أودية الرياض تزهو بأنوار الفن

تحتضن أعمال فنانين عرب وأجانب ضمن عروض احتفال «نور الرياض»

أيمن يسري ديدبان (نور الرياض)
أيمن يسري ديدبان (نور الرياض)
TT

أودية الرياض تزهو بأنوار الفن

أيمن يسري ديدبان (نور الرياض)
أيمن يسري ديدبان (نور الرياض)

النور بألوانه وانعكاساته وبريقه وخفوته يتجلى في احتفال «نور الرياض»، أضخم معرض فنون ضوئية في العالم، وقد انطلق الأسبوع الماضي في العاصمة السعودية. الاحتفال في أيامه الأولى نجح في جذب الزوار لمختلف المناطق التي تحتضن أعمال فنانين من السعودية والعالم، ولكن هل يمكن تخيل ما الذي يعنيه ذلك الاحتفال الذي دخل عامه الثالث بهذه الدورة؟ مبدئياً يمكن القول بأن الأثر الجمالي البصري واضح جدًا خصوصاً في الأماكن المفتوحة، في الأودية، وفي الحديقة العامة، وعلى الجدران الشاهقة لبنايات مركز الملك عبد الله المالي «كافد». مجهود جبار في التنظيم والتنسيق والتنفيذ لاقى استجابة من الجمهور من المختصين، ومن سكان الرياض وزوارها، ورغم قصر فترة الحدث (من 30 نوفمبر (تشرين الأول) - 16 ديسمبر (كانون الأول))، لكنْ للنشاط القصير المكثف حلاوته وألقه الخاصان. خلال زيارة فعاليات «نور الرياض» سنحت لي الفرصة لزيارة المواقع الخمسة التي تركز فيها النشاط الضوئي، من تلك المواقع اخترت لكم وادي نمار ووادي حنيفة، لنطلق منهما رحلتنا مع نور الرياض.

وادي نمار... الطبيعة في حوار مع الفن الضوئي

وديان الرياض محطات للاستجمام والتنزه، على رمالها تجلس العائلات يتناول أفرادها الشاي أو الوجبات، بينما يلهو الأطفال على مقربة، اعتاد أهل العاصمة الخروج للوديان للتنزه، وهو تقليد عريق ممتد لا يزال يثير البهجة والاسترخاء. في وادي نمار تتباعد الأعمال عن بعضها، ومن ثم فاستقلال العربات الصغيرة هو الحل الأمثل لمطالعة الأعمال المختلفة مع التوقف عند اللائحة التعريفية لكل عمل الموضوعة قريباً منه ليتمكن الزائر من الحصول على المعلومات الأساسية.

الشلال المتراجع

نمر عبر الطرقات المتعرجة لنستكشف الأعمال الفنية التي توزعت على طول الوادي، بعضها اتخذ من الجبال شاشات للعرض، مثال عمل الفنانة البولندية أنجيلكا ماركول «منطقة إيغوازو»، 2013، الذي يصور شلالاً مائياً عملاقاً يقع بين حدود مقاطعة ميسيونس الأرجنتينية وولاية بارانا البرازيلية في منطقة شلالات إيغوازو، وفق رؤية الفنانة تنحسر المياه إلى الجرف كما لو أنها تعود بالزمن، مشيرة إلى ثيمة الفنانة المتكررة عن مرور الزمن وانعكاسه. العمل مسقط ضوئياً على الجبال الضخمة المحاذية للماء في وادي نمار، ويوفر مساحة للتأمل والمتعة البصرية.

رؤى

تتوقف بنا العربة لنستطيع الاقتراب من عمل الفنان السعودي سلطان بن فهد «رؤى 2023» الذي يبدو مبنى صغيراً من الخرسانة، لا يمكننا الدخول له، ولكننا نستطيع رؤية ما بداخله عبر نافذة زجاجية عريضة، وأخرى أصغر أسفل منها، ويظهر من خلال النافذة مزيج بديع من الألوان التي تندمج معاً دون شكل محدد، ولكنها جاذبة، وتتميز بجمال بصري أخاذ، وهو أسلوب مميز لأعمال الفنان عموماً، فالألوان عنده براقة حية ومستمدة من التراث المحلي.

لا يزال من هنا

الهوية المحلية تتجلى أيضاً في عمل «فاي استوديو» للفنانين سعيد جبعان وحاتم الأحمد. نتوقف أمام دائرة في الأرض ملونة بضوء أحمر، تجذب الزوار للوقوف عليها والعبث بالرمال داخل الدائرة لتتكون أشكال مختلفة، تصبح كاللعبة الغامرة الممتعة، وينغمس كل شخص داخل الدائرة في الرسم بالقدمين محركاً الرمال في أشكال مختلفة، العمل يحمل عنوان «لا يزال من هنا 2023» ووفق بيان العرض فهو يتأمل في المعرفة التي طورها البدو الرحل لتحديد الطرق وسبل الأمان في البيئة الصحراوية.

«فاي استوديو» للفنانين سعيد جبعان وحاتم الأحمد (نور الرياض)

رحلة عبر تموجات الرمال

الفنانة السعودية هناء الملي تقف إلى جانب عملها التركيبي «رحلة عبر تموجات الرمال»، الذي يبدو غرفة دائرية بيضاء مضيئة، وبالدخول للتركيب نجد أنفسنا داخل طبقات من النسيج الناصع الذي يكوّن حلقة متعددة الطبقات حول الزائر وكأنه شرنقة. ترى الفنانة أنها تمثل الاحتضان، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إنها تبحث دائماً عن تأكيد هويتها فهي نشأت في السعودية من أم سعودية بأصول سورية ووالدها سعودي من أصول تركية وكردية: «أحاول أن أعرف من أنا، سافرت لأميركا للدراسة، وهناك عايشت مفهوم الغربة والحنين للوطن، حاولت فهم مصدر هذا الإحساس. «عملها هنا محاولة للفهم استخدمت فيه ممارساتها بوصفها فنانة تعمل في النسيج والأصباغ الطبيعية، ومزجت فيه نسيج السدو التراثي، الأقمشة المعلقة أمامنا تتمايل مع نسيم الليل بحركة متكررة تعكس الإحساس بالغربة، والتعافي من تلك المشاعر أيضاً. تضيف: «هنا أستخدم الضوء للمرة الأولى» وأيضاً تستخدم الفنانة الشعر، فخلال وجودنا داخل العمل نستمع لكلماتها: «مع كل قطعة أقوم بها، أكتب قصيدة لها بالفعل. لذلك، حتى يتمكن الناس من فهم شعور الشوق والشعور بالغربة. هذه القطعة هي نوع من خاتمة هذا الاغتراب. والقصيدة تقول ذلك أيضاً».

«رحلة عبر تموجات الرمال» للفنانة هناء الملي (نور الرياض)

النجم الساقط

من الأعمال المعروضة هنا أيضاً عمل للفنان عبد الله العمودي «ابحث عني وسوف تجدني» يبدو كأنه نجم مشتعل سقط على الأرض، النجم هنا هو نجم «سهيل» الذي يتخذ مكاناً بهياً في الفلكلور الخاص بشبه الجزيرة العربية يظهر في الأشعار والأغاني والعلوم. عمل العمودي هنا يبتكر قصة جديدة للنجم «سهيل» لكن على الأرض هذه المرة عبر ضوئه الأحمر المشع نستكشف بعضنا. يقول العمودي لـ«الشرق الأوسط»: «هنا تخيلت أن سهيل قد هبط للأرض، وأصبح علينا أن نجده، ونرشده نحن».

«ابحث عني وسوف تجدني» للفنان عبد الله العمودي (نور الرياض)

النفق

يتحدث عمل الفنان سليمان السالم عن موقع محدد مر خلاله كثيراً في مدينة مكة المكرمة، وهو النفق المعروف باسم «المسخوطة» الذي يعد أطول أنفاق جبال مكة المؤدية إلى الحرم. يقول السالم لـ«الشرق الأوسط» إن العبور عبر النفق يثير شعور الترقب، فالمار خلاله يشعر بأنه بلا نهاية. ومن هنا يأتي الفيديو المصاحب للعمل متميزاً بلمسة لا نهائية تأملية. يتخذ العمل من فتحة مدخل سد وادي نمار مكاناً للعرض، ما يمنحه تأثيراً خداعياً إضافةً إلى سياق مناسب؛ فحتى وقد عُدِّل الفيديو بطريقة تحذف كل شيء ما عدا أضواء النيون الساطعة في النفق. عبر العمل يتحول النفق المعروف في مكة إلى آخر «افتراضي غير واضح المعالم»، كما يشير خلال حديثه معي، ويقول إنه يتعامل من خلال أعماله مع المعالم والأشياء التي تعد مألوفة، ولا تثير الدهشة ليغير من المشاعر البسيطة اليومية التي نشعر بها في يومنا لتختزل في العمل لتصبح مركزة وحادة».

«النفق» للفنان سليمان السالم (نور الرياض)

بتوقيت الأرض

يتخذ عمل الفنانة الأميركية جانيت إيشلمان «بتوقيت الأرض 1.26 الرياض» مساحة ضخمة في وادي نمار، يبدو كمظلة مقلوبة شاسعة المدى متلونة بألوان مرحة، تمنح المساحة للتأمل والتمعن في الضوء واللون، تحت العمل يجلس الزوار على وسائد محلية تراثية، ينيرهم العمل بضوئه، ويشد بأبصارهم للأعلى، وكأنما يسلط الضوء على العلاقات بين البشر وبينهم وبين الأرض من ناحية أخرى.

وادي حنيفة الأشجار والماء

في وادي حنيفة تطل علينا مجموعة أخرى من الأعمال الباهرة، يختلف وادي حنيفة عن وادي نمار من حيث مساحات العرض، ومن حيث بعد الأعمال عن بعضها وأيضاً في سهولة الوصول لها. في جانب من الوادي تجلس العائلات على العشب يتناولون الشاي، ويتسامرون وخلفهم شاشة ضخمة تعرض المناظر الطبيعية، في تلك اللحظة تتبدى عبقرية استخدام الوادي كمكان لعرض الأعمال الفنية التي تنسجم مع الزوار، وتصبح جانباً أساسياً من نزهتهم وحواراتهم، وتدخل التعبيرات الفنية إلى داخل المجتمع بكل رقي وجمال.

أيمن يسري وبيت الشجرة

يبدو مثل بيت خشبي مزخرف من بعيد، عمل جاذب يصبح هو الضوء الذي نتجه إليه، نسير على الرمال، وعلى الحصى عابرين ممرات ترابية لنصل للبيت الخشبي. العمل التركيبي الخاص من دون أبواب أو نوافذ هو عبارة جدران وسقف من الخشب يحمل فراغات محفورة يدلف منها الضوء ليكون أشكالاً متنوعة على الأرض الرملية. يجذب العمل الزوار بجمالية عالية وحس الطفولة، هل يمكن أن نعده بيت الشجرة الذي حلمنا بالصعود إليه صغاراً؟ ربما يكون ذلك، لكن تجربة الدخول لذلك الكيان ومراقبة انعكاسات الضوء على ملابسنا، وعلى الوجوه وأيضاً على الأرض تجربة بصرية باهرة في حد ذاتها. الفنان يقف على مقربة من العمل يبتسم بهدوئه المعتاد، ويقول لـ«الشرق الأوسط» مشيراً للعمل: «هو مظلة تأخذ فكرتها من ظلال الشجر، حيث يصبح الهدف هو الظل نفسه». التعبير الفني للمجسم هنا لا يقدم بالضوء، ولكن بالظل، وفق ما يشرح لنا الفنان: «الفراغات الموجودة هي مثل قطع (بازل) الألغاز الخشبية، هنا الألغاز لا تخرج لنا قطعاً محددة المعالم مثل الألغاز الخشبية التي كنا نلعب بها في الطفولة لتكوين أشكال محددة على سبيل المثال الديناصور. ولكن الناتج هنا هو أشكال عشوائية «وهذا هو المقصود».

«الحياة» للفنانة زهرة الغامدي (نور الرياض)

المياه العميقة والحياة

من الأعمال التي نراها في وادي حنيفة عبر الشاشات الضخمة عمل الفنانة سارة أبو عبد الله، ويحمل اسم «المياه العميقة»، وتجري أحداث الشريط المرئي داخل الوادي، وفي الفيديو، تلعب الأرض نفسها دور البطولة متضمنة حشراتها وحيواناتها، وقد تظهر لنا قاسية وجرداء، ولكنها في الواقع مليئة بالحياة والشعر. للفنانة السعودية زهراء الغامدي عمل هنا أيضاً نجده متجسداً على الأرض مستظلاً بشجريتين متعانقتين، يحمل عنوان «الحياة» تتأمل من خلاله الفنانة الصحراء مستمدة إلهامها منها، ومن تغيرها المستمر. ننظر إلى العمل، ونحار في ماهية الكيانات المضيئة أمامنا المنسقة على نحو بديع، نعرف من البيان المرفق أن العمل يمزج «المواد الاصطناعية مثل البلاستيك مع المواد الطبيعية، ويُنشئ سطحاً مشقوقاً دامجاً المواد المُستخدمة معاً بالحرارة يسمح بمرور الضوء من خلال فتحاته العديدة التي تسمح للضوء الذهبي بأن يشق طريقه ليكون مرئياً».

الأعمال المعروضة في الواديين كثيرة وباهرة، ولا يمكن إيفاؤها حقها إلا برؤيتها والنصيحة هنا بزيارة مواقع عروض نور الرياض؛ فليس من سمع كمن رأى.


مقالات ذات صلة

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

يوميات الشرق صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» تولدت خلال جنازة والده.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

تشهد الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية» بالسويد حضوراً لافتاً للسينما السعودية بوجود أفلام سعودية في مختلف المسابقات.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق صور المخرج مع رفاقه ومعارفه في الإقليم (الشركة المنتجة)

إليزي سواسوا: «طفح الكيل» يوثق شهادة جيل وُلد تحت النار في بلدي

في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية حيث تتقاطع الثروات المعدنية الهائلة مع أطول الحروب المنسية في أفريقيا، يقدَّم فيلم «طفح الكيل» بوصفه أكثر من عمل وثائقي.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق المخرجة التشيكية خلال تسلم الجائزة في برلين (إدارة المهرجان)

بيبا لوبوجاكي: «لو تحولت الحمائم إلى ذهب» امتداد لسيرة عائلتي

قالت المخرجة التشيكية، بيبا لوبوجاكي، إن فيلمها الوثائقي «لو تحولت الحمائم إلى ذهب» لم يكن اختياراً تقليدياً لقصة بقدر ما كان امتداداً مباشراً لسيرتها العائلية.

أحمد عدلي (القاهرة )
سينما محمد حمَّاد لـ«الشرق الأوسط»: في «خروج آمن» أطرح قضايا وأسئلة لا أجوبة عليها

محمد حمَّاد لـ«الشرق الأوسط»: في «خروج آمن» أطرح قضايا وأسئلة لا أجوبة عليها

بعد 10 سنوات على تحقيقه فيلمه الأول «أخضر يابس»، يعود المخرج محمد حمَّاد ومنتجته خلود سعد للعمل معاً في فيلم آخر بعنوان «خروج آمن»، عُرض في «مهرجان برلين».

محمد رُضا (لندن)

هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
TT

هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

أعلنت نقابة «الموسيقيين» المصرية في بيان صحافي، الخميس، تحسن الحالة الصحية للفنان هاني شاكر خلال الأيام الماضية بعد تلقيه رعاية طبية دقيقة على يد أطباء مختصين، فيما يستعد لاستكمال علاجه في فرنسا.

وقالت النقابة إن «شاكر سيتوجه خلال الساعات المقبلة إلى فرنسا لاستكمال بعض الفحوصات الطبية، والاطمئنان بشكل كامل على حالته الصحية، وذلك وفقاً لتوصيات الفريق الطبي المعالج».

وخلال الساعات القليلة الماضية انتشرت شائعات تفيد بوفاة هاني شاكر، وجاء اسمه ضمن قائمة الأكثر بحثاً على موقع «غوغل»، الخميس في مصر، بعدما كتب عدد من المشاهير في الوسط الفني بمصر خبر الوفاة على حساباتهم بالسوشيال ميديا، ومعاودة حذفه ونفيه فيما بعد.

ونفى حساب يحمل اسم «أعضاء نقابه المهن الموسيقية المصرية»، على موقع «فيسبوك»، خبر وفاة هاني شاكر، وكتب: «لا صحة على الإطلاق لما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن وفاة الفنان هاني شاكر، وأنه ما زال على قيد الحياة ويتلقى العلاج حالياً»، مضيفاً: «نرجو من الجميع تحري الدقة قبل نشر أو تداول أي أخبار غير مؤكدة، وعدم الانسياق وراء الشائعات».

وبدوره، أكد الشاعر الغنائي والناقد الموسيقى المصري فوزي إبراهيم أن «هاني شاكر بخير وحالته الصحية في تحسن مستمر»، موضحاً أن «مسألة سفره للاستشفاء والنقاهة وليس للعلاج»، حسب تأكيد الفنانة نادية مصطفى.

تحسن حالة هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

واستنكر فوزي إبراهيم، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، «الأخبار المغلوطة والشائعات السيئة التي انتشرت عنه»، معرباً عن أسفه لما يتم تداوله، وعدم احترام رغبة أسرته في عدم الكلام وسط انشغالهم بحالته.

وتساءل فوزي إبراهيم: «هل من الطبيعي أن تصدر الأسرة بيانات صحافية تخصه وسط انشغالهم بحالته الصحية؟، لذلك لا بد أن يحترم الناس رغبتهم، وعدم الانسياق وراء ما يتردد، طالما لم يتم نشر أي بيانات رسمية من قبلهم».

مصدر مقرب من الفنان هاني شاكر أوضح أن «حالته في تحسن مستمر، بعد تعرضه لإجهاد شديد نتيجة إجراء عملية وقف نزيف القولون»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «سفره لفرنسا سيكون خلال يومين».

وفي السياق، ردت الفنانة نادية مصطفى عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، على ما يتم تداوله من شائعات تفيد بأن سفر هاني شاكر للخارج كان بسبب فشل الأطباء في علاجه داخل مصر، مؤكدة أنها «تواصلت مع زوجته السيدة نهلة، التي نفت هذه الأخبار».

وحسب منشور نادية مصطفى، فقد وصفت زوجة هاني شاكر، «ما قام به الأطباء المصريون بأنه (معجزة طبية)؛ نظراً لخطورة الحالة، كما وجهت الشكر لوزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، ولكل الأطباء القائمين على علاجه، وللعاملين بالمستشفى على ما بذلوه من جهد ورعاية فائقة».

وأوضحت زوجة هاني شاكر أن «قرار السفر للخارج جاء لاستكمال مرحلة الاستشفاء والعلاج والنقاهة، بعد تحسن حالته الصحية».

شاكر يستعد للسفر إلى فرنسا لاستكمال رحلة العلاج (حسابه على موقع فيسبوك)

وكان هاني شاكر قد أجرى قبل أيام جراحة لاستئصال جزء من القولون بعد إصابته بنزيف حاد، وقام بزيارته بالمستشفى وزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، كما طمأنت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، في بيان رسمي قبل أيام، الجمهور على صحته، مؤكدة أنه «قيمة فنية كبيرة تمثل جزءاً من تاريخ الغناء المصري الأصيل، وأن حضوره وإبداعه أثريا المشهد الفني المصري وألهما أجيالاً من الفنانين والموسيقيين».

بدأ هاني شاكر، والملقب بـ«أمير الغناء العربي»، مسيرته الفنية مطلع سبعينات القرن الماضي، وقدم بعض التجارب التمثيلية السينمائية في بداية مشواره من بينها فيلما «عايشين للحب»، و«هذا أحبه وهذا أريده»، كما أصدر هاني شاكر خلال مشواره الذي تعدى الـ50 عاماً أغنيات وألبومات غنائية عدة، وشارك في حفلات غنائية بالداخل والخارج، كما شغل منصب «نقيب الموسيقيين»، في مصر.


فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
TT

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

لم تستطع الحرب المشتعلة على أرض لبنان وجواره إسكات المسحراتي في مناطق لبنانية عدّة. فهو لا يزال يتنقل بين الأحياء موقظاً الصائمين لتناول وجبة السحور قبل أذان الفجر، ويحافظ بذلك على موروث ثقافي يضفي البهجة، إذ يجوب الشوارع منادياً سكانها بأسمائهم. كما ينشد المسحراتي أهازيج دينية؛ «يا أهل الله قوموا تسحروا»، أو «يا عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة». أما عبارته المشهورة «يا نايم وحِّد الدايم» فينتظر سماعها الكبار كما الصغار. ينهضون من أسرّتهم عائلات وأفراداً للتجمّع حول مائدة السحور وتأدية صلاة الفجر.

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية.

وكما في مدينتَي طرابلس وبيروت، فإن صيدا وجوارها تتمسّك بهذه الرمزية للشهر الكريم. صحيح أنّ قلة لا يزالون يمارسون هذه المهنة، وإنما بعضهم يحافظ على تأديتها منذ عشرات السنوات. بعضهم ورثها أباً عن جدّ، وبعضهم الآخر رأى فيها أسلوب عبادة من نوع آخر. فمن خلالها يخدم القوم ويحضّهم على ممارسة تقاليد ثقافية ودينية كي لا تؤول إلى زوال.

يرافقه فريق من العازفين والمنشدين في جولاته (محمد الغزاوي)

ويشير المسحراتي محمد الغزاوي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ رمضان هذه السنة حمل تحدّيات كثيرة. ويوضح: «بدأتُ في ممارسة عملي كما في كلّ موسم بهدوء وسكينة. ولكن اندلاع الحرب بدَّل في وجهاتنا زملائي وأنا. لم تعد جولاتنا تقتصر على زيارة أحياء معيّنة، بل توسَّعت لتشمل مراكز إيواء في صيدا وجوارها».

ويخبر بأنّ هذه المراكز تطلبه بالاسم لكونه من أقدم المسحراتية في المنطقة، إذ يحبّ الجميع صوته ويُعجَبون بأسلوبه في إنشاد الأهازيج.

ويتابع: «ثمة نحو 10 مراكز إيواء نعمل على تلبية طلبات النازحين إليها، نزورهم ونبلسم جراحهم كي لا يشعروا بالغربة. وفي مناطق أخرى اضطررنا إلى إضافة أحياء جديدة نتجوّل فيها نظراً إلى اتساع رقعة السكان في أرجاء المدينة».

يمارس محمد مهنته على الأصول، يرافقه بعض العازفين على الطبل والرق لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الصائمين. وفي ظلّ ارتفاع سعر الوقود، آثر القيام بجولاته سيراً: «أضطر أحياناً للمشي كيلومترات. في الماضي القريب كنتُ أقود سيارتي وأركنها في أقرب مكان من الحيّ الذي أنوي زيارته. كبرت أعداد البيوت والسكان وما عدتُ قادراً على زيارة 5 أحياء مشياً مرّة واحدة. حالياً عدتُ إلى التجوّل بين هذه الأحياء سيراً، وأستخدم زواريب وطرقاً نسمّيها (قادومية) لاختصار المسافات بينها. كما أنّ سنّي لم تعد تسمح بقطع مسافات طويلة. لذلك أستخدم اليوم دراجتي النارية للقيام بجولاتي الطويلة».

يسير في الشوارع والأزقة منادياً «يا نايم وحّد الدايم» (محمد الغزاوي)

ويؤكد أنه لا يزال ينادي سكان الأحياء التي يزورها بأسمائهم: «أتوقف عند كلّ عمارة ومنزل منادياً السكان، فأنا أعرفهم جميعاً. وفي حال مصادفتي بيوتاً يسكنها أناس جدد آخذ على عاتقي التعرُّف إليهم لأضيفهم إلى لائحتي. والجميل أنّ السكان يستيقظون ويلوّحون لي من شرفات منازلهم تفاعلاً معي».

وعن سبب ممارسته هذه المهنة، يجيب: «في أحد الأيام، سمعتُ أحد المسحراتية يطرق على التنك لإيقاظ المؤمنين. استفزني الموضوع لأن التنك لا يليق بقيمة الشهر الكريم. تقدّمت إلى دار الأوقاف في صيدا وطلبت ترخيصاً يسمح لي بممارسة المهنة. وعندما سألوني مستفسرين عن الأسباب التي تدفعني للقيام بهذه المهمّة شرحت لهم وجهة نظري، مؤكداً أنني أرغب في ممارستها على الأصول وبما يرضي رب العالمين».


المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
TT

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» ضمن المسابقة الرسمية لم تأتِ من لحظة إلهام واحدة، أو من مشروع مخطط له مسبقاً، بل تشكلت تدريجياً عبر سنوات من التفكير والتجارب الشخصية، فالبداية الحقيقية كانت بعد مشاركته في جنازة والده في غينيا بيساو، وهي تجربة وصفها بأنها كانت مؤثرة وعميقة إلى درجة أنه شعر بأن فيها مادة إنسانية تستحق أن تتحول إلى فيلم، حتى لو لم يكن يعرف آنذاك الشكل الذي يمكن أن يأخذه هذا المشروع.

وأضاف غوميز لـ«الشرق الأوسط» أن تلك الفكرة ظلت لفترة طويلة مجرد إحساس أو رغبة مبهمة في تحويل تجربة شخصية إلى عمل سينمائي، قبل أن تتضح معالمها لاحقاً، فبعد فترة من الزمن حضر حفل زفاف داخل محيطه العائلي، وهناك بدأ يرى العلاقة الخفية بين طقوس الفرح وطقوس الفقدان؛ لأن الجمع بين هذين الحدثين منحه الإطار الدرامي الذي كان يبحث عنه، لكونهما يمثلان لحظتين حاسمتين في حياة أي عائلة.

جنازة في غينيا بيساو

وأشار إلى أن الفيلم يتنقل بين زفاف يقام في فرنسا ومراسم جنازة تقام في قرية بغينيا بيساو، وهذا الانتقال بين مكانين مختلفين يعكس حركة دائرية للحياة؛ لأن الفكرة بالنسبة له كانت أن يرى المشاهد كيف تتجاور النهاية والبداية في اللحظة نفسها، وكيف يمكن للموت أن يفتح باباً للتفكير في المستقبل بقدر ما يستدعي الماضي بكل ما يحمله من ذكريات.

المخرج السنغالي - الفرنسي آلين غوميز (الشركة المنتجة)

وأوضح أن العمل يتناول أيضاً تجربة أبناء المهاجرين الذين نشأوا بعيداً عن أوطان آبائهم، فكثيراً من هؤلاء يصلون إلى مرحلة من العمر يصبحون فيها مسؤولين عن نقل تاريخ العائلة إلى الجيل التالي، رغم أنهم في الواقع لا يعرفون الكثير عن ذلك التاريخ، وهذا الانقطاع في المعرفة يخلق شعوراً غامضاً بالنقص؛ لأن هناك دائماً قصصاً ناقصة أو مفقودة داخل الذاكرة العائلية.

ولفت غوميز إلى أن «كثيراً من تلك القصص بقي غير مروي؛ لأن الأحداث المرتبطة بها كانت مؤلمة أو صادمة، خصوصاً تلك التي تعود إلى فترات الاستعمار أو الحروب أو الهجرة القسرية، فبعض الآباء يختارون الصمت بدافع حماية أبنائهم من الألم، لكن هذا الصمت قد يترك فراغاً في فهم الأجيال الجديدة لهويتها، وهو ما حاول الفيلم الاقتراب منه بطريقة إنسانية هادئة».

ويؤكد المخرج أن فكرة «الانتقال» أو «التوريث» كانت حاضرة بقوة أثناء العمل على الفيلم، لكنه لم يكن يقصد بها فقط نقل التقاليد أو العادات، بل نقل التجارب والذاكرة أيضاً، موضحاً أن العائلات غالباً ما تعيد اكتشاف نفسها في اللحظات التي تجتمع فيها، مثل حفلات الزفاف أو الجنازات، حيث يظهر بوضوح كيف يرتبط الماضي بالحاضر، وكيف تتشكل القرارات التي ستؤثر في المستقبل.

وأوضح أن تلك المناسبات العائلية تكشف أيضاً مرور الزمن بطريقة لا يمكن تجاهلها؛ لأن الأطفال الذين كانوا صغاراً يصبحون شباباً، في حين يختفي الكبار الذين كانوا يمثلون ذاكرة العائلة، مؤكداً أن رحيل هؤلاء يعني في كثير من الأحيان ضياع جزء من القصص التي لم تُحكَ بعد، وهو ما يجعل الجيل التالي مسؤولاً عن محاولة استعادة ما يمكن استعادته من تلك الذاكرة.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

ووفق غوميز، فإن الفيلم يحمل أيضاً تحية إلى جيل كامل من المهاجرين الذين اضطروا إلى بدء حياتهم من الصفر في بلدان جديدة، فهؤلاء الأشخاص لم يكن لديهم نموذج واضح يحتذون به، بل كانوا مضطرين إلى ابتكار طرقهم الخاصة للعيش والتعبير عن أنفسهم داخل مجتمعات مختلفة، وهو ما جعل تجربتهم مليئة بالصعوبات، لكنها أيضاً مليئة بالإبداع.

الحياة في المهجر

وأضاف أن هذا الجيل تمكن رغم كل التحديات من بناء حياة جديدة لأبنائه، وهو ما يستحق التقدير والاعتراف، فهناك شعور عميق بالفخر تجاه هؤلاء الأشخاص الذين استطاعوا تحويل تجربة الهجرة الصعبة إلى فرصة لبناء مستقبل أفضل، وهو ما حاول الفيلم أن يعكسه من خلال قصص شخصياته.

وأشار غوميز إلى أن أحد أهدافه الأساسية كان تقديم صورة مختلفة عن المجتمعات الأفريقية وأبناء الشتات الأفريقي؛ لأن السينما كثيراً ما قدمت هذه المجتمعات من منظور خارجي، وهو ما أدى إلى ظهور صور نمطية لا تعكس الواقع الحقيقي لحياة الناس؛ لذا أراد من خلال الفيلم أن يمنح الشخصيات فرصة لتقديم نفسها كما تريد أن تُرى.

الفيلم نال إشادات نقدية مع عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأوضح أن هذا الهدف كان حاضراً منذ المراحل الأولى للعمل؛ لأن الفيلم بالنسبة له ليس مجرد قصة تُروى، بل مساحة يمكن للناس من خلالها التعبير عن أنفسهم، معتبراً أن «داو» صُمم ليكون تجربة جماعية؛ إذ يشارك الأشخاص الذين يظهرون فيه في صياغة جزء من المعنى الذي يقدمه الفيلم.

وتحدث غوميز عن عملية اختيار الممثلين، مؤكداً أنها كانت جزءاً أساسياً من بناء الفيلم نفسه، فاللقاءات الأولى مع المشاركين لم تكن اختبارات أداء تقليدية، بل كانت محادثات طويلة ومحاولات للتعرف على الأشخاص بشكل حقيقي؛ لأن الهدف كان بناء علاقة إنسانية بينهم قبل بدء التصوير.