ساحة جامع الفنا في مراكش تستعيد حيويتها بعد «زلزال الحوز»

«الشرق الأوسط» ترصد جوانب من ديناميتها ليلاً

«ساحة جامع الفنا» في مراكش (الشرق الأوسط)
«ساحة جامع الفنا» في مراكش (الشرق الأوسط)
TT

ساحة جامع الفنا في مراكش تستعيد حيويتها بعد «زلزال الحوز»

«ساحة جامع الفنا» في مراكش (الشرق الأوسط)
«ساحة جامع الفنا» في مراكش (الشرق الأوسط)

بعد مرور أسبوعين على زلزال الحوز، الذي خلّف أضراراً بشرية ومادية كبيرة على مستوى ستة أقاليم في المغرب، يمكن القول إن «ساحة جامع الفنا» بمراكش استعادت كثيراً من نشاطها السياحي المعتاد.

وتعد الساحة القلب النابض لمراكش، على المستوى السياحي. وهي مؤشر تقاس عليه أحوال المدينة، من حيث مستوى جاذبيتها وواقع الإقبال عليها؛ فكلّما زاد الصخب فيها، ودبت الحركة في أوصالها، وأقبل الزائرون على مطاعمها والأسواق والمقاهي المحيطة بها، كان ذلك مؤشراً على درجة الانتعاش السياحي، الذي تعيش على إيقاعه هذه المدينة، التي يعدّ القطاع السياحي أحد محركات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فيها، إلى درجة أن دراسات عديدة أكدت أنّها لا يمكن أن تعيش من دون سياحة.

تعد الساحة القلب النابض لمراكش على المستوى السياحي (الشرق الأوسط)

كسكس أم طاجين؟

هكذا سأل عبد الله سائحَين قصدا مطعمه في ساحة جامع الفنا. وحرص على أن يغلّف سؤاله بابتسامة تمنح السائحَين كل شروط الضيافة والانشراح والأمان النفسي.

قال عبد الله، لـ«الشرق الأوسط»، جواباً على سؤال كيف كانت درجة الإقبال على ساحة جامع الفنا ومطاعمها الشعبية، بعد كارثة الزلزال: «من الطبيعي أن تخفّ درجة إقبال الزائرين والنشاط السياحي في الأيام الأولى للكارثة». واستدرك قائلاً إن الأمور سرعان ما بدأت تعود إلى طبيعتها، بعد أن بدا كما لو أن الجميع اختار أن يترك خلفه صدمة الزلزال، الذي هو حدثٌ طبيعي لا راد لقدره، ويمكن أن يحدث في أي مكان من العالم.

غير بعيد عن المطاعم الشعبية، كان هناك مروضو قردة وثعابين. من عادتهم أن يحثوا زائري الساحة على أخذ صور مع قرد أو ثعبان، بمقابل.

وقال أنور لـ«الشرق الأوسط»، وهو يلاعب قردين صغيرين، إن الأمور بدأت تعود إلى طبيعتها بشكل تدريجي، مشدداً على أنه لاحظ أن النشاط لم يتأخر بالعودة إلى الساحة بعد كارثة الزلزال، مشيراً إلى أن إقبال السائحين عليها لم يتراجع كثيراً، وأن الأيام المقبلة ستكون أفضل.

ساحة جامع الفنا ليلاً (الشرق الأوسط)

فكاهة وضحك ومقاهٍ

في الجهة الأخرى من الساحة، في اتجاه «كلوب ميد» وصومعة «الكتبية»، كان الفكاهي «المْسيح» قد شكل حلقته، التي غصت بمغاربة جاءوا لاقتناص لحظات من الفكاهة والضحك.

لزائري ساحة جامع الفنا اختيارات عديدة، تحملهم على زيارتها. منهم من يقصدها للاستمتاع بجوّها، انطلاقاً من أسطح المقاهي المحيطة بها، خصوصاً «فرنسا» و«غلاسي» و«أركانة». وهناك من يقصدها للتسوق من «السمارين» و«ممر البرانس»، أو للأكل والشرب والفرجة.

على سطح مقهى «غلاسي» حرص سائحون يتكلمون بخليط من اللغات، على أن يلتقطوا صوراً توثق مشهد غروب الشمس، الذي كان يلقي بظلاله، وقتها، على ساحة جامع الفنا. كان مشهداً ساحراً، جمع بين الموسيقى وصراخ الباعة وهدير الدراجات النارية، فيما تخلله الدخان المنبعث من المطاعم الشعبية، وزيّنته الأضواء والألوان التي تقترحها العربات والمطاعم، بمأكولاتها ومشروباتها.

«مشهد رائع»، هكذا خاطبت سائحة إيطالية صاحبها وهي تلتقط صوراً بانورامية لساحة جامع الفنا. لم يجد رفيقها إلا أن يوافقها الرأي وهو يرسم على وجهه ابتسامة انشراح.

«ساحة جامع الفنا» تستعيد كثيراً من نشاطها السياحي (الشرق الأوسط)

سياحة في أحسن حال

في مراكش، كلما غصت ساحة جامع الفنا بزوارها تأكد للمهتمين والمتتبعين والمسؤولين أن الوضع السياحي بالمدينة في أحسن حال، سواء تعلق بأعداد السائحين الوافدين، أو ليالي المبيت بالمؤسسات الإيوائية السياحية، وغيرها، أو بالدينامية الاقتصادية التي تشمل المدينة ككل.

جرت العادة أن يسارع المسؤولون إلى البحث عن حلول للأزمات التي يمكن أن تعصف بالقطاع السياحي في المدينة، كلما استدعى الأمر ذلك. يعرفون أن كل أزمة تضرب القطاع سيكون لها تأثير سلبي، سريع ومباشر، على المدينة بأكملها.

دينامية ملحوظة تعرفها ساحة جامع الفنا أياماً بعد زلزال الحوز (الشرق الأوسط)

تحتفظ ذاكرة المراكشيين، خصوصاً من يشتغل منهم بشكل مباشر في القطاع السياحي، بعدد من الأزمات التي مرّت بمدينتهم. يذكرون، بشكل خاص، تلك التي تمخضت عن حادث فندق أسني في 1994، وحرب الخليج، وتفجير مقهى أركانة في 2011، فضلاً عن أزمة «كورونا»، التي أفرغت الساحة من زوارها لأشهر، بفعل التدابير والإجراءات التي اتُخذت عالمياً ومحلياً للحد من تفشي الجائحة.

ونظراً لخصوصية القطاع السياحي، بوصفه واحداً من أكثر القطاعات حساسية وتأثراً بالظروف السياسية والاقتصادية والمناخية والصحية، الشيء الذي ينعكس بشكل سلبي على الوضعية الاقتصادية والاجتماعية لفئات عريضة من المراكشيين، التي تشكل السياحة مصدر دخلها الوحيد، فقد دأب المسؤولون المغاربة باستمرار، على اتخاذ إجراءات لمواجهة كل مستجد، محلياً ووطنياً. لذلك كان عادياً أن تقوم فاطمة الزهراء عمور، وزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، مؤخراً، بزيارة تفقدية لمراكش وإقليم الحوز للاطلاع على النشاط السياحي وتقييم وضعية المؤسسات والمواقع السياحية التي تضررت جرَّاء الزلزال، بشكل يمنح الثقة للفاعلين في القطاع وطمأنة الشركاء والسائحين فيما يخص الوضع المستقر في المدينة بشكل خاص، والمناطق المتضررة من الزلزال بشكل عام.

وأكدت الوزيرة فاطمة الزهراء عمور، خلال زيارتها، أنَّ العديد من مؤسسات الإيواء السياحي أبانت عن صمود ومرونة كبيرين في مواجهة الزلزال، مشيرة إلى أن بعضها تعرض لأضرار تتطلب إصلاحات.

سائحون يتناولون وجبة العشاء في مطاعم جامع الفنا (الشرق الأوسط)

والتقت فاطمة الزهراء عمور، خلال وجودها في الحوز، ببعض السكان ومهنيي المنطقة، للاطلاع على أوضاعهم وتبادل الحديث في احتياجاتهم من حيث التشغيل، لا سيما في قطاعات السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، التي لها وقع ملموس على هذه المنطقة. كما زارت المدينة العتيقة في مراكش، التي شملت مجموعة من المواقع السياحية كساحة جامع الفنا، وسوق السمارين، ورحبة العطارين. وأكدت أن النشاط السياحي فيها استعاد وتيرته العادية، مؤكّدة ذلك من خلال جولتها في المدينة العتيقة التي ما زالت تستقطب السائحين بفضل جاذبيتها القوية، مضيفة أن هناك بالتأكيد بعض الأضرار التي لحقت بالمدينة، إلا أنه تم التكفل بها بسرعة.


مقالات ذات صلة

السياحة العالمية تسجل مستوى قياسياً جديداً في 2025

الاقتصاد شعار منظمة الأمم المتحدة للسياحة (المنظمة)

السياحة العالمية تسجل مستوى قياسياً جديداً في 2025

سجلت السياحة العالمية مستوى قياسياً جديداً خلال عام 2025، مع وصول عدد السياح الدوليين إلى 1.52 مليار حول العالم، مدفوعاً بزيادات قوية في آسيا وأفريقيا.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
الاقتصاد شعار المنتدى الاقتصادي العالمي في مكان انعقاده بدافوس السويسرية (رويترز)

السعودية في دافوس... مشاركة مرتقبة في نقاشات الاقتصاد العالمي والتحولات الجيوسياسية

يستعد الوفد السعودي للمشاركة في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي 2026 من خلال حضور واسع في عدد من الجلسات الحوارية.

«الشرق الأوسط» (دافوس)
يوميات الشرق ويل سميث خلال زيارته الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)

مصر لاستثمار زيارات المشاهير في الترويج لمعالمها الأثرية

جددت زيارة اثنين من المشاهير للمناطق الأثرية بمصر، هما النجم العالمي ويل سميث وصانع المحتوى سبيد، الحديث عن استثمار هذه الزيارات.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق الهيئة العامة للرعاية الصحية في مصر تطلق منصات للسياحة العلاجية (صفحة الهيئة على «فيسبوك»)

خطة مصرية للمنافسة دولياً في «السياحة العلاجية»

أعلنت الهيئة العامة للرعاية الصحية في مصر انطلاق منصات مشروع السياحة العلاجية، ضمن خطتها للمنافسة إقليمياً ودولياً في مجال السياحة العلاجية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق  العاصمة المصرية القاهرة تزخر بالمقومات الحضرية والسياحية (الهيئة العامة لتنشيط السياحة)

«القاهرة» الأكثر جاذبية في أفريقيا عام 2025... ما الأسباب؟

«هنا القاهرة الساحرة الآسِرة الهادرة الساهرة... هنا القاهرة الزاهرة العاطرة الشاعرة النيّرة» كلمات الشاعر المصري الراحل سيد حجاب تعبر عن روح القاهرة.

محمد عجم (القاهرة )

وداعاً «كلود»... سان فرانسيسكو تحزن على تمساحها الأبيض المحبوب

التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
TT

وداعاً «كلود»... سان فرانسيسكو تحزن على تمساحها الأبيض المحبوب

التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)

لم يكن «كلود» كثير الكلام، وكان بالكاد يتحرّك، ولم يرتدِ قط أزياء لإغراء جمهوره، لكن يوم الأحد تجمّع المئات في سان فرانسيسكو للاحتفال بحياة التمساح الأبيض المحبوب في المدينة وإرثه.

وبوجود فرقة نحاسية على طراز نيو أورلينز، وخبز أبيض مُنكَّه بطول 8 أقدام على شكل تمساح، وجلسة حكايات قدّمها مؤدّو «دراغ كوين»، وحتى شارع يحمل اسمه رسمياً «كلود ذا أليغاتور واي»، جاء هذا التكريم فريداً من نوعه، وفق «بي بي سي».

من المؤكّد أن هذا الزاحف فاز بمحبة ملايين القلوب عندما كان على قيد الحياة، لكنه اشتهر أيضاً بحادثة سرق فيها حذاء باليه لفتاة تبلغ 12 عاماً.

يتذكّر بارت شيبرد، من أكاديمية كاليفورنيا للعلوم التي كانت موطن «كلود» لمدة 17 عاماً قبل نفوقه في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أنّ التمساح الأبيض، البالغ طوله 10 أقدام ويزن 300 رطل، وله عيون وردية وبصر ضعيف، سرق ذات مرة حذاء الباليه الخاص بالفتاة ثم التهمه.

قال شيبرد لجمهور من معجبي «كلود» في «غولدن غيت بارك»: «إن استخراج حذاء من تمساح ليس بالأمر اليسير».

استلزم الأمر كثيراً من التخدير، وأدوات متخصّصة، وعدداً من الأطباء البيطريين والموظفين لاستخراج الحذاء من داخل «كلود»، وهي مهمّة أُنجزت بنجاح، رغم انطلاق إنذار الحريق في جميع أنحاء المبنى خلال ذلك الوقت، وفق شيبرد.

من جهتها، قالت مديرة الاتصالات في الأكاديمية جانيت بيتش: «كان من المشجّع حقاً رؤية سان فرانسيسكو تخرج للاحتفال بهذه الأيقونة المحبوبة في أرجاء المدينة كافّة».

وأضافت أنّ أحد أسباب محبة الناس لـ«كلود» هو أنه «يجسّد ما نعدّه مثالاً حقيقياً لسان فرانسيسكو، وهو ليس فقط قبول الناس على اختلافاتهم، وإنما الترحيب بهم».

وأوضحت أنّ البهاق الذي كان يعانيه «كلود»، وهو أمر نادر جداً في التماسيح، منح رؤية واضحة للأشخاص الذين يشعرون بأنهم منبوذون بعض الشيء.

ثم قالت: «ها هو هذا الحيوان الرائع الذي يختلف بعض الشيء عن بقية أفراد جنسه، لكنه محبوب ومقدَّر وله قيمة».

وكتبت الأكاديمية على موقعها الإلكتروني أن «كلود» قد «أسعد وألهم قلوب أكثر من 22 مليون زائر، وأظهر لنا قوة الحيوانات السفيرة في ربط الناس بالطبيعة والعلوم».

وكان هذا الزاحف الذي نفق بسبب سرطان الكبد عن 30 عاماً، قد وُلد عام 1995 في مزرعة تماسيح في لويزيانا، قبل أن يأتي للعيش في معرض المستنقعات التابع للأكاديمية عام 2008.

ومنذ نفوقه، تلقّت الأكاديمية آلاف الرسائل من معجبي «كلود»، يكتبون فيها عن مدى أهمية هذا التمساح بالنسبة إليهم.

كتب أحد زوار كلود في رسالة: «شكراً لك على إلهامك لعدد من الصغار على مرّ السنوات. لقد ذكّرتنا بأن اختلافاتنا هي ما تجعلنا فريدين ومميّزين، وأنها شيء يستحق الاحتفاء به».

وكتب آخر: «ستبقى في قلبي إلى الأبد. سأفتقدك كثيراً وأشكرك على كونك جزءاً من طفولتي».

بدورها، قالت الطبيبة البيطرية الرئيسية في الأكاديمية، لانا كرول، إنّ «كلود» كان «الأكثر هدوءاً» من بين جميع التماسيح التي عملت معها.

وختمت: «أستطيع القول بثقة إنني لن ألتقي تمساحاً آخر مثل (كلود) في حياتي. سأفتقده بشدة».


لماذا نتهرَّب من أداء المَهمَّات الصعبة؟

الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
TT

لماذا نتهرَّب من أداء المَهمَّات الصعبة؟

الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)

لا يحبّذ أحد أن يفعل الأشياء أو المَهمّات التي لا تروق له. فكثيرون منا يحاولون تأجيل أداء المَهمّات الثقيلة على النفس، مثل تنفيذ تكليف صعب في إطار الوظيفة، أو بذل مجهود بدني شاق، أو خوض مناقشة مضنية. ولعلّ السبب الذي يدفعنا إلى التسويف عندما نجابه هذه النوعية من المَهمّات لا يتعلّق –فحسب- بافتقار العزيمة أو الإرادة الحقيقية للتحرُّك، وإنما ثمة أسباب علمية يمكن تفسيرها في إطار علوم الطبيعة المعنيّة بدراسة الجهاز العصبي للجسم.

ويرى العلماء أنّ الحافز هو القوّة التي تحرّك الكائنات الحيّة للإتيان بسلوكيات معيّنة لتحقيق أهداف تصبّ في مصلحتها. وفي الحياة اليومية، تتأثّر هذه السلوكيات بمؤثّرات أخرى قويّة، مثل الشعور بالنفور من عمل ما.

ورغم أنّ النظريات الكلاسيكية في مجال علم النفس تؤكّد أهمية «الهدف» في تعزيز الحافز لدى الإنسان، فإنّ بحوثاً حديثة تعتمد على نماذج حسابية ترى أنّ التحرك للإتيان بسلوك بعينه يتأثّر بآليات أخرى بعيدة عن قيمة الهدف في ذاته، ولا سيما في المواقف السلبية التي قد يترتّب عليها أن يتكبّد الشخص تكلفة إضافية نظير هذا السلوك، مثل المجهود الزائد، سواءً أكان عضلياً أم ذهنياً أم نفسياً، وهو ما قد يدفعه إلى التأجيل أو التسويف أو التأخّر في تنفيذ المهمة المطلوبة منه.

وفي إطار دراسة نقلتها «وكالة الأنباء الألمانية» عن الدورية العلمية «البيولوجيا المعاصرة»، المعنيّة بالبحوث العلمية في مجال الأحياء، توصّل فريق بحثي ياباني إلى وجود دائرة عصبية في أمخاخ قرود المكاك تؤدّي دور «مكابح التحفيز»، وأنّ هذا الاكتشاف قد يضيء على الأسباب التي تدفع البعض إلى التردّد قبل اتخاذ قرارات معيّنة.

ويقول الباحث كين إيشي أميموري -وهو أستاذ مساعد في معهد البحوث المتقدّمة في مجال بيولوجيا الإنسان، التابع لجامعة كيوتو اليابانية، وأحد المشاركين في الدراسة- في تصريحات نقلها موقع علمي: «استطعنا الربط بين مسار عصبي معيّن داخل المخ وبين تقييد التحفيز لدى البشر، عندما يواجهون مَهمّات لا يفضّلون القيام بها في الحياة اليومية».

وخلال الدراسة، كان الباحثون يكلّفون القرود بأداء مَهمّات معيّنة، مع إعطائها مكافآت في حال إنجاز العمل، إلى جانب توجيه نفثة مزعجة من الهواء إلى وجوهها. ولاحظ الفريق البحثي أنّ القرود تستغرق وقتاً أطول في أداء المَهمّات التي يترتّب عليها التعرّض لنفثة الهواء. وأُجريت سلسلة التجارب في أماكن معزولة صوتياً ومظلمة، لتقليل تأثير الضوضاء الخارجية والمؤثّرات البصرية في النتائج. ودرَّب الباحثون القرود على إمعان النظر في مكعّبات تظهر في منتصف شاشة، وكلّما زادت مدّة نظر القرود إلى الأشكال التي تظهر على الشاشة، والتي تختلف من تجربة إلى أخرى، ازداد حجم المكافأة التي تحصل عليها. وبعد حصول القرد على المكافأة التي تتباين ما بين الماء ومشروبات رياضية محلَّاة، كانت تُوجَّه نفثة من الهواء إلى وجه القرد وفق قراراته خلال التجربة. وفي المرّات التي كان يمتنع فيها عن خوض التجربة، كان الباحثون يحرصون على إعطائه مكافأة أقلّ قيمة، حتى لا يفقد اهتمامه بالمشاركة من الأساس.

وعن طريق علوم الكيمياء الوراثية، استخدم الباحثون مواد دوائية معيّنة للتحكّم في خلايا محدّدة في أمخاخ القرود، من أجل كبح المسارات العصبية التي تربط بين جزأين من المخ، وهما «المخطّط البطني» و«الجسم البطني الشاحب»، وكلاهما يقع في منطقة العقد القاعدية بالدماغ، ويلعب دوراً رئيسياً في آليات التحفيز والمكافآت لدى الحيوانات التي تنتمي إلى عائلة الرئيسيات.

وتوصَّل الباحثون -بعد دراسات تشريحية على المخ- إلى أنّ المخطّط البطني يبعث بإشارات عصبية ترتبط بآليات الحافز والمكافأة إلى الجسم البطني الشاحب، وأنّ التدخّل في المسارات العصبية بين الجزأين يترتّب عليه تغيّرات سلوكية تتعلّق بفتور أو تعزيز الإرادة نحو القيام بمَهمّات معيّنة.

واختبر الباحثون في إطار التجربة ما إذا كان من الممكن وقف الشعور بالنفور أو الرغبة في التسويف تجاه عمل ما، عن طريق تعطيل هذا المسار العصبي. ونجحوا -باستخدام أدوية بعينها- في تعطيل تلك الإشارات العصبية خلال تكليف القرود بأداء مَهمّات معيّنة لا ترغب في تنفيذها. ووجدوا أنه في حال تعطيل عمل الدائرة العصبية، تُبدي القرود تردّداً أقلّ في أداء المَهمّات المطلوبة منها، بما في ذلك التي يترتّب عليها التعرّض لنفثة هواء مزعجة. وبمعنى آخر، نجح الفريق البحثي في تعطيل تلك المكابح التي تؤثّر في التحفيز لدى الحيوانات.

ويقول الباحث أميموري: «نأمل أن تسهم هذه الدراسة في تعزيز فهمنا لمفهوم الحافز، في المجتمعات العصرية التي تنطوي على صعوبات». ويأمل الفريق البحثي أن تساعد هذه النتائج يوماً ما في ابتكار أدوية لبعض المشكلات النفسية والعقلية المرتبطة بالتحفيز، مثل الاكتئاب والفصام. ويرى أميموري ضرورة التعامل بحذر مع آليات التدخّل التي تستهدف إضعاف «مكابح التحفيز»؛ لأن هذا التدخّل قد يأتي بنتائج عكسية، مثل دفع الشخص إلى الاتجاه المعاكس، وتحفيزه على القيام بأفعال غير آمنة تنطوي على خطورة.


«فاجعة بنها» تجدد مطالبات مصرية بالتصدي لحوادث تسرب الغاز

جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
TT

«فاجعة بنها» تجدد مطالبات مصرية بالتصدي لحوادث تسرب الغاز

جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)

جددت فاجعة وفاة 5 أشقاء نتيجة انفجار سخان الغاز وحدوث تسريب بمنزل في إحدى قرى مدينة بنها (شمال القاهرة)، الحديث عن ضرورة التصدي لحوادث تسرب الغاز، في وقت شُيّع فيه الأشقاء الخمسة في جنازة حاشدة، الأحد، بعد تصريح النيابة بدفن الجثامين عقب الانتهاء من التحقيقات في الواقعة.

وحظيت عائلة الأشقاء الخمسة بتعاطف كبير بعد وقت قصير من الإعلان عن الحادث الذي عرف إعلامياً بـ«فاجعة بنها»، بعدما انفجر سخان الغاز خلال استحمام إحدى الفتيات بالمنزل وانفجار السخان بها، بينما توفي باقي الأشقاء نتيجة الاختناق بالغاز.

الأشقاء الذين يقيمون في الشقة بمفردهم لسفر والدَيهم للعمل بالخارج، تتراوح أعمارهم بين 8 و15 عاماً فيما كانت ترعاهم خالتهم المقيمة بالعقار نفسه، والتي أبلغت عن الحادث وتعرضت للاختناق ونقلت للمستشفى لتلقي العلاج.

وهذه ليست الواقعة الأولى التي يؤدي فيها انفجار الغاز بالمنازل لوفيات وإصابات، فسبق أن انهار عقار في منطقة إمبابة بالجيزة الشهر الماضي، بعد انفجار غاز، مما أدى لوفاة شخص وسقوط 3 مصابين آخرين، بينما توفي شقيقان الأسبوع الماضي، بعد تسرب الغاز داخل المنزل خلال نومهما بمنطقة أبو النمرس، فيما توفي شخصان آخران بعدها بساعات قليلة نتيجة تسرب غاز في المنزل بمنطقة العمرانية بالجيزة أيضاً.

سخانات مياه تعمل بالغاز تسببت في حدوث فواجع بمصر (الشرق الأوسط)

وأطلقت «الشركة القابضة للغازات الطبيعية» المسؤولة بشكل أساسي عن توصيل الغاز الطبيعي في الجزء الأكبر من المنازل الشهر الماضي، حملة إرشادية متضمنة إرشادات لتجنب عمليات التسريب، مع التأكيد على أن مواسير شبكات الغاز الطبيعي المنفذة من جانب الشركات المختلفة، تطابق اشتراطات الأمان والمواصفات القياسية، بما يجعلها تتحمل ضغوط تشغيلية كبيرة.

وحذرت الحملة التي تضمنت فيديوهات ومنشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من العبث أو التعديل في المواسير بالاستعانة بأشخاص غير مؤهلين، بالإضافة إلى ترك الموقد وشعلة الغاز سهواً مفتوحين دون اشتعال، مؤكدة أن التسريب ينتج عنه تجمع خليط من الهواء مع الغاز في المكان، وإذ وجدت شرارة أو مصدر اشتعال تحدث موجة انفجارية لحظية تختلف شدتها حسب كمية الغاز المسرب.

آثار انفجار الغاز على المنازل المحيطة بالمنزل المنهار في إمبابة - محافظة الجيزة

وطالب عضو مجلس النواب (البرلمان) عمرو درويش عبر حسابه على «إكس»، شركات الغاز، بتركيب «جهاز ذاتي الغلق نتيجة استشعار خطورة تسرب الغاز»، مؤكداً اعتزامه التقدم بطلب إحاطة لإلزام الوزارات المعنية بتركيب هذه المنظمات عند تركيب العدادات المنزلية والخدمية، للحد من تسرب الغاز سواء في المنازل أو الأماكن العامة، مع تحويل الأمر ليكون بشكل إلزامي.

وأكد خبير الحماية المدنية أيمن سيد الأهل، لـ«الشرق الأوسط»، ضرورة العمل من أجل نشر ثقافة الوعي بالمخاطر، للتعامل مع أخطار حوادث الغاز التي تحدث عادة بسبب غياب منافذ التهوية السليمة، واستخدام وصلات أو قطع غيار غير مطابقة للمواصفات، مشيراً إلى أن هذا الأمر يتطلب إنشاء هيئة وطنية للسلامة تتواصل مع مختلف الجهات وتضع المعايير اللازمة، لضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث.

وأضاف أن احتمالات الوفاة تزيد عند حدوث التسريب أثناء النوم لعدم شعور النائمين بتسريب الغاز، مما يؤدي إلى حدوث عملية استنشاق تزيد من ترجيح حالات الوفاة على خلفية تشديد إغلاق النوافذ، خصوصاً في فصل الشتاء وعدم وجود مجال لخروج الغاز المسرب خارج المنزل.

وأوضح أن لجوء بعض الفنيين لاستخدام وصلات وقطع غير مطابقة للمواصفات لانخفاض سعرها، أحد أسباب المشكلة بشكل أساسي، معتبراً أن التساهل لتوفير مبالغ مالية محدودة قد يؤدي إلى كارثة تودي بحياة عائلات بأكملها.