«جدة للكتاب»... مسارات الرواية والشعر تصنع مهارات التواصل

تجارب مُلهمة وحضور للمسرح ومغنّيات الأوبرا

معرض جدة للكتاب نافذة ثقافية تجمع صنّاع الأدب والنشر والترجمة (الشرق الأوسط)
معرض جدة للكتاب نافذة ثقافية تجمع صنّاع الأدب والنشر والترجمة (الشرق الأوسط)
TT

«جدة للكتاب»... مسارات الرواية والشعر تصنع مهارات التواصل

معرض جدة للكتاب نافذة ثقافية تجمع صنّاع الأدب والنشر والترجمة (الشرق الأوسط)
معرض جدة للكتاب نافذة ثقافية تجمع صنّاع الأدب والنشر والترجمة (الشرق الأوسط)

تعيش مدينة جدة الساحلية تجارب أدبية مُلهمة، انطلاقاً من مسارات الكتابة الإبداعية، والقواعد الرئيسية للرواية، والأمسيات الشعرية، وصولاً إلى مهارات التواصل والاستثمار، عبر برنامج يومي حافل بعشرات الفعاليات المتنوّعة ضمن معرض الكتاب الذي تقيمه «هيئة الأدب والنشر والترجمة» في السعودية.

بجانب المنصات الحوارية والندوات الثقافية والفنية، تحضر ورش عمل تغطّي موضوعات الفن، والقراءة، والكتابة، والنشر، وصناعة الكتاب، والترجمة، إضافة إلى برامج أخرى، وسط حضور كبير لزوار من داخل المملكة وخارجها.

الندوات الحوارية وورش العمل شهدت حضوراً كبيراً (هيئة الأدب والنشر والترجمة)

يُعدّ معرض جدة للكتاب نافذة ثقافية تجمع صنّاع الأدب والنشر والترجمة من المؤسسات والشركات المحلية والدولية، مع القراء والمهتمين، بما يعبّر عن اهتمام الشباب بالكتاب وبالملتقيات الثقافية والأدبية والفنية التي يشهدها طوال أيامه العشرة، بمشاركة نخبة من المفكرين والمؤلّفين المؤثرين.

مسارات الرواية

ناقشت ندوة «دع الرواية تتحدّث» مسارات الرواية في جذب القارئ نحو القراءة الممتعة، والزمن الذي تستغرقه كتابتها، والقواعد الأساسية التي تُبنى عليها، بالإضافة إلى أهمية النقد. فتطرّقت الكاتبة العراقية حوراء النداوي إلى إشكالية النقد الأدبي، وبيّنت أنّ الرواية تتطلّب زمناً ليس قصيراً قبل نشرها لإتمام المراجعات، مستعرضة تجربة كتابة روايتها التي ترشّحت لـ«البوكر» العربية، واستغرقت عاماً من المراجعة.

ندوة «دع الرواية تتحدث» تناولت مسارات تجذب القارئ (الشرق الأوسط)

من جانبها، أوضحت الروائية المصرية رشا سمير أنّ كتابة الرواية تختلف عن كتابة القصة، مشيرة إلى أنّ الكتابتَيْن تخضعان لقواعد تُحدد مسارهما. وعدَّت الرواية التاريخية من أصعب أنواع الروايات كتابة، لافتة إلى أنّ الناقد الأول هو القارئ، وأي أخطاء في السرد التاريخي أو انقطاع في الأحداث، تتسبب في عزوفه عن القراءة.

بدوره، أفاد الكاتب والناقد عبد الله العقيبي بأنّ زمن كتابة الرواية لا أهمية له إلا بما يتعلّق بثراء المحتوى بالنسبة إلى المتلقّي، مشدداً على أهمية قراءة الكتب النقدية قبل كتابة الرواية؛ فهي خريطة طريق للكاتب، وخصوصاً المبتدئ.

الروائي جابر مدخلي متحدّثاً في ورشة عمل «كروكي الرواية» (الشرق الأوسط)

«كروكي الرواية»

خطّت ورشة عمل «كروكي الرواية» المَعالم الرئيسية لبناء العمل الروائي، فأشارت إلى ضرورة تتبُّع الشخصيات، مُركّزة على الحبكة التي يسعى البطل إلى فكّ عِقدها أثناء السرد.

في هذا السياق، أوضح الروائي والصحافي جابر مدخلي أنّ بإمكان بنية الرواية عموماً التغيُّر باستمرار مع بقاء أركانها الأساسية التي تُشكلها، مبيّناً أن التغيير يكمن في استحداث أفكار جديدة، أو أنواع مغايرة للرواية. ونبّه إلى ضرورة أن يضع الكاتب عند الانتهاء من المسودة الأولى لروايته، خريطة لتتبُّع كل شخصية على حدة، لجهة أدوارها، والأزمنة المتعاقبة عليها، والأماكن التي سكنتها؛ فهذا ما يعلق في ذهن القارئ.

كذلك، ركز على ضرورة اختيار نهاية الرواية بعناية، فتُلخص ما يُذكّر القارئ بالوقائع في بدايتها، ومتنها وآخرها، مفضّلاً أن تكون الخاتمة مفتوحة.

وأفاد بأنّ الحبكة جزء أساسي في بنية الرواية، ومن خلالها يكتشف البطل حلول العقد، موضحاً أنها تمثّل التشويق والإثارة، فمع بدء الصراع تتطوّر الأحداث لتنال من الشخصيات، وتدفعها إلى إيجاد حلّ، وهذا العنصر يظهر في المَشاهد الأولى للرواية، وحلّه يُعرف بحلّ العقدة.

الدكتور رائد السفياني متحدّثاً في ندوة واقع القطاع (هيئة الأدب والنشر والترجمة)

الاستثمار في قطاع الثقافة

على طاولة النقاش، حضر «واقع القطاع الثقافي ومستقبل الاستثمار فيه»، في ندوة تحدّث فيها مدير إدارة البحوث والدراسات الثقافية في وزارة الثقافة الدكتور رائد السفياني عن «تقرير الحالة الثقافية» الذي ترصد فيه الوزارة النشاط الثقافي في المملكة، مشيراً إلى أنّ هذا التقرير أسّس مرجعاً لقياس الحالة الثقافية وفهم اتجاهات نمو القطاع وتطوّره.

وأوضح السفياني أنّ التقرير رصد الحالة الثقافية منذ عام 2019، متضمّناً ملامح وإحصاءات باللغتين العربية والإنجليزية، ويتّسم بالشفافية والتفاعل من خلال استفتاء أكثر من 3000 مشارك عن واقع الثقافة، بما يجعله خريطة طريق للثقافة عبر رصد التحدّيات التي تواجهها.

حضور في ندوة عن واقع القطاع الثقافي ومستقبل الاستثمار فيه (هيئة الأدب والنشر والترجمة)

مهارات التواصل

كذلك، أوضحت ورشة عمل «مهارات التواصل مع الصمّ بلغة الإشارة»، أنّ هذه اللغة تختلف وفق لغة الدولة، شأنها اللغات المنطوقة. كما تناولت الجانبَيْن التدريبي والتعليمي لمن يشاء الوصول إلى احترافية التواصل مع الصمّ.

وكشف مؤسّس جمعية مترجمي لغة الإشارة السعودية علي الهزاني، أنّ ثمة 12 مليون أصمّ في العالم العربي، ونحو 720 ألفاً في السعودية، وفق آخر إحصائية منشورة، مشيراً إلى أنّ عدد مترجمي لغة الإشارة يبلغ 103 سعوديين، لافتاً إلى أهمية تدريب عدد من موظّفي القطاعات الحكومية على إشارات اللغة المهمّة، منها طوارئ المستشفيات والشرطة، لتحقيق الاستجابة السريعة.

من ورشة عمل «مهارات التواصل مع الصمّ بلغة الإشارة» (الشرق الأوسط)

عرض مسرحي

وأيضاً، شهد البرنامج الثقافي للمعرض، عرضَ مسرحية «حكاية شاعر» للمؤلّف سامي الجمعان، من إخراج فهد الدوسري، وبطولة تركي اليوسف، ونرمين محسن، وعبد العزيز المبدل، وسط حضور كبير ملأ مسرح «روشن الثقافي».

وقال الدوسري إنّ المسرحية تجسيد لحياة الشاعر السعودي حمد الحجي، المُلقَّب بشاعر الألم والمعاناة، فأشعاره عكست قسوة ظروفه الصحية.

من العرض المسرحي الذي جسّد حياة الشاعر السعودي حمد الحجي (الشرق الأوسط)

تجارب مغنّيات الأوبرا

وجمعت ندوة بعنوان «الموسيقى في المملكة، بدايات وطموحات» زوار المعرض بمغنّيات أوبرا سعوديات، هنّ ريماز عقبي، وسوسن البهيتي، ولولوة الشريف؛ حاورتهن سماح العرياني، بحضور موسيقيين ومهتمّين بالموسيقى.

تحدّثت عقبي عن تجربتها مع فن الأوبرا، موضحة أنّ ثمة استثماراً كبيراً في الموسيقى ودعماً تتلقاه من وزارة الثقافة، واصفة بداياتها في غناء الأوبرا بالصعبة.

الفنانة سوسن البهيتي متحدّثة في ندوة حوارية معنيّة بالموسيقى (هيئة الأدب والنشر والترجمة)

بدورها، تحدّثت البهيتي عن تمارين الأوبرا، مستعرضة كيفية أدائه، مؤكدة أنّ الحبال الصوتية مع التمرين تتطوّر إلى الأفضل.

من جهتها، أفادت الشريف بأنّ الموسيقى كانت شغفها الأول، فرغم بعض الخوف والتردّد اختارت الجاز من واقع تأثّرها بالقصص، واصفة إياه بالصعب، ومضيفة: «حرصتُ على تطوير نفسي، لا سيما أنّ الإقبال عليه لافت. أطمحُ إلى تقديم جاز سعودي باللهجة البيضاء، والوصول إلى فن أوبرالي بشكل جديد».

الفنانة لولوة الشريف خلال ندوة الموسيقى (هيئة الأدب والنشر والترجمة)

يُذكر أنّ معرض جدة للكتاب يستقبل زواره حتى السبت المقبل، مقدّماً فعاليات ثقافية حرصت «هيئة الأدب والنشر والترجمة» في السعودية على أن تحاكي مختلف الفئات العمرية والهوايات والاهتمامات.

جانب من الندوة الحوارية بعنوان «الموسيقى في المملكة، بدايات وطموحات» (الشرق الأوسط)


مقالات ذات صلة

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

كتب المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

ليست المفاوضات مهارة يتقنها المديرون التنفيذيون بينما يعقدون صفقاتهم فحسب، ولا هي ممارسة غامضة حكراً على الدبلوماسيين في أروقة الأمم المتحدة.

ندى حطيط
كتب وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

في عهد قائد مسيرتنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وعضده الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء،

فيصل بن عبد الرحمن بن معمر
كتب باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

أنجز باحث سعودي دراسة علمية ضمّنها في كتاب صدر حديثاً عن تقنية بصمة الدماغ، في إطار يجمع بين علوم السمات الحيوية والعلوم العصبية المعرفية،

بدر الخريف (الرياض)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.