من بيئاتهم المحرومة إلى آفاق الموسيقى الواسعة

مشروع «إل سيستيما» يدرّب أطفال لبنان على العزف والغناء المحترفَين

«إل سيستيما» مبادرة اجتماعية لتعليم الأطفال اللبنانيين العزف والغناء الجماعي (الشرق الأوسط)
«إل سيستيما» مبادرة اجتماعية لتعليم الأطفال اللبنانيين العزف والغناء الجماعي (الشرق الأوسط)
TT

من بيئاتهم المحرومة إلى آفاق الموسيقى الواسعة

«إل سيستيما» مبادرة اجتماعية لتعليم الأطفال اللبنانيين العزف والغناء الجماعي (الشرق الأوسط)
«إل سيستيما» مبادرة اجتماعية لتعليم الأطفال اللبنانيين العزف والغناء الجماعي (الشرق الأوسط)

منذ 3 أشهر غادرت الطفلة ليلى جرجور قريتها الحدوديّة رميش جنوبي لبنان بعد اشتداد القصف هناك، وانتقلت مع عائلتها إلى بيروت. في المدينة، نسيت ليلى (8 أعوام) دويّ القذائف وأزيز طائرات الاستطلاع الإسرائيلية. فعلت الموسيقى فعلها على الصغيرة التي انضمّت إلى جوقة «إل سيستيما» المنبثقة عن جمعيّة «بيروت ترنّم»، حيث بدأت تعلُّم الغناء وتعرّفت إلى أصدقاء جدد.

تختار ليلى من بين الأغاني «نقّيلي أحلى زهرة» لزكي ناصيف كأفضل ما حفظت، وتنتقي رفيقةً قادمة من طرابلس لتصنّفها الأقرب إلى قلبها. أما والدة ليلى، فتروي لـ«الشرق الأوسط» كيف أنّ التمارين الأسبوعية انعكست على ابنتها ثقةً بالنفس وفرحاً.

ليلى (يسار الصورة) تغنّي مع زملائها في كورال «إل سيستيما» (الشرق الأوسط)

نقطة ضوء في عيون الأطفال

ليست «إل سيستيما» فكرة تربويّة طارئة، بل هي تعود إلى عام 1975 وتحديداً إلى فنزويلا، عندما نشأ البرنامج المجّاني El Sistema لتعليم الموسيقى للأطفال الآتين من بيئات مهمّشة. أكثر من 60 بلداً حول العالم اقتبسوا المبادرة رافعين شعار «الموسيقى من أجل التغيير المجتمعي».

أما في لبنان، فقد انطلق المشروع منذ سنتَين بدعمٍ من «بيروت ترنّم» والسفارة الأميركية. يشبّه المدير المسؤول عن البرنامج ريشارد عازوري، الأمر بالأكاديمية الموسيقية غير الرسمية للأطفال، الذين يَفِدون من المناطق اللبنانية كافةً بهدف دراسة الموسيقى. يشكّل المشروع نقطة ضوء بالنسبة إلى المواهب الصغيرة، في وقتٍ باتت تُعتبر التربية الموسيقية من الكماليّات وسط المعاناة الاقتصادية لدى العائلات اللبنانية.

أطفال «إل سيستيما» خلال إحدى الحصص التدريبية (الشرق الأوسط)

صحيح أنّ «إل سيستيما» بنسختها اللبنانية لم ترتدِ بعد طابعاً رسمياً، إلا أنّ القيّمين عليها وطلّابها على قدرٍ عالٍ من الجدّية في التعامل مع هذه الفرصة الفنية. «التدريب أسبوعيّ وينقسم ما بين عزف وغناء جماعي»، يشرح عازوري لـ«الشرق الأوسط». يتولّى 10 أساتذة متخصصون مسؤولية أكثر من 150 طفلاً تتراوح أعمارهم ما بين 5 و15 عاماً، فيعلّمونهم قراءة النوتات والعزف على آلات الكمان والباس والتشيللو، كما يدرّبونهم على الغناء الجماعيّ المحترف.

رحلة شاقّة فداءً للموسيقى

بعض أطفال المجموعة يتكبّد عناء الرحلة الأسبوعية من مدنٍ وقرى بعيدة عن العاصمة. ورغم المسافات الطويلة، فهم يصلون إلى الصفّ والبسمات تعتلي وجوههم، متحمّسين لقضاء 4 ساعات وسط النغمات والإيقاعات الشرقية والغربية.

«لدينا طلّاب يأتون من عنجر ورأس بعلبك بقاعاً، وآخرون من صيدا وطرابلس وجبيل وغيرها من المناطق البعيدة»، يوضح عازوري. «لا يتقاعسون إطلاقاً، بل هم الذين يصرّون على أهاليهم أن يوصلوهم»، مع العلم بأنّ الجمعية تتكفّل بتأمين بدل النقل للأهالي، في ظلّ ارتفاع أسعار المحروقات. أما عندما يعودون إلى بلداتهم وبيوتهم، فيحملون آلاتهم معهم ويتدرّبون خلال الأسبوع، مستبدلين العزف والغناء باللعب وشاشة الهاتف.

تتعامل جمعية «بيروت ترنّم» مع هذا المشروع على أنه «قضية اجتماعية»، إذ ليس الهدف منه تعليم الموسيقى فحسب، بل إنشاء روابط وثيقة بين أبناء المناطق اللبنانية.

تَحقّق الهدف فعلاً، فكما أنّ ليلى الآتية من أقصى الجنوب عثرت على الصداقة في زميلةٍ لها آتية من الشمال، كذلك أطفالٌ كثيرون بنَوا صداقاتٍ فيما بينهم، على اختلاف المدن والخلفيّات. ويلفت عازوري في هذا الإطار إلى أن روح التعاون هي السائدة ولا تنافس على الأفضليّة، بل هم يعلّمون بعضهم البعض، وإذا تقدّمَ أحدُهم على الآخر في استيعاب الدرس، يُسارع إلى مساعدة رفاقه.

أبعد من دروس الموسيقى، نشأت صداقات بين الأطفال الآتين من مختلف المناطق اللبنانية (الشرق الأوسط)

آثار نفسية إيجابية بالجملة

كان لبرنامج «إل سيستيما» انعكاسٌ إيجابيّ كذلك على معنويّات الأطفال، فشكّل متنفّساً لهم على المستوى النفسي. «يكفي أن نسمع ضحكاتهم عندما يصلون إلى الدرس، حتى نتأكّد من الأثر النفسي الإيجابي الكبير عليهم»، يقول عازوري. وهم ليسوا المستفيدين الوحيدين على هذا الصعيد، فمدير المشروع نفسُه يقرّ بأنّ هاتَين السنتَين غيّرتا الكثير في حياته: «أعادتني هذه التجربة إلى أبوّتي. فبعد أن كبر أولادي، وجدتُ في هؤلاء الأطفال أبنائي الجدد».

قطع متدرّبو «إل سيستيما» أشواطاً في العزف على الكمان (الشرق الأوسط)

منذ انضمامهم إلى البرنامج، اتّسعت آفاق الأطفال الآتي معظمهم من بيئات محرومة. أخذتهم الموسيقى إلى أماكنَ أجمل، كما سعى القيّمون على المشروع إلى إحاطتهم بأشكال جديدة من الثقافة.

أحد أهمّ لقاءاتهم مع الجمهور العريض الصيف الماضي، جرى بالتعاون مع فرقة «Black Alley» الأميركية المتخصصة في موسيقى الراب والروك. غنّوا وعزفوا معاً، وتآلفوا مع رهبة خشبة المسرح.

تعرّف الأطفال كذلك على أهمية الفنّ الذي يوظَّف في خدمة قضية إنسانية، يوم وقفوا على مقربة من مرفأ بيروت في صيف 2023. بأصواتهم وأوتارهم قدّموا التحية إلى أرواح مَن خسروا حياتهم في التفجير الذي استهدف العاصمة اللبنانية قبل سنتَين.

اختبر متدرّبو «إل سيستيما» مفهوم المسؤولية المجتمعية، من خلال حلقات تثقيفية حول أساسيات العيش المشترك، والانفتاح على الآخر، وحماية البيئة. وهم باتوا مُدركين أهمية إعادة التدوير والامتناع عن رمي النفايات في الشارع.

«على العجلات»

للثقافة السياحية حصّة ضمن برنامج «إل سيستيما»، إذ إن المجموعة بدأت منذ شهرَين سلسلة جولات على المناطق اللبنانية. «مَن ليس قادراً على زيارتنا، سنذهب نحن لزيارته»، يقول عازوري متحدّثاً عن مبادرة «On Wheels» (على العجلات). وتقوم الفكرة على أن يستقلّ الأطفال وأهاليهم وأساتذتهم الباصات بشكلٍ دوريّ، ويقصدون بلدةً من البلدات اللبنانية.

أطفال «إل سيستيما» خلال زيارتهم إلى بلدة أنفة الشمالية (الشرق الأوسط)

يزور الأطفال قريباً طرابلس ودوما وبشرّي شمالاً، وهم كانوا قد حطّوا رحالهم سابقاً في كلٍ من دير القمر في جبل لبنان وأنفة في الشمال.

لم تقتصر الزيارات على السياحة والتعرّف على أترابهم في المناطق، إذ إنّ الأطفال قدّموا عروضاً موسيقيّة غنائية في كل محطة حلّوا فيها ضيوفاً، وأفسحوا المجال أمام أطفال تلك المناطق البعيدة عن العاصمة لمشاركتهم الغناء.


مقالات ذات صلة

التفوق لا يرتبط بالذكاء ولا بالموهبة... علم النفس يوضح

علوم العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)

التفوق لا يرتبط بالذكاء ولا بالموهبة... علم النفس يوضح

يشيع الاعتقاد بأن النجاح في الحياة يرتبط بالذكاء الفائق أو الموهبة الفطرية. غير أن كثيراً من الدراسات الحديثة تشير إلى أن التفوق لا يقوم على هذه العوامل وحدها.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
علوم اختبرتُ 200 أداة تعليمية... إليكم أفضلها وأكثرها فائدة

اختبرتُ 200 أداة تعليمية... إليكم أفضلها وأكثرها فائدة

تساعد في جمع وتنظيم ومشاركة وعرض المواد بطريقة إبداعية

جيريمي كابلان (واشنطن)
علوم الأدوات الذكية تدخل المدارس

في التعليم: تدرّب على قيادة الذكاء الاصطناعي... بدلا من «ركوبه» كمسافر

الطلاب بحاجة إلى تعلّم كيفية استخدامه، وتحليل وظائفه، ووضع إرشادات للاستخدام الشخصي له، وتصميم سياسات سلامة مثالية.

ناتاشا سينغر (نيويورك)
علوم استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»

استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»

أظهرت دراسة جديدة أجراها «مركز بيو للأبحاث» أن أكثر من نصف المراهقين في الولايات المتحدة يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في واجباتهم المدرسية. تضاعف…

ناتاشا سينغر (نيويورك)
يوميات الشرق الثقة في التعليم تتصدّع مع أول كذبة (غيتي)

سقوط «معلّم كامبريدج» الزائف... شهادة مزوَّرة تُنهي مسيرته التعليمية

شُطب معلّم سابق في مدرسة خاصة من السجل النقابي بعدما تبيَّن أنه كذب بشأن حصوله على شهادة من جامعة كامبريدج وعمله موظفاً قضائياً.

«الشرق الأوسط» (لندن)

راحة بين الحلقات... كيف تساعد مشاهدة مسلسلاتك القديمة على تحسين صحتك النفسية؟

أبطال مسلسل «friends» (رويترز)
أبطال مسلسل «friends» (رويترز)
TT

راحة بين الحلقات... كيف تساعد مشاهدة مسلسلاتك القديمة على تحسين صحتك النفسية؟

أبطال مسلسل «friends» (رويترز)
أبطال مسلسل «friends» (رويترز)

تخيل أنك مررت بيوم طويل وشاق. شعرت بأن العمل لا نهاية له، وكانت حركة المرور كالكابوس، وعندما تصل أخيراً إلى المنزل، كل ما ترغب فيه هو مشاهدة شيء ترفيهي بلا تفكير. فتجلس على الأريكة، وتشغل مسلسل «Friends» أو «house» أو «لن أعيش في جلباب أبي». فجأة تشعر بخفة الحياة وسعادة أكبر. ربما شاهدت تلك المسلسلات ألف مرة من قبل، ولكن لا يهم.

على نحو مفاجئ، قد يكون لهذه العادة فوائد فعلية على صحتك النفسية، فإعادة مشاهدة البرامج التلفزيونية القديمة ليست مجرد عادة مسلية، بل تحمل فوائد مثبتة للرفاهية النفسية والعاطفية. تساعد هذه العادة على تقليل التوتر، وتنظيم المشاعر، ورفع المزاج، وحتى مواجهة إرهاق اتخاذ القرارات اليومية.

ويستعرض تقرير نشره موقع «فيريويل مايند»، أبرز الفوائد العلمية لإعادة مشاهدة مسلسلاتك المفضلة، وكيف يمكن لهذه العادة البسيطة أن تمنح عقلك وجسدك استراحة ضرورية من ضغوط الحياة اليومية.

ما هي الفوائد؟

لدينا جميعاً برامج تلفزيونية نعود إليها دائماً لأنها تشعرنا بالدفء والراحة، مثل بطانية مريحة. وتقول كلاريسا سيلفا، عالمة سلوك: «الروتين اليومي يمكن أن يكون مرهقاً ذهنياً، ولهذا فإن مشاهدة البرامج القديمة المألوفة تشعرنا بالطمأنينة. فهي لا تضيف إلى العبء الذهني، بل تمنحنا مهرباً نحتاجه بشدة».

وتضيف إيمي داراموس، اختصاصية علم النفس الإكلينيكي في عيادة كلاريتي في شيكاغو: «أحياناً نحتاج أن تبقى الحياة كما هي لبضع ساعات لنشعر بالأمان والاستقرار».

وفيما يلي بعض الفوائد المدعومة علمياً لإعادة مشاهدة البرامج المفضلة:

تقليل الحمل الذهني:

أدمغتنا بحاجة للراحة من التحفيز المستمر الذي نتعرض له طوال اليوم. مشاهدة برنامج جديد يتطلب جهداً ذهنياً، أما إعادة مشاهدة شيء مألوف فتمنح العقل استراحة عندما نكون مرهقين.

تخفيف التوتر والقلق:

يمكن أن تكون مشاهدة التلفاز وسيلة للهروب. القصص المألوفة تمنح شعوراً بالثبات عندما تصبح الحياة غير متوقعة، على عكس المحتوى الجديد المليء بالتقلبات العاطفية. عندما نكون متوترين ومرهقين، يمنحنا ذلك شعوراً بالسيطرة.

مساعدة في تنظيم المشاعر

عندما نشعر بالضيق أو الإرهاق، تساعد إعادة مشاهدة البرامج المريحة على تنظيم العواطف. نعلم أن الشخصيات ستتغلب على تحدياتها وأن النهاية ستكون سعيدة، مما يمنحنا شعوراً بالأمل والراحة في حياتنا.

مواجهة إرهاق اتخاذ القرارات:

حياتنا مليئة بالقرارات اليومية، من اختيار الملابس إلى تحديد وجبات الطعام. إعادة مشاهدة البرامج المألوفة تساعدنا على تجنب اتخاذ المزيد من القرارات في يومنا.

رفع المزاج:

رؤية لحظات مضحكة أو دافئة تحبها يمكن أن تحسن المزاج فوراً، كما توفر دفعة من الدوبامين للدماغ.

خلق شعور بالانتماء:

قد لا تكون الشخصيات حقيقية، لكنها تمنح شعوراً بالارتباط والراحة.

التخفيف من الملل والشعور بالوحدة: الشعور بالحنين أثناء إعادة المشاهدة يمكن أن يحارب الملل والشعور بالوحدة وحتى الحنين للوطن.

لماذا نعيد مشاهدة البرامج التلفزيونية؟

في عالم مليء بالمسلسلات والأفلام الجديدة، قد نشعر أحياناً بالذنب عند العودة إلى برنامج قديم مفضل، كأننا نتكاسل. ولكن علمياً، هناك أسباب عديدة:

الاسترخاء:

مشاهدة برنامج جديد تتطلب متابعة الحبكة والتعرف على الشخصيات الجديدة وفهم دوافعها. أما برنامج مألوف، فلا يودد ضغط ذهني، والفكاهة والشخصيات المألوفة ترفع المزاج.

الراحة والتوقعية:

البرامج القديمة تمنح شعوراً بالأمان لأنها تتبع نمطاً معروفاً.

الحنين للماضي:

إعادة مشاهدة البرامج القديمة تعيدنا إلى أنفسنا في الماضي، وتذكرنا بأوقات أكثر بساطة وسعادة.

الارتباط العاطفي:

الروابط العاطفية مع الشخصيات الخيالية، المعروفة بالعلاقات «الطرفية»، تمنح شعوراً بالرفقة والانتماء.

الخلفية الصوتية:

أحياناً لا نركز على المشاهدة، بل نحتاج فقط لصوت مألوف أثناء القيام بالأعمال اليومية.

العناية الذاتية:

تخصيص وقت لمشاهدة برنامج قديم يساعد على الاسترخاء وإعادة شحن الطاقة.

اكتشاف تفاصيل جديدة: يمكن أن نلاحظ تفاصيل جديدة لم نرها من قبل، سواء كانت عبارة مضحكة أو إيماءة أو إشارة.

متى تصبح إعادة المشاهدة غير صحية؟

إعادة مشاهدة البرامج القديمة يمكن أن تكون استراتيجية صحية للتعامل مع التوتر والقلق، ولكنها قد تصبح مشكلة إذا استبدلت بالعادات الصحية الأخرى، مثل النوم أو التواصل الاجتماعي أو ممارسة النشاطات اليومية.

يقول العلماء إنه إذا أصبحت عادة الإفراط في مشاهدة المسلسلات وسيلة للهروب من الوحدة أو الاكتئاب أو القلق الاجتماعي، فقد تتحول إلى سلوك غير صحي.


تداعيات الحرب الإيرانية تتسبب في تغيير فعاليات فنية بمصر

دار الأوبرا المصرية تعدل مواعيد حفلاتها (دار الأوبرا)
دار الأوبرا المصرية تعدل مواعيد حفلاتها (دار الأوبرا)
TT

تداعيات الحرب الإيرانية تتسبب في تغيير فعاليات فنية بمصر

دار الأوبرا المصرية تعدل مواعيد حفلاتها (دار الأوبرا)
دار الأوبرا المصرية تعدل مواعيد حفلاتها (دار الأوبرا)

شهدت فعاليات فنية في مصر تغييرات في مواعيد إقامتها المعلن عنها مسبقاً بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، من بينها تأجيل مهرجان «الفضاءات المسرحية المتعددة»، والمقرر إقامته خلال شهر أبريل (نيسان) المقبل، إذ تم إرجاؤه لشهر نوفمبر (تشرين الثاني) القادم، بجانب إعلان دار الأوبرا المصرية عن تغيير مواعيد حفلاتها.

وأعلنت إدارة مهرجان «الفضاءات المسرحية المتعددة»، الذي تنظمه أكاديمية الفنون تحت رعاية وزارة الثقافة المصرية، عن تأجيل الدورة الجديدة من المهرجان. وحسب بيان صحافي أصدرته، الثلاثاء، فإن «القرار جاء بسبب الأحداث الجارية في المنطقة، وما ترتب عليها من تأثيرات مباشرة على عدد من الدول المشاركة بالفعاليات، من ناحية حركة السفر، أو ارتباطات الفرق والعروض، وهو ما حال دون ضمان مشاركة كاملة وفعالة تليق بطبيعة المهرجان ورؤيته الدولية».

وأكدت إدارة المهرجان أن «القرار جاء للحفاظ على المستوى الفني والتنظيمي الذي اعتاد عليه جمهور المهرجان، وكذلك لضمان مشاركة أوسع وأكثر تنوعاً من الفرق العربية والدولية، بما يحقق أهداف المهرجان في تقديم تجربة مسرحية ثرية تعكس تنوع الفضاءات الإبداعية وتكاملها».

وكشفت إدارة مهرجان «الفضاءات»، أن فترة التأجيل سيتم استثمارها في تعزيز «البرنامج الفني»، و«توسيع نطاق التعاون»، مع الشركاء الدوليين، بما يسهم في تقديم «دورة استثنائية»، تليق بمكانة المهرجان على خريطة «الفعاليات المسرحية».

من جانبها، أكدت الناقدة الفنية المصرية ماجدة موريس أن ما يجري من تغييرات في خريطة الفعاليات طبيعي جداً، خصوصاً أنها مرتبطة بأمور تنظيمية، وإجراءات خاصة بالحفلات، والحضور، والسفر، والإقامة.

وأضافت موريس لـ«الشرق الأوسط» أن «العروض المسرحية أيضاً تتطلب توفير أماكن تتماشى مع القرار السيادي لرئاسة الوزراء بترشيد الاستهلاك، وتغيير مواعيد غلق المحال والمطاعم والمراكز التجارية الساعة 9 مساءً، باستثناء الخميس والجمعة، فمن الصعب إقامة العروض واستقبال الجمهور، الذي سيعاني عند الخروج بسبب قرار غلق بعض الأماكن».

ولفتت ماجدة إلى أن ما يجري سيكون له تبعات من ناحية الإقبال الجماهيري على الحفلات، مضيفة أن «التغييرات ربما تطال فعاليات أخرى كان من المقرر إقامتها خلال الشهور القادمة بداية من شهر أبريل، وحتى يونيو (حزيران)، 2026».

من حفلات دار الأوبرا في رمضان الماضي (دار الأوبرا)

وقررت دار الأوبرا المصرية تغيير مواعيد الحفلات تنفيذاً لتعليمات مجلس الوزراء، الهادفة إلى مواجهة التداعيات الناتجة عن الاضطرابات الإقليمية، وأكدت في بيان صحافي أن عروضها ستبدأ في السادسة والنصف مساءً على جميع مسارحها ‏في العاصمة القاهرة، وبمحافظة الإسكندرية ومدينة دمنهور بداية من السبت ‏ 28 مارس (آذار) الحالي.

وأكد البيان أن التعديل يأتي في إطار مراعاة الإجراءات التنظيمية التي اتخذها مجلس الوزراء مع الحرص على تقديم تجربة فنية وثقافية متكاملة للجمهور بما يحقق التوازن بين الالتزام بالإجراءات التنظيمية للدولة والحفاظ على استمرارية الرسالة التنويرية والفنية، والاستمتاع بالعروض الإبداعية، مع ضمان تقديم العروض في أفضل صورة للجمهور.

وأشارت دار الأوبرا إلى أن «التغييرات هي خطوة تنظيمية مؤقتة ترتبط بالمتغيرات الراهنة على الصعيدين الإقليمي والدولي»، مشيرة إلى أن «القرار يخضع للمراجعة المستمرة وفقاً لتطور الأوضاع، على أن تتم إعادة النظر في المواعيد حال استقرار الظروف بما يتيح العودة إلى النظام المعتاد للعروض».

ويرى الناقد الفني المصري محمد عبد الخالق أن تأجيل فعاليات فنية، وتعديل مواعيد بعض الحفلات لهما أسباب عدة، من بينها «تكامل التضامن مع الدول العربية» المتأثرة بالحرب بشكل مباشر، بالإضافة إلى «الأسباب الاقتصادية»، التي تم الإعلان عنها بمصر ضمن حزمة إجراءات تقشفية بسبب تداعيات الحرب.

وأضاف عبد الخالق لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه التغييرات يجب أن تتم في حدود تناسب درجة التأثر الاقتصادي، ولا نتجه إلى إلغاء أو إغلاق كامل لهذه الأنشطة، خصوصاً مع حالة الاستقرار المحلي»، لافتاً إلى أن تأجيل «الفضاءات المسرحية»، إجراء طبيعي لضمان مشاركة دولية واسعة لا تسمح بها الظروف الحالية.


«اعترافات سفاح التجمع» للصالات مجدداً بعد حذف «مشاهد الأزمة»

فيلم «اعترافات سفاح التجمع» مستوحى من قصة حقيقية (الشركة المنتجة)
فيلم «اعترافات سفاح التجمع» مستوحى من قصة حقيقية (الشركة المنتجة)
TT

«اعترافات سفاح التجمع» للصالات مجدداً بعد حذف «مشاهد الأزمة»

فيلم «اعترافات سفاح التجمع» مستوحى من قصة حقيقية (الشركة المنتجة)
فيلم «اعترافات سفاح التجمع» مستوحى من قصة حقيقية (الشركة المنتجة)

عاد فيلم «اعترافات سفاح التجمع» لصالات العرض السينمائية في مصر بعد حصوله على الموافقات الرقابية عقب حذف لقطات من بعض المشاهد ورفع التصنيف العمري للفيلم ليكون «+18»، بموجب قرارات «لجنة التظلمات العليا» التي شكلتها وزيرة الثقافة المصرية جيهان زكي.

وجاء تشكيل اللجنة بعد اعتراض منتج الفيلم أحمد السبكي على قرار رئيس الرقابة على المصنفات الفنية عبد الرحيم كمال بمنع عرض الفيلم وسحبه من الصالات السينمائية عقب عرضه ليلة عيد الفطر بسبب ما وصفته الرقابة بـ«عدم التزام جهة الإنتاج وصناع الفيلم بسيناريو وحوار الفيلم».

الفيلم الذي كتبه وأخرجه محمد صلاح العزب يقوم ببطولته أحمد الفيشاوي، وسينتيا خليفة، وانتصار، ومريم الجندي، وأحداثه مستوحاة من قصة حقيقية لشاب مصري أدين بتهمة قتل عدة سيدات، وتعذيبهن، وتصويرهن قبل قتلهن بعد إعطائهن مواد مخدرة دون علمهن، وهي واحدة من القضايا التي شغلت الرأي العام لأسابيع، وصدر بحق المتهم فيها حكم بالإعدام.

وشاهدت اللجنة، وفق بيان رسمي من وزارة الثقافة، الفيلم وقررت حذف مجموعة من المشاهد التي كانت قد أدت إلى قرار المنع والتي اعتبرتها اللجنة «تخرق الثوابت المجتمعية» مثل «صفع الأم وإهانتها»، بالإضافة إلى «الاتهامات غير اللائقة للمرأة المصرية، مما يكون مهدداً للاستقرار المجتمعي» وغيرها من «المشاهد الجنسية»، وفق البيان.

انتصار على الملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

وشكلت اللجنة بموجب القانون الخاص بـ«تنظيم الرقابة على الأشرطة السينمائية» وضمت في عضويتها مستشار نائب لرئيس مجلس الدولة وعضوية ممثلين عن بعض الهيئات منها «أكاديمية الفنون» وبعض الشخصيات من أهل الخبرة.

وبحسب مصادر لـ«الشرق الأوسط» فإن ما جرى حذفه من الفيلم لم تكن مشاهد كاملة ولكن «شوتات» داخل مشاهد من أجل تخفيف ما اعتبرته الرقابة «عنفاً زائداً» في الأحداث، وقالت المصادر إن «العمل حصل على إجازة رقابية واستوفى جميع الشروط اللازمة والتصاريح قبل الوصول لصالات العرض السينمائية».

وقال مؤلف ومخرج الفيلم محمد صلاح العزب لـ«الشرق الأوسط» إن «الفيلم رغم إجازته رقابياً وعودته للصالات السينمائية فإنه سيواجه ظروفاً صعبة مرتبطة بانتهاء موسم الذروة السينمائي خلال أيام عيد الفطر والعطلة الطويلة، بالإضافة إلى قرار إغلاق صالات العرض مبكراً في مصر اعتباراً من الأسبوع المقبل، وما يترتب عليه من توقف الحفلات المسائية التي تشكل الجزء الأكبر من إيرادات شباك التذاكر».

وأكد العزب أنه وصُناع الفيلم يترقبون ردود الفعل الجماهيرية على العمل خلال الأيام المقبلة، لأن الفيلم في النهاية يجب أن يعود للصالات السينمائية حتى بعد انتهاء ذروة موسم الإيرادات.

محمد صلاح العزب أمام الدعاية الخاصة بالفيلم قبل انطلاق عرضه (حسابه على فيسبوك)

وعَدّ الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين قرار اللجنة التي شكّلت من وزيرة الثقافة «لم يأت بجديد مقارنة بما طلبته الرقابة قبل أسبوع من صناع الفيلم، بل ربما زاد عليه رفع التصنيف العمري للفيلم بالصالات السينمائية»، مشيراً إلى أن شركة الإنتاج تعد الخاسر الأكبر مما حدث.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الشركة فقدت أهم أيام الموسم في شباك التذاكر بسبب المفاوضات المستمرة مع الرقابة؛ الأمر الذي سيكون له تأثير سلبي على إيرادات الفيلم، في ظل الإغلاق المبكر للقاعات المقرر بعد عطلة نهاية الأسبوع، مما يعني أن الفيلم سيواجه أموراً غير متوقعة بالعرض».