«عدو الشعب» في «الجامعة الأميركية ببيروت»: عزاء لمآسي البشرية

مسرحية من إخراج لوسيان بو رجيلي تحاكي إجهاض الحلم اللبناني

زياد نجار يتألق بدور العالِم توماس ستوكمان الناطق بالحقيقة (الجهة المنظّمة)
زياد نجار يتألق بدور العالِم توماس ستوكمان الناطق بالحقيقة (الجهة المنظّمة)
TT

«عدو الشعب» في «الجامعة الأميركية ببيروت»: عزاء لمآسي البشرية

زياد نجار يتألق بدور العالِم توماس ستوكمان الناطق بالحقيقة (الجهة المنظّمة)
زياد نجار يتألق بدور العالِم توماس ستوكمان الناطق بالحقيقة (الجهة المنظّمة)

يفرض الامتداد المهيب لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» نفسه على العمل المسرحي «عدو الشعب» من تأليف النرويجي هنريك إبسن، استناداً إلى اقتباس الأميركي آرثر ميلر. وبتحوُّل المساحة العريضة إلى مسرح في الهواء الطلق، يتقدّم العرض بشكل استثنائي، مغموراً بهواء خريفي يرخي عذوبته على ليل المدينة الخانق. المفارقة هي أنّ عملاً عُرض في القرن التاسع عشر يمكن إسقاطه على لبنان اليوم كأنه ابن بيئته، من صلب الصرخة المكتومة، ورحم الحقيقة المُصادَرة.

تُترجم ندى صعب المسرحية إلى اللبنانية المحكية، ويتولّى لوسيان بو رجيلي الإخراج. الأخير معروف بحسّه التغييري وإيمانه بالمحاولة، لمسته ساطعة ونَفَسه بين سطوره، في محاولة لتحرير صوت هو ردّ فعل على إجهاض أحلام الهاتفين في الساحات المقتولة. لساعتين، وبالتنقّل بين مواقع بديعة بداخل الحرم التاريخي، تقدّم المسرحية إشكالية الدعاية المضادة، وتأجيج الرأي العام، وتقارب ثيمة السلطة والشعب بشكلها اللبناني الفجّ.

تحافظ الشخصيات على أسمائها في النصّ الأصلي: العالِم توماس ستوكمان (أداء ممتاز لزياد نجار)، وزوجته كاثرين (المنتجة فرح الشاعر)، مع بيتر ستوكمان (عبد الرحيم العوجي)، وأسماء أدّت بمهارة، وامتهنت الأدوار. تقول القصة إنّ قرية نائية تمتاز بينابيع عجائبية يزورها المرضى للشفاء، يخرج منها العالِم توماس بخلاصة مفجعة: الينابيع ملوّثة، والخلاص بمائها الصافي كذبة! سعيه إلى إصلاح النظام المائي يُبيّن أن جذور الفساد ضاربة في العمق، وتمتدّ لتطول المقرّبين منه: الأخ بيتر، رئيس البلدية، رمز السلطة؛ ووالد زوجته صاحب مصنع الجلود وسمومه المتدفّقة إلى الينابيع. رفضُ توماس الخضوع للضغط يكلّفه خسائر كبرى.

زياد نجار وفرح الشاعر بشخصيتَي الزوجين ستوكمان (الجهة المنظّمة)

في العمل جانبان: الأول إحساسٌ طاغٍ بمكان السرد وزمنه؛ فأشجار الجامعة ومساحاتها العريضة تمنح النصّ طابع القرية، وأزياء القرن التاسع عشر (تصميم لاري بو صافي) تضفي هالة شاعرية. الجانب الآخر هو الشخصيات المُسقَطة على الواقع اللبناني؛ فالعامية المحكيّة على ألسنة كاريكاتورات تحمل أسماءً أجنبية، تعزّز جوّ مشاهدة مزدوجة عنوانها الاستعارة والواقع الذي يسطو لجهة وهج الرسالة. فإن صحَّ ألا ذِكر للبنان على الإطلاق، ولا لِما يمتّ له، فالأصحّ أنّ حضوره مطلق وراسخ ومكتمل، لمجرد استدعاء أشكال الصفقة والتواطؤ والإفلات من العقاب، وهنا عظمة المسرحية.

يرحّب سكان القرية بالحضور، ويسمّونهم سياحاً، ويسقونهم ماء النبع الشافي. بينما يلفح هواء لطيف وجوه المتسائلين عما يعنيه عرضٌ يستدعي الفضاء بأسره، والمساحات كلها، أمام أضواء تمنح الزائر شعوراً بالإحاطة والسكينة. يأتيهم الجواب سريعاً؛ فهم جزء من المسرح التفاعلي، يتنقلون في الأرجاء للدخول تماماً في اللعبة. العرض مبهر في شكله وموضوعه. كل شيء عُدَّ ليشكّل قيمة، وعلى وَقْع أوتار عود جهاد الشمالي، يُفتَتَح فصل ويُختَم آخر، ليتساءل الحضور عن الوجهة المقبلة.

غلاف المسرحية التي تحاكي إجهاض الحلم اللبناني (الجهة المنظّمة)

لوَّعت الثورة المبتورة المخرج لوسيان بو رجيلي، وعمّقت ندوباً داخلية. مسرحه «مُوجَّه»، له صوت، وغالباً يحمل إدانة للتجاوزات السياسية اللبنانية، في محاولة لخلق الوعي حيال إدراكها أولاً ورفضها ثانياً. الفعل، وهو السلوك التغييري تجاه المرفوض، والمُنتظر منه قلب الطاولة؛ مسألة أخرى، يدرك بو رجيلي بأي عوائق يصطدم، وتحت أي جدران يرزح. اقتباس مسرحية «عدو الشعب» بالمحكية اللبنانية، عزاء لـ«ثورة 17 أكتوبر» وخيبة شبابها، وللمدينة الحالمة بتغيير لم يتحقق لاستحالة الإجماع على حقيقة.

ليس أداء زياد نجار والباقين وحده ما يرفع المستوى، بل اكتمال عناصر الجذب المشهدي ومحاكاة الفكر أيضاً. ما يبدأ محدوداً ومُسيطَراً عليه، يتّخذ شكل كرة النار المتدحرجة على رأس الضمير الحيّ، وسط بشر بارعين في الاغتيال المعنوي وتشويه الصورة.

جمهور المسرحية يشاهدها في الهواء الطلق (الجهة المنظّمة)

يعرّي العمل أكذوبة «الأغلبية الصلبة»، ويبيّن ميل النَفْس إلى صاحب السلطة، بما يعني تمجيد القوة على حساب الحق. يُتّهم الدكتور ستوكمان بـ«تضخيم عيوب تافهة» لكون الجرثومة لا تُرى بالعين، وبالتالي ينتفي الخطر الحقيقي! وبينما قطّة تنضمّ إلى الحضور، وتتخذ مكانها تحت شجرة تتساقط أوراقها أمام أول هبَّة، يرفض أهالي الضيعة الاستماع إلى خطاب العالِم المُتَهم بهدم منجم الذهب. يرمونه بالجنون، ويصنّفونه «عدواً للشعب»، وسط إجماع على طرده من بينهم. تتكرّر مأساة الفيزيائي الإيطالي غاليليو حين جاهر بثبات الشمس ودوران الكوكب، ليُساق مذلولاً أمام عامة ينعتونه بالعته. تاريخ يعيد نفسه منتجاً مآسي البشرية.

خلال محاكمة توماس ستوكمان بتهمة تضليل الرأي العام (الجهة المنظّمة)

يصبح الأخ عدواً لأخيه أمام عبودية المال، ويتحوّل الدم إلى شلال كراهية يُحلّل استخدام جميع وسائل حماية المصالح. عبد الرحيم العوجي بشخصية بيتر ستوكمان، وملابسه وعصاه وقبّعته، تجسيد مضاد لرمزية الدماء التي تتحوّل إلى ماء؛ وهنا الماء مسموم، أثبتت المختبرات تسبّبه بأمراض معوية. الأخ عدو أخيه، اختزالاً لسلطة قاتلة وجبروت يجنّد الضعفاء ليستبدّ. يُخوَّن الناطق بالحقيقة، ويُحاكَم بتهمة التآمر، ويُصاب دور الصحافة بالامّحاء وما هو أسوأ: التواطؤ.

تملك المسرحية فضيلة «الهزّ»، عوض الاكتفاء بالتفرّج على الساكن. نوعها لا يُرفّه فحسب، بقدر ما يحضّ على اليقظة. ليست وعظية على الإطلاق، ولا تسمح بتسرّب الملل. ساعتان من إعادة التفكير بأشياء كثيرة.


مقالات ذات صلة

«كافيه مونو» فسحة ثقافية بيروتية تتحدَّى واقع الحرب

يوميات الشرق «كافيه مونو» يستضيف نجوم المسرح (مونو)

«كافيه مونو» فسحة ثقافية بيروتية تتحدَّى واقع الحرب

هذه المبادرة «خرقت العتمة» التي فرضتها الحرب، ووفَّرت متنفَّساً كان الناس في أمسّ الحاجة إليه...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الكاتب والممثل المسرحي زياد نجار (زياد نجار)

 «إلكُنْ»... مشروع مسرحي لزياد نجار في مواجهة الحرب

مشروع «إلكُنْ» فضاء مسرحي تفاعلي يوفِّر للناس متنفساً بعيداً عن الأجواء القاتمة... بل مساحة حرَّة للتعبير.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الإعلامي أحمد المسلماني خلال إلقاء كلمته (الهيئة الوطنية للإعلام)

فرقة «ماسبيرو المسرحية» للمنافسة فنياً وتلفزيونياً

قال رئيس الهيئة الوطنية للإعلام بمصر، أحمد المسلماني، إن تأسيس فرقة «ماسبيرو المسرحية» يهدف إلى إطلاق نهضة مسرحية بالتعاون مع مؤسسات وزارتي الثقافة والشباب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق الملصق الترويجي للعرض المسرحي «كازينو» (البيت الفني للمسرح)

انتعاشة مسرحية وغنائية في مصر احتفالاً بـ«أعياد الربيع»

في إطار الاحتفال بـ«أعياد الربيع»، و«عيد القيامة»، يشهد المسرح المصري انتعاشة فنية ملحوظة.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق حين يعجز الجسد... يتقدَّم العقل (إنستغرام)

«أفاتار» يُعيد راقصة باليه إلى المسرح رغم مرضها

تقول راقصة باليه مصابة بمرض التصلُّب الجانبي الضموري إنها تمكَّنت من الرقص مرّة أخرى بعد استخدام موجات دماغها لتقديم شخصية «أفاتار» بشكل حيّ مباشر على المسرح.

«الشرق الأوسط» (لندن)

لوجاندر تبحث عن توجه جديد لـ«العالم العربي» في باريس

Anne-Claire Legendre
Anne-Claire Legendre
TT

لوجاندر تبحث عن توجه جديد لـ«العالم العربي» في باريس

Anne-Claire Legendre
Anne-Claire Legendre

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي» في باريس، ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب.

تقول لوجاندر، التي تجيد العربية، لـ«الشرق الأوسط»: «نأمل بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة». وتستطرد: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة (...) ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

الهدف الآخر الذي تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. وبنظرها، فإن «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة.


المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
TT

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)

قال المصوّر والمخرج الفلسطيني أحمد الدنف إنّ فكرة فيلم «ضايل عنا عرض» بدأت مع مخرجته مي سعد، التي كانت تسعى في البداية إلى توثيق ما يحدث داخل غزة عبر تسجيلات صوتية تعكس تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن تتطوّر الفكرة لاحقاً إلى مشروع بصري، لافتاً إلى أنّ التعارف بينهما حصل عن طريق المصوّر محمد سالم، وكان نقطة تحوّل مع اقتراح تحويل المشروع إلى تصوير فيديو، ومن خلاله جرى التواصل مع عدد من المصوّرين داخل القطاع.

وأضاف الدنف، الذي لا يزال موجوداً داخل غزة، لـ«الشرق الأوسط»، أنه تلقّى الفكرة بشكل مباشر من مي سعد، التي كانت تتابع عمل فريق السيرك في القطاع، مشيراً إلى أنه شَعَر منذ اللحظة الأولى بأنّ المشروع مختلف وقريب من روحه؛ لأنه لا يركّز على الحرب بقدر ما يسلّط الضوء على الحياة داخل غزة.

وأكد أن ما جذبه للمشاركة هو صدق الفكرة وبساطتها؛ إذ يسعى الفيلم إلى الاقتراب من الناس وتفاصيلهم ومحاولاتهم المستمرة للتمسّك بالحياة، لينطلقوا في العمل على المشروع خطوة خطوة حتى خرج بالشكل الذي يُعبّر عنهم، ويحكي قصتهم.

المخرج والمصوّر الفلسطيني أحمد الدنف صوَّر غزة من زاوية أخرى (فيسبوك)

الفيلم، الذي حصد عدداً من الجوائز، وعُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، صُوِّر في غزة عام 2024 خلال الحرب، ويتتبّع «سيرك غزة الحرّ» الذي أسّسته مجموعة من الشباب الفلسطينيين الذين رفضوا الاستسلام لليأس رغم الإبادة الجماعية التي يشهدها القطاع، وبين الملاجئ والشوارع المهدّمة وركام المباني المنهارة يواصلون تقديم عروضهم للأطفال، ويذهبون إليهم في كلّ مكان ليمنحوهم لحظات من الفرح والأمل في ظلّ قسوة الواقع الذي يعيشونه.

ووصف الدنف تجربته في العمل مع المخرجة مي سعد بأنها «مميّزة»، لكونها اعتمدت على الثقة والتفاهُم منذ البداية، مع تمتّعها بحسّ إنساني عالٍ، وحرصها على تقديم القصة بصدق من دون مبالغة أو استغلال، وهو ما عدَّه عنصراً مهماً، إلى جانب مساحة واسعة للنقاش وتبادل الأفكار، التي منحته حرّية كبيرة بكونه مصوّراً للعمل انطلاقاً من إحساسه وقربه من الواقع الذي يعيشه في غزة، في مقابل وضوح الرؤية الإخراجية لديها، الأمر الذي خلق توازناً بين الرؤية والتنفيذ.

وأكد أنّ التصوير داخل غزة يُمثّل تحدّياً مستمراً، ليس فقط على المستوى التقني، بل على المستويين الإنساني والنفسي أيضاًح لأنهم عملوا في ظروف غير مستقرّة، من بينها انقطاع الكهرباء، وصعوبة التنقل، ووجود مخاطر أمنية في أيّ لحظة، إلى جانب محدودية الإمكانات التي شكّلت تحدّياً إضافياً، سواء على مستوى المعدات أو الموارد، ممّا فرض عليهم البحث الدائم عن حلول سريعة ومرنة لمواصلة العمل دون فقدان اللحظة.

المخرجة مي سعد خلال مناقشة الفيلم في مهرجان «مالمو» (حساب الدنف في «فيسبوك»)

ولفت إلى أنّ التحدّي الأكبر تمثّل في الحفاظ على التوازن بين توثيق الحقيقة واحترام مشاعر الناس، في ظلّ التعامل مع قصص حسّاسة، وهي تحدّيات يرى أنها منحت الفيلم قوته وصدقه، مع أمنيته بأن يرى الجمهور غزة من زاوية مختلفة، ليس فقط على هيئة أرقام أو أخبار، بل حياة حقيقية مليئة بالمشاعر والأحلام.

وأوضح أنّ الفيلم يُمثّل محاولة للتأكيد على أنّ هناك دائماً مساحة للحياة والفنّ والأمل حتى في أقسى الظروف، مشيراً إلى أنّ عنوان «ضايل عنا عرض» يعكس فكرة الاستمرار والتمسك بالحياة.

وعن تكريمه في مهرجان «الإسكندرية السينمائي للفيلم القصير»، قال الدنف إنه استقبل الخبر بمشاعر مختلطة بين الفرح والمسؤولية؛ لأنّ التقدير في ظلّ هذه الظروف الصعبة يحمل قيمة كبيرة، لكنه في الوقت عينه ليس إنجازاً فردياً، بل يعود إلى كلّ مَن شارك في هذه الرحلة، ولكلّ الأشخاص الذين وثَّق قصصهم؛ لأنّ المهرجان يتمتّع بمكانة مهمّة، وحضوره فيه يُمثّل رسالة بأنّ الصوت والصورة القادمين من غزة قادران على الوصول إلى منصات مؤثرة.

وأشار إلى أنّ التكريم، على المستوى الشخصي، يُمثّل تقديراً لمسيرة مليئة بالتحدّيات، بينما يمنحه مهنياً دفعة للاستمرار والتطور، مع شعور متزايد بالمسؤولية لتقديم أعمال على قدر الثقة.

وعن فيلم «الرجل الذي يطعم أطفال غزة»، أوضح الدنف أنه يأتي في إطار تسليط الضوء على قصص إنسانية حقيقية من داخل غزة، ويركّز على شخصية حمادة شقورة، الذي اختار، رغم الظروف الصعبة، تكريس جهده لتوفير الطعام للأطفال، مشيراً إلى أنه نموذج إنساني بسيط لكنه عميق، وأن قطاع غزة مليء بالقصص الإنسانية الملهمة والمؤثرّة عالمياً.

وأكد أنّ ما جذبه لهذه القصة هو ابتعادها عن الصورة النمطية للحرب، وتركيزها على قيم التضامن والعطاء، خصوصاً تجاه الأطفال، لافتاً إلى أنّ الفيلم توثيقي بحت، قائم بالكامل على الواقع من دون إعادة تمثيل أو تدخُّل درامي، حيث اعتمد على الملاحظة والتوثيق المباشر، مع حضور الجانب السينمائي فقط في الاختيارات البصرية من دون المساس بحقيقة الحدث.

فيلم «ضايل عنا عرض» شارك في «مالمو للسينما العربية» (إدارة المهرجان)

وعن أكثر المشاهد تأثيراً، أشار إلى لحظات انتظار الأطفال للطعام، وما تحمله من مزيج بين الحاجة والأمل، مؤكداً أنّ هذه التفاصيل الصغيرة تحمل ثقلاً إنسانياً كبيراً.

وأكد أنّ تجربة التصوير في غزة تعني العيش داخل الواقع نفسه، وليس مجرد توثيقه، وهو ما يفرض مسؤولية مضاعفة، في ظلّ صعوبة التوازن بين كونه جزءاً من القصة ومصوراً يسعى إلى نقلها بصدق، لافتاً إلى تعرّضه لخسائر كبيرة في معدّاته نتيجة القصف، حيث فقد جزءاً منها مع تدمير منزله، ثم خسر معدات أخرى وسيارته خلال النزوح؛ ما شكّل تحدّياً إضافياً على المستوى المهني.

وأشار إلى أنه لم يكن أمامه خيار سوى الاستمرار؛ لأنّ القصة كانت دائماً أهم من الأدوات، واضطر إلى العمل بالإمكانات المتاحة رغم صعوبتها؛ لأن محدودية الإمكانات قد تؤثر تقنياً في جودة الصورة، لكنها أحياناً تمنحها قوة أكبر لجهة الإحساس والصدق، وهو ما تحقّق عبر اعتماده على حلول بديلة مثل الإضاءة الطبيعية، وتبسيط أسلوب التصوير، والتركيز على اللحظة.

وختم حديثه بالتأكيد على أنّ الاستمرار في ظلّ هذه الظروف ليس سهلاً، لكنه مدفوع بإحساس عميق بالمسؤولية قبل الشغف، مع رؤيته لنفسه جزءاً من الواقع في ظلّ وجود قصص لا بد أن تُروى؛ ما يدفعه إلى مواصلة العمل رغم كلّ التحدّيات.


لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ضرب زلزال بقوة 5.77 درجة على مقياس ريختر، صباح الجمعة، منطقة شمال مدينة مرسى مطروح المصرية (شمال غربي مصر) المطلة على البحر المتوسط، بالتزامن مع هزة أرضية شهدتها جزيرة كريت اليونانية، دون تسجيل خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وأعلن المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد نحو 412 كيلومتراً شمال مرسى مطروح، في تمام الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.85 كيلومتر.

وأوضح المعهد، في بيان، أن بعض المواطنين شعروا بالهزة بشكل خفيف، دون وقوع أي أضرار.

وفي التوقيت ذاته تقريباً ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان. وذكر معهد الجيوديناميكا التابع للمرصد اليوناني في أثينا، أن مركز الزلزال وقع على بُعد نحو 23 كيلومتراً جنوب غربي مدينة لاسيثي، وعلى عمق 9.7 كيلومتر، دون ورود تقارير فورية عن إصابات أو أضرار.

وكانت مدينة مرسى مطروح قد شهدت قبل أسبوعين هزة أرضية أخرى، وقعت على بُعد 659 كيلومتراً شمال غربي المدينة، يوم 8 أبريل (نيسان) الحالي عند الساعة 1:35 مساءً بالتوقيت المحلي، وبلغت قوتها 4.8 درجة على مقياس ريختر. وأكد المعهد القومي للبحوث الفلكية آنذاك عدم تلقيه أي بلاغات بشأن الشعور بالهزة داخل مصر، وعدم تسجيل أي خسائر.

«مسافة آمنة»

من جانبه، قال الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، إن جزيرة كريت اليونانية تُعد من أكثر المناطق نشاطاً في الهزات الأرضية في حوض البحر المتوسط وعلى مستوى العالم؛ نظراً لموقعها الجيولوجي الفريد الذي يضعها في قلب حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر، وأن الهزة التي شعر بها سكان مرسى مطروح بشكل خفيف تعود إلى تأثر المنطقة بنشاط زلزالي من مكان آخر، مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن هذا الحزام الزلزالي النشط.

شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأوضح أن شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية، مشيراً إلى أن زلزال كريت الأخير وقع على «مسافة آمنة» تتجاوز 400 كيلومتر من أقرب نقطة للحدود المصرية.

وأكد رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، أن مصر تقع على «مسافة آمنة» جغرافياً من حزام «شرق المتوسط» الزلزالي، وهو ما يفسر عدم شعور سكان مصر في أغلب الأحيان بالهزات الخفيفة المتكررة التي تضرب جزيرة كريت، خصوصاً مع وقوع معظمها على أعماق ضحلة داخل البحر، حيث تُمتص نسبة كبيرة من طاقتها؛ لذلك يقتصر التأثير غالباً على الإحساس بالهزات المتوسطة أو القوية التي تضرب كريت، لكن دون تسجيل أضرار في البنية التحتية بمصر، نتيجة تشتت الطاقة الزلزالية قبل وصولها إلى اليابسة.

وأشار الهادي إلى أن درجة الإحساس بهذه الهزات الأرضية داخل مصر تختلف باختلاف طبيعة التربة والتركيب الجيولوجي؛ فالموجات الزلزالية تمر بسرعة أكبر عبر الصخور الصلبة في المناطق الجبلية، ما يقلل الإحساس بها، في حين تتباطأ وتزداد شدتها عند انتقالها إلى التربة الرسوبية الرخوة في وادي النيل والدلتا، وهو ما يطيل مدة الاهتزاز ويزيد من الإحساس به، خصوصاً لدى سكان المباني المرتفعة، وتزداد احتمالات الشعور بالهزات في المدن الساحلية مثل الإسكندرية ومرسى مطروح؛ نظراً لقربهما الجغرافي من سواحل البحر المتوسط.