من مزهريّتها إلى مفتاحها... كيف شرّعت القدس أبوابها لفيروز والأخوين رحباني؟

فيروز تستلم مفتاح القدس عام 1968 ويظهر في يمين الصورة عاصي الرحباني (منصة إكس)
فيروز تستلم مفتاح القدس عام 1968 ويظهر في يمين الصورة عاصي الرحباني (منصة إكس)
TT

من مزهريّتها إلى مفتاحها... كيف شرّعت القدس أبوابها لفيروز والأخوين رحباني؟

فيروز تستلم مفتاح القدس عام 1968 ويظهر في يمين الصورة عاصي الرحباني (منصة إكس)
فيروز تستلم مفتاح القدس عام 1968 ويظهر في يمين الصورة عاصي الرحباني (منصة إكس)

قبل 9 سنوات على مرورها في «شوارع القدس العتيقة» ولقائها بـ«الناس الناطرين»، غنّت فيروز فلسطين. فالأعمال الرحبانيّة المكرّسة لـ«الدار السليبة» ولأهلها، تعود إلى عام 1955. كان عاصي ومنصور الرحباني في بداية الطريق، وصوت «السيّدة» يشقّ دربه إلى المجد، يوم دُعي الثلاثيّ إلى القاهرة لتسجيل مجموعة من الأعمال الغنائية الخاصة بفلسطين.

يفصّل الصحافي والباحث محمود الزيباوي، المتمرّس في الأرشيف الرحبانيّ، مراحل تلك العلاقة بين الأغنية الرحبانيّة وفلسطين، التي تمتدّ سبعة عقود. وفق الرواية، فإنّ البداية كانت مع مغنّاة «راجعون» التي سُجّلت في إذاعة «صوت العرب» في مصر بدعوة من مديرها أحمد سعيد. الأغنية التي ألّفها الأخوان رحباني، شارك في نسختها الأولى الفنان المصري كارم محمود، أما نسختها الثانية والأكثر تداولاً فصدرت ضمن أسطوانة تحمل عنوانها، كما خضع نصّها لبعض التعديلات.

«غرباء»

قبل أن يغوص الزيباوي في تفصيل الأرشيف الرحبانيّ الفلسطينيّ، يلفت لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ «أحداً لم يغنِّ فلسطين كفيروز، وأحداً لم يحوّلها أغنيةً كما فعل الأخوان رحباني». والدليل على ذلك، أنه كلّما اشتعلت أرض فلسطين من جديد، طار صوت فيروز و«زوبع بالضماير».

فيروز تتوسّط عاصي ومنصور الرحباني في خمسينات القرن الماضي (Rahbani Productions)

بالتزامن مع الأحداث الدامية في غزة عام 1955 ومواجهة الفلسطينيين مصير التهجير، سجّلت فيروز «غرباء» في القاهرة، من شعر هارون هاشم رشيد وألحان الأخوين رحباني. يقول الزيباوي إنّ «المغنّاة دخلت النسيان، مثلها مثل أعمال كثيرة لا تُعدّ ولا تحصى». غير أنّ كلماتها تنطبق على ذاك الزمان وهذا، حيث توجّهت فيروز إلى أبيها: «سألتك أمس عن أمّي التي ذهبت ولم ترجع (...) سألتك عن أخي أحمد وكدت تقول لي قد مات يا ليلى قد استُشهد».

«سنرجع يوماً»

من بين الأغاني التي ألّفها الأخوان رحباني لفلسطين ما دخل طيّ النسيان، على ما يقول الزيباوي، ومنها ما احتاج عقداً من الزمن لينتشر ويتحوّل نشيداً كما هي حال «سنرجع يوماً». ألّفها الرحبانيّان عام 1956، لحناً وشعراً. وتؤكّد المراجع أنّ القصيدة رحبانيّة بامتياز، رغم اللغط الذي أُثير حولها إذ قيل إنّ كاتبها هو هارون رشيد.

«سنرجع يوماً إلى حيّنا ونغرق في دافئاتِ المُنى

سنرجع مهما يمرّ الزمان وتنأى المسافات ما بيننا»

مطلع الأغنية، كما باقي كلامها، لا يأتي على ذكر فلسطين ويمكن بالتالي أن تنطبق على أي مغترب أصابه الحنين إلى وطنه. لكن غداة «نكسة 1967»، تجنّد الإعلام العربي واللبناني لنُصرة الأراضي المحتلّة. ويروي محمود الزيباوي كيف أن استوديوهات الإذاعة اللبنانية غصّت آنذاك بالفنانين اللبنانيين، الذين أراد كلٌّ منهم أن يهديَ فلسطين أغنيةً أو نشيداً. من بين تلك الأعمال، عادت «سنرجع يوماً» لتبرز من جديد، مع ظهور فيروز بالزيّ الفلسطيني على شاشة التلفزيون صادحةً: «سنرجعُ خبّرَني العندليب غداةَ التقينا على مُنحنى». ومنذ تلك السنة الفاصلة في التاريخ العربيّ، ارتبطت «سنرجع يوماً» بالفلسطينيين وبحلم العودة.

فيروز ترتدي الزيّ الفلسطيني مستعدّةً لأداء «سنرجع يوماً» عام 1967 (منصة إكس)

«مزهريّة» القدس

تَحقّق حلم فيروز بأن تطأ أرضَ فلسطين عام 1964. رنّمت في كنيسة القيامة بمناسبة زيارة بابا روما حينذاك بولس السادس. من تلك الزيارة التاريخيّة، بقيت صورة لها أمام فندق «الهوسبيس» في القدس. أما في بال السيّدة والأخوَين، فعلقت مشاهد استحالت أغنية حملت عنوان «القدس العتيقة» (مرّيت بالشوارع).

«حكينا سوا الخبريّة وعطيوني مزهريّة

قالولي هيدي هديّة من الناس الناطرين»

يضع الزيباوي قصة «المزهريّة» في إطار الروايات التي رافقت تلك الزيارة: «تقول الأخبار إنّ أهل المدينة المقدّسة أهدوا إليها مزهريّة». وتضيف سرديّاتٌ أخرى أنّ فيروز والأخوين جالوا فعلاً في «شوارع القدس العتيقة»، حيث أهدتها إحدى السيّدات مزهريّة من بيتها. كما تحدّثت فيروز إلى الناس هناك، الذين اشتكوا إليها من ظروفهم الصعبة في ظلّ الاحتلال، ما أثّر بها كثيراً وأوحى بالأغنية لعاصي ومنصور.

فيروز أمام فندق هوسبيس في القدس عام 1955 (فيسبوك)

الزيارة الرحبانيّة إلى فلسطين عام 1964 ألهمت الأخوين مزيداً من الأعمال المرتبطة بالقضيّة الفلسطينيّة. وبالتعاون مع صديقهما الشاعر اللبناني سعيد عقل، أصدرا «أجراس العودة» (سيفٌ فليُشهر) عام 1966، والتي سرعان ما تحوّلت نشيداً بعد أن غنّتها فيروز على مسرح معرض دمشق الدولي صيف تلك السنة قبل أن تسجّلها في الاستوديو، وفق ما يروي الزيباوي.

«زهرة المدائن»

أتت حرب «الأيّام الستّة» وهزيمة 1967 جرّاء سيطرة الاحتلال على القدس الشرقيّة، لتوحيَ بمزيد من الأعمال الفنّية. توّج الثلاثيّ الرحبانيّ التحيّة المتواصلة لفلسطين منذ 1955، بـ«زهرة المدائن». ثماني دقائق هي بمثابة صلاة ونشيد في آنٍ معاً، كتبها ولحّنها الأخوان لتتلوها حنجرة فيروز.

يروي محمود الزيباوي أنه «في 17 أغسطس (آب) 1967، افتتح الأخوان رحباني مهرجان الأرز في لبنان بقصيدة مهداة إلى القدس عنوانها (زهرة المدائن)»، مع العلم بأن الاسم القديم لمدينة القدس هو «زهرة المدائن». ويتابع أن الأغنية حققت نجاحاً كبيراً، وبُثّت مصوّرةً على شاشات السينما في وصلة مستقلّة من إخراج هنري بركات قبل عرض فيلم «سفر برلك».

مفتاح القدس

نبتت «زهرة المدائن» في كل حديقة وردّدتها الحناجر العربيّة مع فيروز. فما كان من أهل فلسطين إلّا أن ردّوا التحيّة عام 1968، ويذكر الزيباوي هنا كيف أنّ «نائبَي القدس إميل غوري ومحي الدين الحسيني حملا مفتاح القدس إلى بيروت، وسلّماه إلى فيروز مع صينيّة مصنوعة من الصدف تمثّل المسجد الأقصى».

في احتفالٍ تاريخيّ، تسلّمت فيروز مفتاح القدس ليتحقّق ما جاء في الأغنية؛ «لن يُقفَل بابُ مدينتنا فأنا ذاهبةٌ لأصلّي، سأدقّ على الأبواب وسأفتحها الأبواب».

فيروز تحمل مفتاح القدس الذي مُنح لها تكريماً لأعمالها والأخوين رحباني من أجل فلسطين (منصة إكس)

لفلسطين وجرحها العميق، غنّت فيروز كذلك «بيسان»، و«يافا»، و«أحترف الحزن والانتظار»، و«جسر العودة»، وغيرها من الأغاني المعروفة وتلك الأقلّ انتشاراً. ومع كل أغنية من بينها، ثبت قول منصور الرحباني إنّ «الأناشيد الحماسيّة التي كانت تُذاع قبل النكسة صوّرتنا شعباً متوحّشاً يحب القتل والذبح، بينما نحن شعب له حضارة كبيرة. على الأغنية أن تكون إنسانيّة، لأنّ الإنسانية وحدها توصل إلى الحقّ. الأغنية تدخل كل بيت من دون استئذان، لذلك علينا أن نُحسن استغلال هذه الإمكانيّة وهذه المرونة».


مقالات ذات صلة

رفقا فارس: أستعيد بريق وجه بلدي في الأغنيات الوطنية

الوتر السادس رفقا فارس: أستعيد بريق وجه بلدي في الأغنيات الوطنية

رفقا فارس: أستعيد بريق وجه بلدي في الأغنيات الوطنية

في عملٍ يختصر ذاكرة الألم اللبنانية، تجمع الفنانة رفقا فارس شظايا وطنٍ مثقل بالكوارث، وتعيد صياغتها في «ميدلاي» بعنوان «حلم بوطن»، من إخراج جان بيار عبد الدايم.

فيفيان حداد (بيروت)
الوتر السادس جورج كازازيان: لديَّ مؤلفات موسيقية غزيرة لم ترَ النور

جورج كازازيان: لديَّ مؤلفات موسيقية غزيرة لم ترَ النور

يُكرم مهرجان جمعية الفيلم في دورته الـ52 الموسيقار المصري - الأرميني جورج كازازيان، في أول تكريم يحظى به بعد مسيرة فنية طويلة بدأت في سبعينات القرن الماضي.

انتصار دردير ( القاهرة)
الوتر السادس أحمد سعد لـ«الشرق الأوسط»: سأُحدث ثورة في عالم الألبومات

أحمد سعد لـ«الشرق الأوسط»: سأُحدث ثورة في عالم الألبومات

قال الفنان المصري أحمد سعد إنه يركز في الفترة المقبلة على إحداث ثورة في عالم الألبومات الغنائية، بإطلاق عدد من الألبومات والأشكال الغنائية المختلفة.

محمود إبراهيم (القاهرة)
الوتر السادس آري جان سرحان لـ«الشرق الأوسط»: بين التراث والحداثة أصنع هويتي

آري جان سرحان لـ«الشرق الأوسط»: بين التراث والحداثة أصنع هويتي

تتعدّد مواهب الفنان السوري آري جان سرحان، إذ يجمع بين التمثيل والغناء والتلحين. غير أنّ نجمه سطع في عالم التأليف الموسيقي، فحجز لنفسه مكانة بين الفنانين.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق سيلين ديون تُصدر أغنية جديدة بعد 7 سنوات على آخر ألبوماتها (حساب الفنانة على إكس)

سيلين ديون ترقص فوق الهاوية والقمم وتنتشل جان جاك غولدمان من عُزلته

أغنية جديدة للفنانة الكنَديّة بعنوان «هيّا نرقص»، استعداداً لعودتها الجماهيريّة في الخريف المقبل ضمن مجموعة حفلات في باريس.

كريستين حبيب (بيروت)

روبوت يعثر على كنوز سفينة غارقة منذ 5 قرون

في الأعماق زمنٌ لم ينتهِ بعد (أ.ف.ب)
في الأعماق زمنٌ لم ينتهِ بعد (أ.ف.ب)
TT

روبوت يعثر على كنوز سفينة غارقة منذ 5 قرون

في الأعماق زمنٌ لم ينتهِ بعد (أ.ف.ب)
في الأعماق زمنٌ لم ينتهِ بعد (أ.ف.ب)

في عمق البحر الأبيض المتوسط قبالة الساحل الفرنسي، نجح روبوت موجَّه من بُعد مخصَّص للغوص في الماء، في انتشال قطع أثرية تعود إلى قرون، من بينها إبريق استقر بجوار حطام سفينة تجارية تعود إلى القرن السادس عشر.

وأوضح الضابط في البحرية الفرنسية، سبستيان، الذي لم يفصح عن هويته الكاملة لأسباب أمنية، أنّ التعامل مع الموقع يتطلب دقة فائقة؛ لتفادي إلحاق أي ضرر بالحطام أو إثارة الرواسب التي قد تعوق الرؤية.

ووفق «سي بي إس نيوز»، يُشرف سبستيان على المهمة الأولى ضمن بعثات استكشافية أثرية في أعمق حطام داخل المياه الإقليمية الفرنسية، التي تُجرى على بُعد نحو ساعتين من الريفييرا الفرنسية.

كان اكتشاف السفينة قد حدث مصادفةً خلال مسح عسكري روتيني لقاع البحر العام الماضي في منطقة قبالة ساحل راماتويل بالقرب من بلدة سان تروبيه.

ويرجّح علماء الآثار أنّ السفينة كانت في طريقها من شمال إيطاليا، محمّلةً بالآنية الخزفية وسبائك معدنية، قبل أن تلقى مصيرها في الأعماق.

بين الإنسان والعمق... وسيط من معدن (أ.ف.ب)

وقد عادت البحرية الفرنسية حالياً، بالتعاون مع قسم الآثار الغارقة تحت الماء بوزارة الثقافة، لمعاينة القطع الأثرية التي بقيت محفوظة على عمق يزيد على ميل ونصف تحت سطح البحر.

مدافع وأباريق خزفية تحت الأعماق

وتحافظ البحرية على سرّية موقع الحطام، الذي أطلقت عليه اسم «كامارا 4»، رغم أنّ الوصول إليه يتطلَّب إمكانات تقنية متقدّمة نظراً إلى عمقه الكبير.

ومع بزوغ الفجر، وصلت القاطرة البحرية التابعة للمهمّة إلى الموقع، حاملةً روبوتاً مخصّصاً للعمل تحت الماء، ومعه حاويتان كبيرتان تُستخدمان مكاتبَ ميدانية بديلة لعلماء الآثار البحرية.

ويُنزل طاقم العمل الروبوت المزوّد بالكاميرات وأذرع تشبه الكماشة إلى الأعماق، حيث يوجّه أحد المسؤولين في البحرية الروبوت نحو الأسفل عبر كابل طويل، في حين يراقب الخبراء حركته عبر الشاشات.

وبعد نحو ساعة، يبدأ الروبوت، المُصمَّم للغوص حتى عمق يصل إلى 4 آلاف متر، في الانزلاق فوق أكوام من الأباريق دائرية الشكل في قاع البحر.

وتكشف اللقطات التي ترصدها الكاميرات للفريق على السطح، عن تفاصيل الحطام، حيث تظهر مدافع إلى جانب مئات الأباريق والأطباق المزخرفة بنقوش نباتية وصلبان وأشكال أسماك.

ويلتقط الروبوت 8 صور في الثانية على مدى 3 ساعات، ممّا أتاح جمع أكثر من 86 ألف صورة تُستخدم لاحقاً لإنتاج نموذج ثلاثي البُعد دقيق للموقع.

وأعربت عالمة الآثار فرانكا تشيبيكيني عن دهشتها من وضوح الرؤية في هذا العمق، قائلةً: «بدت ممتازة، ولا يمكن تخيّل ذلك على هذا العمق». وأضافت أن السفينة كانت تجارية على الأرجح، وكانت تحمل آنية خزفية مصقولة من منطقة ليغوريا في شمال غربي إيطاليا، وربما حُمِّلت في موانئ جنوة أو سافونا.

كان خبراء قد حدّدوا سابقاً وجود مرجلين ومرساة و6 مدافع في موقع الحطام، إلى جانب نفايات حديثة، مثل علبة مشروبات وعلبة زبادي فارغة، ظهرت في بعض الصور قرب المرساة.

عينٌ آلية ترى ما عجزت عنه العيون (أ.ف.ب)

استعادة إحدى أعمق القطع

وترى رئيسة فريق التنقيب، مارين سادانيا، أنّ هذه النتائج تُمثّل مصدراً مهماً لفهم طرق التجارة البحرية في القرن السادس عشر، في ظلّ محدودية المصادر التاريخية التفصيلية المتاحة.

وخلال عملية الانتشال، راقب الفريق بحذر الروبوت وهو يخفض ذراعه لالتقاط صندوق برفق، لتفادي كسره، رغم أنّ أحد الأواني الخزفية تحطم خلال العملية.

وقد نجح الفريق في استخراج عدد من الأباريق والأطباق، إذ فُحِصت في مختبرات بمدينة مرسيليا، وأظهرت التحاليل الأولية زخارف بخطوط زرقاء داكنة وأشكال هندسية ملوّنة.

وأكدت سادانيا أن هذه القطع تُعد من أعمق القطع الأثرية التي استُخرجت من حطام سفينة في فرنسا.

يأتي هذا الاكتشاف بعد العثور عام 2019 على حطام الغواصة «لا مينيرف» قبالة مدينة تولون، على عمق 1.4 ميل، والتي غرقت عام 1968 وعلى متنها 52 بحاراً.

وفي تطور موازٍ، أعلن مسؤولون اكتشاف حطام سفينة أخرى تعود إلى القرن الـ16، عُثر عليها خلال تدريبات عسكرية قبالة ساحل السويد.


هل تكشف الكهرباء سرّ فنجان القهوة؟

في القهوة... ما يتجاوز الحواس (أ.ف.ب)
في القهوة... ما يتجاوز الحواس (أ.ف.ب)
TT

هل تكشف الكهرباء سرّ فنجان القهوة؟

في القهوة... ما يتجاوز الحواس (أ.ف.ب)
في القهوة... ما يتجاوز الحواس (أ.ف.ب)

من منظور علمي، يُعدّ فنجان القهوة لغزاً معقّداً، إذ يسهم أكثر من ألف جزيء في تشكيل نكهته، وتتأثر هذه النكهة بعوامل، منها نوع الحبوب، ودرجة تحميصها، وطريقة طحنها، وأخيراً أسلوب تحضيرها. وغالباً ما تكون النتيجة فنجاناً غير متّسق، يصعب التنبّؤ بمذاقه أو جودته، فقد يكون حامضاً أكثر من اللازم، أو ذا طعم محترق، أو ضعيف القوام.

ورغم أن الكيميائيين قادرون على استخدام أدوات متقدّمة لتحليل هذه المكوّنات وفهم كيفية تفاعلها لتشكيل المزيج المعقّد الذي يصنع نكهة القهوة، فإن هذه المقاربة لا تُعد عملية وسريعة لفحص الجودة في بيئة عمل مزدحمة مثل المقاهي.

وإنما دراسة حديثة نقلتها «واشنطن بوست» قد تُسهم في فكّ هذا اللغز؛ إذ استعان علماء بتقنية مستخدمة في بحوث البطاريات، وأظهروا أن قياس التيار الكهربائي المارّ عبر القهوة يمكن أن يوفّر طريقة سريعة لتحديد قوة المشروب ونكهته.

وفي هذا الإطار، استخدم علماء من جامعة أوريغون جهازاً يُعرف باسم «بوتنشيواستات»، يولّد جهداً كهربائياً متغيّراً، إذ وضعوا أقطابه في أكواب من القهوة، وقاسوا التيار المارّ عبر عيّنات أُعدّت من الحبوب نفسها، لكنها حُمِّصت بدرجات مختلفة، وباستخدام طريقة تحضير موحَّدة.

وأظهرت النتائج أنه كلما زادت الشحنة الكهربائية التي تمرّ عبر القهوة، زادت قوة المشروب، إذ كانت القهوة الأقوى أكثر قدرة على توصيل الكهرباء. في المقابل، كانت القهوة داكنة التحميص أقل توصيلاً عند مستوى القوة نفسه، ويُعزى ذلك جزئياً إلى تراكم جزيئات مثل الكافيين على الأقطاب.

ويُمثّل هذا الاكتشاف أحدث إضافة إلى مجال علوم القهوة، حيث يعمل خبراء في أنحاء مختلفة على دراسة أفضل الطرق للانتقال من الحبوب إلى مشروب مثالي.

تقليدياً، تعتمد صناعة القهوة على قياس «معامل الانكسار» لتحديد القوة، من خلال ما يُعرف بـ«إجمالي المواد الصلبة الذائبة»، أي كمية القهوة المذابة في المشروب. وإنما النكهة تُمثّل مزيجاً من خصائص عدّة، تشمل القوة ودرجة التحميص، ولا يمكن لهذا القياس وحده أن يعكسها بالكامل.

في هذا السكون الداكن... عالم كامل (أ.ف.ب)

وقال الكيميائي في جامعة أوريغون وقائد فريق البحث، كريستوفر هيندون، إنه يأمل أن يوفّر هذا القياس الكهروكيميائي وسيلة لمراقبة الجودة والاتساق، وهو أمر أقل أهمية عند تحضير القهوة في المنزل، لكنه يُمثّل تحدّياً كبيراً عند الإنتاج على نطاق واسع.

وأضاف: «إنها تجربة شديدة البساطة، لكن تحليلها معقّد. وما يثير حماستي هو صعوبة تصوّر أنّ خاصية كهربائية واحدة يمكن أن تختزل النكهة الكلية لمشروب يحتوي على آلاف المركّبات المختلفة».

ومع ذلك، فإنّ فهم كيفية تفاعل هذه المكوّنات لتشكيل نكهات مثل الفراولة في رشفة، أو لمسات الكراميل في أخرى، ليس بالأمر السهل. وفي نهاية المطاف، يبقى الحكم النهائي على جودة الطعم بيد اللسان البشري.

وأشار هيندون إلى أنهم تحقّقوا من دقة هذه النتائج من خلال تحليل 4 دفعات من القهوة من محمصة تُدعى «Colonna» في مدينة باث بالمملكة المتحدة، حيث تمكّنت الطريقة الكهروكيميائية من تمييز الدفعة التي استُبعِدت بعدما قيَّمها متذوّق بشري على أنها دون المستوى المطلوب. وأوضح القائمون على المحمصة لاحقاً أن تلك الدفعة رُفضت لأنها لم تُحمّص بشكل كافٍ وكانت شديدة الحموضة.

من جانبها، قالت هيذر سميث، وهي كيميائية متخصّصة في النكهات وعالمة في علوم الإدراك الحسي بجامعة كوينزلاند في أستراليا، ولم تشارك في الدراسة، إنها اطّلعت على عدد من «الأنوف الإلكترونية» التي تحاول تمييز البصمة العطرية ونكهة القهوة.

وأضافت في رسالة عبر البريد الإلكتروني: «أرى أن هذه التقنية تضيف بُعداً جديداً محتملاً، لكنها ليست حلاً متكاملاً بمفردها».

وأوضحت أن العنصر المفقود يتمثل في البيانات الحسية البشرية، لفهم مدى فائدة هذا القياس الكهروكيميائي. وقالت: «هي طريقة أسرع لقياس بصمة التركيب الكيميائي للقهوة، وستضيف مزيداً من المعلومات إلى مجموعة أدوات التحليل المستخدمة لتقييم جودة النكهة. لكن لا يمكن لأي من هذه الطرق وحدها أن تصف أو تقيس نكهة القهوة بشكل كامل؛ فالتقييم الحسّي البشري وحده قادر على ذلك».


ماسة «كوه نور»... ما قصتها؟ ولماذا تطالب الهند باستعادتها من بريطانيا؟

تاج تتويج الملكة الأم يظهر فوق نعشها في لندن عام 2002 (رويترز)
تاج تتويج الملكة الأم يظهر فوق نعشها في لندن عام 2002 (رويترز)
TT

ماسة «كوه نور»... ما قصتها؟ ولماذا تطالب الهند باستعادتها من بريطانيا؟

تاج تتويج الملكة الأم يظهر فوق نعشها في لندن عام 2002 (رويترز)
تاج تتويج الملكة الأم يظهر فوق نعشها في لندن عام 2002 (رويترز)

تعود ماسة «كوه نور» إلى واجهة الجدل الدولي بين الحين والآخر، بوصفها واحدة من أشهر الأحجار الكريمة في العالم وأكثرها إثارةً للنزاعات التاريخية والسياسية. فهذه الماسة، التي تتوسط جواهر التاج البريطاني، ليست مجرد قطعة فاخرة، بل رمزٌ معقَّد لتاريخ طويل من الاستعمار والمطالبات بالاسترداد. وقد تجدَّد النقاش حولها مؤخراً بعد دعوات جديدة لإعادتها إلى الهند، حيث استُخرجت في الأصل.

دعوة جديدة تعيد القضية إلى الواجهة

صرّح عمدة مدينة نيويورك، زهران ممداني، يوم الأربعاء، بأنه يشجِّع الملك البريطاني تشارلز على إعادة ماسة «كوه نور» - التي تزن 105.6 قيراط - إلى الهند، وذلك وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وجاء هذا التصريح خلال زيارة الدولة التي قام بها الملك تشارلز والملكة كاميلا إلى الولايات المتحدة، حيث أمضيا يومهما الثالث في نيويورك. وقال ممداني للصحافيين قبل لقائه بالملك: «لو تحدثتُ إلى الملك على انفراد، لربما شجَّعته على إعادة ماسة كوه نور».

وكان ممداني، وهو أميركي من أصل هندي، يتحدث قبيل مشاركته في مراسم إحياء ذكرى ضحايا هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001. ورغم لقائه لاحقاً بالملك تشارلز في المناسبة نفسها، لم يتضح ما إذا كانت هذه القضية قد طُرحت خلال حديثهما. من جهته، امتنع قصر باكنغهام عن التعليق، كما لم يؤكد مكتب العمدة حدوث أي نقاش بهذا الشأن.

وقد أعادت هذه التصريحات إحياء الجدل القديم حول الماسة، التي تطالب الهند منذ سنوات طويلة بإعادتها من بريطانيا.

موقع «كوه نور» في جواهر التاج البريطاني

تحتل ماسة «كوه نور» مكانة بارزة ضمن جواهر التاج البريطاني منذ عام 1911، عندما رُصّعت في صليب يتصدر تاج الملكة ماري. وفي عام 1937، استُبدلت بها نسخة طبق الأصل، بعد نقل الماسة الأصلية إلى تاج الملكة الأم بمناسبة تتويجها إلى جانب الملك جورج السادس.

وفي سياق متصل، اختارت الملكة كاميلا تجنُّب الجدل المرتبط بالماسة، إذ ارتدت تاج الملكة ماري بعد تعديله وإزالة النسخة المقلدة منه، لتصبح بذلك أول قرينة ملك منذ القرن الثامن عشر تعيد استخدام تاج في مراسم التتويج.

أما تاج الملكة الأم، فقد صُنع عام 1937 للملكة إليزابيث، قرينة الملك جورج السادس، لارتدائه خلال حفل التتويج في 12 مايو (أيار) من العام نفسه. ويتميَّز التاج بغطاء مخملي أرجواني وحواف من الفرو، وهو مرصّع بنحو 2800 ماسة مثبتة في إطار بلاتيني، تتوزع في أنماط من الصلبان والمستطيلات.

كما يضم التاج ماسات كبيرة أخرى، من بينها ماسة أهداها سلطان تركيا إلى الملكة فيكتوريا عام 1856. ومع ذلك، تبقى ماسة «كوه نور» الأكثر إثارةً للجدل، إذ تتوسط الصليب الأمامي للتاج على قاعدة بلاتينية قابلة للفصل.

أصل الماسة ورحلتها عبر الإمبراطوريات

استُخرجت ماسة «كوه نور» من الهند، وتُعد من أكبر الماسات المصقولة في العالم، إذ يبلغ وزنها 105.6 قيراط (21.12 غرام). ويعود أول ذكر مكتوب لها إلى عام 1628، خلال عهد الإمبراطورية المغولية، حين كانت مرصّعة في عرش الطاووس الخاص بالإمبراطور شاه جهان، إلى جانب ياقوتة تيمور.

لاحقاً، استولى الحاكم الفارسي نادر شاه على الماسة عندما غزا دلهي عام 1739 ونهب المدينة، حاملاً معه كنوزاً هائلة، من بينها عرش الطاووس.

ومنذ ذلك الحين، تنقلت «كوه نور» بين حكام آسيا الوسطى، إلى أن استقرّت في يد الحاكم السيخي رانجيت سينغ عام 1813، بحسب ما أورده كتاب «كوه نور: تاريخ أشهر ماسة في العالم» للمؤرخين أنيتا أناند وويليام دالريمبل. وقد أعاد سينغ الماسة إلى الهند قبل وفاته عام 1839.

كيف وصلت إلى بريطانيا؟

في تلك الفترة، كانت شركة الهند الشرقية البريطانية قد وسَّعت نفوذها في شبه القارة الهندية، وكانت تنظر إلى «كوه نور» بوصفها رمزاً للقوة والهيمنة الاستعمارية. غير أن البريطانيين لم يحصلوا على الماسة إلا عام 1849.

خلال هذه المرحلة، سُجِنَت راني جيندان، الزوجة الصغرى لرانجيت سينغ ووالدة آخر مهراجا، وهو ابنها دوليب سينغ الذي كان يبلغ من العمر عشر سنوات. وبعد سنوات من الاضطرابات، وجدت الأم وابنها نفسيهما الوحيدين الباقيَيْن في ترتيب ولاية عرش البنجاب.

ووفقاً لأناند ودالريمبل، أُجبر دوليب سينغ على توقيع وثيقة قانونية عدّلت معاهدة لاهور، تنازل بموجبها عن ملكية الماسة للبريطانيين، إضافة إلى التخلي عن جميع مطالباته بالسيادة. وبذلك، انتقلت «كوه نور» إلى الملكة فيكتوريا.

إعادة صقل الماسة وتغيُّر شكلها

عُرضت الماسة في «المعرض الكبير» في لندن عام 1851، لكنها لم تُثر إعجاب الجمهور بسبب بساطة مظهرها. وعلى إثر ذلك، أمر الأمير ألبرت، زوج الملكة فيكتوريا، بإعادة صقلها وتلميعها.

وقد أدى ذلك إلى تقليص حجمها إلى نحو النصف، لكنه زاد من بريقها ولمعانها، لتأخذ الشكل الذي تُعرف به اليوم.

تُقدَّر قيمة ماسة «كوه نور» بما يتراوح بين 140 و400 مليون دولار أميركي، غير أن قيمتها الحقيقية تبقى غير محددة، إذ يُنظر إليها على أنها قطعة لا تُقدَّر بثمن، نظراً لما تحمله من رمزية تاريخية وسياسية.

ومنذ استقلال الهند عام 1947، دأبت الحكومات الهندية المتعاقبة على المطالبة باستعادة الماسة. وكان آخر هذه المطالب في عام 2016، حين أعلنت نيودلهي أنها ستبذل قصارى جهدها لاسترجاعها.