يخوض 4 فنانين مصريين تجربة تفاعلية مع المساحات والجدران، في مشروعات قوامها فن «التجهيز في الفراغ» لاستكشاف أبعاد أوسع لهذا الوسيط الفني، وذلك في معرض «وادي الجدران»، المستمر حتى 11 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل في القاهرة.
يبتعد المعرض عن تقليدية العرض، فلا تستضيفه غاليري أو قاعة فنية مجهّزة حيث يرتبط مكانه بقصته، بل منزل وزير الريّ المصري الراحل أحمد علي كمال، في منطقة «غاردن سيتي»، أحد الأحياء الشهيرة في وسط العاصمة، وذلك بعدما استلهمت حفيدته الفنانة التشكيلية ندى بركة فكرة استخدام بيته القديم، بما يضمّه من أرشيف حول الهندسة والريّ، لبناء عالم فني موازٍ ومتكامل، واستكشاف جماليات المكان القديم وتفكيك أرشيفه الذي يغلب عليه الطابع الهندسي والعناصر البصرية.

تتداخل الأعمال الفنية للمعرض الذي تنظّمه وترعاه مؤسّسة «أبيكسارت» الدولية، مع بيت وزير الريّ الذي تولّى منصبه في عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات، ضمن محاولة لخلق امتداد فني لأرشيف صاحبه عبر تجارب مختلفة لـ4 فنانين، هم ندى بركة، وهاني راشد، ومحمد المغربي، وملك ياقوت. كانت النتيجة معرضاً يسعى إلى منح الأعمال صفة تكاملية بين الفن والبيئة والهندسة، لارتباطها بتاريخ الوزير وعلاقته بنهر النيل، والسدود، والأنابيب، والتربة.

ففي أحد الأعمال، استلهم هاني رشاد مشروعه من صورة في الأرشيف التُقطت في الأربعينات للريّ على ضفاف النهر، فرسم عبر فن «التجهيز في الفراغ»، باستخدام أنابيب حمام البيت المتهالكة، لبناء مشهد مصغّر لموقع ريّ؛ شخصيات على ورق كأنهم عمّال في الموقع، في مشهدية مشابهة لـ«مسرحية لعمّال ريّ يعملون بجوار النهر»، وفق وصف القيّمة الفنية ومنسّقة المعرض فريدة يوسف لـ«الشرق الأوسط».

تشير إلى فكرة «مسرحة الأرشيف» في مشروع آخر لبركة، التي أدرجت رسوماً في أماكن غير متوقَّعة داخل مطبخ البيت، بما فيها الثلاجة والأدراج، في مشهد يحاكي فانتازيا «الجميلة والوحش»، حين تخرج أدوات المطبخ من الأدراج: «كل فنان يُمسرح شيئاً من أرشيف البيت، بما فيها الكتب الهندسية والفلسفية، والشرائط السينمائية، والرسائل، والرسوم الهندسية، والبطاقات البريدية، حتى غرفة الطعام، والمكتب». كما يستقبل الزوار حاملٌ ضخم للوحات فنيّة، تضعه بركة بشكل مركزي في المكان، بمثابة دعوة لتعقّب الآثار الفنية المختبئة حوله.
تتابع يوسف، الحاصلة على ماجستير في فلسفة الفن من كلية لندن الجامعية: «يطرح المعرض علاقة الفنان بالفراغ والأرشيف، فحالته أقرب إلى التعامل مع الفراغ بأسلوب خيالي، وإعادة تعريف حكاية المكان من وجهة نظر فنية. حاولنا أن يحكي البيت حكايته من خلال جدرانه». وتضيف: «زيارته أقرب إلى رحلة، أكثر منها مُشاهدة أعمال متوقَّعة. لذا، ثمة مسافة بين المتفرّج والمعرض، كأنه يعيش تجربة التجوّل في بيت لا يعرف صاحبه مباشرة، لكن التواصل يحدث عبر الفن والتفاعل مع الأرشيف».
تستخدم بعض المشروعات تقنية الواقع الافتراضي المُعزز، كما في مشروع محمد المغربي، إذ يمكن مسح «كيو آر كود» لمشاهدة تصوّره الفني عن السدود، التي يتخيّلها كائنات حيّة لها حياة مستقلة، أو في مشروع استلهمته ملك ياقوت من شريط سينمائي متهالك عن الفيضانات، وجدته في البيت، فبنت على أساسه مشروعاً تعبيرياً عن الفيضان.

يسعى المعرض إلى طرح رؤية فلسفية حول «قدرة الفراغ على التحكم في الفن»، وفق فريدة يوسف. تقول: «رغم أنّ البيت كان مهجوراً لأكثر من 20 عاماً، فإنّ طابع المكان يبقى قوياً، بما فيه الغبار والصدأ. ظلا كما هما في المعرض، مثل صوت من الماضي».




