ليلة «بيلبورد»... مايك تايسون يفاجئ الحضور ومورغان يتخطّى تايلور

المغنيان الأميركيان مورغان والن وتايلور سويفت نجما حفل جوائز بيلبورد الموسيقية (إنستغرام)
المغنيان الأميركيان مورغان والن وتايلور سويفت نجما حفل جوائز بيلبورد الموسيقية (إنستغرام)
TT

ليلة «بيلبورد»... مايك تايسون يفاجئ الحضور ومورغان يتخطّى تايلور

المغنيان الأميركيان مورغان والن وتايلور سويفت نجما حفل جوائز بيلبورد الموسيقية (إنستغرام)
المغنيان الأميركيان مورغان والن وتايلور سويفت نجما حفل جوائز بيلبورد الموسيقية (إنستغرام)

إنّه عامُ تايلور سويفت بامتياز، وقد جاءت نتائج حفل توزيع جوائز «بيلبورد» (Billboard) الموسيقية لتؤكّد الأمر من جديد. فمن أصل 20 فئة رُشّحت عنها، فازت المغنية الأميركية بـ10 جوائز، إلا أنها غابت عن الحفل السنوي الذي بُثّ عبر موقع بيلبورد الإلكتروني ومنصاتها على وسائل التواصل الاجتماعي.

من البرازيل حيث تستكمل جولتها العالميّة «Eras Tour»، أطلّت سويفت على الجمهور من خلال فيديو مسجّل. حاملةً إحدى جوائزها العشر، توجّهت إلى معجبيها كما جرت العادة، شاكرةً إياهم على دعمها ومضيفةً: «أنا أكثر شخص محظوظ في العالم. كل هذا لم يكن ليحصل لولاكم». ومن بين الجوائز التي حصلت عليها سويفت في ليلة البيلبورد، جائزة فنانة العام، وأفضل فنانة أنثى، وأفضل كاتبة أغاني، والفنانة الأكثر استماعاً على الإذاعات، والمغنية الأكثر مبيعاً، إلى جانب 5 ألقاب أخرى.

وبذلك، تتعادل سويفت مع مغنّي الراب الكندي دريك، الحائز على أكبر عدد من جوائز بيلبورد على مدى مسيرته الموسيقية. وفي حوزة كلٍ منهما حتى الآن 39 جائزة، متصدّرَين سباق بيلبورد.

من هو مورغان والن؟

غير أنّ اسماً لا يوازي سويفت شعبيّةً ولا انتشاراً عالمياً، استطاع أن يتفوّق عليها من حيث عدد الجوائز. هو مورغان والن، الذي اكتسح حفل بيلبورد، حاصداً 11 جائزة، من بينها أفضل فنان عن فئة الذكور، والفنان الأكثر استماعاً على منصات البث الموسيقي، وأفضل مغنّي موسيقى الكانتري (country)، إلى جانب 8 جوائز أخرى.

كما سويفت، غاب الرابح الأكبر عن الحفل، إلا أنه أطلّ من أتلانتا حيث محطّة جولته الأميركيّة. قدّم أغنيةً ثم توجّه بكلمة شكر وعد فيها بأنّ الجوائز لن تبدّله. وقال والن: «آخر حفل توزيع جوائز ذهبت إليه، عدت إلى البيت خالي اليدَين. أما اليوم، فليس لديّ ما يكفي من الأيادي لحمل كل هذه الجوائز». وأضاف متوجّهاً إلى جمهوره: «أعدُكم بأن أبقى كما أنا، إن عدتُ إلى البيت مع 10 جوائز أو بلا أي جائزة. سأمنحكم كل ما لديّ في كل مرة أدخل فيها إلى الاستوديو».

يعرف الأميركيون والن جيّداً كمغنّي «كانتري» حقّق شهرة غير مسبوقة خلال الأعوام القليلة الماضية. ومع أنّ بدايته كانت متعثّرة بعد خروجه المبكر من برنامج «ذا فويس» (The Voice) في موسمه السادس، إلا أنه اشتُهر بعد ذلك وفاز بجوائز عدّة. المغنّي والمؤلّف الموسيقي المولود عام 1993، عرف نجاحاً ساحقاً عام 2021 بفضل ألبومه «Dangerous»، الذي بقي في صدارة الاستماعات لسنةٍ كاملة.

ماذا عن باقي الفائزين؟

دريك الذي غاب هو الآخر عن حفل بيلبورد، حلّ ثالثاً بعد والن وسويفت مع 5 جوائز، من بينها أفضل مغنّي راب. وعن فئة موسيقى الـR&B فازت المغنية الأميركية SZA بـ4 جوائز، وكذلك فعل المغنّي الصاعد زاك براين عن فئة الروك.

في المقابل، اكتفت الأسماء الكبرى مثل بيونسيه، ومايلي سايرس، وفريق كولدبلاي، وذا ويكند، ونيكي ميناج، بـ3 جوائز أو أقلّ. أما عن فئة الموسيقى اللاتينية فكانت الكولومبيّة كارول جي أولى الفائزات، إلى جانب البويرتوريكي باد باني.

أفرد حفل بيلبورد مساحة كبيرة لموسيقى البوب الكوريّة K-pop، التي باتت جزءاً أساسياً من المحافل الموسيقية العالميّة. 3 فِرَق فازت بجوائز وهي ستراي كيدز، وبلاك بينك، ونيو جينز. ومن بين الفنانين الذين قدّموا عروضاً خلال الحفل، بيبي ريكسا إلى جانب الدي جي العالمي ديفيد غيتا، وكارول جي، التي افتتحت الحفل بـ3 أغنيات، وتيت ماك راي، وغيرهم.

ماريا والعيد

إلا أنّ أبرز العروض الموسيقية خلال الحفل، كان من توقيع الفنانة الأميركية ماريا كاري، التي افتتحت موسم الأعياد مقدّمةً أغنيتها الميلاديّة المأثورة «All I Want for Christmas is You». بفستان أبيض ومحاطةً بمجموعة من الراقصين على الجليد، أطلّت كاري (54 سنة)، على وقع تصفيق الحضور.

بعد الأغنية، قدّم توأم كاري مونرو وموروكان جائزةً تكريميّة لوالدتَيهما نيابةً عن إدارة بيلبورد. وتحيّي الجائزة ما سمّته «إنجاز» كاري من خلال أغنيتها الميلاديّة الأشهر على الإطلاق، التي لم تفقد بريقها رغم مرور 30 عاماً على إصدارها.

في كلمتها، قالت كاري إنها، ورغم عدم اعترافها بمرور الزمن، فإنها تحتفظ بأجمل ذكرياتها على مسرح «بيلبورد». وبعد أن شكرت جمهورها ومحبّيها الذين رافقوها على مرّ السنوات، لفتت إلى أنّ أغنية «All I Want for Christmas is You» غيّرت حياتها جذرياً.

المغنية الأميركية ماريا كاري مع ولدَيها في حفل جوائز بيلبورد (إنستغرام)

من الحلبة إلى المسرح

كبرى مفاجآت الحفل حلّت بدخول الملاكم الأسطوريّ مايك تايسون إلى الحلبة، مرافقاً المغنّي المكسيكي من أصول لبنانية بيزو بلوما. الفنان الشاب الذي فاز بجائزة أفضل أغنية عن فئة الموسيقى اللاتينيّة، علّق على حضور تايسون إلى جانبه قائلاً إنه «حلم صار حقيقة».

يُذكر أنّ حفل توزيع جوائز بيلبورد هو تقليد سنويّ متواصل منذ عام 1990، ويتنافس فيه فنانون من حول العالم على 71 فئة وجائزة. أما عملية اختيار الفائزين فتجري بناءً على تقييم مبيعات الألبومات والأغاني، إلى جانب أرقام التحميل والاستماع التي تنالها على منصات البث الموسيقية. ويؤخذ في الحسبان كذلك انتشار الأغاني على الإذاعات، والتفاعل مع الفنانين على وسائل التواصل الاجتماعي.


مقالات ذات صلة

رفقا فارس: أستعيد بريق وجه بلدي في الأغنيات الوطنية

الوتر السادس رفقا فارس: أستعيد بريق وجه بلدي في الأغنيات الوطنية

رفقا فارس: أستعيد بريق وجه بلدي في الأغنيات الوطنية

في عملٍ يختصر ذاكرة الألم اللبنانية، تجمع الفنانة رفقا فارس شظايا وطنٍ مثقل بالكوارث، وتعيد صياغتها في «ميدلاي» بعنوان «حلم بوطن»، من إخراج جان بيار عبد الدايم.

فيفيان حداد (بيروت)
الوتر السادس جورج كازازيان: لديَّ مؤلفات موسيقية غزيرة لم ترَ النور

جورج كازازيان: لديَّ مؤلفات موسيقية غزيرة لم ترَ النور

يُكرم مهرجان جمعية الفيلم في دورته الـ52 الموسيقار المصري - الأرميني جورج كازازيان، في أول تكريم يحظى به بعد مسيرة فنية طويلة بدأت في سبعينات القرن الماضي.

انتصار دردير ( القاهرة)
الوتر السادس أحمد سعد لـ«الشرق الأوسط»: سأُحدث ثورة في عالم الألبومات

أحمد سعد لـ«الشرق الأوسط»: سأُحدث ثورة في عالم الألبومات

قال الفنان المصري أحمد سعد إنه يركز في الفترة المقبلة على إحداث ثورة في عالم الألبومات الغنائية، بإطلاق عدد من الألبومات والأشكال الغنائية المختلفة.

محمود إبراهيم (القاهرة)
الوتر السادس آري جان سرحان لـ«الشرق الأوسط»: بين التراث والحداثة أصنع هويتي

آري جان سرحان لـ«الشرق الأوسط»: بين التراث والحداثة أصنع هويتي

تتعدّد مواهب الفنان السوري آري جان سرحان، إذ يجمع بين التمثيل والغناء والتلحين. غير أنّ نجمه سطع في عالم التأليف الموسيقي، فحجز لنفسه مكانة بين الفنانين.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق سيلين ديون تُصدر أغنية جديدة بعد 7 سنوات على آخر ألبوماتها (حساب الفنانة على إكس)

سيلين ديون ترقص فوق الهاوية والقمم وتنتشل جان جاك غولدمان من عُزلته

أغنية جديدة للفنانة الكنَديّة بعنوان «هيّا نرقص»، استعداداً لعودتها الجماهيريّة في الخريف المقبل ضمن مجموعة حفلات في باريس.

كريستين حبيب (بيروت)

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.