نتائج الدورة الـ80 من مهرجان فينيسيا أعلنت... فما مستقبل السينما المستقلة من دونه؟

بينها فيلمان عن الهجرة غير المشروعة وآخر سوريالي لمن يحب

«أشياء مسكينة» (مهرجان فينيسيا)
«أشياء مسكينة» (مهرجان فينيسيا)
TT

نتائج الدورة الـ80 من مهرجان فينيسيا أعلنت... فما مستقبل السينما المستقلة من دونه؟

«أشياء مسكينة» (مهرجان فينيسيا)
«أشياء مسكينة» (مهرجان فينيسيا)

الشرق الأوسط في مهرجان فينيسيا

مع إعلان لجنة التحكيم جوائزها في نهاية كل مهرجان كبير، مثل مهرجان فينيسيا الذي أسدل ستاره الرسمي في 9 من الشهر الحالي، يصبح من العبث محاولة فهم كيف تصل لجنة التحكيم لقراراتها. ويشبه ذلك النظر ملياً في جدار عليه كتابة غير مفهومة أو مثل الإمعان في لوحة سريالية تحتاج لصاحبها لكي يكشف عن أسرارها.

ما أثبتته الدورة الـ80 هو أنه من الممكن القيام بدورة كبيرة وناجحة من دون أن تتمتع بنجوم يثبون عليها من كل صوب. النخبة المختارة من الأفلام عوّضت ذلك الجانب، وما بدا أن الدورة ستكون من النوع الذي يترحم فيها الحضور على دورات ماضية - وهذه عادة دائمة لدى البعض بنجوم أو من دونها - فقد انعكس إيجاباً ليس بعدد الحضور فقط، بل على صعيد منح المهرجان فاعلية كبيرة على أساس أنه مهرجان للفن وللمخرجين وليس للممثلين.

هذا الوضع ليس جديداً بل طالما تبلور في السنوات العشرين أو الثلاثين الماضية. الحاصل أن إدارة مهرجان برلين الحالية لا تملك دفتر التليفونات الذي يملكه مهرجانا فينيسيا وكان. و«كان» بدوره منصرف للاحتفاء بنجومه وزبائنه المعتادين من ممثلين ومخرجين. و«فينيسيا»، في المقابل، باب مفتوح على الإبداع بلا شروط مسبقة ولا تقسيم بين ذكور وإناث ولا بين جيل جديد وآخر قديم ولا يهتم بانتماء الأفلام لشركات أوروبية محددة كما الحال في «كان»، الذي يعتمد في الغالب على أفلام، إما منتجة جزئياً أو كلياً من فرنسا أو اشترتها شركات توزيع وتقدّمت للمهرجان الفرنسي بها.

أسماء وجوائز

إعلان مهرجان فينيسيا قائمة الفائزين بجوائز هذه الدورة يواكب حجم الحضور والمشاركة الكبيرة. وبالطبع، لم تكن كل الأفلام متساوية الحسنات، لأن هذا مستحيل ونادر الحدوث، لكن العديد منها كان بديعاً ومتميّزاً. ومن هذا العدد جاءت الجوائز الممنوحة في مكانها الصحيح، باستثناء ما كان يفضله هذا الناقد أو ذاك لأفلام دون أخرى.

صالح بكري (لو فيلم دو نوفو موند)

تألّفت لجنة التحكيم من مجموعة من الأسماء المهمّة في عالم اليوم، قادها المخرج الأميركي داميان شازيل «لا لا لاند» وشارك فيها الممثل الفلسطيني صالح بكري والمخرجة النيوزيلندية جاين كامبيون «قوّة كلب» والمخرجة التسجيلية لورا بويتراس «سيتيزِن فور» والمخرج الآيرلندي مارتن مكدونا «أشباح إنيشرين» والمخرج الأرجنتيني سانتياغو متري «أرجنتينا 1985» والإيطالي غبريال مانتي «خليج النمور».

وكل هؤلاء المخرجين، باستثناء مانتي، كانت لهم جولات عدّة مع الأوسكار، مما يشي أن الرغبة في هذا المجال هي تشييد سياج حول المناسبة الأميركية مقرها مهرجان فينيسيا من باب تعزيز الصلة بين المناسبتين.

خارج الأوسكارات هناك سجل حافل من النجاحات للبعض: جاين كامبيون خرجت بأول سعفة ذهبية تنالها مخرجة في مهرجان «كان» عن «البيانو» سنة 1993، ورئيس لجنة التحكيم داميان شازيل كان قد نال الأسد الذهبي في فينيسيا عن «لا لا لاند» في 2016، والمخرجة التسجيلية لورا بيوتراس حصدت جائزة أفضل فيلم روائي في العام الماضي عن فيلمها «كل الجمال وسفك الدماء».

«الشر ليس موجوداً» (مهرجان فينيسيا)

كيف يمكن والحال هذه أن تأتي النتائج مخيبة للآمال.

‫* الأسد الذهبي لأفضل فيلم: «أشياء مسكينة» (Poor Things) للمخرج اليوناني يورغوس لانتيموس.

هذا الفيلم هو تكملة لمشوار المخرج الخارج عن المألوف بالنسبة لاختياراته من التشكيل الفني المعتمد، إلى حدٍ كبير، على غرابة المعالجة وسريالية المواقف.

* جائزة لجنة التحكيم الكبرى، نالها «الشر ليس موجوداً» (Evil Does Not Exist) للياباني ريوسوكي هاماغوتشي. هذا الفيلم دراما تمتاز بتلك العناصر التي تؤلف للأفلام اليابانية جمالياتها. مشروع بناء سيضر بصفاء النهر الذي يمر بالقرية.

* جائزة أفضل مخرج ذهبت إلى الإيطالي ماتيو غاروني عن «أنا كابتن»، أحد فيلمين شوهدا حول موضوع الهجرة غير الشرعية.

* جائزة لجنة التحكيم الخاصة نالتها البولندية أنغييشكا هولاند عن «حدود خضراء» الرائع حول الهجرة غير الشرعية الذي يتعمّق في وضع المهاجرين ووضع شرطة الحدود. وعيّنت المخرجة محاميين لرفع دعوى قضائية ضد وزير العدل البولندي زبنييف جيوبرو، الذي وصف فيلمها بـ «ببروباغاندا (دعاية) نازية».

* جائزة أفضل ممثل حصدها الأميركي بيتر سارسغارد عن الفيلم الجيد «ذاكرة» لمارتن كامبل.

* جائزة أفضل ممثلة نالتها كايلي سبايني عن دورها في «بريسيليا» لصوفيا كوبولا.

* جائزة أفضل ممثل جديد ذهبت إلى السنغالي سيدو سار عن دوره في «أنا كابتن».

بهذه النتيجة، وبنتائج لجوائز أخرى رسمية وغير رسمية، انتهت دورة مشعّة وحافلة أنجزها المدير العام ألبرتو باربيرا، الذي بزّ معظم، إن لم يكن كل، المدراء العامين السابقين للمهرجان، في تفعيل وتنشيط مهرجان دؤوب على عرض الأفضل.

«فينيسيا» يؤكد موقع قدم متساو مع «كان»، وكلاهما جوهر دعم السينما العالمية المستقلّة عن الإنتاج السائد.

يتساءل هذا الناقد وهو يتابع غروب الشمس فوق صفحة مياه جزيرة ليدو حيث يُقام المهرجان، عن أي واقع ستكون السينما المختلفة عن السائد عليه في زمن يرمي بثقله على كل إبداع ومبدع لولا هذين المهرجانين تحديداً.


مقالات ذات صلة

فيلم جديد من بطولة جاك رايان ومغامراته السياسية

يوميات الشرق بن أفلك ومورغن فريمن في «مجموع كل المخاوف» (باراماونت)

فيلم جديد من بطولة جاك رايان ومغامراته السياسية

تحوّلت رواية «The Hunt for Red October» إلى فيلم ناجح بعد 6 سنوات، مما شجَّع على اقتباس أعمال أخرى لتوم كلانسي.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق جانب من اجتماع وزيرة الثقافة مع صناع السينما (وزارة الثقافة)

مصر لدعم صناعة السينما بتسهيل التصوير في المواقع السياحية والتراثية

تسعى مصر لدعم صناعة السينما من خلال تيسير إجراءات التصوير أمام صُنّاع الأفلام في المحافظات والمواقع السياحية والتراثية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
سينما من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)

«مايكل» يستعيد «ملك البوب»... ويترك الجمهور في منتصف الحكاية

قبل دقائق من بدء العرض، تمتلئ صالة السينما تدريجياً، وتختفي المقاعد الشاغرة واحداً تلو الآخر، فيما يتردد اسم مايكل جاكسون في أحاديث جانبية بين الحضور...

إيمان الخطاف (الدمام (شرق السعودية))
يوميات الشرق الممثلة الأميركية زيندايا تخوض تجربة سينمائية لافتة في «The Drama» (أ.ب)

زيندايا... من نجمة «ديزني» المراهقة إلى صاحبة الأدوار الصعبة والشخصيات المعقّدة

لم يخطر ببال والدَي زيندايا أنّ ابنتهما ستصير ما هي عليه حالياً. في مدرستها في كاليفورنيا، كانت خجولة ومتحفظة. أما اليوم فهي نجمة على الشاشتين الصغيرة والكبيرة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الفنانة إلهام شاهين تتسلم تكريمها في افتتاح مهرجان عنابة (إدارة المهرجان)

«عنابة للفيلم المتوسطي» يحتفي بالسينما المصرية

يحتفي مهرجان «عنابة للفيلم المتوسطي» الجزائري بالسينما المصرية التي اختارها ضيفة شرف دورته الـ6.

انتصار دردير (القاهرة)

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.