«مدركة»... حكاياتُ التاريخ يرويها النخيل الباسق وشجر الدوم

تحتضن «عين النبي»... واستوطنها ابن آدم

بعض النقوش والآثار في وادي «أبو حماط» (البلدية)
بعض النقوش والآثار في وادي «أبو حماط» (البلدية)
TT

«مدركة»... حكاياتُ التاريخ يرويها النخيل الباسق وشجر الدوم

بعض النقوش والآثار في وادي «أبو حماط» (البلدية)
بعض النقوش والآثار في وادي «أبو حماط» (البلدية)

بعض لحظات الحياة لا تُنسى، منها أن تُمعن النظر وأنت تتسلّق جبال قرية «مدركة»، وتسير تحت ظلال أشجارها من النخيل والدوم، على مساحة 14 كيلومتراً في قرية ليست كسائر القرى، وأنت تشهق وتقبض بجوارحك على جميع الحكايات المؤرَّخة، لتدخُل أفكارك في صراع مع نبضات قلبك المتسارعة، وتحار أيهما يلجم جموح الذهول، وأنت تسمع أنّ أول مَن أقام في هذه القرية الواقعة شرق شمالي مكة المكرمة، كان النبي شيث بن آدم.

تحتضن «مدركة» أشجار النخيل والدوم (البلدية)

تريَّث في العبور، ولا تغادر المكان إلا وقد دوّنت اسمك في زواياه، فما أُتيح لك اليوم قد لا يُتاح غداً. أطلق شغفك، وبعثِر في الاتجاهات الأربعة أسئلة الأماكن، وامسح من ذاكرتك ما يكفي لتخزين روايات التاريخ عن «مدركة» التي مرَّ بها «ذو القرنين»، وكانت حاضرة في العصر الآشوري (911 - 612 قبل الميلاد) تحت اسم «مدركاتو». آنذاك، كان يحكمها الأمير العربي شلمنصر (858 - 824 قبل الميلاد)، ووجدت لها مكاناً في التاريخ اليوناني الذي أشار إلى أنها منطقة غنية اقتصادياً، وذات نفوذ كبير لقبائل العرب.

زاد من جماليات «مدركة» اختلاف روايات المؤرّخين حول تسميتها. فمنهم من ذهب إلى واقعة عمرو بن مضر بن إلياس، الذي أدرك إبله من القوم وجالدهم عليها بقتلهم، وسُمّي الموقع الذي وقع فيه القتال «مدركة»، وحمل عمرو بن إلياس هذا الاسم اعتزازاً لقتاله المجموعة واسترداد إبله. أما المؤلّف ياقوت الحموي، فذهب إلى أنّ أول مَن سكنها قريش الظواهر؛ وفي الحالتين يؤكد المؤرخون قِدم القرية الموغلة في التاريخ، خصوصاً أنّ هذه الواقعة تتوافق مع المعجم اللغوي، وتعني «أدرك»؛ أي اللحاق والتمكن من الشيء أو إدراك سعة الاطّلاع.

«عين النبي» هي أحد المواقع الحيوية (البلدية)

ودخلت «مدركة» الإسلام في السنة السابعة للهجرة، عندما زار وفد من أهلها المدينة المنوّرة لمبايعة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) لتحتضن القرية لاحقاً مسجد «الخطاب» الذي يُنسَب بناؤه إلى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب لدى عودته من الحج.

«مدركة» لم تغطّ على صفحات التاريخ فحسب، بل ظلّت شامخة تُدوّن اسمها في كتب لا تنتهي صفحاتها. فالمنطقة سلسلة جبلية تضيق وتتّسع في مواقع عدة، تتخلّلها أودية وشعاب، تتحدّر من الشرق إلى الغرب، وجبال ومرتفعات جنوباً وغرباً، وحرّات (جمع حرّة، وهي ظاهرة جغرافية يكتسي فيها سطح الأرض بالصخور النارية والطفح البركاني) شمالاً وشرقاً، وحوض خصيب وسط الأودية وأسفلها، ما يجعلها متنفّساً سياحياً للاستمتاع بغابات من الأشجار، ووادٍ يقسمها إلى نصفين، متعرّج ومنحنٍ في مواقع كثيرة.

«عين النبي» التي أقطعها الرسول لأحد أصحابه (البلدية)

تُعرف «مدركة» بعروس شمال مكة المكرمة، وتشتهر بسلّتها الزراعية والحيوانية، كما أنّ تضاريسها متنوّعة ما بين أرض مستوية، وتلال ومساحات زراعية، وجبال فسيحة بأودية جمة. وتحتوي على مناظر خلابة ومقوّمات اقتصادية ومرتكزات سياحية، يسهل الوصول إليها من طريق يسلكه الحجاج والمعتمرون والمصطافون. أضافت هذه الميزة للقرية بُعداً تجارياً وسياحياً، خصوصاً أنها تقع بين 3 محافظات كبرى، هي جدة، والطائف، ورابغ؛ ما يسهم في تدفّق أكبر للباحثين عن الجماليات والتاريخ.

«أبو حماط» من المواقع التي تحلو زيارتها (البلدية)

في هذا السياق، يقول رئيس بلدية «مدركة» المهندس ياسين الذبياني، لـ«الشرق الأوسط»، إنّ البلدية تتولّى مهمّات عدّة تخدم سكان المنطقة، وتقدّم خدماتها المباشرة لتحسين نمط العيش، فتكون القرية وجهة للزائرين. ويوضح أنّ البلدية تخدم 3 مراكز، هي «مدركة»، و«رهاط»، و«القفيف»، تحظى باهتمام رسميّ كبير ضمن «رؤية المملكة 2030»، التي تركز على بناء مجتمع حيوي يعتزّ بتاريخه وجذوره، واقتصاد مزدهر ينعكس على المواطنين.

ويلفت إلى أنّ «مدركة» نالت دعماً كبيراً ومباشراً من حكومة خادم الحرمين الشريفين، ومنذ عهد المؤسِّس الأول الملك عبد العزيز، الذي أسَّس أول إمارة فيها عام 1344 هجرية للبادية وقبائلها. من ذلك الحين وحتى اليوم، تشهد نقلات نوعية وتطويرية في جميع المسارات.

«القرين الأبيض» هو جبل مرمر كبير يُستخرج منه رخام الحرم المكي (البلدية)

يتابع الذبياني الحديث عن «مدركة»: «ترتبط بأحداث تاريخية شهدتها القرية قبل آلاف السنين. وهي اكتسبت أهميتها مع هذه الأحداث، ضمن موقعها الجغرافي المهمّ في الوسط بين مكة المكرمة وجدة، إضافة إلى طبيعتها الخلّابة، ومناخها الجميل على مدار العام».

«مدركة» تتميّز بطبيعتها ومناخها الجميل (البلدية)

ومن المواقع المألوفة، «ماء الرجيع»، وهو مقر ماء تصبّ فيه 5 أودية، وقد شهد واقعة «الرجيع» في عهد النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، ويتميّز بجريان الماء على مدار العام. وهناك أيضاً «القرين الأبيض»، وهو جبل مرمر كبير يقع في حرّة «مدركة»، يُستخرج منه رخام الحرم المكي. إضافة إلى «قلات العتيبيات»، وهي أحواض صخرية عميقة تتجمع فيها المياه طوال العام، وتُعدّ مكاناً لتجمُّع القوافل على طريق مكة.

وديان وجداول تسير في «مدركة» على مدار العام (البلدية)

أما «عين النبي» الجارية حتى يومنا، فمصبُّها وادي المعلاه برهاط، وذُكر في كتب السير أنّ النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) أقطعها لأحد الصحابة. كذلك «الحصاة الخطمية»، وهي صخرة نُحت في داخلها مكان للاستراحة على قُطر 4 أمتار تقريباً، مفتوح من 3 جهات، ومطلّ على وادي علق.

وإن أنهيت الجولة، فيلزم عليك التوجّه نحو وادٍ بحرة رهاط، «أبو حماط»، وهي عين جارية على مدار العام يحيط بها شجر الحماط والحبق، وتكثر من حولها النقوش الأثرية القديمة.


مقالات ذات صلة

ملتقى طويق 2026 يُوسِّع حضور النحت في الفضاء العام

يوميات الشرق منطقة السوق في ملتقى طويق للنحت 2026 (الرياض آرت)

ملتقى طويق 2026 يُوسِّع حضور النحت في الفضاء العام

تتناول الجلسات الحوارية موضوعات مرتبطة بالنحت في المشهد الحضري المعاصر، من بينها حضور المنحوتات في الأماكن العامة.

فاطمة القحطاني (الرياض)
خاص رسم تخيلي لمشروع «دار غلوبال» مع منظمة ترمب في الدرعية بالعاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط) play-circle 03:04

خاص رئيس «دار غلوبال»: السعودية سوق عقارية جاذبة ومن الأكبر في «العشرين»

قال الرئيس التنفيذي لشركة «دار غلوبال» العقارية، زياد الشعار، إن السوق السعودية تُعد اليوم من أكبر الأسواق العقارية في دول مجموعة العشرين

مساعد الزياني (الرياض)
الاقتصاد نساء يمشين أمام متحف قصر المصمك في الرياض (أ.ف.ب)

«فيتش» تثبّت تصنيف السعودية عند «إيه +» مع نظرة «مستقرة»

ثبّتت وكالة «فيتش» للتصنيفات الائتمانية التصنيف الائتماني طويل الأجل للسعودية عند درجة «إيه+»، مع نظرة مستقبلية «مستقرة».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة (أ.ف.ب)

السعودية تُرحِّب ببدء ثاني مراحل «خطة غزة»

رحَّبت وزارة الخارجية السعودية، الجمعة، بالإعلان عن بدء المرحلة الثانية من خطة السلام الشاملة، وتشكيل اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق تُمنح جوائز «جوي أواردز 2026» للأعمال والشخصيات التي حققت حضوراً لافتاً (هيئة الترفيه)

«جوي أواردز 2026» تحتفي بصُنَّاع الترفيه في الرياض

تشهد العاصمة السعودية، السبت، حفل توزيع جوائز صُنَّاع الترفيه «جوي أواردز 2026»، التي تُعدّ الأرقى والأضخم في المنطقة، ضمن فعاليات «موسم الرياض».

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«الهاربات» تتوَّج أفضل عرض في مهرجان المسرح العربي

فوز «الهاربات» بجائزة أفضل عرض مسرحي (وزارة الثقافة المصرية)
فوز «الهاربات» بجائزة أفضل عرض مسرحي (وزارة الثقافة المصرية)
TT

«الهاربات» تتوَّج أفضل عرض في مهرجان المسرح العربي

فوز «الهاربات» بجائزة أفضل عرض مسرحي (وزارة الثقافة المصرية)
فوز «الهاربات» بجائزة أفضل عرض مسرحي (وزارة الثقافة المصرية)

اقتنص العرض المسرحي «الهاربات» للمخرجة والكاتبة التونسية وفاء طبوبي، جائزة الدكتور سلطان بن محمد القاسمي «أفضل عرض مسرحي»، بعد منافسته إلى جانب 13 عرضاً من دول عدة، ضمن فعاليات الدورة الـ16 من مهرجان «المسرح العربي» التي أُقيمت في مصر من 10 إلى 16 يناير (كانون الثاني) الحالي، بتنظيم من «الهيئة العربية للمسرح»، وبرعاية وزارة الثقافة المصرية، وبحضور نخبة بارزة من الفنانين والمسرحيين العرب، تحت شعار «نحو مسرح عربي جديد ومتجدّد».

وكرَّم وزير الثقافة المصري، الدكتور أحمد فؤاد هنو، والأمين العام لـ«الهيئة العربية للمسرح»، الكاتب إسماعيل عبد الله، المخرجة وفاء طبوبي وفريق العرض.

وفي السياق عينه، حصد جوائز مسابقة «التأليف المسرحي» الموجَّهة للأطفال، التي أُقيمت تحت عنوان «أطفالنا أبطال جدد في حكاياتنا الشعبية»، 3 كتّاب من مصر، هم: عبد الحكيم رخية عن نصّ «محاكاة سيرة الزير»، ومحمد سرور عن نصّ «الهلالي الصغير»، وهاني قدري عن نصّ «علاء الدين ومصباح صنع في الصين».

وخلال حفل الختام، الذي أُقيم بالمسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية، الجمعة، من إخراج خالد جلال، وتقديم الفنانة رانيا فريد شوقي، وتضمّن فقرات فنية واستعراضية لفرقة رضا للفنون الشعبية التابعة للبيت الفنّي للمسرح بوزارة الثقافة، كُرِّمت جميع العروض المسرحية المُشاركة في المهرجان.

جانب من حفل ختام مهرجان المسرح العربي (وزارة الثقافة المصرية)

وشملت العروض المكرَّمة: «كارمن» و«مرسل إلى» من مصر، والعرض القطري «الساعة التاسعة»، والجزائري «المفتاح»، والإماراتي «بابا»، واللبناني «بيكنك عَ خطوط التماس»، والأردني «فريجيدير»، إضافة إلى «مأتم السيد الوالد» و«طلاق مقدس» من العراق، والعرض الكويتي «من زاوية أخرى»، ومن تونس «الهاربات» و«جاكرندا» و«كيما اليوم»، ومن المغرب «مواطن اقتصادي» و«ويندوز F».

ووصفت الكاتبة والناقدة المسرحية المغربية بشرى عمور فعاليات الدورة الـ16 من مهرجان «المسرح العربي» بـ«المتنوّعة والمتميّزة»، مؤكدة أنّ تنظيم «الهيئة العربية للمسرح» ووزارة الثقافة المصرية، إلى جانب الحرفية والانضباط وتوزيع المَهمّات اللوجيستية، كان مميّزاً في أدقّ التفاصيل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنّ مهرجان «المسرح العربي» استطاع ترسيخ ركائزه في الساحة المسرحية العربية، وصار تقليداً سنوياً للمسرحيين في مختلف المجالات، إذ حافظت «الهيئة العربية للمسرح» على برامجها الأساسية المتمثلة في العروض، والمناقشات النقدية والتطبيقية، والندوات الفكرية، والورشات الفنّية، وتوقيع الإصدارات، ودعم الكتّاب، لافتة إلى أنّ عروض هذا العام جاءت متفاوتة في الطرح والمدارس الفنّية والقضايا المجتمعية، بما يصبّ في مصلحة المُشاهد العربي.

وشهد المهرجان، على مدى أيامه الستة، عدداً من الندوات الثقافية والنقدية حول العروض المسرحية، إضافة إلى قضايا متنوّعة مُتعلّقة بالمسرح المصري، ورموزه، وإشكالياته، وتقنياته، وتطوّره.

ومن جهتها، أكدت الناقدة البحرينية الدكتورة زهراء المنصور أنّ المهرجان شهد تنوّعاً واضحاً في مستوى العروض المشاركة، إذ تباينت التجارب بين ما هو لافت ومجتهد فنّياً، وبين عروض أكثر تقليدية في طرحها وأدواتها.

توزيع الجوائز في حفل ختام مهرجان المسرح العربي (وزارة الثقافة المصرية)

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»، أنّ هذا التنوّع يُحسب للمهرجان، كونه يتيح مساحة لرؤية اتجاهات مسرحية مختلفة، ويعزّز فرص الحوار وتبادل الخبرات بين صنّاع المسرح من مختلف البلدان العربية، مشيرة إلى أنّ المهرجان يظلّ منصة مهمّة لاكتشاف تجارب جديدة وقراءة تحوّلات الخطاب المسرحي العربي في سياقاته الجمالية والفكرية المتعدّدة.

ولفتت زهراء المنصور إلى أنّ العروض المسرحية شهدت تفاعلاً ملحوظاً من الجمهور، الذي تنوَّعت ردود فعله تبعاً لاختلاف التجارب المقدَّمة، وهو ما يعكس أهميته بوصفه «فضاء حيّاً» للقاء بين العرض والمتلقّي، إذ فتح هذا التفاعل المجال لنقاشات جمالية وفكرية ضرورية، ومنح العروض حياتها خارج خشبة المسرح، سواء عبر الحوار المباشر أو القراءة النقدية اللاحقة.

وفي السياق عينه، وعلى هامش «مهرجان المسرح العربي»، تُقام الدورة الـ5 من «الملتقى العربي لفنون العرائس والدمى والفنون المجاورة»، للمرة الأولى في مصر، من 21 إلى 23 يناير الحالي، بمشاركة مصرية وعربية واسعة، تشمل عدداً من الجلسات الفكرية وعروض العرائس.


ملتقى طويق 2026 يُوسِّع حضور النحت في الفضاء العام

منطقة السوق في ملتقى طويق للنحت 2026 (الرياض آرت)
منطقة السوق في ملتقى طويق للنحت 2026 (الرياض آرت)
TT

ملتقى طويق 2026 يُوسِّع حضور النحت في الفضاء العام

منطقة السوق في ملتقى طويق للنحت 2026 (الرياض آرت)
منطقة السوق في ملتقى طويق للنحت 2026 (الرياض آرت)

يتيح ملتقى طويق للنحت في نسخته السابعة التي انطلقت الاثنين في أحد أهم شوارع العاصمة السعودية، تجربة ثقافية تفاعلية تُعزِّز حضور الفنِّ في الفضاء العام، وتُقرِّب الجمهور من الممارسة النحتية المعاصرة.

وأطلق ملتقى طويق للنحت 2026 برنامجاً ثقافياً وفنِّياً متنوِّعاً، يضمّ ورشات عمل تطبيقية، وجلسات حوارية، ودورات متقدّمة، وتجارب فنّية مسائية، تُقام في موقع الملتقى على شارع الأمير محمد بن عبد العزيز (التحلية)، وتستمرّ حتى 22 فبراير (شباط) المقبل، وذلك تحت إشراف برنامج «الرياض آرت» التابع للهيئة الملكية لمدينة الرياض.

النحت الحي للفنان الإيطالي نيكولا فوشي في معرض طويق للنحت 2026 (الشرق الأوسط)

وتأتي الفعاليات المُصاحبة للملتقى امتداداً لتجربة النحت الحيّ التي تنطلق يومياً من العاشرة صباحاً، وتتيح للجمهور التفاعل المباشر مع الفنانين المُشاركين، ومتابعة تشكُّل الأعمال النحتية في الفضاء العام. ويتناول الملتقى هذا العام شعار «ملامح ما سيكون» الذي يُعد نموذجاً للتحوّل، ويركّز على التغيّرات الفيزيائية والثقافية التي تُشكّل المدن عبر الزمن. وتنعكس هذه الرؤية في محتوى الورشات والحوارات التي تستكشف العلاقة بين النحت والفضاء العام، ودور العمل الفنّي في صياغة الذاكرة الجمعية والهوية البصرية للمدينة.

منطقة الجلسات الحوارية في ملتقى طويق للنحت 2026 (الرياض آرت)

وتتناول الجلسات الحوارية موضوعات مرتبطة بالنحت في المشهد الحضري المعاصر، من بينها حضور المنحوتات في الأماكن العامة، وأثرها في تحسين جودة المشهد البصري، ودورها في تعزيز التفاعل الثقافي داخل المدن، بمشاركة فنانين ومتخصّصين يقدّمون قراءات متعدّدة لتجربة النحت وعلاقتها بالمكان والمجتمع. ويتضمَّن البرنامج ورشات عمل تطبيقية ودورات متقدّمة تُحاكي فئات متنوّعة، وتُقدّم تجارب تعليمية وتفاعلية للتعرُّف على تقنيات النحت، واستخدام المواد، ومفاهيم الاستدامة، من خلال ممارسات عملية تُشرف عليها نخبة من الفنانين المُشاركين، وبمشاركة جهات متخصّصة، من بينها المعهد الملكي للفنون التقليدية (ورث) الذي يقدّم ورشة للنحت باستخدام الخشب.

من المعرض المُصاحب لملتقى طويق للنحت 2026 (الشرق الأوسط)

ويُقدّم ملتقى طويق للنحت تجارب فنّية خلال ساعات المساء، تجمع بين العناصر الموسيقية والضوئية والعروض الأدائية، بما يمنح الزوَّار فرصة استكشاف الأعمال النحتية في أجواء مختلفة خارج ساعات النهار، معزّزاً حضور الفنّ في الحياة الحضرية اليومية.

ويعتمد الملتقى جدولاً مسائياً خاصاً خلال رمضان، بما يتناسب مع أجواء الشهر الكريم، ويتضمَّن ورشات عمل عملية، وجلسات قصصية، وبازار رمضان، وسوقاً مسائية تضمّ أطعمة محلّية ومنتجات حرفية يدوية، مثل الفخار والصوف والحُلي بالخرز، والحقائب الجلدية.

وتُختتم الفعاليات بمعرض عام يُقام من 9 إلى 22 فبراير؛ إذ تُعرض الأعمال الفنّية المكتملة التي أُنتجت خلال مرحلة النحت الحي، تمهيداً لانضمامها لاحقاً إلى المجموعة الدائمة للأعمال الفنّية في مدينة الرياض؛ علماً بأنّ جميع الفعاليات متاحة مجاناً للجمهور.


فرقة كرنفالية إسبانية بزيّ ستيفن هوكينغ على كراسٍ متحرّكة

عرض يبدو غريباً لكنه يقترب أكثر من الإنسان (كرنفال قادس)
عرض يبدو غريباً لكنه يقترب أكثر من الإنسان (كرنفال قادس)
TT

فرقة كرنفالية إسبانية بزيّ ستيفن هوكينغ على كراسٍ متحرّكة

عرض يبدو غريباً لكنه يقترب أكثر من الإنسان (كرنفال قادس)
عرض يبدو غريباً لكنه يقترب أكثر من الإنسان (كرنفال قادس)

ظهرت فرقة كرنفالية إسبانية في مقاطع مصوَّرة انتشرت بشكل واسع، يرتدي أعضاؤها زيّ العالم الفيزيائي الشهير ستيفن هوكينغ، ويتنقّلون على كراسٍ متحرّكة، في عرض غير مألوف يهدف إلى رفع الوعي بمرض التصلّب الجانبي الضموري.

ووفق ما نقلته «نيويورك بوست» عن وسائل إعلام إسبانية، ارتدى 12 رجلاً شعراً مستعاراً وملابس تُحاكي مظهر هوكينغ، وانحنوا على كراسٍ متحرّكة، مُقلّدين إيماءاته وصوته الآلي المميّز، خلال عرض موسيقي استمر 30 دقيقة ضمن مسابقة الفرق الكرنفالية الرسمية في مدينة قادس.

وكان هوكينغ، الذي تُوفّي عام 2018 إثر مضاعفات مرتبطة بالمرض العصبي المُنهك، أحد أشهر الأصوات في مجال العلوم، رغم اعتماده على جهاز نطق إلكتروني للتواصل.

وانتشر عرض الفرقة، التي حمل عملها اسم «أغنية شيريجوتا شعبية من الناحية النظرية»، على نطاق واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما ظهرت وهي تجوب شوارع المدينة المرصوفة بالحصى على كراسٍ كهربائية، وتغنّي معاً بشكل متوافق منسجم وموحَّد، وسط ذهول الحشود التي تابعت المشهد في حالة من عدم التصديق.

وقال مؤلّف العمل، ميغيل أنخيل يوي، إنّ «الفكرة كانت إما كلّ شيء وإما لا شيء»، معترفاً بأنّ العرض الغريب كان فكرة تتضمَّن مخاطرة، وتستهدف توظيف الفكاهة السوداء من دون الإساءة إلى أحد. وأضاف: «لا داعي للانزعاج، فالأمر كلّه من أجل الضحك».

وعندما صعد المؤدّون إلى خشبة «مسرح فايا»، بقوا على كراسٍ متحرّكة بينما تتساقط عليهم قصاصات الورق الملوّن، وأدّوا أغنيات أشادت بالعالِم البريطاني الشهير ونظرياته حول الفضاء، والزمن، والثقوب السوداء، والنسبية، وفق مقطع مصوّر نُشر عبر موقع «يوتيوب».

ورغم أنّ العرض أثار ضحك الجمهور، فإن كلمات الأغنيات حملت رسائل مؤثّرة أضاءت على معاناة مرضى التصلّب الجانبي الضموري، وجاء في أحد المقاطع: «انتصرتُ وحدي»، وفق وسائل إعلام إسبانية.

وقبل الجولة التمهيدية، الأربعاء، دعت الفرقة جمعية التصلّب الجانبي الضموري في الأندلس إلى حضور بروفة بملابس العرض، إذ أبدى المرضى موافقتهم على أداء العرض، الذي قوبل بتصفيق حار وقوفاً خلال المسابقة.

وقال يوي: «نميل إلى الالتزام بهذه القضايا لأنّ باكو (المخرج) يعمل مع أشخاص من ذوي الإعاقة، وكانت الفكرة أن نمنحهم صوتاً وحضوراً».

وبعد انتهاء المسابقة، تُخطّط الفرقة للتبرّع بالكراسي المتحرّكة الـ12 لمرضى التصلّب الجانبي الضموري المحتاجين. وأضاف يوي: «هذه كراسٍ متحرّكة حقيقية تبلغ تكلفة الواحد منها 400 يورو». وختم: «وبما أننا تحمّلنا العبء، فالأجدر أن نُنهي المهمّة».