أودية الرياض تزهو بأنوار الفن

تحتضن أعمال فنانين عرب وأجانب ضمن عروض احتفال «نور الرياض»

أيمن يسري ديدبان (نور الرياض)
أيمن يسري ديدبان (نور الرياض)
TT

أودية الرياض تزهو بأنوار الفن

أيمن يسري ديدبان (نور الرياض)
أيمن يسري ديدبان (نور الرياض)

النور بألوانه وانعكاساته وبريقه وخفوته يتجلى في احتفال «نور الرياض»، أضخم معرض فنون ضوئية في العالم، وقد انطلق الأسبوع الماضي في العاصمة السعودية. الاحتفال في أيامه الأولى نجح في جذب الزوار لمختلف المناطق التي تحتضن أعمال فنانين من السعودية والعالم، ولكن هل يمكن تخيل ما الذي يعنيه ذلك الاحتفال الذي دخل عامه الثالث بهذه الدورة؟ مبدئياً يمكن القول بأن الأثر الجمالي البصري واضح جدًا خصوصاً في الأماكن المفتوحة، في الأودية، وفي الحديقة العامة، وعلى الجدران الشاهقة لبنايات مركز الملك عبد الله المالي «كافد». مجهود جبار في التنظيم والتنسيق والتنفيذ لاقى استجابة من الجمهور من المختصين، ومن سكان الرياض وزوارها، ورغم قصر فترة الحدث (من 30 نوفمبر (تشرين الأول) - 16 ديسمبر (كانون الأول))، لكنْ للنشاط القصير المكثف حلاوته وألقه الخاصان. خلال زيارة فعاليات «نور الرياض» سنحت لي الفرصة لزيارة المواقع الخمسة التي تركز فيها النشاط الضوئي، من تلك المواقع اخترت لكم وادي نمار ووادي حنيفة، لنطلق منهما رحلتنا مع نور الرياض.

وادي نمار... الطبيعة في حوار مع الفن الضوئي

وديان الرياض محطات للاستجمام والتنزه، على رمالها تجلس العائلات يتناول أفرادها الشاي أو الوجبات، بينما يلهو الأطفال على مقربة، اعتاد أهل العاصمة الخروج للوديان للتنزه، وهو تقليد عريق ممتد لا يزال يثير البهجة والاسترخاء. في وادي نمار تتباعد الأعمال عن بعضها، ومن ثم فاستقلال العربات الصغيرة هو الحل الأمثل لمطالعة الأعمال المختلفة مع التوقف عند اللائحة التعريفية لكل عمل الموضوعة قريباً منه ليتمكن الزائر من الحصول على المعلومات الأساسية.

الشلال المتراجع

نمر عبر الطرقات المتعرجة لنستكشف الأعمال الفنية التي توزعت على طول الوادي، بعضها اتخذ من الجبال شاشات للعرض، مثال عمل الفنانة البولندية أنجيلكا ماركول «منطقة إيغوازو»، 2013، الذي يصور شلالاً مائياً عملاقاً يقع بين حدود مقاطعة ميسيونس الأرجنتينية وولاية بارانا البرازيلية في منطقة شلالات إيغوازو، وفق رؤية الفنانة تنحسر المياه إلى الجرف كما لو أنها تعود بالزمن، مشيرة إلى ثيمة الفنانة المتكررة عن مرور الزمن وانعكاسه. العمل مسقط ضوئياً على الجبال الضخمة المحاذية للماء في وادي نمار، ويوفر مساحة للتأمل والمتعة البصرية.

رؤى

تتوقف بنا العربة لنستطيع الاقتراب من عمل الفنان السعودي سلطان بن فهد «رؤى 2023» الذي يبدو مبنى صغيراً من الخرسانة، لا يمكننا الدخول له، ولكننا نستطيع رؤية ما بداخله عبر نافذة زجاجية عريضة، وأخرى أصغر أسفل منها، ويظهر من خلال النافذة مزيج بديع من الألوان التي تندمج معاً دون شكل محدد، ولكنها جاذبة، وتتميز بجمال بصري أخاذ، وهو أسلوب مميز لأعمال الفنان عموماً، فالألوان عنده براقة حية ومستمدة من التراث المحلي.

لا يزال من هنا

الهوية المحلية تتجلى أيضاً في عمل «فاي استوديو» للفنانين سعيد جبعان وحاتم الأحمد. نتوقف أمام دائرة في الأرض ملونة بضوء أحمر، تجذب الزوار للوقوف عليها والعبث بالرمال داخل الدائرة لتتكون أشكال مختلفة، تصبح كاللعبة الغامرة الممتعة، وينغمس كل شخص داخل الدائرة في الرسم بالقدمين محركاً الرمال في أشكال مختلفة، العمل يحمل عنوان «لا يزال من هنا 2023» ووفق بيان العرض فهو يتأمل في المعرفة التي طورها البدو الرحل لتحديد الطرق وسبل الأمان في البيئة الصحراوية.

«فاي استوديو» للفنانين سعيد جبعان وحاتم الأحمد (نور الرياض)

رحلة عبر تموجات الرمال

الفنانة السعودية هناء الملي تقف إلى جانب عملها التركيبي «رحلة عبر تموجات الرمال»، الذي يبدو غرفة دائرية بيضاء مضيئة، وبالدخول للتركيب نجد أنفسنا داخل طبقات من النسيج الناصع الذي يكوّن حلقة متعددة الطبقات حول الزائر وكأنه شرنقة. ترى الفنانة أنها تمثل الاحتضان، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إنها تبحث دائماً عن تأكيد هويتها فهي نشأت في السعودية من أم سعودية بأصول سورية ووالدها سعودي من أصول تركية وكردية: «أحاول أن أعرف من أنا، سافرت لأميركا للدراسة، وهناك عايشت مفهوم الغربة والحنين للوطن، حاولت فهم مصدر هذا الإحساس. «عملها هنا محاولة للفهم استخدمت فيه ممارساتها بوصفها فنانة تعمل في النسيج والأصباغ الطبيعية، ومزجت فيه نسيج السدو التراثي، الأقمشة المعلقة أمامنا تتمايل مع نسيم الليل بحركة متكررة تعكس الإحساس بالغربة، والتعافي من تلك المشاعر أيضاً. تضيف: «هنا أستخدم الضوء للمرة الأولى» وأيضاً تستخدم الفنانة الشعر، فخلال وجودنا داخل العمل نستمع لكلماتها: «مع كل قطعة أقوم بها، أكتب قصيدة لها بالفعل. لذلك، حتى يتمكن الناس من فهم شعور الشوق والشعور بالغربة. هذه القطعة هي نوع من خاتمة هذا الاغتراب. والقصيدة تقول ذلك أيضاً».

«رحلة عبر تموجات الرمال» للفنانة هناء الملي (نور الرياض)

النجم الساقط

من الأعمال المعروضة هنا أيضاً عمل للفنان عبد الله العمودي «ابحث عني وسوف تجدني» يبدو كأنه نجم مشتعل سقط على الأرض، النجم هنا هو نجم «سهيل» الذي يتخذ مكاناً بهياً في الفلكلور الخاص بشبه الجزيرة العربية يظهر في الأشعار والأغاني والعلوم. عمل العمودي هنا يبتكر قصة جديدة للنجم «سهيل» لكن على الأرض هذه المرة عبر ضوئه الأحمر المشع نستكشف بعضنا. يقول العمودي لـ«الشرق الأوسط»: «هنا تخيلت أن سهيل قد هبط للأرض، وأصبح علينا أن نجده، ونرشده نحن».

«ابحث عني وسوف تجدني» للفنان عبد الله العمودي (نور الرياض)

النفق

يتحدث عمل الفنان سليمان السالم عن موقع محدد مر خلاله كثيراً في مدينة مكة المكرمة، وهو النفق المعروف باسم «المسخوطة» الذي يعد أطول أنفاق جبال مكة المؤدية إلى الحرم. يقول السالم لـ«الشرق الأوسط» إن العبور عبر النفق يثير شعور الترقب، فالمار خلاله يشعر بأنه بلا نهاية. ومن هنا يأتي الفيديو المصاحب للعمل متميزاً بلمسة لا نهائية تأملية. يتخذ العمل من فتحة مدخل سد وادي نمار مكاناً للعرض، ما يمنحه تأثيراً خداعياً إضافةً إلى سياق مناسب؛ فحتى وقد عُدِّل الفيديو بطريقة تحذف كل شيء ما عدا أضواء النيون الساطعة في النفق. عبر العمل يتحول النفق المعروف في مكة إلى آخر «افتراضي غير واضح المعالم»، كما يشير خلال حديثه معي، ويقول إنه يتعامل من خلال أعماله مع المعالم والأشياء التي تعد مألوفة، ولا تثير الدهشة ليغير من المشاعر البسيطة اليومية التي نشعر بها في يومنا لتختزل في العمل لتصبح مركزة وحادة».

«النفق» للفنان سليمان السالم (نور الرياض)

بتوقيت الأرض

يتخذ عمل الفنانة الأميركية جانيت إيشلمان «بتوقيت الأرض 1.26 الرياض» مساحة ضخمة في وادي نمار، يبدو كمظلة مقلوبة شاسعة المدى متلونة بألوان مرحة، تمنح المساحة للتأمل والتمعن في الضوء واللون، تحت العمل يجلس الزوار على وسائد محلية تراثية، ينيرهم العمل بضوئه، ويشد بأبصارهم للأعلى، وكأنما يسلط الضوء على العلاقات بين البشر وبينهم وبين الأرض من ناحية أخرى.

وادي حنيفة الأشجار والماء

في وادي حنيفة تطل علينا مجموعة أخرى من الأعمال الباهرة، يختلف وادي حنيفة عن وادي نمار من حيث مساحات العرض، ومن حيث بعد الأعمال عن بعضها وأيضاً في سهولة الوصول لها. في جانب من الوادي تجلس العائلات على العشب يتناولون الشاي، ويتسامرون وخلفهم شاشة ضخمة تعرض المناظر الطبيعية، في تلك اللحظة تتبدى عبقرية استخدام الوادي كمكان لعرض الأعمال الفنية التي تنسجم مع الزوار، وتصبح جانباً أساسياً من نزهتهم وحواراتهم، وتدخل التعبيرات الفنية إلى داخل المجتمع بكل رقي وجمال.

أيمن يسري وبيت الشجرة

يبدو مثل بيت خشبي مزخرف من بعيد، عمل جاذب يصبح هو الضوء الذي نتجه إليه، نسير على الرمال، وعلى الحصى عابرين ممرات ترابية لنصل للبيت الخشبي. العمل التركيبي الخاص من دون أبواب أو نوافذ هو عبارة جدران وسقف من الخشب يحمل فراغات محفورة يدلف منها الضوء ليكون أشكالاً متنوعة على الأرض الرملية. يجذب العمل الزوار بجمالية عالية وحس الطفولة، هل يمكن أن نعده بيت الشجرة الذي حلمنا بالصعود إليه صغاراً؟ ربما يكون ذلك، لكن تجربة الدخول لذلك الكيان ومراقبة انعكاسات الضوء على ملابسنا، وعلى الوجوه وأيضاً على الأرض تجربة بصرية باهرة في حد ذاتها. الفنان يقف على مقربة من العمل يبتسم بهدوئه المعتاد، ويقول لـ«الشرق الأوسط» مشيراً للعمل: «هو مظلة تأخذ فكرتها من ظلال الشجر، حيث يصبح الهدف هو الظل نفسه». التعبير الفني للمجسم هنا لا يقدم بالضوء، ولكن بالظل، وفق ما يشرح لنا الفنان: «الفراغات الموجودة هي مثل قطع (بازل) الألغاز الخشبية، هنا الألغاز لا تخرج لنا قطعاً محددة المعالم مثل الألغاز الخشبية التي كنا نلعب بها في الطفولة لتكوين أشكال محددة على سبيل المثال الديناصور. ولكن الناتج هنا هو أشكال عشوائية «وهذا هو المقصود».

«الحياة» للفنانة زهرة الغامدي (نور الرياض)

المياه العميقة والحياة

من الأعمال التي نراها في وادي حنيفة عبر الشاشات الضخمة عمل الفنانة سارة أبو عبد الله، ويحمل اسم «المياه العميقة»، وتجري أحداث الشريط المرئي داخل الوادي، وفي الفيديو، تلعب الأرض نفسها دور البطولة متضمنة حشراتها وحيواناتها، وقد تظهر لنا قاسية وجرداء، ولكنها في الواقع مليئة بالحياة والشعر. للفنانة السعودية زهراء الغامدي عمل هنا أيضاً نجده متجسداً على الأرض مستظلاً بشجريتين متعانقتين، يحمل عنوان «الحياة» تتأمل من خلاله الفنانة الصحراء مستمدة إلهامها منها، ومن تغيرها المستمر. ننظر إلى العمل، ونحار في ماهية الكيانات المضيئة أمامنا المنسقة على نحو بديع، نعرف من البيان المرفق أن العمل يمزج «المواد الاصطناعية مثل البلاستيك مع المواد الطبيعية، ويُنشئ سطحاً مشقوقاً دامجاً المواد المُستخدمة معاً بالحرارة يسمح بمرور الضوء من خلال فتحاته العديدة التي تسمح للضوء الذهبي بأن يشق طريقه ليكون مرئياً».

الأعمال المعروضة في الواديين كثيرة وباهرة، ولا يمكن إيفاؤها حقها إلا برؤيتها والنصيحة هنا بزيارة مواقع عروض نور الرياض؛ فليس من سمع كمن رأى.


مقالات ذات صلة

حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

يوميات الشرق الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

تشهد الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية» بالسويد حضوراً لافتاً للسينما السعودية بوجود أفلام سعودية في مختلف المسابقات.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق صور المخرج مع رفاقه ومعارفه في الإقليم (الشركة المنتجة)

إليزي سواسوا: «طفح الكيل» يوثق شهادة جيل وُلد تحت النار في بلدي

في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية حيث تتقاطع الثروات المعدنية الهائلة مع أطول الحروب المنسية في أفريقيا، يقدَّم فيلم «طفح الكيل» بوصفه أكثر من عمل وثائقي.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق المخرجة التشيكية خلال تسلم الجائزة في برلين (إدارة المهرجان)

بيبا لوبوجاكي: «لو تحولت الحمائم إلى ذهب» امتداد لسيرة عائلتي

قالت المخرجة التشيكية، بيبا لوبوجاكي، إن فيلمها الوثائقي «لو تحولت الحمائم إلى ذهب» لم يكن اختياراً تقليدياً لقصة بقدر ما كان امتداداً مباشراً لسيرتها العائلية.

أحمد عدلي (القاهرة )
سينما محمد حمَّاد لـ«الشرق الأوسط»: في «خروج آمن» أطرح قضايا وأسئلة لا أجوبة عليها

محمد حمَّاد لـ«الشرق الأوسط»: في «خروج آمن» أطرح قضايا وأسئلة لا أجوبة عليها

بعد 10 سنوات على تحقيقه فيلمه الأول «أخضر يابس»، يعود المخرج محمد حمَّاد ومنتجته خلود سعد للعمل معاً في فيلم آخر بعنوان «خروج آمن»، عُرض في «مهرجان برلين».

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق حرص صناع الفيلم على حضور العرض العالمي الأول في برلين (إدارة المهرجان)

ريما داس: اخترت سرد «ليس بطلاً» من منظور الأطفال

يقدم الفيلم الهندي «ليس بطلاً» للمخرجة ريما داس عملاً إنسانياً هادئاً يتأمل التحولات الصغيرة التي تصنع فارقاً عميقاً في حياة الأطفال والكبار على حد سواء.

أحمد عدلي (برلين)

97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
TT

97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)

بلغ إجمالي أعداد قاصدي وزوار الحرمين الشريفين 96 مليوناً و638 ألفاً و865 شخصاً خلال الفترة من 1 حتى 20 رمضان الحالي، الموافق من 18 فبراير (شباط) إلى 9 مارس (آذار) 2026.

وأوضحت «هيئة العناية بشؤون الحرمين الشريفين» أن هذه الإحصائية جاءت وفق مؤشرات تشغيلية تقيس إجمالي مرات الدخول للمصليات والعمرة، في مشهد يعكس المكانة الروحية والإيمانية للحرمين الشريفين، والإقبال الكبير من المسلمين لأداء العبادات في الشهر الفضيل.

وأفادت الهيئة بأن المسجد الحرام في مكة المكرمة استقبل 57 مليوناً و595 ألفاً و401 مصلٍّ أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، إضافةً إلى 15 مليوناً و605 آلاف و86 معتمراً.

وبيّنت أن المسجد النبوي في المدينة المنورة استقبل 21 مليوناً و143 ألفاً و259 مصلّياً أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، و579 ألفاً و191 في الروضة الشريفة، مضيفة أن عدد من قام بالسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه - رضي الله عنهما - بلغ مليوناً و715 ألفاً و928 زائراً.

وأكدت الهيئة أن هذه الأرقام تعكس الجاهزية التشغيلية العالية وتكامل منظومة الخدمات المقدمة لقاصدي الحرمين الشريفين خلال شهر رمضان، بما يضمن انسيابية الحركة وتهيئة بيئة تعبّدية آمنة.


حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
TT

حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

تشهد الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية» بالسويد حضوراً لافتاً للسينما السعودية بوجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان الأبرز للسينما العربية بالدول الإسكندنافية، المقرر انطلاق فعالياته خلال الفترة من 10 إلى 16 أبريل (نيسان) المقبل.

وتشارك المخرجة السعودية شهد أمين بفيلمها «هجرة» في المسابقة الرسمية للمهرجان، وهو الفيلم الذي عرض للمرة الأولى ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «البندقية»، ونال لدى عرضه عربياً في مهرجان «البحر الأحمر» جائزة «فيلم العلا» لأفضل فيلم سعودي بتصويت الجمهور، بالإضافة إلى جائزة «لجنة التحكيم».

وتدور أحداثه حول حكاية جدة تسافر مع حفيدتَيها إلى مكة المكرمة عام 2001، في رحلة تتخلّلها مواقف إنسانية مؤثرة. وعندما تختفي الحفيدة الكبرى في ظروف غامضة، تبدأ رحلة البحث عنها برفقة الحفيدة الصغرى، وسط مزيج الألم والأمل.

أما مسابقة «الأفلام الوثائقية» فتشهد حضور المخرج علي سعيد بفيلمه «ضد السينما» الذي عرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، وهو العمل الذي يروي حكاية انطلاق السينما السعودية متتبعاً جيل أطفال الثمانينات الذين أحبوا السينما وتعلقوا بها.

الملصق الترويجي لفيلم «ضد السينما» (الشركة المنتجة)

ويرصد الفيلم المحاولات الأولى لصناعة الأفلام والتحديات التي واجهتهم، مستعيناً بالأرشيف الصحافي ومانشيتات الصحف السعودية، ومن بينها مانشيتات صحيفة «الشرق الأوسط» موثقاً لمائة عام من رحلة السينما السعودية، منذ انطلق أول شريط تصوير للفرنسي «جو براش» في جدة.

بينما تحضر المخرجة السعودية سارة بالغنيم بفيلمها القصير «ارتزاز» الذي عرض في الدورة الماضية لمهرجان «البحر الأحمر»، وتدور أحداثه في الرياض من خلال أم تعاني إحباطاً من ابنتها، وتمارس الضغوط عليها حتى تخطط للزواج، وهو من بطولة ريم الحبيب ورند القصيبي.

ويشهد برنامج «ليالي عربية» عرض الفيلم السعودي «إسعاف» الذي يقوم ببطولته إبراهيم الحجاج مع بسمة داود ومحمد القحطاني، ومن إخراج كولين توج، وتتناول قصته شابين يعملان مسعفَين، الأول مستهتر والثاني جاد، وكلاهما يتورط مع مجرم يلاحق كلاً منهما بشكل مريب، فيحاولان الهرب منه، ولكن يقعان في ورطة طريفة عبر مواقف كوميدية متتالية.

فريق فيلم «إسعاف» مع المخرج كولين توج (الشركة المنتجة)

وتشهد المسابقة الرسمية للمهرجان في الأفلام الروائية الطويلة عرض أفلام شاركت غالبيتها في مهرجانات سينمائية عالمية، منها الفيلمان المصريان «كولونيا» للمخرج محمد صيام، و«القصص» للمخرج أبو بكر شوقي، بالإضافة إلى الفيلم المغربي «زنقة ملقا» الذي مثّل السينما المغربية في ترشيحات الأوسكار، بالإضافة إلى الفيلم الأردني «غرق» للمخرجة زين دريعي.

كما حضر في المسابقة الفيلم العراقي «إركالا: حلم كلكامش»، وفيلم «يونان» للمخرج أمير فخر الذي عرض العام الماضي في مهرجان «برلين السينمائي»، بالإضافة إلى الفيلم التونسي «وين ياخدنا الريح» للمخرجة آمال قلاتي، والفيلم الإماراتي «باب» للمخرجة نايلة الخاجة، بالإضافة إلى الفيلم الفلسطيني «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعبيس.

وكان المهرجان قد أعلن الشهر الماضي عن تكريم «رائد السينما السعودية» المخرج عبد الله المحيسن ليكون الشخصية المكرمة في النسخة الجديدة، مع عرض فيلمه «اغتيال مدينة» وتنظيم «ماستر كلاس» يناقش فيه تجربته السينمائية ورؤيته الفنية.

وأرجع الناقد السعودي أحمد العياد وجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان خلال النسخة المقبلة إلى الحضور المتزايد للسينما السعودية عالمياً، بما يعكس حالة التنوع التي باتت تتسم بها داخل المملكة، ما بين الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة إلى جانب الأفلام الوثائقية.

وأضاف العياد لـ«الشرق الأوسط» أن «الحراك السينمائي الذي تشهده السعودية في السنوات الأخيرة أسهم في لفت أنظار المهرجانات المعنية بالسينما العربية إلى التجارب السعودية الجديدة، وهو نشاط جعل كثيراً من تلك المهرجانات يحرص على إدراج أعمال سعودية ضمن برامجه المختلفة، لما وصلت إليه من مستوى فني ملحوظ وتنوع في الموضوعات والأساليب».

ولفت إلى أن مهرجان «مالمو للسينما العربية» يعدّ من أبرز المنصات التي تتابع هذا التطور عن قرب، مؤكداً أن حضور الأفلام السعودية في أكثر من مسابقة وبرنامج يعكس الاهتمام المتزايد بهذه التجربة السينمائية، ويمنح صناعها فرصة أوسع للتعريف بأعمالهم أمام جمهور أوروبي ومهنيين في صناعة السينما، مشيداً بإتاحة المهرجان عرض الأفلام السعودية في مدن إسكندنافية مختلفة على غرار ما حدث العام الماضي مع أفلام «فخر السويدي» و«نورة».


حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
TT

حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)

يتنقل الممثل والمخرج قاسم إسطنبولي بين المسارح الثلاثة التي يديرها في طرابلس وصور وبيروت، مطمئناً على حال رواده الذين أتوا هذه المرة لا لمشاهدة مسرحية ولا لمتابعة مهرجان، بل أتوا هاربين من القصف الإسرائيلي. عشرات النازحين وجدوا في هذه المسارح المكان الوحيد الذي استطاعوا الالتجاء إلى سقفه.

«المسرح الوطني اللبناني» بفروعه في المدن الثلاث تحوَّل إلى مأوى لنازحين من مختلف الجنسيات. في مدينة صور التي تلفّها النيران، تجد لبنانيين وسوريين وفلسطينيين، وعاملات منزليات من إثيوبيا وبنغلاديش، إضافة إلى أطفال ومسنين. كلٌّ يمضي وقته بالطريقة التي تروق له. ومع النازحين في المسرح حيواناتهم الأليفة التي اصطحبوها معهم؛ فهناك من أتى بعصفور، وآخر يعتني بكلبه الذي رفض أن يتركه خلفه. 50 شخصاً في صور يعيشون معاً في هذا المسرح، ويحاولون إضفاء المرح على جلساتهم رغم الخطر المحدق بهم.

ورشة رسم في المسرح (المسرح الوطني اللبناني)

يخبرنا إسطنبولي أن الأمر ليس بالسوء الذي نتصوره. يقول: «ننظم أنشطة باستمرار، وثمة أطفال بالعشرات يأتوننا من خارج المسرح خصيصاً ليشاركوا في برامجنا خلال النهار رغم أجواء الحرب». وينوِّع القيّمون على المسرح وسائل التسلية المفيدة لتزجية الوقت. ويضيف: «ننتقل بين الرسم والقراءة والأشغال اليدوية، ونركز على السيكودراما كي نساعد الأولاد على التغلب على مخاوفهم التي لا يعبرون عنها. التمثيل كفيل بذلك، والحكواتي مفيد أيضاً في مثل هذه الظروف».

وحين نسأل إن لم يكن الخوف أقوى من الفن في مثل هذه اللحظات، يجيبنا إسطنبولي متفائلاً: «الله هو المسلِّم». ويستطرد ضاحكاً: «الغريب أنه بدلاً من الخوف نجد الناس في المسرح يتواطؤون ضمناً على خلق أجواء من البهجة والراحة مع بعضهم بعضاً. هناك ألفة وتعاطف. ثمة من يأتون لليلة واحدة ثم يغادرون لأنهم وجدوا مكاناً آخر، أو ارتأوا العودة إلى منازلهم».

ميزة أن تكون هارباً من الحرب إلى مسرح أنك تخرج من أجواء الحرب قسراً. ثمة نازح يجيد العزف على البيانو يرفّه عن الموجودين كل يوم بقدر استطاعته، كما تُعرض أفلام بشكل مستمر لتمضية الوقت، وتُنظَّم ورشات رسم وتمثيل. إنها طريقة للترفيه عن أناس تركوا بيوتهم ولا يعرفون إن كانوا سيجدونها عند عودتهم إليها، خصوصاً أن غالبية الموجودين في المسرح الوطني في صور هم من القرى الحدودية التي تتعرض لأشد أنواع القصف والتدمير.

النوم في المسرح شأن آخر (المسرح الوطني اللبناني)

الألم كبير والقلق دائم. الأطفال يجدون ضالتهم في المسرح، تحديداً في هذه المدينة المرهقة بالقصف، حيث يحرص إسطنبولي على البقاء مع النازحين. يقول: «ثمة من قال إنه ينسى أحياناً الحرب وهو يتابع فيلماً أو يسمع معزوفة. تلك طريقتنا في المقاومة».

ولا يكتفي إسطنبولي بالترفيه عن رواد مسرحه، بل يجول أيضاً في مراكز إيواء مختلفة مع أعضاء من «جمعية تيرو للفنون»، وينشّط ورشات عمل للأطفال في مراكز متعددة موزعة في هذه المدينة الجنوبية.

بين النازحين في المسارح الثلاثة من كانوا قد لجأوا إلى المكان نفسه في الحرب العام الماضي؛ فقد باتوا يعرفون العنوان ويأنسون له.

في «المسرح الوطني» في طرابلس تقيم عائلة من جنوب أفريقيا وأخرى فرنسية، إلى جانب 7 عائلات تضم 27 شخصاً. يقول إسطنبولي: «معنا شعروا بالأمان العام الماضي، وهم يقيمون اليوم معزَّزين مكرَّمين».

وتشرح سيدة سورية في المسرح أنها لم تتمكن من العودة إلى بلادها مع أولادها اللبنانيين، ففضَّلت البقاء هنا إلى أن تنجلي الغمة.

تمضي الأيام بطيئة على النازحين، لكنهم يتعاونون في تحضير الوجبات في مطبخ المسرح. فقد أمّنت هذه المراكز الثلاثة كل ما يلزم من ضروريات أولية: كهرباء، وماء ساخن، وإنترنت على مدار اليوم، إضافة إلى الكتب والألعاب. ويقول إسطنبولي: «من حسن حظنا أننا احتفظنا بالفرش والأغطية من حرب العام الماضي. بمجرد أن وصل الملتجئون إلينا، كنا في جاهزية».

بعض المساعدات تصل إلى النازحين؛ إذ بدأت جمعيات تعرف بالحاجة في طرابلس وتحاول تقديم العون، لكنها غير كافية. لذلك أطلق المسرح دعوة للتبرع، ووزّع أرقام هواتف لمن يريد تقديم المعونة، ومن يرد أن يتوجه إلى المسرح شخصياً ويتبرع لعائلة بعينها، فالأمر مفتوح ومتاح.

المسرح يتَّسع لرواده في كل الأوقات (المسرح الوطني اللبناني)

لكن هذا ليس ما يشغل المنظمين أساساً؛ فالمهم هو الإحساس بالراحة والتعاون بين المقيمين في المسرح الواحد، وروح الأخوّة بينهم.

الصعوبات مقدور عليها، والحرب كانت متوقعة؛ لذلك منذ اللحظات الأولى لاندلاعها بدأت الاجتماعات.

ويقول إسطنبولي: «كانت لدينا كميات من الماء، والعصير، والكيك، وبعض الأشياء الأخرى، وما يقارب من 50 فرشة جاهزة، لذلك جاءت الاستجابة سريعة».

يرى إسطنبولي أن «المسرح الوطني» و«جمعية تيرو للفنون» يعملان أقل من الواجب في ظروف تستدعي نخوة الجميع. ويوضح: «المسرح هو نبض الناس وصوتهم، وقد وُجِد في الأصل لخدمتهم. وهذه علاقة لا تتوقف على تقديم المسرحيات وتنظيم المهرجانات». ويضيف: «ما قيمة المسرح إن أغلق أبوابه في وجه رواده في الأوقات العسيرة التي يكونون فيها بأشد الحاجة إلى الدعم؟».

وحين سأل إسطنبولي امرأة نازحة إلى المسرح، في اليوم العالمي للمرأة، عمَّا تتمناه في عيدها، قالت: «أن يبقى لكل امرأة بيتها».