كيف تنحاز «السوشيال ميديا» ضد «طوفان الأقصى»؟

طفل صغير وعلى وجهه علم فلسطين في مسيرة تأييد لفلسطين في لندن (أ.ف.ب)
طفل صغير وعلى وجهه علم فلسطين في مسيرة تأييد لفلسطين في لندن (أ.ف.ب)
TT

كيف تنحاز «السوشيال ميديا» ضد «طوفان الأقصى»؟

طفل صغير وعلى وجهه علم فلسطين في مسيرة تأييد لفلسطين في لندن (أ.ف.ب)
طفل صغير وعلى وجهه علم فلسطين في مسيرة تأييد لفلسطين في لندن (أ.ف.ب)

«ما نكتبه لا يصل»... بهذه الكلمات عبّرت الصحافية الفلسطينية نسرين الرزاينة، بأن ما تكتبه على صفحتها الخاصة بموقع «فيسبوك» يتم حذفه، بعدما بدأت في نقل ما يدور على أرض وطنها منذ أن شنّت إسرائيل هجومها على غزة رداً على هجوم حركة «حماس» المُسمى بـ«طوفان الأقصى».

تقول الرزاينة لـ«الشرق الأوسط» إن المحتوى الفلسطيني يتعرّض للحذف، ومنشوراتها لا تصل للمتابعين أو ما يطلق عليه «قلة الريتش»، خصوصاً صور الأطفال الذين يتعرضون للعنف من قبل الجيش الإسرائيلي. في الوقت الذي تؤكد فيه وصول رسائل لها من الموقع تفيد التقييد.

ونشر متابعون عبر «فيسبوك» و«إنستغرام»، في الأسبوع الماضي، انتقادات للمنصات المملوكة لشركة «ميتا» بخصوص حذف محتوى يناصر القضية الفلسطينية، بوصفها أصبحت ساحات لتشكيل الرأي العام. ونشر عدد من المتابعين في اليومين الماضيين رسالة منسوخة متداولة تشير إلى أن كثيراً من التدوينات للأصدقاء تضيع، وتطالب بتعديل الخوارزميات لموقع «فيسبوك»، وفيها: «(فيسبوك) يريني فقط الأصدقاء الّذين يختارهم هو، ولا نحتاج إلى (فيسبوك) لاختيار أصدقائنا، ويمكننا تجاوز سياسته للضّبط والتّحكّم».

وأفادت تقارير إعلامية بأنه يتم إخفاء الوسوم المتعلقة بـ«حماس» و«طوفان الأقصى»، في الوقت الذي ارتفعت فيه حصيلة القتلى في قطاع غزة، نتيجة القصف الإسرائيلي، إلى 2215، بينهم 724 طفلاً، وفق آخر حصيلة أعلنتها وزارة الصحة التابعة لحركة «حماس»، صباح السبت.

وواجه خبير الشؤون الدولية والاستراتيجية وقضايا الصراع الدولي أنس القصاص، التقييد على حسابه بـ«فيسبوك» في الأيام الأخيرة بعد نشر رابط لقصة من مجلة «بوليتيكو» عن الأخبار الزائفة في العدوان الإسرائيلي على غزة، ويقول القصاص لـ«الشرق الأوسط»: «وصلتني رسالة تقييد لمدة يومين... الخوارزميات مجنونة».

وعلى الرغم من ذلك، فإن الباحث حاول أن يتفادى نشر أي معلومات أو منشورات حتى ولو صحيحة لدعم القضية تفادياً لوقف حسابه على منصة «فيسبوك» ، ويفسر: «حتى البيانات الرسمية يحاول (فيسبوك) التقييد عليها، بالإضافة إلى أن هناك منشورات لي تحصل على إعجابَين فقط، وهذا ليس المعتاد».

ويعدّ الباحث السياسي أن ذلك التقييد يقلل من احترام منصة «فيسبوك» لمتابعيها، مشيراً إلى أنه دليل على ازدواجية المعايير في السماح لنشر محتوى يروّج لوجهة النظر الإسرائيلية، وقال: «لدي حساب على (فيسبوك) منذ 16 عاماً، ولم يحدث هذا المنع من قبل».

وتقول ندى الشبراوي، وهي مدونة فيديو تنشر محتوى يخص الكتب في منصات مختلفة باسم قناة «دودة كتب»، لـ«الشرق الأوسط» إنها قامت برفع فيديو على منصة «إنستغرام» يتناول القضية الفلسطينية، وتم حذف الفيديو 3 مرات، وإيقاف الصوت، مضيفة أنها حاولت مجدداً نشر الفيديو.

وفي سياق متصل، حاولت «الشرق الأوسط» نشر رابط لموضوع يخص الأطفال في الحرب عبر منصة «إنستغرام»، فظهرت رسالة مفادها: «نحن نحظر أنشطة معينة لحماية مجتمعنا».

رسالة تظهر من موقع «إنستغرام» تفيد بمنع نشر رابط لقصة صحافية عن غزة (الشرق الأوسط)

* تدابير... أم منع؟

وكانت شركة التكنولوجيا الأميركية العملاقة «ميتا»، التي تمتلك موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» قد قالت إنها ستتخذ تدابير إضافية ضد نشر المحتوى غير القانوني والمضلل على الإنترنت، وذلك في أعقاب بدء الصراع في غزة.

وقالت «ميتا» أمس (الجمعة)، في بيان نقلته «وكالة الأنباء الألمانية»، إنه في الأيام الثلاثة الأولى التي أعقبت هجوم مقاتلي «حماس»، قامت الشركة «بحذف 795 ألف محتوى أو تصنيفها على أنها مزعجة» باللغتين العبرية والعربية لانتهاكها سياساتها وتوجيهاتها. وأوضحت «ميتا»: «بالمقارنة بالشهرين الماضيين، في الأيام الثلاثة التي أعقبت يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول)، قمنا بحذف 7 أضعاف المحتوى على أساس يومي لانتهاك سياسة المنظمات والأفراد الخطرين لدينا باللغتين العبرية والعربية فقط».

وأضافت «ميتا» أنها تلتزم بالحذر بشكل خاص فيما يتعلق بمنصتي «فيسبوك» و«إنستغرام»، حيث هددت «حماس» بعرض الرهائن على هاتين المنصتين. وقالت الشركة إنها وضعت قيوداً على بعض المستخدمين الذين انتهكوا من قبل سياسات المنصة.

وفي سياق متصل، أعلنت منصة «إكس» التي يملكها إيلون ماسك أنها أزالت أو صنفت «عشرات الآلاف» من المنشورات في الأيام التي أعقبت هجوم «حماس» على إسرائيل. وكتبت الرئيسة التنفيذية للشركة، ليندا ياكارينو، في رسالة مؤرخة الأربعاء؛ رداً على انتقادات الاتحاد الأوروبي في هذا الشأن: «منذ الهجوم الإرهابي على إسرائيل، اتخذنا إجراءات لإزالة أو تصنيف عشرات الآلاف من المنشورات». وكانت الرسالة موجهة إلى مفوض الاتحاد الأوروبي للسوق الداخلية تييري بروتون، الذي انتقد ماسك على وسائل التواصل الاجتماعي، الثلاثاء.

وطالب بروتون في، رسائل أرسلها، الثلاثاء، إلى ماسك ومارك زاكربرغ الذي تضم مجموعته «ميتا» منصتي «فيسبوك» و«إنستغرام»، بتقديم تفاصيل في غضون 24 ساعة حول طريقة إزالة «المحتوى غير القانوني والمعلومات الكاذبة» من منصاتهما بما يتماشى مع قانون الخدمات الرقمية الجديد للاتحاد الأوروبي، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ورغم تلك «التدابير» التي تتخذها منصات رقمية، فإن تقريراً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أفاد بأن حجم المعلومات المضللة والسرعة التي انتشرت بها عبر الإنترنت في أعقاب الصراع الذي مرّ عليه أسبوع، لم يسبق لهما مثيل. ونقلت الوكالة أن خبراء قالوا إن هذا الصراع بين إسرائيل و«حماس» يقدم دراسة حالة قاتمة عن تضاؤل قدرة المنصات البارزة مثل «فيسبوك» و«إكس»، على مكافحة المعلومات الكاذبة.

* خوارزميات منحازة

إلى ذلك، يقول عمرو العراقي، عضو هيئة التدريس بكلية الشؤون الدولية والسياسات العامة، في الجامعة الأمريكية في القاهرة إن ما يحدث من التقييد على المحتوى الخاص بالقضية الفلسطينية يعبر عن انحياز آيديولوجي واضح من تلك المنصات بوصف حركة «حماس» حركة إرهابية تواجه جيشاً نظامياً وهو الجيش الإسرائيلي. ويضيف العراقي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن هذا التقييد يرسخ أن تلك المنصات ليست مصدراً جيداً للمعلومات، خصوصاً في أوقات الأزمات والصراع، كما أنها تتأثر بالاستقطاب السياسي.

ويفيد العراقي بأن الخوارزميات أشبه بمعادلة رياضية، من يدخل مدخلاتها ويضع شروطها يكون وفقاً لانحيازاته، مضيفاً أن منصات مثل «فيسبوك» ليست منصات حيادية، وأن الأزمة الحقيقية أن هذه الخوارزميات لا تعمل وفق علاقتنا ودوائر أصدقائنا وانحيازاتنا، وبالتالي فهي لم تعد منصات تواصل اجتماعي بالمعنى الحرفي، وإنما تعبر عن انحيازات أصحابها الذين عبّروا عن انحيازاتهم بالفعل في الصراع الدائر.

ورصد العراقي في الأيام الماضية محتوى كردياً يظهر في «المقترحات» يدعم الرواية الإسرائيلية في العدوان على قطاع غزة، مشيراً إلى أن ذلك يعد جزءاً من الحرب النفسية التي تقوم بها إسرائيل في الفترة الأخيرة لرفع الروح المعنوية لجنودها.

لكن ما الحل؟ منصة أخرى؟ رد العراقي على هذا التساؤل بأن من حق أي مجتمع أن ينشئ منصته الخاصة، لكن الأزمة تكمن في الانتشار والتأثير، فـ«فيسبوك» لها قيمة سوقية كبيرة، ونموذج ربحي تأسس منذ 20 عاماً، مضيفاً أن هناك منصات جديدة ظهرت واندثرت في الآونة الأخيرة لم تلقَ الاستمرارية التي تلقاها «فيسبوك» و«إنستغرام».


مقالات ذات صلة

مستوحاة من الأفاعي... روبوت مرن قد يسهّل فحص الأمعاء الدقيقة وعلاجها

تكنولوجيا يمكن للجهاز التقاط الصور ورش الأدوية وأخذ عينات من الأنسجة وإزالة بعض السلائل الصغيرة أثناء الفحص (الجامعة)

مستوحاة من الأفاعي... روبوت مرن قد يسهّل فحص الأمعاء الدقيقة وعلاجها

طوّر باحثون في «MIT» روبوتاً مرناً مستوحى من الأفاعي قد يسهّل فحص الأمعاء الدقيقة وتشخيص اضطراباتها وتنفيذ بعض الإجراءات العلاجية

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يحتاج وكلاء الذكاء الاصطناعي إلى الوصول للبيانات والتطبيقات والأنظمة الأمنية ما يجعل جاهزية البنية التحتية عاملاً أساسياً في نجاح ذلك (أدوبي)

«إنتل»: وكلاء الذكاء الاصطناعي يتقدمون أسرع من جاهزية البنية التحتية للمؤسسات

تكشف دراسة بتكليف من «إنتل» أن انتشار وكلاء الذكاء الاصطناعي يتسارع أسرع من تمويل البنية التحتية وتجهيز الأنظمة والبيانات اللازمة لتشغيلهم بكفاءة

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا توفر شاشة «ماك بوك برو» الجديد سطوعاً يصل إلى 2000 شمعة (الشرق الأوسط)

«أبل» تُطلق «ماك بوك برو» بشاشة تعمل باللمس للمرة الأولى

كشفت شركة «أبل» الأميركية عن جيل جديد من حاسوب «ماك بوك برو»، مزود بشاشة تعمل باللمس للمرة الأولى في حواسيب «ماك».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد أسعار صرف الين الياباني مقابل الدولار الأميركي وعدد من العملات الأجنبية الأخرى في أحد محال الصرافة بطوكيو (رويترز)

مستشارون يابانيون يدعون إلى استخدام فائض حساب النقد الأجنبي لتمويل الإنفاق

قال أعضاء من القطاع الخاص في لجنة حكومية يابانية رئيسية، الخميس، إن بإمكان اليابان استخدام المزيد من الفائض الضخم في حسابها الخاص بالنقد الأجنبي لتمويل الإنفاق.

«الشرق الأوسط» (طوكيو )
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب) p-circle

بعد القيود على «ستارلينك»... بوتين يصف ماسك بـ«العبقري» ويكشف عن تواصل بينهما

أشاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالملياردير الأميركي إيلون ماسك، واصفاً إياه بـ«العبقري»، وكشف أنه على تواصل معه.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

20 دولاراً في الساعة لتمشية كلب... لكنه لا ينبح!

روبوتات بشرية وكلب آلي ومتظاهرون بملابس روبوتية خلال احتجاج ضد الذكاء الاصطناعي خارج مؤتمر لمطوري شركة أوبن إيه آي في سان فرنسيسكو بأميركا 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
روبوتات بشرية وكلب آلي ومتظاهرون بملابس روبوتية خلال احتجاج ضد الذكاء الاصطناعي خارج مؤتمر لمطوري شركة أوبن إيه آي في سان فرنسيسكو بأميركا 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

20 دولاراً في الساعة لتمشية كلب... لكنه لا ينبح!

روبوتات بشرية وكلب آلي ومتظاهرون بملابس روبوتية خلال احتجاج ضد الذكاء الاصطناعي خارج مؤتمر لمطوري شركة أوبن إيه آي في سان فرنسيسكو بأميركا 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
روبوتات بشرية وكلب آلي ومتظاهرون بملابس روبوتية خلال احتجاج ضد الذكاء الاصطناعي خارج مؤتمر لمطوري شركة أوبن إيه آي في سان فرنسيسكو بأميركا 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

إذا كنت تظن أن أسوأ ما قد يحدث أثناء تمشية كلب هو أن يتوقف فجأة لشمّ عمود إنارة، أو يقرر العودة إلى المنزل في الاتجاه المعاكس، فانتظرْ حتى تتعامل مع كلب آلي! هذا لا يحتاج إلى طعام، ولا يترك فضلاتٍ خلفه، لكنه قد يتوقف عن الحركة بسبب ارتفاع حرارة مُعداته، لتجد نفسك مضطراً لحمله والعودة به إلى المنزل... أو بالأحرى إلى الشركة!

هذه ليست نكتة عن مستقبل الروبوتات، بل وظيفة حقيقية أعلنت عنها شركة ناشئة في سان فرنسيسكو، تعرض 20 دولاراً في الساعة لمن يرغب في تمشية كلاب ميكانيكية في شوارع المدينة. والمطلوب؟ أربع إلى ست ساعات من التجوال، مع الاستعداد لحمل «الحيوان الأليف» إذا قرر فجأة أن يأخذ استراحة إجبارية.

ووفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز»، فإن الإعلان، الذي نشرته شركة «دايمنشنال» (Dimensional) عبر «فيسبوك»، حُذف لاحقاً.

وتتخذ الشركة من حي «دوغباتش» (Dogpatch) في سان فرنسيسكو مقراً لها، في مصادفة لافتة تجعل اسم الحي يبدو كأنه اختير بشكل خاص لشركة ترسل كلاباً آلية للتجول في الشوارع.

لكنّ وراء هذه الوظيفة الغريبة هدفاً يتجاوز التسلية، فالشركة تعمل على تطوير أنظمة تشغيل تتيح دمج الذكاء الاصطناعي بالروبوتات، بحيث تتمكن مستقبلاً من تنفيذ مهام واقعية؛ من نقل الصناديق الثقيلة، إلى المساعدة في المصانع ومواقع البناء.

ولتحقيق ذلك، تحتاج الروبوتات إلى تعلم كيفية التحرك في العالم الحقيقي، وتجاوز الأرصفة والعوائق، والتعامل مع المواقف غير المتوقعة. وهنا يأتي دور البشر الذين يرافقونها، ويوجهونها عند الضرورة، بينما تجمع الكاميرات وأجهزة الاستشعار بيانات تساعد على تحسين أدائها.

ويقول مؤسس الشركة، ستاش بوميختر، البالغ 26 عاماً، إن التجارب كشفت أن أنظمة الذكاء الاصطناعي لا تزال أقل كفاءة من البشر في التحكم بالمُعدات، ما يجعل التدخل البشري ضرورياً في الوقت الراهن.

واللافت أن الشركة لا تصنع هذه الروبوتات بنفسها، بل اشترت أكثر من 100 كلب آلي، بينها نماذج صينية الصنع يبلغ سعر الواحد منها نحو ألفي دولار. وتختبر أداءها في ظروف مختلفة، تمهيداً لتطوير آلات أكثر استقلالية.

ولا تقتصر الاستخدامات على حمل الأشياء أو التجول في الشوارع، فقد بدأت كلاب آلية، بالفعل، العمل في دوريات أمنية داخل مجمع سكني بأتلانتا الأميركية، بينما يتولى شخص في الفلبين مراقبتها عن بُعد. أما بوميختر فيقول إنه برمج كلباً آلياً للقيام بدوريات ليلية في مقر شركته، وإرسال تنبيه إليه إذا رصد شخصاً بعد منتصف الليل.

روبوتات عسكرية تشارك في المناورات الكورية الجنوبية الأميركية المشتركة 19 أغسطس 2026 (رويترز)

غير أن دخول الروبوتات الحياة اليومية لا يثير الفضول وحده، فقد أثارت التجربة مخاوف لدى بعض الأشخاص من تحول هذه الآلات إلى أدوات للمراقبة، أو حتى أسلحة، ووصل الأمر إلى تلقي الشركة رسائل تهديد دفعتها إلى إبلاغ الشرطة.

وبينما تتطلع شركات التكنولوجيا إلى عالم تتولى فيه الروبوتات كثيراً من المهام البشرية، تكشف هذه الوظيفة مفارقة طريفة: فالآلة التي يُفترض أن تعمل باستقلالية، تحتاج، اليوم، إلى إنسان يرافقها، يراقب خطواتها، ويحملها إذا تعطلت.

وربما لن يكون السؤال في المستقبل: من سيمشي الكلب؟ بل من سيمشي مع من؟


«الخبيث»... حين يتحوَّل الحب إلى وصاية

صور الفيلم في البرلس (الشركة المنتجة)
صور الفيلم في البرلس (الشركة المنتجة)
TT

«الخبيث»... حين يتحوَّل الحب إلى وصاية

صور الفيلم في البرلس (الشركة المنتجة)
صور الفيلم في البرلس (الشركة المنتجة)

لا يكتفي الفيلم المصري القصير «الخبيث» بتخيُّل وباءٍ يفتك بالنساء، بل يتأمل ما يحدث حين يصبح الخوف عليهن مبرراً لاتخاذ القرارات نيابة عنهن. ففي القرية التي يصوغ عالمها المخرج جاد شاهين، تتقلص المسافة بين الرعاية والوصاية، وبين الرغبة في إنقاذ إنسان والاستعداد للتضحية به. وما يضفي شجناً على الحكاية أن العنف لا يصدر دائماً عن كراهية؛ فقد يمارسه شخص محب.

حصد الفيلم، الذي تبلغ مدته 14 دقيقة، جائزة «نجمة الجونة البرونزية» في مسابقة الأفلام القصيرة بالدورة التاسعة لمهرجان الجونة السينمائي، التي اختُتمت مؤخراً.

ينطلق الفيلم من قرية تعيش على صيد الأسماك، ينتشر بين نسائها مرض غامض، ليضع شاباً أمام امتحان يتجاوز قدرته على مواجهة الوباء، ويدفعه إلى مساءلة تصوره للحب وحدود المسؤولية التي يمنحها لنفسه تجاه نساء أسرته.

تبدأ الإصابة بعلامة على الجسد، لكن آثارها سرعان ما تتجاوز الجسد نفسه؛ إذ تخضع النساء لفحوص متكررة، وتصبح شفاههن دليلاً يبحث عنه الحراس قبل اقتياد المصابات إلى مصير مجهول.

المخرج جاد شاهين (الشركة المنتجة)

وفيما يظل المرض عصيّاً على الفهم، تبدو إجراءات مواجهته محسومة. تضع هذه المفارقة القرية أمام سؤال يتردد خلف الحكاية: كيف يملك مجتمع كل هذه الثقة في العقاب، في حين لا يعرف حقيقة الخطر الذي يعاقب الناس بسببه؟

داخل البيت، يتخذ هذا المنطق صورة أكثر إيلاماً. فحين تمرض أخت «فتحي»، يقترح عليها أن تتجرع السم كي لا تقع في أيدي الحراس. لا يستطيع تخيل نجاتها، فينصرف إلى اختيار موت يراه أرحم. وهنا يكشف الفيلم كيف يمكن للخوف أن يحاصر التفكير قبل أن يحاصر الأجساد؛ إذ يتبنى «فتحي» حتمية المصير الذي يرفضه، ويختزل مسؤوليته في اختيار الطريقة التي يواجه بها هذا المصير، من دون أن ينتبه إلى أنه صار امتداداً للسلطة التي يخشاها.

قال المخرج المصري جاد شاهين لـ«الشرق الأوسط» إن اهتمامه انصب على اللحظة التي يفقد فيها الإنسان القدرة على التمييز بين محبته للآخر ورغبته في امتلاكه، موضحاً أن «فتحي» يستمد اقتناعه بأفعاله من إحساسه بالمسؤولية. وكلما شعر بتراجع قدرته على حماية أسرته، تشبث أكثر بحق تقرير مصير أفرادها، حتى أصبح ما يراه أداءً لواجبه جزءاً من المحنة التي تعيشها النساء من حوله.

وأضاف أن بناء الشخصية اقتضى الاقتراب من منطقها، لأن اختزال «فتحي» في رجل قاسٍ كان سيُبعد الحكاية عن السؤال الذي يشغله. فهو يتصرف انطلاقاً من يقين أخلاقي، ويستند إلى أفكار مألوفة عن الرجولة والواجب. وأشار إلى أن معرفته بهذا النوع من التفكير، وملاحظته بعض ملامحه في نفسه أحياناً، جعلتا الشخصية مساحة للمراجعة الشخصية بقدر ما هي موضوع للفيلم.

وأوضح أن فكرة المشروع بدأت من صورة قطة تلتهم صغارها عندما تعجز عن حمايتهم من خطر تستشعره، لافتاً إلى أن ما ظل عالقاً في ذهنه هو احتمال اجتماع الحنان والتدمير في الفعل نفسه.

بنى المخرج الفيلم على أحداث مستمدة من الأساطير (الشركة المنتجة)

ومنذ بدء العمل على الفيلم عام 2023، أخذ شاهين يبحث عن صيغة إنسانية لهذا التناقض، من خلال شخصية رجل يصل به الحرص على أحبائه إلى الاعتقاد بأن إنهاء معاناتهم يبيح له التدخل في مصائرهم.

وعن اقترابه من الأسطورة، قال إنه يجد فيها وسيلة لإعادة النظر في أشياء قد يحجب الاعتياد غرابتها وقسوتها، موضحاً أن «نقل العلاقات المعروفة إلى عالم يتعذر تحديد زمنه يتيح تأملها من مسافة مختلفة».

وأضاف أنه أراد للقرية أن تحتفظ بملامح مكان يمكن تصديقه، من دون أن تُحصر حكايتها في بيئة مغلقة على ذاتها. وبعد معاينات طويلة، وجد في مدينة «البرلس» ما يستجيب لهذا التصور، إذ اجتمعت واقعية المكان مع إحساسه بأنه قابل للانتماء إلى أزمنة متعددة. وأشار إلى أن التصوير استغرق يومين، إلى جانب يوم ثالث لتصوير مشاهد مدينة الملاهي، التي بُني ديكورها خصيصاً للفيلم.

وقال شاهين إن هدوء العالم المحيط بالشخصيات يتصل بتصوره للكارثة، موضحاً أن تكرار مشاهدة صور الدمار قد يحولها إلى جزء من الحياة اليومية، ويضعف الإحساس بحجم المعاناة التي يعيشها أصحابها. ولهذا، بحث عن نهاية يُدرك أثرها من خلال ما تتركه في البشر، من استسلامهم وتبدل علاقاتهم وتضاؤل قدرتهم على الاختيار، فيما تظل السماء والبحر والبيت على هدوئها المعتاد، كأن شيئاً لا يحدث، رغم ما تعيشه الشخصيات من خوف وانهيار.


دراسة مقلقة: 77 % من الطيارين يغفون خلال الرحلات الجوية

الإرهاق يُعد أحد العوامل الرئيسية وراء حدوث هذه النوبات خلال الطيران (بيكسلز)
الإرهاق يُعد أحد العوامل الرئيسية وراء حدوث هذه النوبات خلال الطيران (بيكسلز)
TT

دراسة مقلقة: 77 % من الطيارين يغفون خلال الرحلات الجوية

الإرهاق يُعد أحد العوامل الرئيسية وراء حدوث هذه النوبات خلال الطيران (بيكسلز)
الإرهاق يُعد أحد العوامل الرئيسية وراء حدوث هذه النوبات خلال الطيران (بيكسلز)

كشف تقرير حديث عن أرقام مقلقة تتعلق بسلامة الطيران، بعدما أظهر أن نسبة كبيرة من الطيارين تعرضوا لنوبات نوم قصيرة خلال وجودهم في قمرة القيادة.

ووفقاً للرابطة الأوروبية لقمرات القيادة (ECA)، فإن أكثر من ثلاثة من كل أربعة طيارين غلبهم النوم في أثناء تشغيل الطائرات، حسبما نقلت صحيفة «نيويورك بوست».

وأظهرت الدراسة، التي صدرت هذا الأسبوع وشملت 7200 طيار، أن 76.8 في المائة من المشاركين تعرضوا للنعاس وغفوا في مقاعد القيادة مرة واحدة على الأقل خلال الأسابيع الأربعة السابقة للاستطلاع.

ووصف التقرير هذه الحالات بأنها «نوبات نوم خاطفة» (Microsleeps)، وهي، حسب تعريف «المؤسسة الوطنية للنوم» (National Sleep Foundation)، نوبات نوم قصيرة ولا إرادية تستمر لبضع ثوانٍ، وقد لا يدرك الشخص أنه غفا خلالها، مما يشكل خطراً كبيراً على سلامة من يقودون المركبات أو الطائرات.

وفي بعض الحالات، قد يبدو الشخص الذي يتعرض لهذه النوبات مستيقظاً، حتى إن كانت عيناه مفتوحتين، بينما يكون دماغه قد توقف مؤقتاً عن معالجة المعلومات.

وتوضح «المؤسسة الوطنية للنوم» أن نوبات النوم الخاطفة تُعد من الأعراض الشائعة للحرمان من النوم.

ويُعد الإرهاق أحد العوامل الرئيسية وراء حدوث هذه النوبات في أثناء الطيران، إذ أفاد 38.8 في المائة من الطيارين بأنهم لا يحصلون عادةً، أو لا يحصلون مطلقاً، على قسط كافٍ من الراحة، مما يؤدي إلى تراكم الإرهاق لديهم.

ولا تزال ثقافة الصمت وتحمل التعب رغم مخاطره سائدة داخل قمرات القيادة، إذ أظهرت النتائج أن 37.2 في المائة فقط من الطيارين يبلغون عن عدم قدرتهم على الطيران بسبب الإرهاق.

في المقابل، أقر 24.2 في المائة بأنهم لا يُبلغون عن شعورهم بالإرهاق، ويواصلون الطيران رغم التعب، بسبب خشيتهم التعرض لعقوبات أو ردود فعل سلبية من الإدارة.

وسلَّطت الدراسة الضوء أيضاً على مخاوف تتعلق بما تُعرف بـ«السلطة التقديرية لقائد الطائرة» (Commander’s Discretion)، وهي صلاحية ينص عليها القانون وتتيح لقائد الطائرة تمديد فترة واجب الطيران (Flight Duty Period)، أو تقليص مدة الراحة المطلوبة.

وأفاد 38.3 في المائة من المشاركين بأنهم لجأوا إلى استخدام هذه الصلاحية مرة واحدة على الأقل خلال الشهر الماضي، فيما ذكر 15.2 في المائة أنهم استخدموها مرتين أو أكثر.

كما أعرب نحو 69.1 في المائة من الطيارين عن قلقهم من مواجهة عواقب سلبية إذا رفضوا تمديد ساعات العمل.

وقال الكابتن كوين جورج، عضو مجلس إدارة جمعية الطيارين الأوروبيين، في بيان: «عندما يخشى الطيارون عواقب مهنية، لا يتم الإبلاغ عن الإرهاق، ويعود الخطر إلى قمرة القيادة. يجب على شركات الطيران والسلطات ضمان الإبلاغ غير العقابي والاستخدام السليم للصلاحيات التقديرية لقائد الطائرة».

وأشار جورج أيضاً إلى أن بعض شركات الطيران تمارس ضغوطاً على أطقم الطائرات لتمديد ساعات العمل وتعويض التأخيرات، بل وتعاقبهم في حال رفضوا تمديد فترات عملهم.

وأضاف: «لقد نبهنا سلطات الطيران مرات عديدة إلى هذه الضغوط، التي تضر بوضوح بهوامش السلامة لدينا، لكننا ما زلنا ننتظر اتخاذ إجراءات فعالة لوقفها».