تستدعي الفنانة السورية سعاد مردم بك ويلات الحروب لتصنع جسراً للسلام وملاذاً آمناً للبشر، عبر معرضها الجديد «وردة المنطقة العازلة»، الذي يستضيفه «غاليري بيكاسو» في القاهرة حتى 10 يناير (كانون الثاني) الحالي.
لطالما حضرت الحروب في مسار الفن التشكيلي، عبر مراحله ومدارسه المختلفة، فبينما استحضرها فنانون لتمجيد الأبطال ورسم المعارك، جسَّدها آخرون حالةً من المعاناة المستمرة التي تدمي القلوب.
تشتبك الفنانة السورية مع تأثيرات الحروب في البشر من خلال سردية بصرية مختلفة تحمل في طياتها دعوة إلى السلام والاستقرار، عبر جرعات الأمل والتفاؤل.

تقول سعاد مردم بك لـ«الشرق الأوسط»: «الحياة باتت أكثر قسوةً، وتحيط بنا الصراعات من كل جانب. في خضم ذلك، يصبح من الطبيعي أن يبحث الإنسان عن ملاذه الآمن، والمكان الذي يشعر فيه بالسكينة والراحة».
تتنوّع أشكال هذا الملاذ في لوحاتها، «لكن يبقى جوهره واحداً، وهو الحبّ الذي يضمّد الجراح، وينير الطريق، ويمنح الإنسان وردة تزهر حتى في الأرض القاحلة، لتقوده إلى بداية جديدة، أو على الأقل تمكنه من مواجهة واقعه الراهن بثبات وقوة»، وفق قولها.
تحولت ثيمة الحرب رموزاً عالميةً تجسّد مآسي الشعوب عبر أعمال أشهر الفنانين، مثل لوحات «كوارث الحرب» للفنان الإسباني فرانشيسكو غويا، أو «الجندي الأسكوتلندي» لجوزيف باتون، أو «غرنيكا» لبابلو بيكاسو... لكن في لوحات مردم بك، تحوّلت الوردة رمز فينوس والجمال والرقة أيقونةً وثيقة الارتباط بالحرب، بعدما استدعتها الفنانة من «الأرض المحرّمة»، كما تصفها.

وارتبط مصطلح «الأرض المحرّمة» بالحرب العالمية الأولى، فهي المنطقة التي تقع في مجال صراع لا ينتهي بين طرفين متحاربين اتفقا على عدم إخضاعها إلى سيطرتهما. كما كان يُطلَق على ممرضات الصليب الأحمر في الخطوط الأمامية للحرب، اللواتي عانين مخاطر كبرى عند محاولتهن مساعدة المصابين.
وتشير الفنانة إلى أنّ كلمات أغنية «وردة الأرض المحرّمة» المكتوبة باللغتين الفرنسية والإنجليزية، مهداة لهؤلاء الممرضات تقديراً لدورهن في الحرب؛ ولتجسيدهنّ المفهوم الحقيقي لـ«الوردة الحمراء»، بدلالتها العميقة، أو «الملاذ الآمن» للجنود المصابين.
وإذ ترى أنّ التباين بين المعنى الناعم للوردة وما تستدعيه «الأرض المحرّمة» من ذكريات ومَشاهد الحرب والموت والدمار، شكّل مصدر إلهامها في هذا المعرض، توضح: «اللوحات لا تخصّ منطقة محرّمة أو عازلة بعينها، أو حرباً محدّدةً، بل ترصد مأساة الإنسان في مختلف العصور، ومعاناته من الحروب والنزاعات والصراعات، فهي تلامس الإنسانية في لحظات مواجهتها الألم والخذلان».

نظرات الترقُّب والتأمل ومحاولة استشراف المستقبل بلمسة أمل، تغلب على وجوه شخوصها، فتقدّم اللوحات تجارب بشرية ثرية تقود إلى فهم الحياة والتفاعل معها، وقدرة على رؤية تفاصيلها والتواصل معها عبر التلميح، لا التصريح، مستعينةً ببعض الرموز والدلالات، أبرزها الطائر الأبيض الحاضر بقوة في عدد من اللوحات، إشارةً إلى توق الإنسان المعاصر للإحساس بالسلام، والأمان، والحرية.
احتفت مردم بك بقراءة الواقع، وسعت إلى طرحه عبر اللعب بالألوان والظلال والضوء ونظرات الشخوص وأوضاعهم، وربما كان ذلك أيضاً وراء العيون الواسعة التي فرضت نفسها على الوجوه بشكل لافت، فضلاً عن ضربات فرشاتها التي تُعطي خطوطاً متنوّعة، تختلف في حدّتها وطولها ومدلولها العاطفي، من دون أن تلتزم بأسلوب واحد أو تقنية بعينها.

ولدت الفنانة سعاد مردم بك في دمشق، وقضت طفولتها في بيروت، وعاشت في مونتريال لـ3 سنوات، وأخيراً استقرت في القاهرة عام 2001، وأقامت معارض في مدن كثيرة حول العالم، منها الكويت، والقاهرة، وباريس، وواشنطن، وجدة، ومونتريال، وهي من الفنانين العرب الذين تُباع أعمالهم في صالة «كريستيز» الشهيرة.








