قصائد سعيد عقل... باقةٌ تُوقع في عطرها

أمسية غنائية في الذكرى العاشرة لغيابه بصوت كارلا رميا الدافئ

قصائد غنّتها رميا من كلمات أحد أعظم شعراء لبنان (الجهة المنظّمة)
قصائد غنّتها رميا من كلمات أحد أعظم شعراء لبنان (الجهة المنظّمة)
TT

قصائد سعيد عقل... باقةٌ تُوقع في عطرها

قصائد غنّتها رميا من كلمات أحد أعظم شعراء لبنان (الجهة المنظّمة)
قصائد غنّتها رميا من كلمات أحد أعظم شعراء لبنان (الجهة المنظّمة)

10 قصائد نحتها الشاعر اللبناني سعيد عقل، ولحَّن معظمها الأخوان رحباني بما يليق بحنجرة فيروز؛ استُعيدَت في الذكرى العاشرة لغيابه بصوت كارلا رميا. على مسرح «غولبنكيان» في «الجامعة اللبنانية الأميركية»، ملأ المقاعد مَن سمّاهم مُنظّم الأمسية، الشاعر هنري زغيب، «الذوّاقة». الموسيقى المذهلة والشِعر الأسطوري، أتيا مكثّفَيْن بتقدير المغنّية لمنزلة الكلمة، وبوفاء الموسيقيين للنغم الخالد.

زاد لون الفستان النبيذي أناقة على إطلالة الفنانة اللبنانية الحائزة دبلوماً في الغناء الشرقي. تهامس حاضرون أنها تملك صوتاً يحلو انتظاره لقدرته على إتاحة المجال للعذوبة، وهو حين حُمِّل وزنَ القصائد ومسؤولية الألحان، أكد أنه بحجم الحِمْل. بجانبها المايسترو اللبناني أندريه الحاج يقود الفرقة الموسيقية. وإنْ اقتصرت على قلّة، فإنه يُخبر «الشرق الأوسط» عما يعنيه النوعُ أمام الكم، خصوصاً حين يخلُص إلى جمال النتيجة.

الفنانة اللبنانية الحائزة أستاذة الغناء الشرقي كارلا رميا (حسابها الشخصي)

10 قصائد غنّتها رميا، من كلمات أحد أعظم شعراء لبنان. 9 منها لحّنها الأخوان رحباني، وعاشرة من ألحان إياد كنعان. سمّاها هنري زغيب «باقة»، وتطلّع حوله في الوجوه وأشكال التفاعُل للتأكد من الوقوع في عطرها. كان له ما أراد، فالحضور صفّق وطُرِب، وردَّد القصائد بشغف التمسُّك بالنادر.

مرات سمعنا الأغنيات، منها «ردّني إلى بلادي» و«مشوار»، وسائر ما تردّد في الأمسية، لكنّ رميا تمنح إحساساً بالرغبة في سماعها بصوتها. امتاز كل شيء بالحميمية، وأصيب الحفل بلحظة التقاء الذروات. تصفها رميا بـ«اجتماع العناصر»، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ اللحن العظيم والشِعر الخلّاق شكّلا مع صوتها والموسيقى بقيادة الحاج حالة من العَبَق الفني.

يكترثُ أندريه الحاج لـ«إبقاء الإرث حياً فنقدّر مكانة كبارنا» (حسابه الشخصي)

يصبح سعيد عقل المُتيّم بلبنان «شِلْح زنبق» يشاء أن يُكسر على ثرى بلاده. في القصيدة انعكاس لتجليات ولاء الشاعر لأرضه، حدّ الاستعداد للتكسّر على ترابه. امتدّ الغناء متّخذاً شكل التدفّق. وبينما عصا المايسترو تلوّح للنغمات، مرةً إلى اليمين ومرةً إلى اليسار، والوسط، مُرشدةً أنامل الموسيقيين نحو مسار النوتة الأجمل، عَبَرت 10 قصائد، بينها ما يضاعفه صوت فيروز عذوبةً: «أمي يا ملاكي يا حبي الباقي إلى الأبد».

وغنّت رميا «يارا الجدايلها شقر»، فسعيد عقل أراد من الشَعر أن يصنع أبهى الشِعر، متيحاً للعمر التأرجح على «الجدّولة»، و«كل نجمة تبوح بأسرارها»، وهو ينادي جميلته يارا.

رميا تمنح إحساساً بالرغبة في سماع القصائد بصوتها (الجهة المنظّمة)

أغنيتها الخاصة «لعبة»، ألّفها عقل ضمن ديوان «قصائد من دفترها»، ولحّنها إياد كنعان، أدّتها رميا بارتقاء طربي. الحبّ نفسه وزّعته بين أغنيتها الشخصية والأغنيات المستعارة، فغنّت كأنّ كلّ شيء لها، تماماً مثل العزف الذي ظلَّ حريصاً على ألا يغدر اللحنَ أو يباغته بأي نشاز.

ألقى هنري زغيب قصيدة «مشوار»، قبل أن تُجمّلها الألحان. مرات أصغينا إلى هذه التحفة «السعيد عقلية»، بلحن الأخوين وذهب فيروز، واستوقفنا الجمال المقيم في الشِعر وانسياب النغمات. صفّق الحضور لزغيب وهو ينثر الأغنية مجرّدة من الزوائد، فكانت شِعراً خالصاً من ثقيل العيارات. «وقالوا غمرني مرتين وشَدْ/ شوفوا الكذب لوين/ مرّة منيح... اتنين؟/ ولا ردّتو إيدي ولا هو ارتَدْ/ شو بيفضحوا أسرار»، مختومةً بعبرة الحياة: «مشوار جينا عالدني مشوار».

ليس على المرء أن يكون لبنانياً ليقدّر بأي عظمة نحت سعيد عقل أشعاره. باللهجة المحكية، نقلت رميا عن فيروز أغنية «بحبك ما بعرف»، والمايسترو الحاج في حالة انخطاف؛ يده وعصاها تخوضان غوصاً ما. وإن صعُب فكّ اللهجة لغير ممارسيها، فتفسيرُ «لأ دخلك هيأتي رح طير/ مرجحتني بقلبك/ اتركني بعد بكير/ تركني بحبك يا حلو بحبك»، مفادُه أنّ شيئاً لا يضاهي وَقْع الحب على المرء، بقدرته على الرَفْع وإحداث التحليق في عمق الظنّ أنّ الارتطام قدر العشاق.

المايسترو اللبناني أندريه الحاج يقود الفرقة الموسيقية (حسابه الشخصي)

شمل الغناء قصيدة «دقيت طلّ الورد عالشباك»، بجمالها وعبرة مقطعها الأخير «علّمتني حلوة الحلوين/ إنْ فلّيت اترك عطر بهالكون». وأمام حضور، بينهم رئيس الجامعة ميشال معوّض، ارتدى الختام طعم المسك، فقدّم ثلاثيّ الصوت والموسيقى والشِعر واحدة من أجمل ما كتب سعيد عقل، «قصيدة لبنان»؛ بديعة الأبيات، خصوصاً الطافح بالإقدام: «أهلي ويَغلُون، يغدو الموتُ لُعبتَهُم/ إذا تطلَّعَ صوبَ السَّفحِ عدوانُ».

يكترثُ أندريه الحاج لـ«إبقاء الإرث حياً، فنقدّر مكانة كبارنا»، يقول لـ«الشرق الأوسط». يضرب مثلاً بالمصريين: «يتمسّكون بعظمائهم، وليتنا نسلك مسارَهم». اتّسمت قيادته الفرقة بالشغف لأنها قصائد سعيد عقل وألحان الأخوين: «لم يمُت أساطير الموسيقى لأنّ أوركسترات عظيمة لا تزال تعزف مقطوعاتهم. لبنان صنعه كباره، وعلينا التعريف بهم. هذا واجبنا».

منذ شهرين، وهو يُحضِّر. انتقى موسيقيين محترفين، وأوكلهم عزف الألحان العبقرية. برأيه، «المسألة أيضاً متعلّقة بقيمة الصوت الذي يُغنّي». محق. كارلا رميا ملأت المسرح بصوتها الدافئ.

تُخبر أستاذة الغناء الشرقي، «الشرق الأوسط»، أنّ أداء القصائد هو المفضّل لديها: «كنتُ أمام نخبة ما كُتِب ولُحِّن. الشعِر إبداعي والموسيقى عظيمة، وأحسستُ بصدق التفاعل. هذا تكثيف لما أرغب في إعطائه». تغرف من إحساسها، فيحلو الإصغاء: «أغنّي من داخلي، وأدرك بُعد القصيدة وجمالية لوحاتها. أحفظُ الأصل وأجنّبه التشويه».


مقالات ذات صلة

ظهور شيرين المفاجئ يبدد شائعات تدهور صحتها

يوميات الشرق شيرين عبد الوهاب وابنتها في إعلان شركة الاتصالات (يوتيوب)

ظهور شيرين المفاجئ يبدد شائعات تدهور صحتها

لفت الظهور «السوشيالي» المفاجئ للفنانة المصرية شيرين عبد الوهاب رفقة ابنتها «هنا»، عبر فيديو بأول أيام عيد الفطر الأنظار أخيراً.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق عروض متنوعة قدمتها فرقة رضا (وزارة الثقافة المصرية)

«فرقة رضا» تسدل الستار على احتفالات ليالي رمضان بمصر

بعروضها الشهيرة مثل «الأقصر بلدنا» و«الحجالة» و«الكرنبة» و«النوبة» ورقصة التنورة، اختتمت فرقة رضا للفنون الشعبية ليالي «هل هلالك».

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

أعلنت نقابة «الموسيقيين» المصرية في بيان صحافي، الخميس، تحسن الحالة الصحية للفنان هاني شاكر خلال الأيام الماضية بعد تلقيه رعاية طبية دقيقة على يد أطباء مختصين.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق ياسين التهامي خلال الحفل (الأوبرا المصرية)

«عميد المنشدين» ياسين التهامي يختتم الليالي الرمضانية بالأوبرا المصرية

ليلة استثنائية قضاها محبو الإنشاد الديني والأشعار الصوفية مع «شيخ المنشدين» ياسين التهامي، ضمن ليالي رمضان بدار الأوبرا المصرية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق هاني شاكر (صفحته على «فيسبوك»)

فنانون مصريون يدعمون هاني شاكر في أزمته الصحية

توالت رسائل الدعم التي وجهها فنانون مصريون للفنان هاني شاكر في الأزمة الصحية التي يمر بها راهناً.

انتصار دردير (القاهرة )

علماء يعثرون على أقدم مياه على الأرض

اكتشاف ماء تحت سطح الأرض في منجم (شاترستوك)
اكتشاف ماء تحت سطح الأرض في منجم (شاترستوك)
TT

علماء يعثرون على أقدم مياه على الأرض

اكتشاف ماء تحت سطح الأرض في منجم (شاترستوك)
اكتشاف ماء تحت سطح الأرض في منجم (شاترستوك)

تمكّن علماء جيولوجيون من اكتشاف أقدم مياه معروفة على كوكب الأرض، وُجدت في أعماق منجم بكندا، حيث بقيت حبيسة تحت السطح لنحو 2.64 مليار سنة في عزلة مدهشة.

وكان لنتيجة الدراسة، التي نُشرت عام 2016 في مجلة «نيتشر» العلمية، آثار عميقة لا تقتصر على فهم تاريخ الأرض فحسب، بل تمتد إلى تعزيز فرضيات وجود الحياة خارج كوكبنا.

وفي أغوار تقارب ثلاثة كيلومترات تحت سطح الأرض، وفي قلب منجم «كيد كريك» بمقاطعة أونتاريو، اهتدى الباحثون عام 2016 إلى جيب مائي فريد وغير متوقع يُعتقد أنه ظل حبيس الصخور لمدة تزيد على 2.6 مليار سنة، وهي مدة تقارب عمر كوكب الأرض ذاته، مما يتيح للباحثين فرصة نادرة لدراسة نظام بيئي بدائي لم تمسّه العوامل الخارجية.

وكان الحجم الكامل للمياه المكتشفة مفاجئاً، متجاوزاً التوقعات الأولية، وممهداً مسارات جديدة للبحث والاستكشاف العلمي.

وما يجعل هذا الاكتشاف مهماً هو ما وُجد داخل المياه من أدلة تشير إلى وجود حياة قديمة؛ حيث حلل العلماء المياه بحثاً عن آثار من الكبريتات والهيدروجين، وهي مركبات كيميائية تعد دليلاً على وجود نشاط ميكروبي يعود إلى عصور سحيقة.

فقد اكتشف الباحثون أن الكبريتات الموجودة في الماء لم تكن كبريتات حديثة تدفقت من المياه السطحية، بل كبريتات ناتجة عن تفاعل بين الماء والصخور. وقد أوضح لونغ لي، الأستاذ المساعد في جامعة ألبرتا، أهمية هذا الاكتشاف. ولعلّ اللحظة الأكثر إثارة للدهشة في هذا الاكتشاف كانت عندما اتخذت البروفسورة شيروود لولار خطوة غير مسبوقة بتذوّقها الماء القديم. ورغم أن هذا الأمر ليس شائعاً في الدراسات العلمية، فإن قرار شيروود لولار بتذوّق الماء كان مدفوعاً برغبة في فهم خصائصه الفريدة. وقالت لشبكة «سي إن إن» الأميركية: «إنها كانت تبحث عن طعم مالح، لأن الماء الأكثر ملوحة يميل إلى أن يكون أقدم، ولدهشتها، كان السائل القديم (شديد الملوحة والمرارة)، أي أكثر ملوحة من مياه البحر».

ورغم أن هذه اللحظة بدت عابرة، فإنها قدمت فهماً أعمق للتركيب الكيميائي للماء. فقد أكدت ملوحته ومرارته أنه كان معزولاً لفترة طويلة جداً، مما سمح بتراكم المعادن والمواد الأخرى التي ساهمت في مذاقه المميز.


لوحة هزّت المجتمع الألماني تعود أخيراً إلى برلين

لوحة «مورس إمبيراتور» (الموت هو الحاكم) (المتحف الوطني الألماني)
لوحة «مورس إمبيراتور» (الموت هو الحاكم) (المتحف الوطني الألماني)
TT

لوحة هزّت المجتمع الألماني تعود أخيراً إلى برلين

لوحة «مورس إمبيراتور» (الموت هو الحاكم) (المتحف الوطني الألماني)
لوحة «مورس إمبيراتور» (الموت هو الحاكم) (المتحف الوطني الألماني)

بعد أن أحدثت لوحة «مورس إمبيراتور» (الموت هو الحاكم) فضيحة مدوّية عام 1887، وسط مخاوف من أنها تَسخر من القيصر الألماني. وبعد أكثر من مائة عام، ها هي تُعرض اليوم في متحف حكومي، وفق صحيفة «الغارديان» البريطانية.

وتُجسّد اللوحة هيكلاً عظمياً مهيباً يكتسي بعباءة بها فرو القاقم الفاخر، وعلى رأسه تاج حديدي مسنّن، في حين يرتكز بإحدى قدميه على مجسَّم للكرة الأرضية، ويُسقِط عرشاً ملكياً بحركة قوية درامية من معصم عاجيّ.

رسمت الفنانة الألمانية «هيرميون فون بريوستشين» هذه اللوحة الرمزية عام 1887 تحت عنوان «مورس إمبيراتور» (الموت هو الحاكم)، مجسِّدةً بها فناء وسرعة زوال الشهرة والسلطان. ومع ذلك رأت السلطات حينذاك فيها إيماءة ساخرة إلى الإمبراطور الألماني «فيلهلم الأول»، الذي كان قد أتمّ حينها التسعين من عمره، فآثرت إقصاءها ورفضت إدراجها ضمن المعرض السنوي لأكاديمية الفنون في برلين.

وبعد مرور أكثر من مائة عام على إثارة رفض اللوحة وعرضها لاحقاً فيما يشبه قاعة عرض مؤقتة خلال القرن التاسع عشر، ضجّة واسعة في أوساط المجتمع البرليني، عادت اللوحة إلى العاصمة الألمانية. ومن المقرر عرض اللوحة، التي يبلغ طولها 2.5 متر وعرضها 1.3 متر، ابتداءً من الأحد حتى منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، في متحف «ألته ناسيونال غاليري» (المعرض الوطني القديم)، في أول ظهور لها داخل مؤسسة رسمية تابعة للدولة.

وتكشف الفضيحة، التي أحاطت بالعمل الفني لفون بريوستشين، ميل الأنظمة الاستبدادية للارتياب من المعاني والتأويلات الخفية المحتملة في الفن. ويرى أمين معرض برلين أن الإساءة إلى الحكم الملكي لم تكن من نيات الفنانة، ولا كما فهمها الهدف المزعوم.

وُلدت فون بريوستشين في دارمشتات عام 1854، وكانت شاعرة ورحّالة ورسّامة عُرفت بأعمالها التاريخية الكبيرة ذات الطابع الزخرفي، كما ألقت خطاباً حماسياً في المؤتمر العالمي للمرأة ببرلين عام 1896، دعت فيه إلى إتاحة التعليم الفني للنساء في الأكاديميات الفنية.


«الاسم: فلسطين»… فنانون بالقاهرة يواجهون حذف الاسم من المتحف البريطاني

لوحات المعرض تضمَّنت قصصاً من فسطين (الشرق الأوسط)
لوحات المعرض تضمَّنت قصصاً من فسطين (الشرق الأوسط)
TT

«الاسم: فلسطين»… فنانون بالقاهرة يواجهون حذف الاسم من المتحف البريطاني

لوحات المعرض تضمَّنت قصصاً من فسطين (الشرق الأوسط)
لوحات المعرض تضمَّنت قصصاً من فسطين (الشرق الأوسط)

تحت عنوان «الاسم فلسطين» شارك أكثر من 28 فناناً مصرياً وفلسطينياً في معرض فني بالقاهرة، يستعيد سيرة الأراضي العربية المحتلة، ويؤكد على اسمها «فلسطين»، احتجاجاً على قرار المتحف البريطاني «British Museum» إزالة اسم فلسطين من قاعات الشرق الأدنى القديم، بحجة أن مصطلح «فلسطين القديمة» غير دقيق تاريخياً.

ووفقاً لمنظمي المعرض، فإن «الفن يعرف ما لا تقوله الخرائط؛ لذلك اجتمع فنانون يحملون في وجدانهم قيمة الوطن وملحمته الخالدة، ليشهدوا على أرض وشعب وذاكرة... ذاكرة لا يمكن لأي بطاقة تعريف على جدار متحف أن تمحوها».

لوحة جدارية تتضمن مشاهد من فلسطين (إدارة الغاليري)

يضمّ المعرض، الذي يستضيفه غاليري «آرت توكس» (Art Talks)، فنانين من أجيال مختلفة، وأعمالاً تنتمي إلى مدارس متنوعة، من بينها التعبيرية، والسريالية، والتأثيرية، والتكعيبية، والتجريدية. وتُحيل هذه الأعمال، في مجملها، إلى رموز، وعلامات، ومشاهد أصيلة من حياة الشعب الفلسطيني وعاداته وتقاليده وسماته، وكذلك أرضه.

قالت فاتن كنفاني، منسِّقة المعرض، إن «معرض (الاسم: فلسطين) هو الرابع الذي ينظمه غاليري (آرت توكس) عن فلسطين»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أنهم سبق أن نظموا معرضاً عام 2021، «حين تعرّض قطاع غزة لحرب راح ضحيتها كثيرون».

عمل تجريدي ضمن المعرض (الشرق الأوسط)

وتابعت فاتن كنفاني: «إن اختيار عنوان (الاسم: فلسطين) له هدفان؛ أولهما التأكيد على أن القضية مهمة جداً بالنسبة لنا، حتى وإن كان السياسيون وصنّاع القرار لا يستطيعون التحدث بحرية لأسباب ومواءمات معينة؛ فالفنانون يمتلكون القدرة على التعبير بحرية كاملة من خلال أعمالهم الفنية».

ويتناول المعرض وفق قولها: «الفن بوصفه وسيلة مقاومة وكفاح ونضال، لإبراز أهمية القضية بالنسبة إلى مصر والحركة الثقافية فيها». ويضمّ 28 فناناً، أكثر من نصفهم فلسطينيون، بعضهم جاء إلى مصر هرباً من جحيم الحرب على غزة ليبدأوا حياة جديدة.

إحدى لوحات المعرض تُعبِّر عن أرض فسطين (إدارة الغاليري)

وتابعت فاتن: «لم يتمكن معظم الفنانين من الهروب بأعمالهم الفنية، وأن اثنين من أبرز الفنانين في غزة، النحات فايز السرساوي، والفنان محمد الفِرَّة، يرويان كيف وجدا الاستوديو الخاص بهما، بعد 30 عاماً من العمل، وقد تحوَّل إلى تراب وركام خلال الحرب؛ فأعمالهما لم تُفقد فحسب، بل مُحيت من التاريخ».

وأضافت أن «هذا المعرض ردَّ بشجاعة على قرار المتحف البريطاني، في شهر فبراير (شباط) الماضي، الذي جاء تحت ضغط جهة تدعم وتروِّج لرواية بلد آخر، لإزالة كلمة فلسطين من القاعات المرتبطة بمصر القديمة».

وعلى ما يبدو، فإن حجم الضغط الذي تعرَّض له المتحف كان كبيراً، ما دفعه إلى حذف كلمة فلسطين واستبدال كلمة (كنعان) بها، مبرراً ذلك بأن «مصطلح فلسطين يحمل دلالة ثقافية وإثنوغرافية لمجموعة من الناس، لا اسماً لمكان أو منطقة محددة»، وأوضحت: «في المقابل، يضمُّ المتحف نفسه لوحات تثبت أن لكلمة فلسطين حضوراً في النقوش المصرية القديمة، ما يؤكد أنها منطقة جغرافية معروفة وموثّقة تاريخياً منذ أكثر من 3200 عام».

لوحة ضمن المعرض (إدارة الغاليري)

وكان تقريرٌ نشرته صحيفة «التلغراف» البريطانية، ونقلته وكالات أنباء في فبراير (شباط) الماضي، قد أفاد بإزالة اسم فلسطين من بعض لوحات قاعة الشرق الأدنى، تحت ضغط من مجموعة «المحامون البريطانيون من أجل إسرائيل»، ومقرُّها لندن. وأصدر المتحف بياناً نفى فيه حذف اسم فلسطين كلياً، مؤكداً أن التوصيف لا يزال موجوداً في قاعات أخرى، غير أن اسم «كنعان» استُخدم للإشارة إلى جنوب بلاد الشام في الألفية الثانية قبل الميلاد.

وترى الفنانة الفلسطينية الأصل وفاء النشاشيبي أن «الفن كان دائماً مساحة للذاكرة وللشهادة الإنسانية، وهذا المعرض يحمل رسالة عميقة تتمثل في التضامن مع الفنانين الفلسطينيين، والتأكيد على تاريخ وهوية لا يمكن محوهما»، معربةً عن امتنانها للمشاركة بأعمالها الفنية إلى جانب فنانين فلسطينيين ومصريين، دعماً للأرض والشعب الفلسطيني.

لوحة يبرز فيها الزي الفلسطيني (إدارة الغاليري)

وقالت وفاء النشاشيبي لـ«الشرق الأوسط»: «يسعى المعرض إلى توجيه رسالة إلى العالم مفادها أن ما يُحذف من النصوص يظل حياً في الفن. وقد سعدتُ بالمشاركة فيه، خصوصاً أنني من أصول فلسطينية وأعيش في مصر منذ فترة».

وأضافت: «نحن نمثِّل الجيل الرابع تقريباً، وعلى وشك الدخول في الجيل الخامس من الأجيال الفلسطينية التي عاشت هذه المحنة منذ ثلاثينات القرن الماضي وأربعيناته؛ فهناك الجدّ والأب، ونحن الأحفاد، ثم أبناؤنا. وقد أصبح الصوت الفني أكثر إلحاحاً وصدقاً، ولم يعد المعرض مجرد عنوان، بل هو حضور فعلي وإصرار على حفظ الوطن في الذاكرة الفنية، بلغة المشاعر والخط واللون».

عدد من الفنانين المشاركين في معرض «الاسم فلسطين» (إدارة الغاليري)

ولفتت إلى أن هناك رموزاً ودلالات ومشاهد يومية مثيرة تعبِّر عن الواقع الفلسطيني، من خلال رؤى متنوعة لفنانين مشحونين بمشاعر الدعم والانتماء، خصوصاً في ظل الأحداث المتلاحقة التي يتعرض لها الفلسطينيون، وتشهدها المنطقة حالياً.

ويضمّ المعرض لوحة للفنان الفلسطيني ياسر أبو سيدو بعنوان «السيد المسيح قام»، تُعبِّر عن مشهد الصلب بأسلوب يربط بين الطابع الديني والمأساة التاريخية. وحسب أبو سيدو، فإن سفارة فلسطين في القاهرة اختارت لوحته لإهدائها إلى البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية.

لوحة تعبِّر عن مشهد تاريخ أرض فلسطين بعنوان «السيد المسيح قام» (الشرق الأوسط)

كما يضمُّ المعرض لوحات متنوعة تعبِّر عن الأزياء الفلسطينية، والأرض، والمأساة التي يعيشها الفلسطينيون في وطنهم وفي الشتات، وكذلك في سياق المطالبة بحق العودة. وتظهر ضمن الأعمال شخصيات فلسطينية بارزة، مثل بورتريه للشاعر محمود درويش، إلى جانب أعمال ذات صدى وجداني وتاريخي واضح، من بينها جدارية مؤلَّفة من قطع خشبية تجسِّد مشاهد مختلفة من فلسطين.