متحف «هنري بي بي» بيت مصنوع من منازل كثيرة

لوسيان شيّده بنفسه على الطراز البيروتي في بلدة كوبّا الشمالية

البيت من الخارج (الشرق الأوسط)
البيت من الخارج (الشرق الأوسط)
TT

متحف «هنري بي بي» بيت مصنوع من منازل كثيرة

البيت من الخارج (الشرق الأوسط)
البيت من الخارج (الشرق الأوسط)

قضى هنري لوسيان ما يقارب 14 عاماً وهو يجمع أجزاء المبنى الذي شيّده في منطقة البترون اللبنانية. ومن بقايا 100 منزل قديم، تمكّن من تشييد عمارة تراثية من ثلاثة طوابق حوّلها منزلاً ومتحفاً في وقت واحد، هو نموذج لبيت بيروتي عريق بهندسته وأثاثه.

أبواب، نوافذ، قناطر، أعمدة رخام، موزاييك، أسقف، بلاط، جمعها هنري لوسيان، كقطع «البازل» من بيوت قديمة كثيرة كانت تهدم، وشيّد منها منزله أو متحفه الذي يسكنه، ويفتحه لزيارة عشاق الفن، في قرية كوبّا الخلاّبة شمال لبنان.

ثلاث طبقات، يعلوها قرميد وتزينها القناطر والأعمدة القديمة، تحيط بها شرفات عتيقة مزدانة بالزجاج الملون. والبيت كله الذي يشبه القصر، محاط بالشجر والزهور والمشاهد الطبيعية الخلّابة.

صناديق لوي فيتون التي تعود لجدة صاحب المتحف (الشرق الأوسط)

يستقبلنا هنري وهو ليس متحمساً للكلام، يحاول أن ينكر أنه صاحب البيت، مدعياً أنه مجرد موظف، ولا يعترف إلا بعد أن يتأكد بأننا لسنا في منزله من باب الفضول والتطّفل، وإنما لأننا نعرف قيمة العمل التراثي المعماري الذي صرف له جهده. «تعبت من أولئك الذين يأتون لالتقاط الصور فقط، ولا يقدّرون ما يرون، كانوا كثراً، ومنذ وضعنا مبلغاً رمزياً للدخول، اختفوا وهذا هو المطلوب. الآن لا يأتينا غير المهتمين، وهذا ما نريده».

مائة بيت بيروتي قديم أنقذ منها هنري، هذا العاشق للتراث ما استطاع، لينجز بناء منزله هذا ويفرشه على طريقة الجدّات الأنيقات. «لا يوجد أي شيء جديد في البيت. هو مشيّد من قطع قديمة، لو لم آتِ بها إلى هنا، لتحولت ديكورات عبثية في مطاعم أو مقاهٍ أو منازل هجينة. أحببت أن أبني بيتاً بيروتياً، بكل مكوناته ومحتوياته، في بيئة طبيعية مشابهة لما كانت عليه بيروت قبل أن يغزوها الأسمنت، فاخترت هذه البقعة».

2009 بدأ العمار، لكن العمل لم ينته عملياً بعد، والورشة مستمرة. تعلّم لوسيان الرسم، وقضى ثماني سنوات، يرسم على الجدران والأسقف، ليكمل صورة المنزل البيروتي التراثي بـالأصيلة.

من الصفر بدأ. «تفضلوا إلى سحر بيروت» يقول لوسيان. وهو يقودنا في زيارة إلى عالمه الذي وهبه حياته. ندخل إلى صالة فسيحة تتوسط المنزل، مفتوحة على شرفة واجهتها من الحديد والزجاج ومزدانة بقناطر وأعمدة رخامية تطل على بساتين وأشجار محاطة بالأزهار، الهواء يتلاعب في المكان رغم الجو الحار. النسمات المنعشة تعيد للزائر الإحساس بقيمة أن يكون البناء متصالحاً مع جغرافيته. حول الصالة أبواب من كل الجهات تؤدي إلى باقي غرف المنزل. ليس مهندساً ولا معمارياً هنري، تعلم وهو يرى البيوت تُهدم، شاهدهم وهم يفككون القطع أمام عينيه فصار يعرف كيف يمكنه أن يعيد تركيبها، كما قطع «البازل».

هكذا كانت البيوت، التي نستطيع أن نجدها بوفرة في زحلة وطرابلس وبيروت. يخرج صوراً لمنزل اشترى منه شرفتين، وأخرى لسقف صوّره، وصنع هنا على مثاله. «تعلمت العمارة والنجارة والرسم، وزينت بنفسي الأسقف والحيطان».

يرينا بلاطة، وضعت جانباً تشبه البلاط الذي رصف الأرضية. «كل واحدة منها كانت تصل إلى لبنان، مكتوب عليها بيروت بالخط الأسود، من كارارا إيطاليا. لا شيء جديداً في المنزل سوى الأسمنت، كل ما عدا ذلك من بلاط ونوافذ ومغاسل وزخارف وأثاث وألعاب وأوانٍ كلها قديمة، وآتية من منازل أخرى. انسوا السؤال حول ما هو القديم والجديد. كل ما تراه أعينكم هنا هو منقول من منازل كثيرة».

أما لو سألت كيف لهنري لوسيان أن يبني منزلاً من عناصر غير متجانسة، أتى بها من عمارات مختلفة، يشرح: «في البداية اشتريت ما أعجبني وجمعته، ثم صرت أفصّل المبنى تبعاً لما في حوزتي من قطع، يمكنها أن تنسجم حين توضع إلى جانب بعضها بعضاً».

القطع الموجودة هنا، ترى في كثير من الأحيان، إلى جانبها، صورتها في المبنى الذي كانت موجودة فيه سابقاً، قبل أن تصبح في حوزة لوسيان. «هذه القناطر الثلاث في الصالة الرئيسية هي التي حكمتني بتحديد عرض الصالون؛ كي أتمكن من استخدامها».

جزء من الصالة (الشرق الأوسط)

وهنا بيروت الحلوة، في الصور عام 1900، نشاهد مرفأ بيروت مع الجميزة والأشرفية، في صور نادرة. ميناء طرابلس. خان بيروت كان موجوداً على المرفأ. وهنا قلعة طرابلس مع البيوت البديعة حولها. وهذه قلعة بيروت، التي لم نكن قد سمعنا بوجودها، رغم ما تبقى منها في ساحة الشهداء، من جهة البحر، ولكنها اختفت وراء مبنى جريدة «النهار» الشاهق، ولم يعد أحد يراها.

في المطبخ لا خزائن مغلقة وإنما هي رفوف مغطاة بستائر (الشرق الأوسط)

في المطبخ، لا خزائن مغلقة وإنما هي رفوف مغطاة بستائر كي تبقي المونة في حالة تهوية دائمة، كما كانت تفعل الجدات، وسلم خشبي يقود إلى ما يشبه شرفة علوية، ومنها درج آخر جهة القرميد، هناك كان يسكن خدم المنزل».

يخبرنا صاحب الدار الذي يريد أن يستعيد حياة جدته إيلين مرهج، أن صناديق «لوي فيتون» الكبيرة الحجم، التي يعرضها في الصالة مصطفة فوق بعضها بعضاً، تعود لجدته التي كانت تستخدمها للسفر، تضع بها حاجياتها وتنتقل بها إلى مرفأ بيروت ومن هناك إلى نيويورك. وهي سيدة نشطة، كانت بين الشخصيات التي حضرت افتتاح «قصر سرسق». في البيت - المتحف قنطرة عليها نجمة سداسية مزدانة بالزجاج الملون، أتى بها من وادي بوجميل، الحي اليهودي الذي كان عامراً في بيروت قبل نكبة عام 1948.

نمرّ على غرفة الأولاد ونرى ألعاب أيام زمان الخشبية متدلية من السقف وغرفة النوم الرئيسية بخزانتها الخشبية وسريرها الحديدي وناموسيتها، وحين نعرج على الحمام نرى البانيو القديم. وقبل أن نترك هذا الطابق يشير صاحب الدار إلى العوارض الخشبية التي تمتد على كامل أسقف الغرف، مشيراً إلى أنها جميعها من خشب الأرز تفادياً لأي سوس يمكن أن ينخرها. «خشب الأرز هذا يزرع خصيصاً في جورجيا، حيث يساعد البرد على نموه السريع واستخدامه في عمل الأسقف، وهو مختلف في نوعه عن الأرز اللبناني».

حين نزلنا إلى الطابق السفلي، حيث البيت الشخصي لهنري لوسيان، وجدنا زوجته تعكف على خياطة ملابس من تصاميمها، فهي الأخرى لها مشروعها الخاص. نسأله عن رأيها بهذا الشغف الذي أبعدها عن بيروت، ووضعها في منطقة ريفية، يقول: «هي شريكة في المشروع، وسعيدة أن تعود إلى تقاليدها المعمارية والتراثية».

حمَّام على طريقة أيام زمان (الشرق الأوسط)

في غرفة النوم، خزانة خشبية صغيرة تكفي لملابس المتقشفَين اللذين يعيشان هنا، والسرير الحديدي، مع طاولة قديمة، كلها تخبرك بنمط زاهد. في طابق ثالث تنزل إليه ببضع درجات، يحضّر لوسيان منزلاً صغيراً سيصبح صالحاً لمن يريد استئجاره ومشاركة أصحاب المشروع حياتهم الهادئة الهانئة في «كوبّا» الشمالية، التي لا صلة لها بأميركا اللاتينية سوى التشابه بالاسم.

يعيش لوسيان مع زوجته حياة تبدو تقشفية. هذا الصنف من العمارة اللبنانية القديمة التي تجمع بين الغربي والشرقي، لا تحتاج إلى أن تملأ الغرف بالأثاث. الزخرف هو الذي يعطي الشعور بالامتلاء والغنى. زخرفة البلاط، رسوم الأسقف والجدران، حديد الدرابزين والقناطر الذي يصنع بأيدي فنانين. قليل من الأثاث يكفي. كنبتان في الصالة تشعرانك بأن المساحة المتبقية مكتفية بذاتها. تخرج إلى الشرفة وتطل منها، تشعر أن المشهد في الخارج يتسق مع ما في البيت وينسجم معه حد أنه يصبح امتداداً طبيعياً متصالحاً معه.


مقالات ذات صلة

«بيت بيروت» في الحرب: لقاء النزوح بذاكرة المدينة

يوميات الشرق رسومات صغيرة... بعيدة عن الحرب (بيت بيروت)

«بيت بيروت» في الحرب: لقاء النزوح بذاكرة المدينة

«بيت بيروت» الذي مثَّل ذات يوم «خطاً للفصل»، يجري العمل على تحويله «مساحةً للقاء»...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)

مصر: ترميم مصحف نادر احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»

احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»، أبرزَ المتحفُ القومي للحضارة المصرية، أحدَ المصاحف النادرة الموجودة ضمن مقتنياته، ليُقدِّم نسخةً جديدةً منه بعد الترميم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق تمثال إيزيس أول قطعة تسجل بالمتحف المصري (المتحف المصري)

المتحف المصري يحتفل بذكرى تأسيسه بإبراز تمثال «إيزيس»

في ذكرى تأسيسه بميدان التحرير (وسط القاهرة)، أبرز المتحف المصري القطعة رقم 1 في «السجل العام» له وهو تمثال «إيزيس».

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق ماء من «ينبوع الشباب» معروض في معرض «بلوغ سن الرشد» في متحف «ويلكوم كوليكشن» بلندن (جوانا يي - نيويورك تايمز)

«ينبوع الشباب» ... معرض عن الهوس بالعيش إلى الأبد

أكثر من 120 قطعة معروضة في متحف «ويلكوم كوليكشن» توفِّر أمثلةً متنوعةً على رغبة الإنسان ليس فقط في العيش لفترة أطول، بل في الحفاظ على شبابه.

يوميات الشرق خوذة كوتوفينيستي الذهبية أثناء عرضها على الصحافة في متحف درينتس بآسن في هولندا 2 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

استعادة خوذة ذهبية أثرية لا تُقدّر بثمن سُرقت من متحف هولندي

أعلنت السلطات الهولندية، الخميس، استعادة خوذة ذهبية أثرية لا تُقدّر بثمن تعود إلى رومانيا، كانت قد سُرقت، العام الماضي، من متحف في هولندا.

«الشرق الأوسط» (أمستردام)

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
TT

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)

تصدرت السعودية دول العالم في مؤشر الجاهزية الرقمية 2025، الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) في إنجاز عالمي جديد يدون في سجل إنجازاتها.

جاء تصدُّر السعودية للمؤشر بعدما سجلت 94 نقطة من أصل 100 ضمن تصنيف «مرتفع جداً»، لتتقدم إلى المركز الأول عالمياً، مقارنة بـ90 نقطة والمركز الرابع عالمياً في العام الماضي.

وحققت فنلندا وألمانيا المركزين الثاني والثالث بـ93 نقطة لكل منهما، ثم المملكة المتحدة في المركز الرابع بـ92 نقطة، والنرويج في المركز الخامس بـ91 نقطة، فيما حلت فرنسا في المركز السادس بـ90 نقطة.

ويعكس إنجاز السعودية ما تشهده من تطور متسارع في بناء منظومة رقمية متقدمة، ترتكز على سياسات تنظيمية ناضجة، وأطر حوكمة فعّالة، وقدرات مؤسسية عالية، بما يعزز تنافسية الأسواق الرقمية، ويدعم النمو الاقتصادي والاجتماعي، ويواكب مستهدفات المملكة في الانتقال إلى العصر الذكي.

ويُعد هذا المؤشر أحد المؤشرات الدولية المتخصصة في قياس الجاهزية الوطنية للمنظومات الرقمية، من خلال تقييم أنظمة وسياسات الاتصالات والتقنية وأدوات الحوكمة، بالاستناد إلى مخرجات تحليلية تشمل النضج التنظيمي الرقمي وتطور تنظيمات القطاع، ويضم 117 مؤشراً موزعة على 9 محاور رئيسة.

وأكد تصدر السعودية لهذا المؤشر مكانتها العالمية بوصفها نموذجاً رائداً في بناء بيئة رقمية تمكينية، تتبنى أفضل الممارسات التنظيمية، وتعزز القرارات المبنية على البيانات، وتدعم تكامل الأدوار بين الجهات ذات العلاقة، بما يسهم في رفع مرونة المنظومة الرقمية وقدرتها على مواكبة المتغيرات التقنية والمتسارعة عالمياً.

كما يبرز هذا التقدم حجم الجهود الوطنية في تطوير الأطر التنظيمية والتشريعية، وتمكين الأسواق الرقمية، وتعزيز كفاءة البنية المؤسسية، وهو ما أسهم في وصول السعودية إلى فئة «مرتفع جداً» التي تضم نسبة محدودة من دول العالم، بما يجسد ريادتها الدولية ومتانة مسيرتها التنموية في قطاع الاتصالات والتقنية.

ويأتي هذا الإنجاز ثمرةً لتكامل الجهود الوطنية بين عدة جهات حكومية وتنظيمية، ممثلة بوزارات «المالية، والتجارة، والإعلام، والصحة، والتعليم، والاقتصاد والتخطيط، والبيئة والمياه والزراعة» وهيئات «الاتصالات والفضاء والتقنية، والحكومة الرقمية، والبيانات والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني»، إضافة إلى «البنك المركزي»، وجهات شريكة، بينها، هيئات «تنظيم الإعلام، والنقل، والمياه، وتنظيم الكهرباء، والمنافسة»، و«مركز التنافسية»، وجمعية حماية المستهلك.

ويُرسخ هذا الإنجاز حضور السعودية في المؤشرات الدولية المتخصصة، ويُعزِّز موقعها مركزاً عالمياً رائداً في الاقتصاد الرقمي، ووجهة جاذبة للاستثمار والابتكار، مدعومة برؤية طموحة نحو مستقبل أكثر نمواً وازدهاراً.


«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)

أعاد البرنامج الإذاعي المصري «الملهمون»، الذي يحكي سيرة أعلام مصرية وعربية بارزة في مجالات متنوعة، الفنانة والإعلامية المصرية صفاء أبو السعود لأثير «ماسبيرو» مجدداً، بعد تقديمها لحلقات إذاعية تمثيلية أخيراً، في بعض الإذاعات المحلية، حيث اشتهرت الفنانة المصرية بأعمالها بالسينما والدراما التلفزيونية، وتقديم البرامج الحوارية الفنية، والغناء خصوصاً للأطفال.

وأعلنت «الهيئة الوطنية للإعلام»، برئاسة الكاتب أحمد المسلماني، في بيان صحافي، الثلاثاء، عن إطلاق برنامج «الملهمون»، الذي بدأت أولى حلقاته الأحد، وتناولت سيرة سيزا نبراوي، كما أكد الدكتور محمد لطفي رئيس الإذاعة بمصر، الانتهاء من تسجيل 12 حلقة مدة كل منها 30 دقيقة، تذاع على أثير «البرنامج العام»، مساء الأحد من كل أسبوع، وكذلك على جميع المحطات الإذاعية الإقليمية، إذ يتناول البرنامج شخصيات أثرت في تاريخ مصر في مجالات مختلفة.

وتتناول الحلقات المقبلة، شخصيات لها دور مؤثر، مثل الدكتور نجيب محفوظ ميخائيل، وسليم وبشارة تقلا، وأبلة نظيرة، وأنيس عبيد، وغيرهم من الشخصيات التي لم يتم تسليط الضوء عليها درامياً ووثائقياً، بحسب البيان الصحافي.

الفنانة صفاء أبو السعود (فيسبوك)

وفي السياق، بدأت حلقة سيزا نبراوي عبر برنامج «الملهمون»، بتعليق صوتي جاء فيه «في كل زمن يولد من يغيره، ومن بين الزحام تلمع أسماء لا تنسى، هؤلاء لم يعيشوا فقط بل ألهموا العالم»، ويشارك في بطولة الحلقات إلى جانب صفاء أبو السعود، نخبة من نجوم الإذاعة المصرية، تأليف أحمد القصبي، وإخراج تامر شحاتة، بينما شارك في الأداء الإذاعي لحلقة سيزا نبراوي، عادل شعبان، ومصطفى درويش، وأحمد خليل، وأماني البحطيطي، وقام بدور الراوي علي مراد.

وسلطت الحلقة الضوء على دور السيدة سيزا نبراوي، في الدعوة لحرية النساء والوطن، وعلاقتها بالسيدة هدى شعراوي، وخروجها في مظاهرات ثورة 1919، وتأسيسها لجريدة «الاتحاد النسائي»، باللغة الفرنسية، ومساهمتها في تحديد سن الزواج للفتيات، وحقهن في التعليم، وجمع التبرعات لمقاومة الاحتلال.

وأشاد وكيل وزارة الإعلام الأسبق، رئيس الشعبة العامة للإذاعيين العرب بالاتحاد العام للمنتجين العرب، الإذاعي المصري شريف عبد الوهاب، بدور الإذاعة المصرية في تسليط الضوء على الشخصيات البارزة بهدف «تعزيز الهوية»، مشيراً إلى أن الحديث عن «الشخصيات المهمة»، في كل المجالات لتكون قدوة حسنة للشباب، وللتأكيد على أهمية الماضي الذي يساعد على الانطلاق نحو المستقبل، أمر ضروري.

الفنانة صفاء أبو السعود اشتهرت بتقديم البرامج (فيسبوك )

وقال عبد الوهاب لـ«الشرق الأوسط»، إن محتوى «الملهمون»، الهادف ليس جديداً على الإذاعة المصرية، التي اعتادت على المسلسلات التي تسلط الضوء على القضايا المجتمعية، والشخصيات البارزة، لافتاً إلى أن «الشق الدرامي» خصوصاً في هذا البرنامج له تأثير كبير على المستمع، لا سيما فئة الشباب.

وأشار إلى أن «تناول البرنامج، لشخصيات منوعة وعدم اقتصاره على العلماء والكتاب والفنانين فقط، مثل سيرة أبله نظيرة، يدلان على أهمية التوجه المختلف، لأنها جزء من تراث عالم المطبخ المصري، وجزء أصيل من الهوية والعادات المصرية التي يمكن أن تصل للعالمية».

ونوّه عبد الوهاب بأن «الإذاعة ستظل الصديق الحميم للمستمع، لأنها تعتمد على الخيال، وبناء الصورة بشكل منفرد»، مؤكداً أن «سر جمالها يكمن في التأثير والوصول للشباب وكأنها صديق مقرب».

وفنياً، شاركت صفاء أبو السعود في العديد من الأعمال السينمائية منذ ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي، من بينها «بمبة كشر» و«المتعة والعذاب»، وقدمت برامج حوارية فنية من بينها «ساعة صفا»، و«سهراية»، واشتهرت صفاء أبو السعود بتقديم أوبريتات وأغنيات للأطفال، مثل «أهلا بالعيد»، و«يلا نقضي أجازة سعيدة»، و«يا أصحابي وصحباتي»، وغير ذلك.

كما قدمت صفاء أبو السعود في الإذاعة حلقات «يوميات صفصف»، و«أوضتين وصالة»، و«بهجة رمضان»، و«ألو في خدمتك»، إلى جانب مسلسلات تلفزيونية مثل «هي والمستحيل»، و«النهر والتماسيح»، و«ملكة من الجنوب»، ومسرحيات من بينها «موسيقى في الحي الشرقي» و«20 فرخة وديك»، و«فندق الأشغال الشاقة».


«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
TT

«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)

يحتفل المصريون بعيد «شم النسيم» من خلال استدعاء طقوس قديمة تعود لآلاف السنين، فهذا العيد وُلد على ضفاف نهر النيل ليعلن انتصار الحياة، وتفتح الزهور، وبداية فصل الحصاد في مصر القديمة، وفق ما يذكره المتحف المصري بمناسبة استدعاء طقوس هذا اليوم.

ووفق منشور للمتحف، الاثنين: «لم يكن شم النسيم عند المصريين القدماء مجرد نزهة، بل كان طقساً مقدساً يرتبط بعقيدة البعث والخلود؛ فقد اختار المصري القديم وقت الاعتدال الربيعي ليحتفل بتساوي الليل والنهار، بوصفه لحظة بدء الخلق، ومن هنا جاءت تسمية (شمو)».

ويلفت إلى تغيير دلالة هذه الكلمة من الإشارة إلى الموسم الثالث والأخير في التقويم المصري (موسم الحصاد والجفاف الذي يمتد من مايو «أيار» إلى سبتمبر «أيلول») ثم ليصبح «شوم إن نيسيم» (بمعنى بستان الزروع أو الحدائق الخضراء) في اللغة القبطية، وبعد دخول العربية وجد المصريون في عبارة «شم النسيم» ترجمة ملائمة لجوهر الاحتفال، ليظل هذا العيد دليلاً حياً على استمرارية الحضارة المصرية؛ إذ يحتفل به المصريون جميعاً لأكثر من 4500 عام حتى اليوم.

وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، شمّ النسيم من أبرز المظاهر الثقافية التي تُجسّد استمرارية الذاكرة الحضارية في مصر عبر آلاف السنين.

مصريون يحتفلون بعيد شم النسيم (محافظة القاهرة)

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «يكتسب هذا العيد طابعه الفريد من كونه نموذجاً نادراً على تداخل الطقس الشعبي مع الاستمرارية التاريخية، حيث لم ينقطع عبر التحولات الدينية والاجتماعية الكبرى التي شهدتها مصر، بل أعاد إنتاج نفسه داخل سياقات ثقافية مختلفة، محتفظاً بجوهره القائم على الخروج إلى الطبيعة وتناول أطعمة رمزية مثل الفسيخ والبيض والخس، وهي ممارسات يربطها عدد من الباحثين بالرمزية الزراعية والخصوبة وتجدد الحياة في مصر القديمة».

ومن منظور أنثروبولوجي، يمكن قراءة شم النسيم بوصفه «ذاكرة جمعية حيّة»، لا تُحفظ في النصوص فقط، بل تتجلى في الممارسة اليومية، حيث تتحول النزهات في الحدائق، وعلى ضفاف النيل إلى طقس اجتماعي يعزز الهوية المشتركة، كما يعكس العيد قدرة الثقافة المصرية على إعادة تفسير عناصرها القديمة دون انقطاع.

وفي السياق المعاصر، يظل هذا العيد، وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، «شاهداً على واحدة من أعمق سمات الحضارة المصرية، وهي القدرة على تحويل الطقس القديم إلى ممارسة حيّة تتجدد كل عام دون أن تفقد جذورها التاريخية».

وخلف كل طقس موجود اليوم تكمن فلسفة مصرية عميقة، وفق ما نشره المتحف المصري، «فمائدة شم النسيم هي قربان احتفالي لدورة الحياة المتجددة، فكان البيض رمزاً لخروج خالق الكون في أساطير العقيدة المصرية القديمة، وتلوينها هو تجسيد لبعث الحياة من السكون. أما السمك المملح، فقد ارتبط بتقديم النذور للنيل (حابي) لضمان استمرار الفيض، حيث قدس المصري القديم السمك لخصوبته العالية، وكان تمليحه وسيلة لـ حفظ الحياة واستمرار النماء، كما برز البصل في متون الأهرام والنصوص الطبية القديمة كعنصر مطهر، وارتبط بأساطير الشفاء، فصار رمزاً لهزيمة الأرواح الشريرة، وتميمة للحماية تُعلق على الأبواب.

الحدائق والمتنزهات تشهد إقبالاً في شم النسيم (محافظة القاهرة)

وترى الباحثة في الحضارة المصرية القديمة، عزة سليمان، التي رصدت الأعياد المصرية القديمة في كتبها «كراريس إيزيس» أن «هناك عادات راسخة يقوم بها المصريون في شم النسيم، فدائماً هناك حالة من الفرح والسعادة والرغبة في الاستمتاع بالطبيعة عبر النزهات والأطعمة الخاصة بهذه المناسبة في عيد الربيع، وهو لا يتوقف على عيد الربيع، لكنه كان بمنزلة العيد المصري الرئيسي في العصور القديمة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «ارتبط هذا العيد بأرض مصر ومصالحها الاقتصادية وموسم حصاد القمح، وهناك كثير من الطقوس التي ما زالت مستمرة حتى اليوم في شم النسيم، منها تجهيز الطعام، خصوصاً الأسماك المملحة (الفسيخ) والمجففة (البكلاه) التي كان يحتفظ بها المصري القديم لطعامه في الحقل؛ حيث كان يظل هناك مدة طويلة حتى يحصد القمح». وأشارت عزة إلى أن الفسيخ كان يصنع في 7 أيام واسمه نفسه يعني «سبعة»، كما تمت صناعة أسماك حديثة لهذه المناسبة مثل الرنجة وغيرها، كما لفتت إلى عادات ما زالت موجودة مثل تلوين البيض وأكل الخس والملانة (الحمص) التي تعد رموزاً مهمة للأرض الخضراء الخصبة.