رسوم الأنيمي تتحول إلى الشكل الرقمي وسط تحفُّظ المعجبين

فيلم «ذا بوي آند ذا هيرون (الصبي وطائر البلشون)» يحقق النجاح بفضل استخدامه أسلوباً تقليدياً

من فيلم الأنيمي «ذا بوي آند ذا هيرون (الصبي وطائر البلشون)» (آي إم دي بي)
من فيلم الأنيمي «ذا بوي آند ذا هيرون (الصبي وطائر البلشون)» (آي إم دي بي)
TT

رسوم الأنيمي تتحول إلى الشكل الرقمي وسط تحفُّظ المعجبين

من فيلم الأنيمي «ذا بوي آند ذا هيرون (الصبي وطائر البلشون)» (آي إم دي بي)
من فيلم الأنيمي «ذا بوي آند ذا هيرون (الصبي وطائر البلشون)» (آي إم دي بي)

يعدّ صانع الأفلام هاياو ميازاكي، مؤسس دار الرسوم المتحركة «استوديو غيبلي»، واحداً من آخِر ممارسي فن الرسوم المتحركة المرسومة يدوياً. وقد حظيت قصته الخيالية الجديدة «ذا بوي آند ذا هيرون (الصبي وطائر البلشون)»، التي تصوِّر نمو وتطور البطل من مرحلة الطفولة حتى البلوغ، بالثناء والمدح بفضل استخدامه أسلوباً يبدو أثراً من الماضي. ووصف ديفيد إلريك، الناقد في موقع «إندي واير» الإلكتروني، العمل بأنه «من أجمل الأفلام التي رُسمت على الإطلاق»، ومثل بلسم ضروري «بعد عقدٍ من شخصية الـ(مينيونز)»، إلى جانب أنه مرشح للفوز بجائزة الأوسكار.

مع ذلك في حين أن جزءاً كبيراً من قصة الفيلم مرسومة باستخدام قلم الرصاص والألوان على الورق، يجري الاعتماد بشكل كبير على تقنيات الكومبيوتر في إنتاج الرسوم المتحركة في الفيلم، مثل كل أفلام الرسوم المتحركة الحديثة، ويشمل ذلك التجميع الرقمي والمؤثرات البصرية. لا يجذب الأسلوب الكلاسيكي طبيعي النزعة للفيلم الانتباه إلى مثل تلك التقنيات رغم أنها كانت تمثل جزءاً أساسياً من تصميمه وإنتاجه. وتَظهر تلك التقنيات في تفاصيل دقيقة مثل وميض اللهب المتوهج وحركة السهم الدائرية الملتفّة.

قال أتسوشي أوكوي، مخرج صور الرسوم المتحركة في فيلم «الصبي وطائر البلشون»، والمصور السينمائي، الذي يعمل منذ مدة طويلة في «استوديو غيبلي»، خلال مقابلة، إن الاستوديو يَعدّ الصور التي يجري إنتاجها باستخدام تقنية CG «أداة تكميلية في إنتاج الصور تتعامل مع التصوير ثنائي الأبعاد بالرسوم المتحركة بوصفه محوراً رئيسياً».

من فيلم الأنيمي «ذا بوي آند ذا هيرون (الصبي وطائر البلشون)» (آي إم دي بي)

وقد أُدمج كثير من أفلام الأنيمي الجديدة الرسومات التقليدية مع المنفَّذة بالكومبيوتر (CG) بشكل سافر إلى حد أنها تخلَّت تماماً عن الأسلوب ثنائي الأبعاد. وجرى إنتاج فيلم «ذا فيرست سلام دانك»، الذي عُرض في الولايات المتحدة الأميركية في يوليو (تموز)، و«دراغون بول سوبر: سوبر هيرو» عام 2022، باستخدام أسلوب يُعرف باسم الرسوم المتحركة الحاسوبية ثلاثية الأبعاد، التي تجمع بين الرسم اليدوي بالخطوط والمستويات السطحية للرسوم المتحركة التقليدية ثنائية الأبعاد وبين النماذج ثلاثية الأبعاد والحركة، لتبدو النتيجة أقرب إلى لعبة من ألعاب الفيديو. وتعدّ تلك أمثلة متطرفة لتحول يحدث في هذا المجال، إذ تتجه كل رسوم الأنيمي إلى الأسلوب الرقمي بعدة طرق مختلفة وبدرجات متباينة.

«ذا فيرست سلام دانك» (آي إم دي بي)

لقد حقق هذا الانتقال نجاحاً كبيراً في صندوق التذاكر، إذ بلغت إيرادات فيلم «ذا فيرست سلام دانك» 152 مليون دولار، ولا يزال يحقق المزيد من الإيرادات، في حين حقق فيلم «دراغون بول سوبر» 86 مليون دولار، ويعد هذا رقماً كبيراً بالنسبة إلى استوديو «توي أنيميشن»، ويعد الاثنان من أكثر أفلام الأنيمي التي حققت أرباحاً على الإطلاق.

مع ذلك لم يكن من السهل إرضاء المعجبين المتطرفين، الذين يمثلون مجموعة متقلبة يثير صعود التوجه الرقمي بالنسبة إليهم جدلاً ساخناً انفعالياً. وتعجّ منصات الرسائل بالشكاوى من شكل الرسوم المتحركة المنتَجة باستخدام الكومبيوتر خصوصاً تقنية الرسوم المتحركة الحاسوبية ثلاثية الأبعاد. وحظيت مقاطع مصورة تسلّط الضوء على أمثلة فجّة من المرئيات السيئة بملايين المشاهدات على موقع «يوتيوب». وتناول الكاتب كالوم ماي، هذا الموضوع في مقال على موقع «أنيمي نيوز نتوورك» الإخباري بعنوان «لماذا نكره أفلام الأنيمي المنفَّذة بالأسلوب الرقمي؟».

فيلم «دراغون بول سوبر» بـ86 مليون دولار من أكثر أفلام الأنيمي التي حققت أرباحاً (آي إم دي بي)

وقال ماي خلال مقابلة: «كثيراً ما يهاجم المعجبون أي إعلان عن عمل يجري إنتاجه بالتقنية ثلاثية الأبعاد خصوصاً حين يكون من جانب مؤسسة راسخة». وأضاف قائلاً: «إن الهوّة بين أفلام الأنيمي الجيدة والسيئة شاسعة، ويستطيع المعجبون تعرُّف الرسوم المتحركة متوسطة المستوى بسهولة بسبب مشاهدتهم الأفلام الأميركية المميزة ثلاثية الأبعاد طوال عقود من الزمان».

ونال بعض أفلام الأنيمي ثلاثية الأبعاد استحسان المعجبين أكثر من غيرها، إذ حظيت سلسلة «بيستارز» و«لاند أوف ذا لاستروس (أرض المشاهير)» من إنتاج استوديو «أورانج» بالثناء والمدح بفضل الأسلوب المبتكر والمؤثرات البصرية، وعادةً ما تنال حتى إعجاب المشككين.

مع ذلك تمثل تلك الأعمال استثناءات، إذ قالت راينا دنيسون، أستاذة الأفلام في جامعة «بريستول» ببريطانيا ومؤلفة كتاب «أنيمي: كريتيكال إنتروداكشن (الأنيمي: مقدمة نقدية)»، إن ذلك الإعراض يتعلق بجذور الشكل الفني. وأوضحت قائلة: «يقوم الكثير من الرسوم المتحركة على قصص المانغا المصوَّرة والتي تعد وسيطاً ثنائي الأبعاد. وتأخذ الأنيمي تلك الصور السطحية وتسمح لها بالتحرك. يختلف ذلك كثيراً عن تقديم نموذج ثلاثي الأبعاد لشخصية تعرفت عليها بوصفها شخصية ثنائية الأبعاد». وأشارت إلى أن الأمر ربما يكون حالة مقاومة للجديد، إذ ظل المعجبون بالأنيمي لعقود «يشعرون بالألفة تجاهها على نحو جماليّ وأسلوبيّ، وعندما يُغيّر المرء ذلك يُحدث الأمر ارتباكاً ويثير النفور».

بطبيعة الحال لا يعدّ استخدام أجهزة الكومبيوتر في إنتاج الأنيمي ظاهرة جديدة، حيث يدمج منتجو الرسوم المتحركة الصور المرسومة بخط اليد مع المؤثرات الرقمية منذ بداية الثمانينات عندما بدأ استخدام تقنية الرسوم المتحركة الحاسوبية بشكل أوّلي للمساعدة في بثّ الحياة في نماذج كان ليصبح من الصعب جداً رسمها باستخدام الورقة والقلم. كانت المروحيات المنتَجة باستخدام الكومبيوتر في فيلم «غولغو 13: ذا بروفيشنال (غولغو 13: المحترف)» عام 1983 تحلّق في فضاء المدينة ثلاثي الأبعاد خلال تسلسل طويل من الحركة. ورغم أن المروحيات متواضعة الشكل ذات البنية الكتلية كانت قديمة الطراز طبقاً لمعايير يومنا هذا، أضفت تألقاً على المشهد الذي ما كان ليصبح موجوداً باستخدام الوسائل التقليدية.

فيلم «غولغو 13: ذا بروفيشنال (غولغو 13: المحترف)» عام 1983 نُفِّذ بالوسائل التقليدية للأنيمي (آي إم دي بي)

قال ماي: «تطور الأسلوب كثيراً، لكن أفلح فيلم (غولغو 13) من عدة أوجه. لا يزال من الشائع استخدام تقنية الرسوم المتحركة الحاسوبية عندما يريد المنتجون تصوير مركبة آلية، وهي مهارة لم يتدرب عليها منتجو الرسوم المتحركة ثنائية الأبعاد، أو عندما تريد الكاميرا التحليق عبر بيئة لأن خلفيات الرسوم المتحركة ثنائية الأبعاد تتطلب جهداً وعملاً شاقاً».

بهذه الطريقة تعدّ تقنية الرسوم المتحركة الحاسوبية أداة أخرى في صندوق أدوات رسام الصور المتحركة، وطريقة لتوسيع نطاق ما هو ممكن تقديمه على الشاشة. كذلك تعدّ وسيلة لخفض التكاليف إذا نظرنا إلى الأمر بصورة أكثر عملية، فعادةً ما تكون عملية إنتاج صور على الكومبيوتر أسرع وأرخص من رسم صورة في المرة الواحدة باستخدام اليد.

قال أوستين هاردويك، رسام صور متحركة ثلاثية الأبعاد متخصص في الرسوم المتضمِّنة مؤثرات رقمية كثيرة: «أشعر بأن الانتشار الكبير للرسوم المتحركة ثلاثية الأبعاد ينبع من الحلم بإنتاج أسهل». ومن أسباب ذلك أنه من الأسهل بهذه الطريقة الحفاظ على مستوى جودة متسق. وأوضح قائلاً: «هناك الكثير من الرسامين المتاحين في أنحاء العالم بفضل مجال ألعاب الفيديو الهائل، وهو ما يجعل من السهل تكوين فريق بأي عددٍ، قليلاً كان أم كثيراً. ومن المعروف أنه من الصعب على منتجي الرسوم المتحركة ثنائية الأبعاد القدامى تعليم الرسامين اليافعين ليصلوا إلى مستواهم، في حين أنه من الأسهل تعليم إنتاج الرسوم المتحركة ثلاثية الأبعاد».

قال هاردويك، الذي عمل على سلسلة «تريغان: ستامبيد»، التي جرى إنتاجها باستخدام تقنية الرسوم المتحركة الحاسوبية ثلاثية الأبعاد، و«غودزيللا: سينغولار بوينت»، إن تلك الأسباب وغيرها تستطيع جعل التحول إلى التوجه الرقمي أمراً جذاباً ومغرياً إلى حد يجعل الاستوديوهات المنتجة تتغاضى عن المشكلات. وأضاف أنه في الوقت الذي لا يوجد فيه ما يعيب المؤثرات الرقمية، يمكنها «أن تبدو في غير محلها، أو قبيحة، أو إجراءً يستهدف خفض التكاليف فحسب». ويمكن القول بإيجاز إنه عندما يرى المعجبون بالأنيمي أن الفيلم نُفِّذ بتقنية ثلاثية الأبعاد، من الحتميّ أن يكون الكثيرون منهم متشككين لأن الأعمال السابقة السيئة تَئدُ الأمل في احتمال أن تكون تلك التقنية جيدة. وأضاف قائلاً: «ينظر البعض إلى الاستخدام الملحوظ لتقنية الرسوم المتحركة الحاسوبية (CG) في مجال الأنيمي على أنه مؤشر على عدم جودة الفيلم بوجه عام».

* خدمة «نيويرك تايمز»


مقالات ذات صلة

«بوليفارد بيزنس بارك»... أول مقر ترفيهي ومنتجع أعمال في السعودية

يوميات الشرق مشروع «بوليفارد بيزنس بارك» يأتي ضمن منطقة «بوليفارد سيتي» في الرياض (هيئة الترفيه)

«بوليفارد بيزنس بارك»... أول مقر ترفيهي ومنتجع أعمال في السعودية

أعلن المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه بالسعودية، اكتمال الأعمال بمشروع «بوليفارد بيزنس بارك»؛ أول مقر ترفيهي ومنتجع أعمال بالبلاد.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق الأمير عبد الله بن خالد بن سلطان لدى افتتاحه مقر «صلة» في لندن برفقة المستشار تركي آل الشيخ (هيئة الترفيه) p-circle 02:46

«صلة» السعودية تُعزّز توسعها العالمي بمقر دولي في لندن

دشَّنت «صلة»، التابعة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي، مرحلة جديدة من الشراكات العالمية بمقر في العاصمة البريطانية لندن، يدعم خططها للتوسع بالأسواق الدولية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق تجمع الوجهة المرتقبة بين الترفيه والمطاعم والمتاجر والفعاليات الحية والتجارب المتنوعة (هيئة الترفيه)

آل الشيخ يعلن إطلاق وجهة ترفيهية استثنائية في نجران 2027

أعلن المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه السعودية (GEA)، إطلاق وجهة ترفيهية استثنائية في قلب نجران (جنوب المملكة) العام المقبل 2027.

«الشرق الأوسط» (نجران)
يوميات الشرق شاكيرا في إطلالة كأس العالم 2026 حيث تقدّم الأغنية الرسمية (إنستغرام) p-circle 01:19

من «واكا واكا» إلى «داي داي»... بين شاكيرا والمونديال عقد غناء حصريّ؟

تحتفل شاكيرا هذه السنة بمرور 20 عاماً على دخولها ملاعب كأس العالم، وتسجيلها الهدف الرابع في شِباك الحدث الكُرويّ العالمي.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق بيع نحو 43 ألف تذكرة لفيلم «سفن دوجز» خلال ليلة عيد الأضحى في مصر (هيئة الترفيه السعودية)

«سفن دوجز» ينطلق في دور السينما السعودية والعربية

انطلق العرض الرسمي للفيلم العربي والعالمي «سفن دوجز» في دور السينما السعودية والعربية، وسط إقبال جماهيري واسع شهدته صالات العرض منذ الساعات الأولى لطرحه.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

حوادث مروّعة تخلف صدمات متتالية لدى المصريين

النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)
النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)
TT

حوادث مروّعة تخلف صدمات متتالية لدى المصريين

النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)
النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)

شهد الشارع المصري خلال الأيام الأخيرة حوادث مروّعة عدّة، كان أحدثها قيام مهندس بقتل 4 من عائلته، وإصابة اثنين آخرين خلال جلسة صلح في مدينة 15 مايو (جنوب القاهرة).

وأكدت تقارير أمنية بمحافظة القاهرة، نشرتها وسائل إعلام محلية، أنَّه تمَّ العثور على 4 جثث وجريحين بعد مشاجرة بين الجاني وزوجته ووالدتها وأولاده، حيث أطلق المهندس النار عشوائياً على الحضور.

وقبل ذلك بأيام، شهدت منطقة القاهرة الجديدة واقعة قتل زوج وزوجته وابنتيه، وفق ما ذكرت النيابة العامة في تقرير لها، مؤكدة أنَّ الجاني هو صديق لرب الأسرة، وأقرَّ بأنَّه قتلهم لمحاولته اقتراض مبلغ مالي من المجني عليه، وحين رفض عقد العزم على قتله والاستيلاء على أمواله ومصاغه الذهبي، واستدرج زوجته وابنتيه وقتلهن.

وفي واقعة أخرى بمحافظة المنوفية (دلتا مصر)، تمكَّنت قوات الأمن من ضبط شخص قتل شقيقه بقرية سماليج؛ بسبب خلافات بينهما.

وترى أستاذة علم الاجتماع الدكتورة هدى زكريا، أن «الجريمة ظاهرة موجودة في المجتمعات كلها، لكن هناك جرائم تصيب المجتمع بالفزع، وغالباً ما يكون مرتكبوها مرضى نفسياً، وهم نتاج طبيعي لأمراض اجتماعية تفشَّت في الآونة الخيرة؛ بسبب التفاوت بالمظاهر والتفاوت الطبقي وانتشار (السوشيال ميديا) التي أصبح لها تأثير كبير في ترسيخ الصدمة الاجتماعية، خصوصاً مع قدرتنا حالياً على معرفة الجريمة بعد وقوعها بفترة قصيرة لا تتعدى أحياناً ساعة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «مثل هذه الجرائم المروعة سواء الأب الذي حوَّل جلسة صلح إلى مجزرة، أو الصديق الذي قتل صديقه وأسرته طمعاً في أمواله، تشير إلى أمراض اجتماعية يجب مواجهتها بحذر وحسم. طبعاً هذه الجرائم لا تتكرَّر كثيراً ولكنها تحمل دلالات على الخلل الاجتماعي الذي يجب أن يتدخل لإصلاحه كثير من المؤسسات مثل الإعلام والتعليم، وعلماء النفس والاجتماع وغيرهم من الأشخاص المعنيِّين بطرح القيم المثالية في المجتمع، ومعالجته من أمراضه التي تتفشى بطريقة مفزعة».

وترى الخبيرة القانونية والناشطة الحقوقية، هبة عادل أن «خطورة هذه الحوادث لا تكمن في وقوع الجريمة وحدها، وإنما في تفاعلها مع مجتمع يواجه ضغوطاً اقتصادية ونفسية واجتماعية متزايدة، مع محدودية مساحات الاحتواء والتدخل المبكر لحل النزاعات».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «في الوقت ذاته تنتشر أخبار هذه الحوادث بسرعة كبيرة في بيئة رقمية تستطيع خلال ساعات تحويل الجريمة إلى محتوى واسع الانتشار، بما يحمله ذلك أحياناً من تطبيع للعنف، أو ترويج غير مباشر لأساليب ارتكاب الجرائم، أو منح الجاني مساحة من الشهرة والاهتمام، وهو ما قد يزيد مخاطر المحاكاة لدى بعض الفئات القابلة للتأثر».

وتشدِّد الخبيرة القانونية على «ضرورة الالتزام الصارم بالقواعد القانونية والمهنية المُنظِّمة لنشر أخبار الجرائم والتحقيقات، وتفعيل قرارات حظر النشر في الحالات التي تستوجبها طبيعة القضية، ومنع نشر الصور والمشاهد الصادمة والتفاصيل التي لا تخدم حقَّ الجمهور في المعرفة، وإنما قد تؤثر في التحقيقات أو حقوق الضحايا أو تسهم في خلق بيئة تسمح بمحاكاة السلوك الإجرامي. وقد وضع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بالفعل قواعد واضحة في هذا الشأن، من بينها التحذير من أنَّ النشر غير المسؤول قد يؤدي إلى محاكاة وتكرار السلوك الإجرامي».

وأشارت إلى أن «أخطر ما يمكن أن يحدث ليس فقط تكرار الجرائم، وإنما أن يصبح تكرارها مألوفاً، وأن تتحوَّل الجريمة إلى محتوى يومي قابل للاستهلاك والتداول والمحاكاة. ولذلك فإنَّ حماية المجتمع تقتضي مواجهة العنف قبل وقوعه، وتطبيق القانون بحسم بعد وقوعه، وفي الوقت نفسه عدم منح الجريمة منصة مجانية تجعلها قابلة للترويج أو التقليد».


كنوز المتحف اليوناني الروماني في الإسكندرية إلى النور

معروضات متنوعة في معرض المتحف اليوناني الروماني (وزارة السياحة والآثار)
معروضات متنوعة في معرض المتحف اليوناني الروماني (وزارة السياحة والآثار)
TT

كنوز المتحف اليوناني الروماني في الإسكندرية إلى النور

معروضات متنوعة في معرض المتحف اليوناني الروماني (وزارة السياحة والآثار)
معروضات متنوعة في معرض المتحف اليوناني الروماني (وزارة السياحة والآثار)

تحت عنوان «الإسكندرية... هوية وثقافة عبر الزمن»، نظم المتحف اليوناني الروماني في الإسكندرية أول معرض أثري مؤقت له منذ إعادة افتتاحه. يضم المعرض 21 قطعة أثرية مختارة من مقتنيات المتحف المحفوظة بمخازنه، تُعرض للجمهور لأول مرة، من خلال سيناريو عرض متحفي يسلط الضوء على ثراء التراث الحضاري لمدينة الإسكندرية وتنوعه، ويبرز أهمية النقوش والكتابات اليونانية والرومانية في توثيق جوانب متعددة من الحياة اليومية في المدينة عبر العصور.

وبحسب بيان لوزارة السياحة والآثار، فإن «القطع المعروضة تتنوع بين عملات أثرية، ومسارج، وأوانٍ فخارية، وقطع أثرية مغمورة بالمياه مستخرجة من خليج أبو قير، بالإضافة إلى برديات وأوستراكا وبطاقات مومياوات تحمل نصوصاً باللغة اليونانية».

ويأتي المعرض الذي يستمر حتى نهاية شهر سبتمبر (أيلول) 2026 في إطار حرص قطاع المتاحف على إتاحة مقتنيات المتاحف المصرية للجمهور، بما يسهم في إثراء تجربة الزائر وإتاحة الفرصة للتعرف على جوانب أخرى من تاريخ مصر وحضارتها، وفق تصريحات صحافية لرئيس قطاع المتاحف بالمجلس الأعلى للآثار الدكتور أحمد حميدة الذي اعتبر المعرض بداية لسلسلة من المعارض المؤقتة التي سيتم تنظيمها بالمتحف، بما يتيح تقديم مجموعاته الأثرية بصورة متجددة، وإبراز ما تزخر به من قطع متميزة.

جانب من الآثار في المعرض المؤقت (وزارة السياحة والآثار)

في حين أوضحت رئيسة الإدارة المركزية لمتاحف وجه بحري وسيناء هبة حمدي أن «اختيار 21 قطعة أثرية من مقتنيات المتحف اليوناني الروماني... يقدم صورة متكاملة عن جوانب من الحياة اليومية والاقتصادية والاجتماعية والجنائزية في الإسكندرية خلال العصور اليونانية والرومانية».

وأشارت مديرة المتحف اليوناني الروماني الدكتورة ولاء مصطفى إلى أن المعرض يعتمد بالكامل على مقتنيات المتحف المحفوظة بمخازنه، بما يعكس ثراء مجموعاته وتنوعها.

كتابات يونانية قديمة تحكي تاريخ الإسكندرية (وزارة السياحة والآثار)

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «المتحف يقدم من خلال هذا المعرض 21 قطعة أثرية مختارة من مخازنه، ويهدف من خلالها إلى إتاحة الفرصة للمواطن السكندري والزائرين عموماً للتعرف على تراث المدينة، ودعم التوعية الأثرية، وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الحفاظ على الآثار واستدامتها، وتأكيد دور المتحف كمركز ثقافي يخدم المجتمع».

وأشارت إلى أن المعرض يأتي في إطار الاحتفال بالعيد القومي لمحافظة الإسكندرية واليوم العالمي للترجمة.

ولفتت إلى أن «المعرض لا يعرض قطعاً فقط، بل يروي قصة مدينة كانت دوماً جسراً بين الحضارات القديمة، ويؤكد التزام المتحف بإتاحة كنوزه للجمهور».

ويعد المتحف اليوناني الروماني من المتاحف الأثرية الشهيرة بمدينة الإسكندرية، وهو المتحف الوحيد المتخصص في آثار وحضارة مصر في العصرين اليوناني والروماني، وافتتحه الخديو عباس حلمي الثاني في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 1892، بتصميم معماري مميز، وشهد مراحل تطوير متعددة استؤنفت عام 2015 إلى أن تم افتتاحه في أكتوبر عام 2023.


«الغارق»... فيلم موزمبيقي يراهن على خيال طفولي لاستحضار الغائبين

وجد المخرج صعوبات عدة في تحضيرات الفيلم (الشركة المنتجة)
وجد المخرج صعوبات عدة في تحضيرات الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

«الغارق»... فيلم موزمبيقي يراهن على خيال طفولي لاستحضار الغائبين

وجد المخرج صعوبات عدة في تحضيرات الفيلم (الشركة المنتجة)
وجد المخرج صعوبات عدة في تحضيرات الفيلم (الشركة المنتجة)

حين يغيب شخص في الحرب لا ينتهي حضوره بالضرورة؛ فقد يتحول غيابه إلى طيف مقيم في ذاكرة أفراد عائلته، وإلى أسئلة لا تجد إجابات. من هذه المساحة بين الفقد والانتظار والذاكرة، تنطلق حكاية الفيلم الموزمبيقي القصير «الغارق» للمخرج أرييل آنيز، الذي يتخذ من عائلة واحدة متأثرة بالحرب في كابو ديلغادو مدخلاً للتأمل في آثار الصراع على الإنسان، بعيداً عن صور المعارك المباشرة.

يختفي «أماريلدو» في أثناء القتال، وسرعان ما تنتشر شائعات بأنه انشق وانضم إلى المتمردين، في حين يعود شقيقه «سيرجيو» إلى المنزل لإبلاغ العائلة بالنبأ المأساوي، لكن ما يبدو في البداية قصة عن اختفاء رجل يتحول تدريجياً إلى مواجهة مع حضور مختلف لهذا الغائب، حين يكتشف أن ابن شقيقه «بيرسيو»، البالغ من العمر عشرة أعوام، لا يزال يرتبط بوالده المفقود بعلاقة غامضة وعميقة في خياله الطفولي.

يقول مخرج الفيلم أرييل آنيز لـ«الشرق الأوسط»، في مقابلة عبر «زووم»، إن فكرة «الغارق» بدأت عام 2023، لكنها لم تكن في صورتها الأولى كما ظهرت على الشاشة، موضحاً أن «الأفكار السينمائية تتغير باستمرار خلال الكتابة وإعادة صياغة السيناريو».

مخرج الفيلم أرييل آنيز (الشركة المنتجة)

وأضاف أن «المشروع بدأ بقصة مختلفة تماماً عن رجل في كنيسة يتجول في المدينة ويُلقي عظاته، قبل أن تظهر شخصية عائلة لديها طفل تربطه بوالده علاقة من خلال الأحلام»، لافتاً إلى أن هذه الجزئية بدأت تدريجياً الاستحواذ على اهتمامه، ومع إعادة كتابة السيناريو أصبحت العلاقة بين الطفل ووالده هي قلب القصة ومحورها الأساسي.

وأشار آنيز إلى أن «هذا التحول يعكس طبيعة عملية الكتابة نفسها، إذ قد يبدأ صانع الفيلم بفكرة محددة، ثم تواصل الشخصيات والأحداث يدفع القصة في اتجاهات غير متوقعة»، على حد تعبيره، مؤكداً أن المنتج النهائي ليس بالضرورة الفيلم الذي يعتقد المخرج في البداية أنه سيصنعه، لأن الفكرة تُعيد تشكيل نفسها خلال مراحل الكتابة والتطوير، وهو ما حدث تحديداً مع «الغارق».

وأكد أن هدفه من الفيلم كان أخذ تجربة شخصية جداً في جوهرها، وهي فقدان شخص عزيز، وربطها بتجربة الحرب في شمال موزمبيق وتأثيراتها على الناس والعائلات، ثم تحويلها إلى قصة يمكن أن يجد الجمهور العالمي نفسه داخلها، موضحاً أن الإنسان، في النهاية، يعرف معنى فقد شخص يحبه، ولذلك رأى أن هذه النقطة المشتركة يمكن أن تكون الجسر الذي يصل من خلاله المشاهد إلى قضية قد لا يعرف عنها الكثير.

وأشار المخرج إلى أن أحد دوافعه أيضاً كانت الرغبة في تعريف الجمهور بما يحدث في موزمبيق، مؤكداً أن الأخبار المتعلقة ببلاده لا تحظى دائماً باهتمام واسع خارجها، لذا فإن الفيلم يمنح المشاهد مدخلاً إلى قضية ربما لم يكن يعرف عنها شيئاً، ومن خلال الحكاية الشخصية يمكن أن يبدأ اكتشاف المزيد عن موزمبيق وثقافتها وتاريخها والظروف التي يعيشها سكان شمال البلاد.

اختار المخرج التركيز على جوانب متنوعة (الشركة المنتجة)

وأوضح آنيز أن «تنفيذ الفيلم في ظروف إنتاج مريحة كان يحتاج إلى موارد، لكن واقع الصناعة السينمائية في موزمبيق يجعل الحصول على هذه الموارد أمراً صعباً، في ظل محدودية الدعم الذي تقدمه المؤسسات»، وقال إن «صناع السينما يضطرون إلى أن يكونوا عمليين ومستقلين إلى حد كبير، وإن جزءاً مهماً من عملية الإنتاج يعتمد على المجتمع المحيط بهم، سواء من خلال العلاقات المهنية أو الصداقات داخل الوسط السينمائي».

وكشف آنيز عن أن المنتج الذي كان مشاركاً في المشروع منذ مرحلة ما قبل الإنتاج انسحب قبل التصوير بأسبوع تقريباً، بعد أن كانت أموال الفيلم قد حُوّلت إلى حسابه لإدارة النفقات.

عُرض الفيلم القصير في العديد من المهرجانات (الشركة المنتجة)

وهو ما شكّل، حسب وصفه، «أكبر صعوبة واجهت المشروع»، لافتاً إلى أنهم اضطروا إلى إيجاد طريقة للتعامل مع الأزمة، وتمكنوا في النهاية من تصوير الفيلم وإنجازه رغم فقدان الموارد التي كانوا يعتمدون عليها في البداية.

وحول مشاركته في المهرجانات الدولية، قال آنيز إن «هذه الفعاليات تمثّل بلا شك فرصة مهمة على المستوى المهني، خصوصاً أن بعض المهرجانات المرموقة يمكن أن يكون لها تأثير كبير في مسيرة المخرج». لكنه أكد أن القيمة الحقيقية لهذه التجارب بالنسبة إليه لا تتوقف عند الجانب المهني، وإنما تكمن أيضاً في فرصة الالتقاء مع أشخاص يشتركون معه في الرؤية نفسها للسينما، والتعرف إلى سينمائيين لديهم الاهتمامات والطموحات ذاتها.

وعدّ وجود فيلم موزمبيقي في مهرجانات دولية يمنح بلاده حضوراً على الخريطة، لأن المشاهد الذي يتعرف إلى الفيلم قد يبدأ بعدها البحث عن ثقافة موزمبيق وتاريخها، وهو ما يعدّه آنيز مكسباً مهماً للسينما المحلية.

وعن واقع صناعة السينما في موزمبيق، قال المخرج إن «الصعوبات لا تختلف كثيراً عن التحديات الموجودة في أجزاء أخرى من أفريقيا، لكن المشكلة الأساسية في بلاده تتمثل في أن الصناعة لا تزال غير متطورة بما يكفي، ولم تترسخ بنيتها بصورة كاملة، إلى جانب ضعف الدعم الذي يأتي من المؤسسات المختلفة، سواء الحكومية أو الخاصة».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended