النجوم ساعدت أهل الجزيرة العربية على تنمية زراعتهم، هذه الحكايات أخذتها من جدي وأنا صغير. وفي العمل أردت أن أخلق لغة حوار مع النجوم عبر بركة مائية وضعتها أسفل مجسم الثريا، وكأنها لغة خطاب بين الثريا التي خلقتها والنجوم الحقيقية، ولكنها لغة مصنوعة من جريد النخيل، وكأنه رد فضل لهذه الثريا التي ساعدت النخيل في النمو».

أشجار النخيل والثريا في العلا experiencealula

من الجريد لخامات أخرى متداولة استخدمها في كثير من أعماله خاصة سلسلة «براند» التي عرض عملاً منها في احتفالية «نور الرياض». استخدم الشعشعي في العمل سلال الفواكه المستخدمة في السوبر ماركت والملصقات الإعلانية التجارية. يتجه الحديث لهذه الخامات، ويبدأ حديثه عنها بالعودة لذكريات الطفولة.

«أنا ولدت في قرية أغلب أهلها مزارعون، جيل والدي بدأ الخروج من المجال ليعمل في التدريس، وإن كان يمارس الزراعة أيضاً. والدي وإخوانه، كانوا كلهم في سلك التعليم، يمارسون التعليم في النهار وجزءاً من الزراعة في الليل، أنا عاونت والدي وجدي في الزراعة، كنت أقطف الفواكه والخضر، وأحملها لبيعها في السوق. جزء كبير من أعمالي الفنية فيه عودة للطفولة».

الناظر لأعمال الشعشعي وتحديداً في سلسلة «براند» لا يلاحظ للوهلة الأولى مكونات العمل، يركب أشكالاً بصرية جميلة جداً من الأشكال الهندسية المتقاطعة بخلفية ملونة مضاءة، الضوء يلعب دوراً كبيراً في جذب المشاهد، ولكن بالاقتراب من العمل تدريجياً تتضح العناصر المختلفة، تبدأ من شكل هندسي بديع لنرى تدريجياً أن الأشكال الهندسية مركبة باستخدام السلات البلاستيكية والصناديق، أما الخلفية فهي ملصقات إعلانية لمواد غذائية مختلفة.

نبدأ بالضوء الذي استخدمه على نحو ماهر... يعود بالذاكرة لطفولته قائلاً: «جزء من خلواتي الشخصية، وأنا صغير، كنت أستلقي تحت شجرة، وأراها تتحرك مع الريح فتنحت الضوء الخارج من الشمس والقادم إلى عيني، كنت أرى هذه الأشكال التي تتغير، وكلما غيرت مكاني كانت الأشكال تختلف فكنت أتأمل هذا الموضوع بكثافة... مثلاً سلسلة (براند)، وسلسلة (أبواب الجنة) فيهما إضاءة من الخلف، كنت أقوم بفلترة هذا الضوء وإضافة الألوان له أو نحته بإزالة بعض الأجزاء».

يضرب مثلاً بعمله الأخير «براند 16» الذي عرض ضمن «نور الرياض»: «هو أحد أعمال سلسلة (براند) التي تتحدث عن إعلاء قيمة الإنسان أمام المنتجات الاستهلاكية، فالصندوق البلاستيكي الذي أستخدمه في العمل هو أصغر قيمة، هذا الصندوق الذي يضعون فيه الفواكه في أثناء نقلها ثم يرْمَى بعد ذلك، هو أصغر رمز لأشياء استهلاكية يومية في حياة الإنسان. أستخدم هذه الصناديق مرشحات للضوء القادم من خلف العمل الفني، إضافة إلى استخدام نص مطبوع مأخوذ من سلع استهلاكية».

«براند 16» (إنستغرام الفنان)

التأثير الذي يحدثه ذلك التركيب يرى أنه «يشبه الزجاج المعشق في دور العبادة».

ماذا عن العمل باستخدام الضوء؟ يقول: «أنا شخصياً أرى النور بمعنى الجلاء والوضوح، هو التنوير هو الحقيقة، هو الشيء الواضح. بينما الظلام لا نرى فيه شيئاً، كلما زاد الإنسان علماً ومعرفة، قضى على الظلام والظلم، أحس أن الضوء عادل، إلهي وروحاني، هدف، ليس هناك شخص يتمنى الذهاب لمنطقة مظلمة، أن يصير جاهلاً بعد علم».

أعماله معقدة التركيب، وتعتمد على الطبقات المختلفة، وهو ما يعده من «خصائص» فنه، يضيف: «دائماً في أعمالي هناك المعنى وما بعد المعنى، الفكرة وما بعد الفكرة؛ لأنني أشعر أن حالة البناء للكون كله مبنية على طبقات وطبقات مثل جسم الإنسان، هذه الطبقات توصل مضامين لمختلف الفئات».

الهرم الرابع في الجيزة (إنستغرام الفنان)

أسأله عن الأشكال التي يستخدمها؛ مثل الأقواس الإسلامية الطابع، والأهرامات التي عرضها في «ديزرت إكس العلا» وفي «آرت دي إيجيبت»، يعرج بالحديث لناحية فلسفية وتاريخية: «أعمالي الفنية تسبر العقل الجمعي، كيف تفكر المجتمعات، وفي مرحلة سابقة (الصحوة وما بعدها) كان الأثر الديني واضحاً، وكانت اللغة الفنية تلجأ إلى ذلك لتصل للناس. الآن نحن في مرحلة الإعمار والبناء في السعودية والعالم العربي، فالهرم بالنسبة إليّ حالة بناء إنساني، أنا أعتقد شخصياً أنه من أهم ما بناه وطوره الإنسان في حياته».

ويعدد الأهرامات: «بنيتُ الهرم الرابع في الجيزة، وكان الهرم الأول في العلا، والثاني في دبي، والثالث كان في الصين... وكل هرم كان يناقش فكرة معينة، ولكن كل الأهرام كانت تناقش الصراع من أجل البقاء والحصول على المنتجات وقيمة المنتجات، والإدارة المالية في المجتمعات في الكون وحياة الإنسان اليوم، وفي المستقبل».



عمل سعودي جديد يبحث عن صيغة تجمع بين المتناقضات

مشهد من حلقة «سباق المريخ» التي تعد الأقوى في المسلسل والأكثر اكتمالاً (نتفليكس)
مشهد من حلقة «سباق المريخ» التي تعد الأقوى في المسلسل والأكثر اكتمالاً (نتفليكس)
TT

عمل سعودي جديد يبحث عن صيغة تجمع بين المتناقضات

مشهد من حلقة «سباق المريخ» التي تعد الأقوى في المسلسل والأكثر اكتمالاً (نتفليكس)
مشهد من حلقة «سباق المريخ» التي تعد الأقوى في المسلسل والأكثر اكتمالاً (نتفليكس)

منذ اللحظة الأولى، يضع «الخلاط+» نفسه في مساحة مختلفة داخل المشهد السعودي، امتداداً لتجارب بدأت على المنصات الرقمية، ثم تطورت عبر أفلام قصيرة صنعت حضورها محلياً، قبل أن تستقر على أربع قصص مستقلة داخل عمل واحد، أقرب إلى أفلام قصيرة متفرقة، مع حضور متكرر للصحراء كخلفية تتقاطع مع الحكايات بدرجات متفاوتة، في المسلسل الذي يُعرض حالياً على منصة «نتفليكس»، كأنثولوجي سعودي، تعتمد فيه كل حلقة على حكاية مختلفة ضمن رؤية واحدة.

وفور بدء عرضه يوم الخميس الماضي، نجح في تصدّر قائمة الأعمال الأعلى مشاهدة في السعودية، خاصة مع كون حلقاته تحتفظ بروح مشتركة تنبع من سخرية اجتماعية مألوفة في أعمال «تلفاز 11»، في عمل ينتمي ظاهرياً إلى الكوميديا، لكنه يتحرك بثقة داخل مناطق أكثر غرابة، وتجريباً، حيث تتداخل الحكاية مع العبث، وتقترب الصورة من الشعرية، بينما تحضر الصحراء بوصفها المكان الرئيس لكل قصة.

وتمنح الصيغة الأنثولوجية العمل مساحة للحرية الكاملة، ففي كل حلقة عالم مستقل، بشخصياتها، ونبرتها، وإيقاعها، ما يجعل كل تجربة قابلة للوقوف وحدها، دون الحاجة إلى ارتباط مباشر بما قبلها، أو بعدها، كما أن العمل يميل إلى القتامة البصرية، مع التركيز على الدرجات اللونية الداكنة، والتصوير الليلي، في كادرات تحمل كثافة بصرية تجعل المشاهد في حالة ترقب، وفي مساحة أقرب إلى التشويق، أو حتى القلق.

الحلقة الأولى التي حملت عنوان (طريق الموت) ومزجت بين الكوميديا والأكشن (نتفليكس)

طريق الموت

تبدأ الحلقة الأولى «طريق الموت» برحلة تمتد داخل الصحراء، وتدور أحداثها حول شاب يرافق والده في طريق سفر، في سياق يبدو عادياً في بدايته، لكنه يتحول تدريجياً إلى مساحة اختبار لشخصية الابن المراهق الذي يسعى إلى إثبات نفسه أمام والده، وأمام فتاة يحرص على لفت انتباهها، ليتشكّل الصراع بين الصورة التي يحاول الشاب تقديمها عن نفسه، بوصفه أكثر جرأة وثقة، وبين حقيقة تنكشف مع تتابع المواقف، خصوصاً عندما يفقد السيطرة على التفاصيل الصغيرة التي كان يعتقد أنه يتحكم بها.

وعلى مستوى الأداء، يبرز الممثل محمد الدوخي بحضور هادئ ورزين في دور «أبومرداع»، حيث يوازن اندفاع الشخصية الشابة، ويمنح العلاقة بين الأب والابن عمقاً واضحاً، خصوصاً في لحظات الصمت التي تحمل توتراً أكبر من الحوار. كما يستفيد الإخراج من امتداد الصحراء، حيث تعتمد اللقطات الواسعة لإبراز العزلة، وتكثيف الإحساس بأن الشخصيات تحت المراقبة المستمرة، وتبني الحلقة فكرتها بشكل واضح منذ البداية، وتستمر ضمن هذا المسار حتى المنتصف، إلا أن تتوه بعض التفاصيل مع عنصر المفاجأة الذي يتكشّف لاحقاً، ويغيّر مسار الحكاية.

حلقة انتقام جربوع تقدم فكرة خيالية عن قدرات الحيوان الصغير عن الانتقام لعائلته (نتفليكس)

انتقام جربوع

وتأتي الحلقة الثانية بعنوان «انتقام جربوع»، لتنتقل إلى بيئة مختلفة، حيث تتناول الأحداث حارس أمن (زياد العمري) يهوى صيد الجرابيع في الصحراء، إلا أن جربوعاً صغيراً يرغب بالانتقام منه بسبب اصطياده لأهله، فيذهب ويترصّد له على غرار الخيال في أفلام ديزني؛ حين يبدو الحيوان صغير الحجم قادراً على فعل الأعاجيب، والحيّل الذكية للانتقام. ويساعده في ذلك كون حارس الأمن يعيش حالة من التهميش تجعله يسعى إلى لفت الانتباه بأي طريقة ممكنة، خصوصاً بعد انجذابه إلى شابة مشهورة وجميلة يراها خارج نطاقه الاجتماعي، في حفل ضخم هو مكلف بحراسته مع زملائه من الشركة الأمنية.

ويمكن القول إن الصراع في هذه الحلقة داخلي بالدرجة الأولى، إذ يحاول البطل كسر موقعه المحدود داخل هذا الفضاء المغلق، والتقدّم خطوة نحو صورة مختلفة عن نفسه، حتى لو كان ذلك عبر سلوكيات متطرفة، أو غير محسوبة. مع ذلك، تبقى الكتابة أقل حسماً، حيث تتنقل الحلقة بين الكوميديا والدراما دون إيقاع ثابت، ما يجعل بعض المشاهد تبدو مفصولة عن مسار التطور الطبيعي للأحداث.

زياد العمري بطل حلقة (انتقام جربوع) التي جاءت الثانية في العمل (نتفليكس)

سباق المريخ

ويصل المسلسل ذروته في الحلقة الثالثة وهي بعنوان «سباق المريخ»، وتدور حول فكرة عبثية في ظاهرها، حيث يتشكل مشروع غير واقعي يقود مجموعة من الشخصيات نحو سباق يحمل طابعاً تنافسياً، لكنه في عمقه يعكس هوس الطموح، والسعي إلى تحقيق إنجاز بأي وسيلة. وذلك في شخصية الشاب سعد (عبد الله الدريس)؛ الذي يحلم بأن يصبح منتج أفلام، قبل أن يجد نفسه داخل فرصة مهنية مرتبطة بتصوير مشهد الهبوط على سطح المريخ.

ومن هنا تبني الحلقة صراعها بين طموح شخصي كبير، وواقع مهني مرتبك، تتحول فيه الفرصة المنتظرة إلى اختبار لطبيعة هذا الحلم، وحدوده. وفي خلفية هذا المسار تقترب الحلقة من عالم الإنتاج والصورة، وتقرأه بسخرية واضحة، عبر مفارقة مستمرة بين ضخامة الفكرة وهشاشة التنفيذ، ويختزل ذلك المشهد الذي جمع بين عبد الله الدريس وعلي الكلثمي، بصفة أن الأول منتج، والثاني مخرج، والأحاديث الساخرة حول طبيعة الوسط السينمائي السعودي، وصعوبة النجاح فيه.

وأثناء ذلك تحمل الحلقة نكهة سياسية ساخرة في تناول التنافس الأميركي-الصيني على أسبقية الوصول إلى سطح المريخ، حيث يحاول كلاهما افتعال المشاهد والقصص المختلقة لتأكيد ذلك أمام ملايين المشاهدين من حول العالم، في أحداث عبثية مليئة بالحماس، والترقب، وهو ما يجعل «سباق المريخ» هي الحلقة الأقوى، والأكثر اكتمالاً في المسلسل.

جانب من كواليس التصوير في الحلقة الثالثة من المسلسل (نتفليكس)

لسان معقود

أما الحلقة الرابعة والأخيرة، فجاءت بعنوان «لسان معقود»، حول شاعر يعاني من التأتأة، ما يجعله يعيش مفارقة مستمرة بين ما يمتلكه من لغة داخلية وقدرته المحدودة على إخراجها صوتياً أمام الآخرين. ويشكّل هذا التناقض نقطة الانطلاق، ويتابع المشاهد في الحلقة محاولته استعادة صوته، ليس فقط بوصفه أداة للكلام، بل وسيلة حضور وتعبير داخل محيط يربط القيمة بالقدرة على الإلقاء، والظهور.

ومع تطور الأحداث، يدخل الشاعر في مسار بحث عن حل يقوده إلى شخصية غامضة تعده بتجاوز هذه المشكلة، ما يفتح الباب أمام تحوّل في مسار القصة، ويضعه أمام اختبار يتجاوز الجانب العلاجي إلى سؤال أوسع حول الهوية، والاعتماد على الآخرين. ويقود فهد المطيري (أبو سلو) الحلقة بأداء يعتمد على التردد، وتقطّع الجملة، واستخدام الجسد بديلاً عن الصوت، وهو ما يمنح الشخصية مصداقية، خصوصاً في المشاهد التي تقوم على الصمت أكثر من الحوار.

الممثل أبوسلو في مشهد من حلقة لسان معقود (نتفليكس)

وإجمالاً، يقدم مسلسل «الخلاط+» نموذجاً مختلفاً داخل الإنتاج السعودي، حيث يجمع بين الجرأة في الطرح، والتجريب في الشكل، والبذخ في الصورة، من خلال التجربة الإخراجية الروائية الأولى للمخرجين عزيز الجسمي ومحمد العجمي للمسلسل الذي أنتجته شركة «تلفاز11»، وقام بتأليفه علي الكلثمي ومحمد القرعاوي. كما تكشف الحلقات الأربع عن مشروع يمتلك طموحاً واضحاً، ويبحث عن صيغة تجمع بين الكوميديا والعبث، وبين الواقع والخيال. لتخرج النتيجة بحلقات تحمل لحظات قوية، وأخرى أقل اكتمالاً، لكنها تفتح الباب أمام شكل جديد من الأعمال المحلية يراهن على التنوع، ويمنح كل حكاية حقها في أن تُروى بطريقتها الخاصة.


اختبار دم يكشف عدة أنواع من السرطان مبكراً

الاختبار الجديد يكشف السرطان وأمراضاً متعددة من عينة واحدة (جامعة كاليفورنيا)
الاختبار الجديد يكشف السرطان وأمراضاً متعددة من عينة واحدة (جامعة كاليفورنيا)
TT

اختبار دم يكشف عدة أنواع من السرطان مبكراً

الاختبار الجديد يكشف السرطان وأمراضاً متعددة من عينة واحدة (جامعة كاليفورنيا)
الاختبار الجديد يكشف السرطان وأمراضاً متعددة من عينة واحدة (جامعة كاليفورنيا)

طوّر باحثون في جامعة كاليفورنيا الأميركية اختبار دم منخفض التكلفة، أظهر قدرة واعدة على الكشف المبكر عن عدة أنواع من السرطان، إلى جانب تشخيص أمراض الكبد، عبر تحليل بسيط لعينة دم واحدة.

وأوضح الباحثون أن هذا الاختبار المبتكر قد يحدث نقلة نوعية في أساليب الكشف المبكر ومراقبة الصحة بشكل شامل، وبتكلفة أقل، ونُشرت النتائج، الاثنين، في دورية «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم».

ويعتمد الاختبار الجديد، الذي يحمل اسم (MethylScan)، على فكرة بسيطة لكنها متقدمة علمياً، وهي تحليل عينة دم واحدة لاستخلاص معلومات دقيقة عن حالة مختلف أعضاء الجسم، مع التركيز على الكشف المبكر للسرطان وأمراض الكبد من خلال رصد إشارات جزيئية دقيقة في الدم.

وترتكز آلية عمل الاختبار على تحليل ما يُعرف بـ«الحمض النووي الحر» (cfDNA)، وهو شظايا صغيرة من المادة الوراثية تُطلق في مجرى الدم عند موت الخلايا، وبما أن خلايا الجسم تتجدد باستمرار، تحمل هذه الشظايا بصمة جينية تعكس ما يحدث داخل الأنسجة المختلفة، ما يتيح للعلماء قراءة مؤشرات مبكرة على وجود خلل أو مرض.

ويولي الباحثون اهتماماً خاصاً بدراسة «مثيلة الحمض النووي»، وهي تعديلات كيميائية تتحكم في نشاط الجينات وتختلف بين الأنسجة، كما تتغير عند الإصابة بالأمراض. ومن خلال تحليل هذه الأنماط، يمكن التمييز بين الخلايا السليمة والمصابة، بل وتحديد العضو الذي تصدر منه الإشارة المرضية.

وللتغلب على التحدي المتمثل في وجود كميات كبيرة من الحمض النووي الطبيعي في الدم، طوّر الفريق تقنية تستخدم إنزيمات خاصة لإزالة الجزء الأكبر من الإشارات غير المهمة، ما يتيح التركيز على الحمض النووي المرتبط بالأعضاء المصابة، ويعزز دقة النتائج مع تقليل الحاجة إلى تقنيات تسلسل مكلفة.

وبفضل هذه المنهجية، يمكن للاختبار تقديم صورة شاملة عن صحة الجسم من خلال تحليل واحد، ليعمل كـ«رادار بيولوجي» يرصد التغيرات المبكرة في الأنسجة قبل ظهور الأعراض، ما يجعله أداة واعدة في التشخيص المبكر والطب الوقائي.

وشملت الدراسة تحليل عينات من 1061 شخصاً، بينهم مرضى بسرطانات الكبد والرئة والمبيض والمعدة، إضافة إلى أشخاص يعانون أمراضاً كبدية مختلفة وآخرين أصحاء.

وأظهرت النتائج أن الاختبار قادر على اكتشاف نحو 63 في المائة من حالات السرطان عبر مختلف المراحل، ورصد نحو 55 في المائة من السرطانات في مراحلها المبكرة، مع دقة عالية وخصوصية تصل إلى 98 في المائة، ما يقلل من النتائج الإيجابية الخاطئة.

أما بالنسبة لسرطان الكبد، فقد أظهر الاختبار فاعلية مميزة، إذ تمكن من كشف نحو 80 في المائة من الحالات لدى الفئات عالية الخطورة، مثل مرضى التليف أو التهاب الكبد، مع خصوصية تجاوزت 90 في المائة. كما استطاع الاختبار تحديد مصدر الإشارة داخل الجسم، أي العضو الذي تنشأ منه المشكلة، وهو ما يساعد الأطباء على توجيه الفحوص التشخيصية بشكل أدق.

ولم يقتصر دور الاختبار على الكشف عن السرطان، بل أظهر قدرة على التمييز بين أنواع مختلفة من أمراض الكبد، مثل التهاب الكبد الفيروسي والأمراض المرتبطة بالتمثيل الغذائي، بدقة بلغت نحو 85 في المائة.

ووفق الباحثين، فإن هذه التقنية تمثل خطوة مهمة نحو تطوير اختبار دم واحد قادر على الكشف المبكر عن طيف واسع من الأمراض، بما قد يغير مستقبل التشخيص الطبي، ويعزز فرص الوقاية والعلاج المبكر.


رهف عبد الله: دوري في «سر وقدر»... رسالة تُعزِّز ثقة المرأة بنفسها

تشيد بمهنية الممثلة وفاء طربيه (إنستغرام الفنانة)
تشيد بمهنية الممثلة وفاء طربيه (إنستغرام الفنانة)
TT

رهف عبد الله: دوري في «سر وقدر»... رسالة تُعزِّز ثقة المرأة بنفسها

تشيد بمهنية الممثلة وفاء طربيه (إنستغرام الفنانة)
تشيد بمهنية الممثلة وفاء طربيه (إنستغرام الفنانة)

يُتابع اللبنانيون منذ بداية شهر رمضان أحداث مسلسل «سرّ وقدر» على شاشة «إل بي سي آي» (LBCI). وتدور القصة حول اغتيال غامض يطال نائباً لبنانياً، لتجد زوجته الشابة نفسها أمام واقع قاسٍ ومسؤوليات مضاعفة. وبينما تحاول تجاوز صدمتها، تنجرف إلى علاقة عاطفية جديدة مع مدير شركة، قبل أن تبدأ الحقائق بالتكشف تدريجياً، حاملة معها أسئلة مصيرية حول ما جرى ليلة الاغتيال.

وتشهد الحلقات الأخيرة تصاعداً درامياً ملحوظاً، إذ تتكشَّف الأسرار تباعاً، وتتشابك خيوط الماضي بالحاضر، لتضع البطلة أمام اختبارات صعبة قد تغيّر مسار حياتها بالكامل.

تصف مسيرتها التمثيلية بالتطور والنضج (إنستغرام الفنانة)

في هذا السياق، تؤكد رهف عبد الله أن مشاركتها في العمل جاءت نتيجة ثقة متجددة بشركة «فينيكس برودكشن» للمنتج إيلي معلوف، مشيرة إلى أن هذا التعاون الثاني بينهما عزَّز شعورها بالراحة المهنية. كما لفتت إلى أن وجود المخرجة كارولين ميلان شكَّل حافزاً إضافياً، لما تتمتَّع به من رؤية إخراجية دقيقة.

وأبدت إعجابها بأسلوب الكاتبة فيفيان أنطونيوس، موضحة أن الشخصية التي تؤديها كُتبت أساساً لتجسدها الكاتبة بنفسها، قبل أن تمنعها ارتباطات أخرى من ذلك، مما منح رهف دافعاً إضافياً لتقديم الدور بأفضل صورة، لما يحمله من عمق وتحديات على المستويين الإنساني والدرامي.

وتُشير رهف إلى أن المخرجة كارولين ميلان استطاعت استخراج طاقات تمثيلية جديدة لديها، قائلة: «أحببت العمل معها، فقد كانت تحفِّزنا دائماً لتقديم الأفضل، وتدفعنا لتجسيد أدوارنا بسلاسة وتلقائية. كانت تتعامل مع المسلسل كأنه ابنها، تحيط بكل تفاصيله بدقة واهتمام».

وعن تأخر عرض العمل، رغم الانتهاء من تصويره قبل 3 سنوات، تقول: «كنا مُتحمِّسين إلى عرضه في وقت أبكر، لكنني أؤمن بأن لكل شيء توقيته. لم أشعر يوماً بالندم، فالإيجابية بالنسبة لي هي مفتاح الحياة».

في مشهد من مسلسل «سرّ وقدر» (إنستغرام الفنانة)

وتتحدث رهف عن تجربتها إلى جانب ممثلين مخضرمين، مثل وفاء طربيه، والراحل فادي إبراهيم، مشيرة إلى أن وفاء طربيه «مدرسة في التمثيل» تعلَّمت منها الكثير، خصوصاً الصبر والتواضع، رغم خبرتها الطويلة. وتضيف: «كانت تعمل لساعات طويلة من دون تذمر، وتتمتع بمهنية عالية تجعلها علامة فارقة في الدراما اللبنانية».

كما أشادت بأدائها في المسلسل، رغم شهرتها بأدوار الأم، إذ قدمت هذه المرة شخصية شريرة بإتقان.

أما عن فادي إبراهيم، فتقول: «وجوده أضفى على العمل قيمة إضافية، وكان مصدر طاقة إيجابية للجميع، رغم مرضه. لم يشتكِ يوماً، بل كان دائماً المحرك الأساسي لأجواء التصوير بروحه المرحة. وقد شكَّل هذا العمل خاتمة مشواره الفني».

وتلفت رهف إلى أن الشخصية التي تقدمها مختلفة عن أدوارها السابقة، موضحة: «أجسد دور امرأة ضعيفة ومغلوب على أمرها بسبب طيبتها. لكن هذا الضعف ليس سلبياً، بل يشكل نقطة انطلاق نحو القوة. الشخصية تمر بتحولات متعددة، وهو ما جذبني إليها».

وتضيف: «نرى في البداية أرملة مظلومة تحيط بها الضغوط، لكن هذه الظروف لن تمنعها من تحقيق أهدافها. هي لا تقابل الأذى بالأذى، بل تمثل نموذجاً إنسانياً يحتذى به. ومع تطور الأحداث، سيلاحظ المشاهد تغيراً واضحاً في شخصيتها، نابعاً من إيمانها بقدراتها».

وترى أن الدور يوجِّه رسالة واضحة للمرأة، مفادها أن «لا شيء مستحيل إذا وثقت بنفسها».

وعن مسيرتها، تؤكد أن تجاربها المتراكمة أسهمت في نضجها الفني، قائلة: «أسعى دائماً لاختيار خطوات تتماشى مع قناعاتي، وأحرص على الاستمرار في التعلم من كل تجربة».

مع الممثل بيتر سمعان في «سرّ وقدر» (إنستغرام الفنانة)

كما تحدثت عن تجربتها الإعلامية، التي شملت تقديم برامج تلفزيونية، منها «مورنينغ توك» على شاشة «إل بي سي آي»، إضافة إلى برنامج «رمضان بيروت» على شاشة «تلفزيون لبنان»، الذي توقّف بسبب الظروف الأمنية، قبل أن يُستكمل في حلقات خاصة بمناسبة عيد الفطر. وأشارت إلى أنها تتابع دراساتها العليا في التواصل والإعلام، ما عزّز استفادتها من هذه التجربة.

وعن إمكانية خوض أدوار الشر، تقول: «التنوع مهم في مهنتنا، لكن لكل ممثل هوية خاصة. قد أقدم أدواراً جدية، لكنني أستبعد حالياً أدوار الشر، لأنها تتطلب خبرة وتجارب أوسع».

وعن الأعمال التي تابعتها خلال رمضان، ذكرت أنها شاهدت مسلسل «بخمس أرواح» برفقة والدتها، وأُعجبت بأداء كاريس بشار، كما تابعت مسلسل «مولانا» نظراً لإعجابها بالممثل تيم حسن.

وتختتم حديثها بالكشف عن مفاجآت الحلقات الأخيرة من «سرّ وقدر»، قائلة: «هناك رسالة واضحة تتعلق بالمرأة، وأعد المشاهد بنهاية واقعية تتلاقى مع تطلعاته».