مهرجان «رش» لفن الجداريات بالرياض... «غرافيتي» ورسم وأكثر

مشاركة للفنانات في مهرجان «رش» للجداريات (واس)
مشاركة للفنانات في مهرجان «رش» للجداريات (واس)
TT

مهرجان «رش» لفن الجداريات بالرياض... «غرافيتي» ورسم وأكثر

مشاركة للفنانات في مهرجان «رش» للجداريات (واس)
مشاركة للفنانات في مهرجان «رش» للجداريات (واس)

​مع إعلان هيئة الفنون البصرية السعودية عن تنظيم النسخة الثانية من مهرجان للجداريات تحت عنوان «رش» في مدينة الرياض خلال الفترة من 15 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 6 ديسمبر (كانون الأول)، تستعد العاصمة السعودية للقاء عدد ضخم من الفنانين العرب والعالميين الذين اشتهروا بما يعرف بـ«فن الشارع»، وهي أعمال فنية جدارية تُعبّر عن مختلف أنواع الفنون التي تُمارَس بالمساحات العامة، وتتميز بالتعبير العفوي.

ولكن تعبير «فن الشارع» في حد ذاته محل نقاشات فنية، وتصنيفات مختلفة، منها ما يدخل فيه الكتابات الحائطية والرسومات التي قد يتركها البعض على الجدران، ومنها ما يستبعد ذلك النوع من الممارسات، ويقصر فن الشارع على أنواع محددة. ومع انتظار حلول مهرجان «رش» يبدو الوقت مناسباً للحديث مع القيمين على المهرجان سيدار لويسون وبسمة فلمبان، أبدأ الحوار مع سيدار لويسون حول تعريف فن الشارع من وجهة نظره؟ وهل يشمل الرسومات الجدارية والكتابات؟ هل هو فن حديث مثل ما يقول مختصون عالميون، أم أنه فن بعمر البشرية ترك من خلالها الإنسان رسومات ونقوش على الصخور وفي الكهوف؟

سيدار لويسون (تصوير ماتيلدا كريزيكوسكي)

ما هو فن الشارع؟

سيدر لويسون قام بتنسيق العديد من مهرجانات فن الشارع في لندن وميلان وبيرمنغهام، وألف العديد من الكتب حول الموضوع، وله خبرة عريضة في هذا المجال. في بداية حوارنا يقول لي إنه عبر المعارض التي نسقها تعامل كثيراً مع مؤسسات فنية، قام بتنسيق معرض لفن الشارع في متحف تيت مودرن بلندن في عام 2008 على سبيل المثال وعمل مع المجلس الثقافي البريطاني، يوضح كيف يؤثر ذلك على طريقة عمله في تنسيق احتفاليات فنية مماثلة: «أحاول دائماً أن أحضر معي منظور مؤسساتي في أي مشروع جديد أتولى تنسيقه، فأحرص على تنسيق العرض على طريقة المتاحف، أحب أن أمنح الأعمال والفنانين التقدير الذي يستحقونه لتأكيد أهمية تقدير العمل الفني في أي مكان يعرض به». ومن تصنيفات فن الشارع وما يدخل تحتها وما لا يعتبره لويسون جزءاً منه تأخذنا المناقشة لرأيه أن فن «الغرافيتي موضوع شائك» بالنسبة إليه كما يقول، مضيفاً أنه ألَّف كتاباً حول تاريخ «الغرافيتي» وفن الشارع والجداريات: «هي وسائل مختلفة للتواصل مع الجمهور في مكان عام، وبرأيي هي أشكال فرعية، ولكنها كثيراً ما تنضم تحت مظلة فن الشارع. في النهاية أعتقد أن الجمهور هو من يقرر. فن الشارع يحدث الآن، ليس نوعاً فنياً ينتمي إلى تاريخ الفن مثل السوريالية على سبيل المثال، بل على العكس هو لم يدخل التاريخ بوصفه فناً مكتملاً، ما زال يتطور، وما زال الأكاديميون والدارسون يتناقشون حول توصيفه. وبالنسبة إلي أرى أنه تدخل فني في مساحة عامة».

بسمة فلمبان (خاص)

عند هذه النقطة تنضم لنا الفنانة بسمة فلمبان القيمة أيضاً على مهرجان «رش» للجداريات. أسألها عن مشاهداتها وتقييمها للتعبيرات الجدارية المختلفة في السعودية سابقاً، مثل كتابة أبيات الشعر وكلمات الغزل على الحوائط والغياب التام لرسومات الأشخاص: «كيف ترين التطور الذي يشهده هذا النوع من التعبير الفني؟». تجيبني قائلة: «كل شيء يتطور بسرعة، أمر مثير وحماسي العمل في السعودية الآن ومتابعة تطور هذا النوع من الفنون»، ترى فلمبان أن «الغرافيتي» ينتمي إلى تصنيف فن الشارع، مضيفة بعداً تاريخياً محلياً لرأيها بأن «الغرافيتي» في السعودية تطور في نهاية التسعينات وبداية الألفية الثانية: «يجذبني الجانب الاجتماعي، المقارنات لا تعنيني كثيراً، مهتمة أكثر بمراقبة مختلف الأنواع الفنية في هذا الجانب ووجودها في السعودية من الغرافيتي والكتابات الحائطية والنقش على الصخور في الجبال... بالنسبة لي هي كائن واحد».

فلمبان تمثل جزءاً من تطور المشهد السعودي الفني حالياً عبر أعمالها الفنية، ولها وجهة نظر حول التغيرات القائمة بوجهٍ عام، وفن الشارع على نحو خاص. تصف المشهد المتفاعل حالياً بـ«المنعش»، وترجع تطور فن الشارع تحديداً لتأثير التيارات العالمية في المجال التي انتقلت للمجتمع السعودي في فترة ما قبل الإنترنت عبر المبتعثين إلى الخارج من قبل شركات مثل «أرامكو» والخطوط الجوية السعودية. عودة المبتعثين محملين بأشرطة الفيديو والمجلات وغيرها من المصادر مثلت مقدمة للكثيرين وقتها لهذا النوع من الفنون: «أعتقد أنه أمر مثير أن ننظر إلى الخلف، ونرى كيف تطور هذا الفن في السعودية ومقارنته مع تطوره في بلدان أخرى، مع الأخذ في الاعتبار لدى المقارنة معرفة أن المجتمع السعودية حافظ على خصوصيته إلى حدٍ بعيد لفترة طويلة فبل أن يبدأ بالانفتاح على العالم».

من مهرجان الجداريات «شفت 22» الذي أقيم العام الماضي في الرياض (واس)

أذكر لبسمة فلمبان عملها في تنسيق أول معرض لفن الشارع أقيم في 2015 تحت عنوان «كثرت هواجسي» شمل أعمالاً حائطية متأثرة بطريقة الفنان البريطاني بانكسي: «هل ترين ذلك العرض بداية لعرض فن الشارع في السعودية؟ ما الذي حدث وقتها، وأين نحن الآن من تلك النقطة؟». تشير إلى أن المعرض عكس تياراً عاماً في المنطقة العربية حيث بدأ فن الشارع يجذب مصممي الغرافيك ورسامي الجداريات بوصفه (وسيلة للتواصل)، غير أن السنوات التالية شهدت تطوراً في تحول عدد من مصممي الغرافيك الذين مثل لهم فن الشارع متنفساً في تلك الفترة، ليدخلوا المجال الفني بقوة. تشرح أن عدداً كبيراً ممن أرادوا دراسة الفن في فترة سابقة لم يكن أمامهم الكثير من الاختيار بالنسبة إلى الدراسة الأكاديمية «في ذلك الوقت، إذا كنت فناناً فالخيار أمامك كان إما دراسة التصميم الغرافيتي أو العمارة. ولهذا أصبح فن الشارع المكان الذي يمكن لأطياف من الفنانين المشاركة فيه بصفته فناً حقيقياً، وليس فناً تجارياً».

مهرجان رش... غرافيتي وأكثر

حدثونا عن مهرجان «رش»، ما الذوي تحضرونه للرياض؟ يجيب لويسون شارحاً: ما الذي يتم إعداده حالياً ليجعل من مهرجان (رش) جامعاً لأنواع مختلفة من التعبيرات الفنية: «ننظم مهرجاناً لفن الشارع، سيكون جامعاً لأشكال متعددة، سيكون هناك فنانون من المنطقة ومن العالم. وسوف نستخدم بناية في وسط الرياض رائعة في معمارها، وأيضاً نعمل مع المجتمع المحلي مثل مجموعات الشباب الذين يمارسون السكيت بورد (راكبو الألواح) تعجبني فكرة أن المساحة العامة تصبح مساحة للعب».

من مهرجان الجداريات «شفت 22» الذي أقيم العام الماضي في الرياض (واس)

يؤكد على أن فكرة استخدام المساحات العامة بطريقة بسيطة للمشاركة لن يكون استخداماً تجارياً بل سيكون تشاركياً، وهو جانب قوي للمهرجان الذي يعكس أيضاً تاريخ الغرافيتي وفن الشارع، وكيف يتبدى ذلك اليوم في الرياض.

بحسب البيان ستعمل فلمبان إلى جانب لويسون على تحويل أحد المباني القديمة بحي المغرزات إلى رحلة فنيّة لعشاق هذا الفن، وإتاحة الفرصة لمشاركة المواهب، وإبراز التنوع الثقافي من خلال الأعمال الفنيّة. الفعاليات المختلفة التي يقدمها المهرجان تشير إلى اعتبار الجمهور عنصراً مشاركاً، وليس فقط مشاهداً، يقول لويسون: «بالفعل لدينا برنامج عام قوي جداً، وعائلي، نريد أن نخلق مساحة يأتي إليها الناس للاستمتاع بوقتهم، وأن يشاهدوا المعرض. ستكون هناك فعاليات يومية للجمهور، ورش العمل مهمة جداً». يشير أيضاً إلى الصفة «العفوية» لمكان العرض «المكان غير منمق، وله لمسة خاصة نريد الحفاظ عليها». بالنسبة إلى الأعمال التي ستعرض في المهرجان يقول لويسون إن هناك عدداً من الأعمال التكليفية التي ستنفذ استجابة للمكان، مضيفاً: «سيكون العرض مزيجاً من الأنواع الفنية مثل الجداريات، المنحوتات، وربما أيضاً أعمال منفذة بالذكاء الاصطناعي، الأعمال ستستخدم وسائط مختلفة، وهو ما يميز فن الشارع حيث توجد إمكانية استخدام أي وسيلة».

من مهرجان الجداريات «شفت 22» الذي أقيم العام الماضي في الرياض (واس)

تشير المعلومات المنشورة عن المهرجان إلى التركيز على فنانات تخصصن في فن الشارع، بالنسبة إلى لويسون يرجع ذلك للرغبة في تقديم عرض متوازن من كل النواحي وضمان سماع كل الأصوات. مشاركات الفتيات في فن الشارع ظهرت من خلال مبادرات رسمية لتجميل الشوارع والميادين، ولكن عند الحديث عن النساء وفن الشارع أتساءل إذا كان هناك فرق في المضمون وفي الأعمال وفي الوسائل المستخدمة؟ تقول فلمبان: «هناك فروقات، ولكني لا أرجعها لاختلاف الجنس، ولكني أراها ضمن الإطار الثقافي السعودي، أرى أن هناك نسبة أكبر من أن النساء لم يكن لديهن الفرص لممارسة هذا النوع من الفن مثل الرجال في الشارع بنفس القدر، في مجتمعنا يستطيع الأولاد مذ سن صغيرة ممارسة هذا الفن في الشارع مع أصدقائهم، في كل الأوقات بالعكس من الفتيات، أرى أن هناك اختلافاً، وليس بالضرورة نقصاً».

بوجهٍ عام يرى القيمون، أن البرنامج يهدف إلى استكشاف تاريخ فن الجداريات، وكيفية وجوده جنباً إلى جنب مع ثقافة الفن المعاصر، وتخيّل المستقبل المشترك، مُؤمِّلين أن تضع هذه النسخة من «رش» أساساً للبيئة الحاضنة التي تطوّر نشر ثقافة فن جداريات الشارع إقليمياً والارتقاء بها عالمياً.


مقالات ذات صلة

«مهرجان أسوان» يتجاوز أزمته المادية... ويعلن مشاركات من 33 دولة

يوميات الشرق جانب من أفلام المهرجان (إدارة المهرجان)

«مهرجان أسوان» يتجاوز أزمته المادية... ويعلن مشاركات من 33 دولة

أعلن مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة، الأفلام المشارِكة في دورته العاشرة، المقرر إقامتها في الفترة من 20 إلى 25 أبريل (نيسان) الحالي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق يعقوب الفرحان في أحد مشاهده في فيلم «القيد» (تلفاز 11)

عرض 5 أفلام سعودية بدول إسكندنافية ضمن برنامج «ليالي عربية»

تعرض 5 أفلام سعودية بدول إسكندنافية ضمن برنامج «ليالي عربية» الذي ينظمه مهرجان «مالمو السينمائي» برعاية «هيئة الأفلام السعودية».

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق أحمد مالك متسلماً الجائزة من الرئيس الشرفي للمهرجان محمود حميدة (إدارة المهرجان)

جوائز «الأقصر السينمائي» تنحاز للقضايا الاجتماعية

انحازت جوائز المسابقة الرسمية للنسخة الخامسة عشرة من مهرجان «الأقصر للسينما الأفريقية» للقضايا الاجتماعية في مجمل اختياراتها.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق لقطة من أحد الأفلام المشارِكة في ملتقى «قمرة السينمائي 2026» (مؤسسة الدوحة للأفلام)

«قمرة السينمائي» يحتفي بالفلكلور في دورة «استثنائية» بسبب الحرب

احتفت النسخة الـ12 من ملتقى «قمرة السينمائي» بقطر، التي أُقيمت هذا العام بشكل افتراضي «استثنائياً»؛ بسبب الحرب التي تشهدها المنطقة، بإحياء الفلكلور.

داليا ماهر (القاهرة )
سينما «أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية»

محمد رُضا (لندن)

حل لغز «جيلجو بيتش»... مهندس أميركي يقر بقتل 8 نساء

مشهد من أمام المحكمة التي تنظر في قضية ريكس هورمان في نيويورك (أ.ف.ب)
مشهد من أمام المحكمة التي تنظر في قضية ريكس هورمان في نيويورك (أ.ف.ب)
TT

حل لغز «جيلجو بيتش»... مهندس أميركي يقر بقتل 8 نساء

مشهد من أمام المحكمة التي تنظر في قضية ريكس هورمان في نيويورك (أ.ف.ب)
مشهد من أمام المحكمة التي تنظر في قضية ريكس هورمان في نيويورك (أ.ف.ب)

أقر مهندس معماري من لونغ آيلاند بولاية نيويورك الأميركية، كان يعيش حياة سرية كقاتل عتيد، اليوم الأربعاء، بقتل سبع نساء، واعترف بأنه قتل امرأة ثامنة في سلسلة من الجرائم التي لم يتم فك طلاسمها لفترة طويلة، والمعروفة باسم جرائم قتل «جيلجو بيتش».

وأدلى ريكس هورمان، البالغ من العمر 62 عاماً، باعترافاته في قاعة محكمة مكتظة بالصحافيين وأقارب الضحايا، حيث أجهش بعضهم بالبكاء في أثناء سرد هورمان تفاصيل جرائمه أمام المحكمة، وفق ما ذكرته وكالة «أسوشييتد برس».

وتشكّل اعترافات هورمان بالذنب ختاماً لقضية أرهقت المحققين، وأصابت أقارب الضحايا بالألم، وأثارت فضول جمهور شغوف بجرائم القتل الحقيقية على مدى سنوات.

وقالت السلطات إن هورمان خنق النساء، وغالبيتهن من العاملات في الدعارة، على مدى 17 عاماً، وكان يدفن رفاتهن في أماكن نائية، منها على طول طريق سريع ساحلي معزول على الخليج مقابل منزله.

ويواجه هورمان حكماً بالسجن المؤبد، ومن المقرر أن يصدر حكمٌ ضده في موعد لاحق.


لاعبون وشعراء في الأعمال السعودية... اختبار جديد للنجومية

دخول قوي للشاعر مانع بن شلحاط في أولى تجاربه التمثيلية (نتفليكس)
دخول قوي للشاعر مانع بن شلحاط في أولى تجاربه التمثيلية (نتفليكس)
TT

لاعبون وشعراء في الأعمال السعودية... اختبار جديد للنجومية

دخول قوي للشاعر مانع بن شلحاط في أولى تجاربه التمثيلية (نتفليكس)
دخول قوي للشاعر مانع بن شلحاط في أولى تجاربه التمثيلية (نتفليكس)

في مشهد أصبح يتكرر مؤخراً في الأعمال السعودية، يشارك لاعب كرة قدم في فيلم سينمائي، ويظهر شاعر في عمل درامي، ويتصدر مغنٍّ بطولة سينمائية في أول حضور له أمام الكاميرا... لينقل هذا العبور بين المجالات هذه الشخصيات من خارج الدراما إلى داخلها، في تحوّل أوسع لمفهوم النجومية، حيث تتقاطع المسارات، بين الحضور الجماهيري والدور الفني.

وتعد هذه الظاهرة شائعة في العالم وتعطي العمل جاذبية لفئة جديدة قد لا تكون مهتمة بالسينما والدراما، وربما من أبكر النماذج مشاركة أسطورة كرة القدم البرازيلية بيليه عام 1981 في فيلم Escape to Victory «الهروب إلى النصر». ومن النماذج القادمة من عالم الغناء؛ مشاركة النجمة ليدي غاغا في مجموعة أعمال، من بينها بطولة فيلم House of Gucci «بيت غوتشي» عام 2021، و Joker: Folie à Deux «الجوكر2» عام 2024.

الكابتن سعيد العويران قدم دور «أبو عاتق» في فيلم «رهين» (نتفليكس)

اللاعب داخل الفيلم

امتداداً لهذا الحضور، تظهر تجارب سعودية حديثة، حيث جسّد لاعب كرة القدم الدولي المعتزل الكابتن سعيد العويران في فيلم «رهين» (2025)، شخصية «أبو عاتق»، زعيم عصابة يلاحق بطل الفيلم (محمد الدوخي) ليتحصل على الأموال، وهي شخصية تبتعد بالكامل عن صورته الذهنية كلاعب كرة قدم، وتفتح أمامه مساحة مختلفة من الأداء.

وحظيت مشاركة العويران باستحسان جماهيري، بدأ من حضوره العرض العالمي الأول للفيلم في النسخة الماضية من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي بجدة، حيث صفق له الجمهور بحرارة، مروراً إلى التفاعل على شبكات التواصل الاجتماعي مع ظهوره بالفيلم الذي عدَّه كثيرون بمنزلة المفاجأة، خصوصاً أن «رهين» تصدّر قائمة الأعمال الأكثر مشاهدة على منصة «نتفليكس» فور عرضه.

ورغم أن «رهين» ينتمي إلى الكوميديا الممزوجة بالحركة، وهو نوع يعتمد على توازن دقيق بين التوتر والمرح، فإن العويران قدم الشخصية من خلال الحضور الجسدي، ونبرة الصوت، وطبيعة التفاعل مع بقية الشخصيات، دون اللجوء إلى المبالغة، كما وظّف الكوميديا عبر الإيماءات والتعبيرات، في لقطات انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي، ومقاطع قصيرة حصدت تفاعلاً كبيراً على «تيك توك» و«إنستغرام».

الشاعر أمام الكاميرا

وفي أحدث التجارب، يشارك الشاعر الشعبي مانع بن شلحاط في حلقة «لسان معقود» من مسلسل «الخلاط+» الذي يُعرض حالياً على منصة «نتفليكس» ويحظى بأصداء واسعة. وخلاله يرى الجمهور الشاعر القادم من عالم اللغة، يدخل إلى فضاء بصري يعتمد على الجسد، والنظرة، والإيقاع الداخلي، وهي عناصر تتطلب حساً مختلفاً في التعبير، إلا أن بن شلحاط قدم دوراً يقترب من شخصيته، بوصفه رجلاً يهوى الشعر بشدة، يحل ضيفاً على شاعر آخر يواجه تعثراً في التعبير (تأتأة)، ليقوم بتوجيهه لحل لمشكلته المستعصية، ويأخذه معه في رحلة عجيبة ومخيفة في الوقت نفسه.

وتميّز أداء ابن شلحاط بالعفوية المطلقة، حيث استخدم لغة الجسد ونبرة الصوت التي يشتهر بها في أمسياته الشعرية، مما أعطى الشخصية مصداقية عالية لدى الجمهور. كما أن الحلقة ذاتها سلطت الضوء بشكل ساخر على قيمة «الكلمة» في المجتمع، وكيف يمكن لقصيدة أو تصريح أن يغيّر مجرى الأمور، وذلك ضمن إطار «الخلاط» الذي يعتمد على المواقف الصادمة وغير المتوقعة.

المغني في دور البطولة

وفي تجربة ثالثة تحمل دلالة مختلفة، يأتي فيلم «هجير» ليقدم مغنياً سعودياً في دور البطولة، في أول تجربة تمثيلية له، وهو فيلم بدأ عرضه مؤخراً في صالات السينما المحلية. وتتجاوز فكرة المشاركة الجزئية، لتضع الاسم القادم من عالم الغناء في موقع المواجهة الكاملة مع الكاميرا، ومع متطلبات الدور، ومع توقعات الجمهور.

إذ يجسد المغني عبد العزيز فيصل شخصية شاب يعيش علاقة عميقة مع الموسيقى، ويسعى لأن يصبح مايسترو رغم إعاقته. ويفتح «هجير» باباً مختلفاً في توظيف النجومية، حيث يرتبط حضور المغني بدور يحمل تحدياً مركزياً، يقوم على المفارقة، وعلى القدرة على الانفصال عن أدواته المعتادة، وتقديم أداء يقوم على التحول، وعلى خلق توازن بين الهوية السابقة ومتطلبات الدور، بما يجعل هذه التجربة تتخذ بعداً مختلفاً عن حضور الأسماء القادمة من خارج التمثيل، حيث يرتبط الدور بالموسيقى من جهة، وينفصل عنها من جهة أخرى.

إعادة تعريف النجومية

وتجمع هذه التجارب 3 مجالات مختلفة: الرياضة، والشعر، والغناء، غير أن حضورها داخل الدراما والسينما يكشف عن نقطة مشتركة تتعلق بكيفية إعادة توظيف النجومية، لتسلك كل تجربة مساراً خاصاً، يتحدد بطبيعة الدور، وبمساحة الحضور، وبطريقة الكتابة. كما تعكس هذه الظاهرة تحوّلاً في مفهوم النجومية، حيث لم تعد مرتبطة بمجال واحد، بل أصبحت قابلة للانتقال بين الحقول، والأصداء التي رافقت هذه المشاركات تكشف عن تحول في طريقة التلقي، حيث يبدأ الجمهور من موقع الفضول، ثم ينتقل إلى التقييم بناءً على الأداء.

ويمكن القول إن حضور لاعب وشاعر ومغنٍّ في الأعمال الدرامية والسينمائية يفتح باباً لقراءة أوسع، تتعلق بكيفية تطور الصناعات الإبداعية، وبقدرتها على استيعاب أشكال متعددة من التعبير، وكذلك يعكس رغبة في التجديد، وفي البحث عن وجوه تحمل قصصاً وتجارب مختلفة، يمكن أن تضيف إلى العمل بعداً إضافياً.


«مورنينغ توك» يوسّع حضوره بإطلاق «كاتشي توك»

تصف ماريا بطحيش البرنامج بأنه مساحة أمل (الشرق الأوسط)
تصف ماريا بطحيش البرنامج بأنه مساحة أمل (الشرق الأوسط)
TT

«مورنينغ توك» يوسّع حضوره بإطلاق «كاتشي توك»

تصف ماريا بطحيش البرنامج بأنه مساحة أمل (الشرق الأوسط)
تصف ماريا بطحيش البرنامج بأنه مساحة أمل (الشرق الأوسط)

يشكّل البرنامج الصباحي «مورنينغ توك» على شاشة «إل بي سي آي» مساحة مختلفة في ظل الظروف التي يعيشها لبنان خلال الحرب؛ إذ نجح في كسر رتابة الصباح وتقديم محتوى يخفف من حدة التوتر. ومع إطلاق قسم ثانٍ يُبث بعد الظهر بعنوان «كاتشي توك»، توسّع حضوره واستقطب مشاهدين من فئات عمرية مختلفة.

ولا يقتصر البرنامج على نقل الأخبار أو تقديم مواد ثقافية، بل يواكب يوميات الناس ويمنحهم مساحة للتعبير. ومن خلال تنوّع فقراته بين الحوار والموسيقى والموضوعات الاجتماعية، يقدّم محتوى يوازن بين الترفيه والواقع. كما يضفي تفاعل المقدّمين مع الجمهور طابعاً قريباً، يُعزِّز شعور المشاهد بالمشاركة.

يرى جورج يونس أن العفوية تسود البرنامج (الشرق الأوسط)

يشير جورج يونس، أحد مقدّمي البرنامج، إلى أن «مورنينغ توك» يقوم على حوارات عفوية بين الفريق والضيوف، وتبرز هذه العفوية بشكل خاص في اتصالات المشاهدين. ويقول في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «نمرّ بمرحلة حساسة، وأنا أنتمي إلى بلدة جنوبية، وعشت سابقاً ظروفاً مشابهة لما يعيشه أهل الجنوب اليوم؛ فلذلك أحرص على الإصغاء للمتصلين ومنحهم مساحة للتعبير. أرى أن دور الإعلام هو نقل معاناة الناس بصدق وتسليط الضوء على واقعهم».

بيرلا النجار إحدى مقدمات برنامج «مورنينغ توك» (الشرق الأوسط)

من جهتها، ترى بيرلا النجار أن مشاركتها في «مورنينغ توك»، بعد عملها مراسلة في نشرات الأخبار، أضافت إلى تجربتها المهنية بعداً جديداً في التواصل مع الجمهور. وتوضح: «التفاعل اليومي يخلق علاقة قريبة بالمشاهدين، حتى يصبح جزءاً من روتين يومي. كما أن تنوّع الموضوعات يدفعني إلى البحث والتعمّق في مجالات مختلفة».

وتضيف أن البث المباشر، رغم تحدياته، يشكّل مساحة للعفوية. وتقول: «أستمتع بهذه اللحظات، خصوصاً خلال فقرة تواصل المشاهدين، لما تحمله من صدق ومفاجآت غير متوقعة».

أما ماريا بطحيش، فترى أن أهمية هذا النوع من البرامج تكمن في أثره على الناس، أكثر من طبيعته إن كانت سهلة أم صعبة. وتقول: «يساعد البرنامج المشاهد على تجاوز بعض ضغوط المرحلة، ويفتح له نافذة على موضوعات ثقافية واجتماعية أوسع. ورغم ارتباط كثير من الفقرات بالحرب، فإننا نحاول تقديم طرح يخفف من الشعور بالوحدة والقلق».

تبدي أنيتا سليمان إعجابها بالجيل الكبير من اللبنانيين (الشرق الأوسط)

وعن «كاتشي توك»، توضح بطحيش أنه يشكّل امتداداً للبرنامج الصباحي، مع اختلاف في أسلوب الطرح الذي يميل إلى مزيد من الجدية، مع الحفاظ على الرسالة نفسها.

وبين العفوية والالتزام، يرسّخ «مورنينغ توك» حضوره بوصفه مساحةً إعلاميةً تواكب نبض الناس وتعبّر عن اهتماماتهم اليومية.

وتصف أنيتا سليمان البرنامج بأنه يشكّل حلقة وصل بين المقدّمين والجمهور، وتقول: «أستفيد كثيراً من تواصل الأجيال المختلفة معنا، خصوصاً من كبار السن الذين يشاركون تجاربهم. هذا التفاعل يحمِّلنا مسؤولية إتاحة المجال أمامهم للتعبير».

وتشير إلى أن من أبرز اللحظات التي عاشتها كانت خلال زيارة البابا لبنان في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، لما حملته من دلالات لدى اللبنانيين. وتختم: «هذا التفاعل يُقرِّب المسافات في ظل الظروف الصعبة، ويمنح البعض مساحة لإيصال رسائلهم».