طبيب الحروب غسان أبو ستة هوَّن الآلام ومضى

غادر غزة بعدما أنقذ ما يمكن إنقاذه

الطبيب الفلسطيني - البريطاني غسان أبو ستة يداوي الموجوعين (فيسبوك)
الطبيب الفلسطيني - البريطاني غسان أبو ستة يداوي الموجوعين (فيسبوك)
TT

طبيب الحروب غسان أبو ستة هوَّن الآلام ومضى

الطبيب الفلسطيني - البريطاني غسان أبو ستة يداوي الموجوعين (فيسبوك)
الطبيب الفلسطيني - البريطاني غسان أبو ستة يداوي الموجوعين (فيسبوك)

أسهلُ على الطبيب الفلسطيني - البريطاني غسان أبو ستة تَرْك الأشياء وسط خرابها الكبير والتفرّغ لعيشٍ يتيح الخارج بعض رخائه. يفضّل الأرض المحترقة وإنسانها المسكون بالآهات في وقت الشدّة. خياره النبيل مردُّه الضميران الإنساني والمهني، وكلاهما بأقصى اليقظة. يضمّد الآلام ويخفّف النزف، وفي داخله نار تواصل التأجّج.

مشهدُه أمام المستشفى المعمداني وسط جثث مُمدَّدة في كل صوب، طبع الصورة المتعلّقة بمفهوم النخوة. فطبيب التجميل والترميم الذي هُجِّرت عائلته من بئر السبع عام 1948 إلى خان يونس في قطاع غزة، قدَّم جهوده لشفاء الإنسان تحت الظرف الحرج. كان النداء والاستجابة. في الوضعية الأولى، رفع الصوت أمام نفاد المستلزمات الطبية والدواء ومُخدِّر العمليات؛ وفي الثانية، مدَّ اليد وتنقّل بين غرف الجراحات، والمستشفيات، وكل مكان أُلقي فيه جريح، فهوَّن آلامه ومسح شيئاً من حزن الملامح وقسوة الفقد.

غسان أبو ستة يعتلي المنبر بعد مجزرة المستشفى (مواقع التواصل)

يصبح الشاهد على مجزرة «المعمداني»، بلباس الطبّ وأخلاق النبلاء. نجاته في تلك الليلة الساخنة، حمّلته «واجب» نجدة الآخرين. أجرى عشرات الجراحات وهدَّأ النفوس المرتعدة. شيءٌ من البلسمة المتنقّلة على رِجلين تأبى الإذعان للتعب. وإنْ تربَّص، تحايل عليه بتوليد القوة الجبّارة. فكيف للمرء أمام مشهدية الجثث والأطراف المبتورة، أن يتمالك أعصابه ويستمرّ؟ انفجر جزء من السقف، لكن غسان أبو ستة سَلُمَ لإعلاء رسالة. دوره إنقاذ ما تبقّى.

وُلد في الكويت، لأب فلسطيني وأم لبنانية. وفي جامعة غلاسكو بأسكوتلندا، تخصَّص بالجراحة. قد ينال كثيرون شهادة جراح، وهي خلاصة سنوات دراسة وبراعة وشجاعة. لكنّ أبو ستة جراح حروب. يأتي بقدميه إلى الجغرافيا المشتعلة وإنسانها المُطارَد بالنيران. مرات في غزة، وأخرى في لبنان وسوريا والعراق واليمن. يكون حيث نداء الواجب، والحشرجات.

بطل على هيئة طبيب وسط الدمار (متداولة عبر مواقع التواصل)

أول طبيب عربي يضع منهجاً دراسياً متخصّصاً عن طب النزاع والحروب لمساعدة الأطباء المبتدئين في التدخّلات الجراحية اللازمة بعد المعارك؛ يجعل من حساباته في مواقع التواصل استغاثة الموجوعين. يقول الإنترنت كثيراً عن رجل تعلَّم وتنقَّل بين التجارب، لكن ما يبذله للمهنة والإنسان يُقرأ أولاً في عينيه. مشاركته قسوة الليالي وآلام الأطفال، هي لأنه الشاهد الأيقونة على الفظاعة، مباشرة من المستشفى وأسرَّة المرضى وبرادات الأموات. الحروب تُنجب ضحايا غالباً، وحرب غزة تقدِّم للعالم بطلاً برداء أبيض ووفاء.

تسكن ذاكرة غسان أبو ستة بقايا بيت جدّه المُصاب بالوحشية الإسرائيلية، وحزن المفجوعين في عينَي والده. فهو من أسرة انغمست باكراً في الحراك الفلسطيني، وغرست فيه الولاء حيال الأرض. على عكس السائد، يحضر في الأزمات وحين تغدُر العواصف، عوض الحضور في فترات الرخاء وعبور النسيم. دخل غزة بعد الحرب وانضمّ إلى فريق طبي يُسعف الممكن إسعافهم. وأمام القهر العصيّ على احتماله، غادر القطاع قبل أيام، وفي القلب مرارات.

يصف حال الزملاء: «يأتون إلى العمل كل صباح، وهم لا يعلمون هل سيبقى لهم منزل أو عائلة يعودون إليهما». أتى بمقولة: «لا مكان أكثر وحدةً في الكون من محيط سرير طفل موجوع لم تعد لديه عائلة تعتني به»، من رحم الأحزان. الإقامة الدائمة في المستشفى، تُضفي شعوراً بأنه «أب» لهؤلاء الصغار الأيتام: يخيط الجرح، ويرسل موضعاً إلى احتمال الشفاء، ويحتضن مثلما يفعل الآباء في اللحظة الصعبة. يكون للوحشة القلب الذي يروّضها.

يخفّف الآلام ويهدّئ المرتعدين (فيسبوك)

يجعل من حسابه في «إكس» منبراً لصوت يناشد العالم العدالة والإنسانية. يكتب لآلاف الجرحى الذين يتعذّر علاجهم. للمستشفيات التي تُقصف. لليالي الطويلة، وللإنهاك حدّ الألم. وذات يوم، سرد قصة حزينة: «بترتُ ذراع طفلة عمرها 6 سنوات، وساقها. ثم كان عليَّ أن أخبر والدتها». ومرة أخرى كتب عن الظلم بشكله الفظّ: «الطاقم الطبي يلجأ إلى الخلّ لعلاج التهابات الجروح البكتيرية». ظلَّت الظلمة تعمّ، ورغم شدّتها، فإنه شقَّ نافذة للأمل. ففي 14 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، قال إنّ النوم خذله، والأرق أصابه حتى ساعات الفجر، لكنه شاهد المطر يهطل ويمسح الدخان المسموم من الهواء. راقب جمال السماء، ليعلن ولادة يوم جديد.

أمضى غسان أبو ستة أيامه في المستشفى (فيسبوك)

كرَّمه ملك الأردن عبد الله الثاني والملكة رانيا، والتقطوا صورة ثلاثية. على حسابها في «إنستغرام»، وصفته بـ«أحد الأبطال الذين سخّروا قلوبهم وأرواحهم لإنقاذ أكبر عدد ممكن من أهل غزة». في الواقع، يُكرَّم غسان أبو ستة بأي بلسمة يُحدِث وأي شفاء يُحقِّق. يُكرَّم بالإصرار على أن يكون أول الموجودين تحت الأخطار. وبينما تُدمَّر المنظومة الطبية في القطاع بالكامل، ويُترَك الأطباء لعجزهم أمام علاج كمّ هائل من الإصابات المروّعة والأمراض المعدية، يجد وقتاً ليُخبر العالم عن نقص الأدوية وانقطاع الكهرباء وشحّ المياه. محاربٌ على جبهات.

حديثه لـ«بي بي سي» عن زيارة جهاز مكافحة الإرهاب في الشرطة البريطانية، زوجته في منزلهما ببريطانيا، وتسبّبه بمضايقات بسؤالها عن سبب سفره إلى غزة والجهة خلف تسديد ثمن التذكرة، هو للإشارة إلى ضغوط لا تثنيه عن فعل الخير. يبقى من الإنسان أثره. وطبيب الحروب عطرٌ كامل الأثر.


مقالات ذات صلة

«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

المشرق العربي فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)

«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

أظهرت نتائج الانتخابات المحلية الفلسطينية التي أجريت في الضفة، هيمنة لمرشحي حركة «فتح» على معظم المجالس البلدية، بينما غاب الحسم للمنافسة في دير البلح وسط غزة.

كفاح زبون (رام الله) «الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينية تدلي بصوتها داخل مركز اقتراع في دير البلح وسط قطاع غزة السبت (إ.ب.أ)

دير البلح حاضرة في أول انتخابات محلية في قطاع غزة منذ 22 عاماً

شهدت مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية تجري في القطاع منذ 22 عاماً، على خلفية الانقسام الفلسطيني الداخلي والعدوان الإسرائيلي المتواصل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)

الأمم المتحدة تحذّر من تهديد الذخائر غير المنفجرة في غزة لجهود إعادة الإعمار

حذّرت الأمم المتحدة، من أنّ قطاع غزة الذي دمّرته الحرب، ملوّث بشدّة بذخائر غير منفجرة تقتل المدنيين وتشوههم بانتظام، وتهدّد جهود إعادة الإعمار على المدى الطويل.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
خاص صبي فلسطيني يمر قرب لافتات لمرشحي الانتخابات المحلية في دير البلح بوسط غزة الثلاثاء (أ.ف.ب) p-circle 02:00

خاص غزة تستعد لأول انتخابات محلية منذ عقدين

تشهد مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية على مستوى القطاع منذ عقدين تقريباً؛ في مشهد انتخابي ينطلق السبت، بالتزامن مع الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
يوميات الشرق بائع فلسطيني يبيع سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة كبديل للتبغ (رويترز)

في مواجهة شحّ التبغ في القطاع... الغزيون يدخنون الملوخية

لم تعد الملوخية مجرد طبق تقليدي على موائد السكان في قطاع غزة، بل تحوّلت، تحت وطأة الحرب وشحّ التبغ، إلى بديل غير مألوف للسجائر.

«الشرق الأوسط» (غزة)

840 ألف وفاة سنوياً حول العالم بسبب المخاطر النفسية والاجتماعية في العمل

عامل في أحد مطارات ألمانيا (أ.ب)
عامل في أحد مطارات ألمانيا (أ.ب)
TT

840 ألف وفاة سنوياً حول العالم بسبب المخاطر النفسية والاجتماعية في العمل

عامل في أحد مطارات ألمانيا (أ.ب)
عامل في أحد مطارات ألمانيا (أ.ب)

حذّرت منظمة العمل الدولية في تقرير حديث بأن المخاطر النفسية والاجتماعية في العمل من الإجهاد والمضايقة وأيام العمل الطويلة، تتسبب بمقتل 840 ألف شخص سنوياً في أنحاء العالم.

ونُشر هذا التقرير بشأن الصحة النفسية في بيئة العمل قبل اليوم العالمي للسلامة والصحة في العمل الذي يصادف، الثلاثاء.

وبحسب تقديرات منظمة العمل الدولية التي تستند خصوصاً إلى بيانات منظمة الصحة العالمية، فإن عوامل الخطر النفسية والاجتماعية المرتبطة بالعمل تؤدي إلى «نحو 840 ألف وفاة سنوياً تعزى إلى أمراض القلب والأوعية الدموية أو إلى اضطرابات عقلية».

ومع الإشارة إلى أن أصول هذه الأمراض غالباً ما تكون متعددة العوامل، لفت التقرير إلى أن العديد من الدراسات الطولية «تسلط الضوء على روابط متسقة بين التعرضات النفسية والاجتماعية السلبية في العمل (...) والصحة العقلية والقلبية الوعائية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

5 عوامل

ويحدد التقرير خمسة عوامل خطر نفسية اجتماعية رئيسية مرتبطة بالعمل: الإجهاد، وساعات العمل الطويلة، والتعرض لمضايقات، وعدم توازن بين الجهد والمكافأة، وانعدام الأمن الوظيفي.

ويوصي التقرير بتعزيز البحث لتوفير «بيانات منتظمة ومتناسقة وقابلة للمقارنة على الصعيد العالمي» وتقييم السياسات بشكل أكثر دقة لنشر الأساليب الفعالة.

كما يوصي بتحسين التعاون بين السلطات المسؤولة عن صحة السلامة المهنية ومؤسسات الصحة العامة والشركاء الاجتماعيين لتحسين الوقاية، وفي مكان العمل، لتحسين مراعاة المخاطر النفسية والاجتماعية من جانب المديرين، بالتعاون مع العمال.

كما يتطرق التقرير إلى الكلفة الاقتصادية السنوية لأمراض القلب والأوعية الدموية والاضطرابات العقلية المرتبطة بالمخاطر النفسية والاجتماعية، والتي تقدر بنحو «1.37 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي».


اللبنانية الأولى تفتتح «منتدى التعليم» في جامعة «الروح القدس - الكسليك»

السيدة الأولى تلقي كلمة خلال افتتاح منتدى التعليم العام في جامعة الروح القدس - الكسليك
السيدة الأولى تلقي كلمة خلال افتتاح منتدى التعليم العام في جامعة الروح القدس - الكسليك
TT

اللبنانية الأولى تفتتح «منتدى التعليم» في جامعة «الروح القدس - الكسليك»

السيدة الأولى تلقي كلمة خلال افتتاح منتدى التعليم العام في جامعة الروح القدس - الكسليك
السيدة الأولى تلقي كلمة خلال افتتاح منتدى التعليم العام في جامعة الروح القدس - الكسليك

أكدت اللبنانية الأولى السيدة نعمت عون أن الحرب التي نعيشها، تمتدّ إلى بيوت جميع اللبنانيين. وشددت على أن «لبنان اليوم ليس بخير، ومع ذلك، ثمّة صورة أخرى لا يمكن تجاهلها: لبنانيون يقفون إلى جانب بعضهم البعض، يفتحون بيوتهم، ويستقبلون بعضهم، رافضين أن يتركوا أيّ شخص وحيداً. هذا ليس تفصيلاً، هذا ما يُبقي لبنان صامداً حين يهتزّ كلّ شيء من حوله».

أوضحت أن المواطنية لا تبدأ من الدولة فقط بل تبدأ من سلوك الأفراد

ورأت أن المشكلة اليوم هي في أن «الثقة مفقودة في الدولة، والمستقبل، وفي فكرة أنّ هناك وطناً واحداً يجمعنا»، وأكدت على أهمية المواطنية في هذه اللحظة بالذات، مشيرة إلى «أن المواطنية ليست فكرة نناقشها، ولا درساً نحفظه، المواطنية قرار. قرار ألا نكون متفرّجين، قرار ألا نعيش على الهامش، قرار أن نكون جزءاً من هذا البلد فعلاً».

جاءت هذه الكلمة خلال افتتاح منتدى التعليم العام في جامعة الروح القدس - الكسليك، كجزء من مشروع السيدة عون «مدرسة المواطنية».

جامعة الروح القدس هي الأولى التي انضمت إلى مشروع السيدة عون «مدرسة المواطنية»

كانت جامعة الروح القدس هي الأولى التي انضمت إلى المشروع عبر تنظيمها هذا المنتدى وإطلاقها بالتوازي مبادرة تمثلت ببرنامج «مائة ساعة خدمة مجتمعية»، الهادف إلى ترسيخ روح المسؤولية الاجتماعية وتعزيز الانخراط الفاعل في خدمة المجتمع. وتعكس رعاية السيدة عون أعمال هذا المنتدى رؤية مشتركة تضع المواطنية الفاعلة في قلب العملية التربوية، وتؤكّد على أهمية إعداد أجيال واعية ومسؤولة، وفق رؤية «مدرسة المواطنية» التي سبق لها وأطلقتها.

وفي افتتاح المنتدى، ألقت اللبنانية الأولى كلمة قالت فيها: «المواطنية لا تبدأ من الدولة فقط، بل تبدأ منّا: من التزامنا، من احترامنا للآخر، من رفضنا للفوضى، ومن قدرتنا على الاختلاف من دون أن نكسر بعضنا. وفي زمن الحرب، لم يعد هذا خياراً، بل أصبح مسؤوليّة، لأن الدول في الأزمات إمّا أن تقوّيها شعوبها، وإمّا أن تتركها تنهار».

جانب من افتتاح «منتدى التعليم» في جامعة الروح القدس - الكسليك

وختمت بالقول: «لبنان صمد كثيراً، لكن الصمود وحده لا يكفي. لا يكفي أن نتحمّل، بل علينا أن نبني وطناً معاً، تحت سقف الدولة، وتحت علم واحد، علم لبنان».

كان رئيس الجامعة الأب البروفسور جوزيف مكرزل قد ألقى كلمة بالمناسبة، وكذلك نائبة الرئيس للشؤون الأكاديمية الدكتورة ريما مطر، ومديرة مكتب التعليم العام في الجامعة الدكتورة سمر الحاج. ومن ثَمَّ جالت اللبنانية الأولى على أجنحة المنتدى، مطّلعة على أبرز المشروعات والمبادرات الطلابية، وتفاعلت مع المنظمات والمؤسسات والطلاب، مستمعة إلى تجاربهم ومداخلاتهم، مشجّعة ومؤكدة أهمية دورهم بوصفهم شركاء فاعلين في بناء المجتمع.


كشف أثري في وادي النطرون يوثق بدايات الرهبنة بمصر

جانب من نقوش الدير (رئاسة مجلس الوزراء المصري)
جانب من نقوش الدير (رئاسة مجلس الوزراء المصري)
TT

كشف أثري في وادي النطرون يوثق بدايات الرهبنة بمصر

جانب من نقوش الدير (رئاسة مجلس الوزراء المصري)
جانب من نقوش الدير (رئاسة مجلس الوزراء المصري)

جاء الإعلان عن كشف أثري جديد في وادي النطرون بمحافظة البحيرة (شمال القاهرة) ليسلِّط الضوء على بدايات الحياة الرهبانية في مصر خلال القرون الميلادية الأولى.

ويعكس المبنى الذي اكتُشف بواسطة البعثة الأثرية المصرية المشتركة بين المجلس الأعلى للآثار وكلية الآثار بجامعة القاهرة، تطور العمارة الرهبانية المبكرة بما يحمله من عناصر معمارية ودلالات دينية وتاريخية مميزة، ويعد هذا الاكتشاف إضافة نوعية تُعزِّز مكانة مصر بوصفها أحد أهم مراكز التراث الديني والثقافي على مستوى العالم.

وجاء اكتشاف المبنى الأثري ضمن منطقة الأديرة المطمورة في وادي النطرون، وهي إحدى أهم مناطق نشأة الرهبنة في مصر والعالم، وفق فيديو توضيحي نشرته صفحة رئاسة الوزراء بمصر على «فيسبوك».

ويرجع تاريخ الدير الأثري المكتشف إلى ما بين القرنين الـ4 والـ6 الميلاديين، وقد شُيِّد من الطوب اللبِن على مساحة 2000 متر مربع، ويتكون من فناء مكشوف محاط بوحدات معمارية تشمل أفنية فرعية تفتح عليها حجرات الرهبان المعروفة بـ«القلالي».

ويضم المبنى أيضاً «مجموعة من الملحقات الخدمية مثل الأفران، والمطابخ، والأماكن المخصصة لتخزين المؤن. كما كشفت أعمال الحفائر عن الأماكن المخصصة للدفن داخل المبنى الأثري، التي تحتوي على عظام بشرية من المرجح أنها تنتمي لرهبان الدير القدامى»، وفق ما أورده الفيديو.

جانب من المبنى المكتشف (رئاسة مجلس الوزراء المصري)

ووجدت البعثة الأثرية أيضاً مجموعة من النقوش القبطية التي توثق حياة الرهبان داخل الدير؛ ما يعد إضافة جديدة إلى خريطة السياحة الدينية والثقافية في مصر.

وقبل نحو شهر، كانت البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار، في منطقة الرباعيات بالقلايا في مركز حوش عيسى بمحافظة البحيرة (شمال غربي القاهرة)، قد أعلنت الكشف عن مبنى أثري من المرجح أنه كان يُستخدم بوصفه داراً للضيافة خلال المرحلة المبكرة من الرهبنة القبطية، ويرجع تاريخ المبنى إلى القرن الخامس.

وتضمن الكشف كثيراً من العناصر المعمارية التي أُضيفت إلى المبنى خلال مراحل تاريخية لاحقة على زمن إنشائه، بما يعكس تطور استخدامه عبر مراحل زمنية متعاقبة.

وتهتم مصر بالسياحة الدينية، خصوصاً ذات الطابع القبطي، وتسعى لإحياء مسار العائة المقدسة بوصفه مشروعاً قومياً على الخريطة السياحية المصرية من خلال أماكن عدَّة رُصدت لتطويرها، وتوفير الخدمات بها لجذب السائحين.

ويضم مسار رحلة العائلة المقدسة 25 نقطة تمتد مسافة 3500 كيلومتر من سيناء حتى أسيوط، ويحوي كل موقع حلت به العائلة مجموعة من الآثار، مثل الكنائس أو الأديرة أو الآبار، ومجموعة من الأيقونات القبطية الدالة على مرور العائلة المقدسة بتلك المواقع التي أقرتها الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر.

ووفق وزارة السياحة والآثار، بدأت رحلة دخول العائلة المقدسة من رفح بالشمال الشرقي للبلاد، مروراً بالفرما شرق بورسعيد، وإقليم الدلتا عند سخا في كفر الشيخ، وتل بسطا بالشرقية، وسمنود في الغربية، ثم انتقلت إلى وادي النطرون في الصحراء الغربية، حيث أديرة الأنبا بيشوي والسيدة العذراء «السريان»، و«البراموس»، و«القديس أبو مقار».