«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا قبل ساعات من إعلان الجوائز

أفلام الهجرة نحو الأحلام الكبيرة بينها «الأوسكار»

لقطة من فيلم الهجرة «أنا كابتن» المُنتَظر أن يستوقف موضوعه لجنة التحكيم (مهرجان فينيسيا)
لقطة من فيلم الهجرة «أنا كابتن» المُنتَظر أن يستوقف موضوعه لجنة التحكيم (مهرجان فينيسيا)
TT

«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا قبل ساعات من إعلان الجوائز

لقطة من فيلم الهجرة «أنا كابتن» المُنتَظر أن يستوقف موضوعه لجنة التحكيم (مهرجان فينيسيا)
لقطة من فيلم الهجرة «أنا كابتن» المُنتَظر أن يستوقف موضوعه لجنة التحكيم (مهرجان فينيسيا)

ساعات قليلة تفصل إعلان الدورة الثمانين من «مهرجان فينيسيا السينمائي» عن أسماء الأفلام والسينمائيين الفائزين بجوائز هذا العام. توقّعات النقاد والجمهور المُتداوَلة منذ يومين مثيرة للاهتمام، لكنها مجرّد احتمالات مبنية على حفنة أفلام أعجبت كل فريق، ومن المُحتمل جداً ألا تعجب لجنة التحكيم. وإذا حدث، فليس بمقدار واحد.

قليلة المرات التي يُجمِع فيها النقاد والجمهور ولجان التحكيم في المهرجانات الرئيسية على اختيارات مشتركة. ما يعجب هذا الطرف قد لا يعجب سواه، وغالباً لن يفعل. لذلك، ترخي النتائج إعجاباً متفاوتاً، من الموافقة الكلية إلى الرفض المُطلق. لكن لا شيء يغيّر واقعاً مكرّراً ومعتَمداً وواضح الأسباب.

الجمهور يودّ ما يسرّه، ويودّ النقاد ما كتبوا عنه إيجاباً، ولجنة التحكيم (بإدارة المخرج الأميركي داميان شازيل هذه المرة) لا تكترث عادة بما يرشّح الطرفان، متّخذة قراراتها بمنأى عن الجميع، وتتحمّل نتائجها تبعاً لذلك.

هجرة أولى

المؤكد أنّ المهرجان الإيطالي العريق الذي يحتفل هذا العام بميلاده الثمانين بات منصة انطلاق الأفلام المعروضة (أو بعضها على الأقل) نحو ترشيحات «الأوسكار».

لا ننسى أنه في مطلع هذا العام، انتقلت من فينيسيا إلى «الأوسكار» حفنة لا بأس بها من الأفلام التي فاز بعضها في الاحتفال السنوي الأميركي العتيد. من بينها فيلم أليخاندرو غونزاليز إيناريتو «باردو... مفكرة زائفة عن حفنة الحقائق»، وفيلم تود فيلد «تار»، وفيلم دارن أرونوفسكي «الحوت»، بينما حظي فيلم «أرواح إنيشيرين» لمارتن ماكدونا بـ9 ترشيحات، تلاه «تار» بـ6 ترشيحات، وكلاهما كان مرشّحاً لـ«أوسكارَي» أفضل فيلم وأفضل مخرج.

هذا، رغم أنّ الفيلم الفائز (كل شيء كل مكان في وقت واحد) لم يعرض في أي مهرجان رئيسي، بل شهد العرض الأول له في مهرجان أميركي صغير، هو «ساوث باي نورث وست».

الأفلام الحالية، التي يؤمَل قفزها فوق المحيط الأطلسي لتحطّ في ترشيحات «الأوسكار» للعام المقبل، كثيرة، من «قائد» الذي افتتح هذه الدورة، إلى «مايسترو» لبرادلي كوبر، و«برسيليا» لصوفيا كوبولا، و«أشياء مسكينة» ليورغاس لانثيموس، وصولاً إلى «الحدود الخضراء» لأغنيشكا هولاند، و«هِت مان» لريتشارد لينكليتر.

لهذه الأفلام حوافز وعناصر فنية ودرامية تجعلها قابلة للعيش في رغد الأيام الفاصلة بين الاحتفالين.

في فينيسيا، لم يبخل الجمهور من إسداء التحيات وقوفاً عند نهاية أفلام عدّة؛ 8 دقائق في نهاية فيلم «أوريجن» للأميركية أفا دوفرني، و6 دقائق عندما أُسدلت الستارة عن فيلم «هِت مان» للينكليتر.

الخيبات حضرت بدورها، منها فيلم رومان بولانسكي «القصر»، وفيلم بابلو لاراين «ألكونت»، و«دوغمان» للوك بيسون. حول الأخير، تختلف الآراء. بعض النقاد عدَّه رائعاً، لكن آخرين تحفّظوا عليه، مع ثنائهم على الحبكة والتمثيل.

كل هذا يؤكد صعوبة التوقّعات بالنسبة إلى جوائز هذه الدورة، ولو أنّ المرء يجرؤ على طرح اسم المخرجة الأفرو أميركية أفا دوفرني مرشحةً أساسية، إذا لم يكن لأفضل فيلم، فلأفضل إخراج أو أفضل سيناريو.

يؤيّد هذا الاحتمال، ولو على نحو محدود، حقيقة أنّ المخرجة هي أول سينمائية سمراء البشرة يَعرض لها المهرجان فيلماً في المسابقة. بادرة قد لا تعني كثيراً لآخرين، لكنها تكشف عن تقدير مُتبادل من المهرجان للمخرجة، والعكس.

«أوريجين» حول «أصل» العنصرية (مهرجان فينيسيا)

احتمال قوي

بعد عرض «حدود خضراء»، ومواجهة مخرجته أغنيشكا هولاند رياحاً ساخنة من حكومة بلادها واليمين البولندي، لتصويرها عنف شرطة الحدود وتعسّفهم ضد اللاجئين غير الشرعيين، بات من المتوقَّع أن يخرج هذا الفيلم بذهبية المهرجان (المسمّاة بـ«الأسد الذهبي»)، لا لموقفه فحسب، بل لجودته. في أسوأ الحالات، قد تُصيب المخرجة عين الأسد على صعيد أفضل إخراج. ويؤازر هذا التوقُّع ما واجهته من رد فعل اليمين البولندي الذي انتقد فيلمها، ووصفه بالبروباغندا النازية.

بعد عرضه، نجد المخرج الإيطالي ماتيو غاروني قد تصدّى لتقديم حكاية أخرى عن الهجرة غير الشرعية، موجّهاً اهتمامه نحو تلك الآتية من السواحل الأفريقية تحديداً.

«أنا كابتن»، بدوره، حكاية مؤثرة، لكن على جانب مختلف. بداية، هناك حقيقة أنّ البطولة منفردة وليست جماعية كما الحال في فيلم هولاند. الممثلون ليسوا محترفين، بينهم البطل سيدو سار، الذي سيقطع آلاف الأميال من موطنه من غرب أفريقيا للالتحاق بمجموعة أفارقة في مركب كبير ينطلق بهم نحو الجنوب الأوروبي. ينطلق الفيلم من هذا الشاب الذي قرر تحدّي الصعوبات، ليثبت أنها ليست مستحيلة.

الواضح أنّ الهجرة تؤرق فريقاً كبيراً من السينمائيين، تطرّقوا في السنوات العشرين الأخيرة إليها في أفلام فرنسية ومجرية وبولندية وألمانية وبريطانية وإيطالية. المخرج غاروني نفسه سبق أن قدّم عام 1996 (قبل تحوُّل الموضوع إلى موجة) فيلماً عن الهجرة، عنوانه «الأرض الفاصلة»، الذي يختلف عن هذا الفيلم في أنّ السابق تابع حدث الوصول إلى أوروبا من دون دخولها.

هنا يحيط بخلفية بطله، فنراه في عاصمة السنغال، داكار، يستعدّ للهجرة. لن يكون وحيداً، بل سيرافقه قريبه. كلاهما وفّر أقصى ما يستطيع من مال لتحقيق حلم اللجوء إلى أوروبا. لكن هذا المال يبدأ بالتبخُّر قبل اعتلاء الحافلة لنقلهما عبر الحدود إلى نيجيريا. إنهما، أسوة بآخرين، عرضة لأسماك قرش بشرية عند كل منعطف. في مشهد يحمل قدراً من التأثير، يقع رجل من الحافلة، وهي تدخل الصحراء، من دون توقُّف سائقها رغم نداء سيدو. لقطة للرجل وقد أصبح وحيداً فوق الرمال الشاسعة.

كل هذا وسواه يؤلّف الجزء الأكبر من الفيلم. هي رحلة موت، وفي أحسن الأحوال رحلة مجهول وخطر. بذلك، يُكمل الفيلمان («أنا كابتن» و«حدود خضراء») أحدهما الآخر، ومن دون موعد مسبق.

مشهد من «في أرض القديسين والخاطئين» والبحث عن استراحة (مهرجان فينيسيا)

هارب من الحياة

يحضر لجوءٌ مختلف تماماً، يمثّل حياة رجل هارب من المجتمع بحثاً عن مكان يريحه وقد يموت فيه. هو مصاب بطلق ناري ومُنهَك، والمكان الوحيد في تلك الأرض الممتدة نحو الأفق العريض، كناية عن كنيسة.

يردُ هذا في فيلم «في أرض القديسين والخاطئين» للمنتج السابق روبرت لورنز، من بطولة ليام نيسُن وعدد من الممثلين الآيرلنديين، لكون الأحداث تقع هناك. لا يبدأ الفيلم بالمكان المذكور، بل بتقديم شخصية فنبار (نيسُن) رجلاً محبوباً في بلدة صغيرة هادئة، يعيش فيها (أجمل قليلاً من تلك التي ظهرت في «أرواح إنيشيرين» لمارتن ماكدونا). وجوده هناك نوع من اللجوء، فبعد تركه الخدمة العسكرية امتهن القتل المنظَّم، والبلدة تجهل ذلك. لا يتخفّى بقدر ما يُخفي. وما يخفيه، بجانب حقيقة عمله، هم ضحاياه، عندما يفرض عليهم حفر قبورهم قبل إطلاق النار. يعرقل هذا السياق، خطٌ آخر، حين يدرك أنّ عليه مساعدة فتاة رأى علامات العنف على وجهها. هنا بداية تعقيدات ستشرح لماذا هو الآن مصاب ولاجئ إلى كنيسة، لعله يرتاح لبعض الوقت أو إلى الأبد.

الفيلم الذي حصد إعجاباً شديداً في الساعات الأخيرة من هذه الدورة هو «أصل» (Origin)، الذي يسحب من فيلم مخرجته آفا دوفرني السابق «سلمى» (2014) الحديث عن الصراع العنصري بين البيض والسود في أميركا اليوم. لا تفعل ذلك على نطاق تصوير حالات اجتماعية عامة، ولا وفق وقائع حقيقية، كما في ذلك الفيلم، بل تَحبِك قصّة عاطفية حول زوجين. هو شاب أبيض (جون برنثال) وهي شابة سمراء (أونجانيو إليس - تايلور)، ومن خلالها موقف المجتمع بين قبول قليل وممانعة واسعة. كل شيء يبدو عادياً في البداية، إلى أن تتطّور الحكاية تبعاً لمحاولة بطلة الفيلم تحقيق بعض طموحاتها الأدبية. نقطة الفصل هي عندما يطلب منها ناشرٌ وَضْع رواية مستوحاة من جريمة قتل رجل أسمر البشرة. قبل الشروع بذلك، تبدأ بالنظر حولها فاحصةً ما تحت رماد العلاقات الاجتماعية. ثم تغوص أكثر فأكثر (كما الفيلم) في واقع العنصرية، مدركة أنّ جذورها عميقة.

يقارن العمل بين عنصرية تشهدها الولايات المتحدة، وتلك التي شهدتها الحقبة النازية. لكن ذلك لا يقودها إلا إلى توسيع بحثها ليشمل نماذج وأمثلة وبلدان أخرى.

طموح دوفرني يأخذها بعيداً عن الحقائق، فالعنصرية لم تبدأ مع النازية، ولا يستطيع أحدٌ تحديد أي شعب مارسها قبل سواه. ومن الصعب أيضاً القول إنها نجحت في إنجاز عمل سيتبلور ليكون مرجعاً لموضوعه. ما يمنح الفيلم أهم علاماته هو التمثيل الجماعي والعاطفة الإنسانية التي تحرّك بطلته.


مقالات ذات صلة

يواكيم تريير في بيروت... سينما التجربة البشرية في حالتها غير المُكتملة

يوميات الشرق «قيمة عاطفية»... الفنّ لغة متأخّرة لما عجزت العائلة عن قوله (متروبوليس)

يواكيم تريير في بيروت... سينما التجربة البشرية في حالتها غير المُكتملة

أتاحت مشاهدة أفلام المخرج النرويجي يواكيم تريير في بيروت تلامساً مباشراً مع رؤية سينمائية تلمح في الإنسان كائناً غير مكتمل، يتشكّل عبر التردُّد والخسارة بقدر…

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق ناقش الفيلم إحدى صور المعاناة الإنسانية (الشركة المنتجة)

تانفير تشاودهوري: «كفارة» تجربة ذاتية مستوحاة من شعوري بالذنب

يبدأ الفيلم البنغلاديشي «كفارة» من لحظةٍ خاطفةٍ، لكنها كفيلة بأن تعيد ترتيب حياة كاملة من الداخل؛ زلزالٍ يضرب المكان، مروحةِ سقفٍ تهوي فجأة...

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق دانك وإيغ تجمعهما رحلة المسلسل حيث الشاب الضخم يرافق الطفل الأصلع المتمتع بالنباهة العالية (المصدر: حساب Game of Thrones الرسمي)

«فارس من الممالك السبع»... عودة إلى «ويستروس» بعد طول انتظار

بعد سنوات من الترقب، يعود عالم «ويستروس» إلى الشاشة عبر مسلسل «فارس من الممالك السبع» A Knight of the Seven Kingdoms، الذي انتظره الجمهور طويلاً.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق الملصق الترويجي لفيلم «الملحد» (الشركة المنتجة) ‫‬

«سينما القضية» تخسر رهان شباك التذاكر في مصر

يرى النقاد أن «سينما القضية» لها جمهور ومواسم محددة، فيما تبقى الأفلام الخفيفة أو التجارية الأكثر تحقيقاً للإيرادات.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)

مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

أعلنت وزارة الثقافة المصرية المنظمة للمهرجان القومي للسينما عن اختيار المنتج السينمائي هشام سليمان رئيساً للدورة الـ25.

انتصار دردير (القاهرة)

«لا فابريك - المصنع»... منصة للإبداع الفني في الرياض

تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
TT

«لا فابريك - المصنع»... منصة للإبداع الفني في الرياض

تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)

أطلق برنامج «الرياض آرت» بالشراكة مع المعهد الفرنسي في السعودية، مساء الأربعاء، «لا فابريك - المصنع»، وهي مساحة جديدة مخصّصة للإبداع الفني والتبادل الثقافي، وذلك في حي جاكس، ضمن إطار الشراكة الثقافية الممتدة بين البلدين، وتستمر حتى 14 فبراير (شباط) المقبل.

ويأتي إطلاق «لا فابريك - المصنع» بوصفها منصة إبداعية مفتوحة صُممت لتكون مختبراً حياً يتيح للفنانين تطوير أفكارهم واختبارها والعمل عليها ضمن بيئة تشاركية تجمع ممارسات فنية معاصرة متعددة، تشمل فنون الأداء، والفنون الرقمية والتفاعلية، والتصوير الفوتوغرافي، والموسيقى، والسينما، وأخرى تفاعلية.

يُمكِّن المختبر الفنانين من تطوير أفكارهم واختبارها والعمل عليها ضمن بيئة تشاركية (واس)

وتتيح المساحة للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية أثناء تشكّلها، والاطلاع على مسارات إنتاج الأعمال الفنية وتطوّرها عبر الزمن، بما يُعزّز حضور الفن في الفضاء العام، ويقرّبه من المجتمع.

من جهته، أكد باتريك ميزوناف، السفير الفرنسي لدى السعودية، أن «لا فابريك - المصنع» تجسّد مرحلة جديدة في مسار التعاون الثقافي بين البلدين، مشيراً إلى أن جمع الفنانين في فضاء إبداعي مشترك يفتح المجال لتبادل الخبرات وتلاقي الأفكار، وصناعة تعبيرات فنية معاصرة تعكس عمق الشراكة الثقافية، وتؤكد دور الفن بوصفه جسراً للتواصل وبناء الفهم المتبادل بين المجتمعات.

أكد السفير الفرنسي أن «لا فابريك - المصنع» تجسّد مرحلة جديدة في مسار التعاون الثقافي (واس)

بدوره، أوضح عمر البريك، مدير أول إدارة الفن العام في البرنامج التابع لـ«الهيئة الملكية لمدينة الرياض»، أن إطلاق «لا فابريك - المصنع» يمثل امتداداً لالتزامهم بدعم الممارسات الفنية المعاصرة، وتوسيع نطاق الوصول إلى مسارات التطوير الإبداعي، مبيناً أنه يوفّر منصة تعزّز العمل التشاركي، وتسهم في دعم المنظومة الثقافية بالعاصمة السعودية ومشهدها الإبداعي المتنامي.

إطلاق «لا فابريك - المصنع» يمثل امتداداً لالتزام البرنامج بدعم الممارسات الفنية المعاصرة (واس)

وتعد «لا فابريك - المصنع» منصة طويلة المدى تجمع الفنانين والمؤسسات والاستوديوهات الإبداعية من السعودية وفرنسا، عبر مشاريع فنية مشتركة وحوارات إبداعية تشمل الفنون البصرية، والصورة المتحركة، والإبداع الرقمي، بما يسهم في دعم تحوّل مدينة الرياض إلى وجهة ثقافية دولية، ويتوافق مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030»، ويعزّز الروابط الثقافية بين البلدين.


«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
TT

«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)

في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين شهدت بلاد الشرق توافداً من الفنانين الغربيين الذي تجولوا في المشرق العربي حاملين معهم أدواتهم لتسجيل تفاصيل ذلك العالم الجديد والمختلف بالنسبة إليهم، أخذوا من تلك التفاصيل وملامح الحياة في المدن وفي الصحراء مواد غنية للوحاتهم التي سمحت للشخص في الغرب برؤية ذلك العالم الغامض بالنسبة إليه. غير أن كثيراً من تلك اللوحات لجأت إلى الخيال في تفاصيل كثيرة، خصوصًا فيما يتعلق بعالم النساء، أو الحريم، كما ظهر في لوحات الفنانين العالميين وقتها.

تنتمي أعمال الفنان التركي عثمان حمدي بك إلى اللون الاستشراقي ولكن كانت لديه ميزة عن غيره من الفنانين الاستشراقيين وهي أنه كان يرسم تفاصيل عالمه الشرقي ولكن بالأسلوب الغربي الذي درسه في فرنسا واستلهمه من أهم الفنانين الاستشراقيين في بدايات القرن العشرين. تميزت لوحات حمدي بك بالأسلوب الهادئ الذي لا يبحث عن الإثارة عبر الخيال ولكنه اعتمد على مشاهد من الحياة حوله. وحمَّل لوحاته بالكثير من التفاصيل الجمالية للقصور والمساجد وأيضاً النساء، ولكن بأسلوب أكثر رقياً وأقل إثارةً عن لوحات الاستشراقيين. وكان حمدي بك من أوائل الفنانين العثمانيين الذين ربطوا بين عالمي الفن في تركيا وفرنسا، وقد عكست أعماله، في جوانب عديدة، المواضيع الاستشراقية التي لاقت رواجاً كبيراً في أوروبا آنذاك.

لوحة «عند باب المسجد» للفنان عثمان حمدي بك (بونامز)

عُرضت لوحات حمدي بك في أهم المتاحف، وحققت أرقاماً عالية في المزادات العالمية مثل لوحة «فتاة تقرأ القرآن» التي باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني، واليوم تطرح الدار لوحة أخرى لحمدي بك تقدِّر لها سعراً مبدئياً يتراوح ما بين 2 و3 ملايين جنيه، معتمدةً على جاذبية لوحات الفنان التركي الشهير لهواة الاقتناء.

اللوحة التي تعرضها الدار في 25 من مارس (آذار) المقبل ضمن مزادها للوحات القرن التاسع عشر والفن الانطباعي البريطاني، تحمل عنوان «عند باب المسجد»، وتصور مشهداً لباب أحد المساجد بمدينة بورصة بتركيا. تعرض اللوحة تفاصيل المشهد أمامنا بدقة وبألوان دافئة، مما يمنح اللوحة عموماً إحساساً بالهدوء يزيده وجود الحَمَام في أكثر من مكان في اللوحة؛ فهناك حمامات تلتقط بعض البذور من الأرض، وهناك عدد آخر منها يجلس على عارضة معدنية أعلى باب المسجد. ولكن المشهد أمامنا يبدو غنياً بالحياة والتفاعل بين الشخصيات أمامنا. في المشهد وعلى عتبات مدخل المسجد نرى عدداً من الأشخاص، كل منهم له شخصية مميزة؛ فهناك رجل يشمِّر عن ذراعيه استعداداً للوضوء، وخلفه شخص آخر يبيع بعض الكتب، وشخص إلى جانبه يجلس في تأمل... لا يغيب عن نظرنا شخصان إلى يسار اللوحة أحدهما يرتدي جلباباً أصفر اللون وعمامة جلس إلى جانبه متسول يمد يده وعلى وجهه تعبيرات التوسل. إضاءة لطيفة: يبدو أن الفنان قد رسم نفسه في ثلاث شخصيات هنا؛ فهو الرجل ذو الجلباب الأصفر، والرجل في يمين اللوحة الذي يتهيأ للوضوء، وهو أيضاً المتسول.

النساء في اللوحة أيضاً ظاهرات؛ نرى سيدة ترتدي رداءً ورديَّ اللون وهي تحمل مظلة بيضاء، لا نرى وجهها ولكنها فيما يبدو تنظر إلى كلب وقف يستجدي بعض الطعام من شخص جالس. تتلون أزياء النساء بألوان رائقة ومريحة للعين، فنرى سيدة ترتدي زياً باللون السماويّ، وأخرى باللون البرتقاليّ، وسيدة ترتدي زياً أبيض اللون بينما تحمل مظلة حريرية باللون الأخضر الفاتح. ما يميز المشهد هنا هو الحركة، تقع العين على سيدة تنظر إلى أخرى وهي مبتسمة كأنها تستكمل حديثاً بدأته منذ قليل، تقابلها سيدتان واقفتان أعلى الدرج؛ إحداهما تنظر أمامها بينما الأخرى تنظر إلى طفلة وطفل جالسين على الدَّرَج وعلى وجهها ابتسامة. تبدو الفتاة الصغيرة كأنها تنظر إلى المشاهد وتضع يداها على خصرها فيما يضحك الطفل إلى جانبها. التفاصيل كثيرة جداً هنا، ويتميز فيها أيضاً الاهتمام بتفاصيل البناء والزخارف على أعلى المدخل والستارة المطوية لتسمح للناس بدخول المسجد. تأخذ اللوحة عين الناظر لملاحظة نافذة مزخرفة أعلى البناء وقد تدلَّت منها سجادة مزخرفة بألوان جميلة.

حسب الدار؛ فاللوحة تُعرض في المزاد للمرة الأولى وتتمتع بسجل ملكية موثق ومتميز، إذ اقتُنيت مباشرةً من الفنان بعد أربع سنوات من إنجازها، حسب تصريح تشارلز أوبراين، مدير قسم لوحات القرن التاسع عشر في «بونامز» الذي يضيف أن اللوحة تُعد «مثالاً رائعاً على أعمال عثمان حمدي بك، أحد أبرز الشخصيات في المشهد الثقافي العثماني في مطلع القرن العشرين. إنها لوحة رائعة بكل المقاييس، من حيث الحجم والتفاصيل، وبوصفها من أوائل لوحاته ذات الأبعاد الضخمة، فهي تُعدّ مثالاً مثالياً على دمج مشهد شارع معاصر مع بعض السمات المعمارية لمسجد عثماني من القرن الخامس عشر."


الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

دعوة منزلية (أ.ف.ب)
دعوة منزلية (أ.ف.ب)
TT

الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

دعوة منزلية (أ.ف.ب)
دعوة منزلية (أ.ف.ب)

كشف التقرير السنوي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن أن نسبة الأوروبيين الذين يلتقون بأصدقائهم يومياً تراجعت من 21 في المائة عام 2006 إلى 12في المائة عام 2022. وتشير دراسة حديثة في فرنسا حول اتجاهات الطعام أجراها مرصد المجتمع والاستهلاك، إلى أن 43 في المائة من الفرنسيين يتناولون العشاء بمفردهم في المنزل، مقارنةً بنحو 29 في المائة قبل عشرين عاماً. لكن الظاهرة الأكثر لفتاً للانتباه هي التراجع عن دعوة المعارف لعشاء منزلي وتفضيل المطاعم، اختصاراً للجهد والقلق الذي يسبق الاستعداد لاستقبال الضيوف.

ويبدو أن عادة «تناول العشاء في المنزل» وجميع أشكال التجمعات العفوية داخل المنازل تتراجع ببطء ولكن بثبات وهي قد تمضي نحو الانقراض. ويأتي ضيق مساحات المعيشة في مقدمة الأسباب الواردة في الدراسة. وفي المرتبة الثانية الإرهاق والضغط الاجتماعي لتقديم ضيافة مميزة.

وفي استطلاع حول الموضوع نشرته صحيفة «الفيغارو» الفرنسية، قالت إيميلي، وهي مهندسة معمارية تبلغ من العمر 37 عاماً، إن سنتين مضتا على آخر مرة دعت فيها أصدقاءها لتناول العشاء. كان ذلك في عيد ميلادها. وأضافت: «قضيت أسابيع في التفكير والقلق بشأن ما سأطبخه، وما إذا كانت شقتي واسعة ومريحة ونظيفة بما يكفي». لكن في طفولتها، كانت وجبات عشاء ليلة السبت في منزل والديها أمراً معتاداً. وهي تتذكر تلك الأمسيات الحميمة قائلة: «10 أشخاص حول المائدة وتأتي والدتي بالطبخة لتضعها على المائدة بينما يفتح والدي قنينة الشراب وينتهي الأمر».

في التقرير ذاته، يوضح جان بيير كوربو، الأستاذ الفخري لعلم اجتماع الغذاء والاستهلاك في جامعة تور، أن دعوة الناس تعني السماح لهم بالدخول إلى جزء من حياتك الخاصة، أي عالمك الحميم. وقد أصبحت هذه الحميمية أكثر هشاشة وانكشافاً، خصوصاً مع تقلص مساحات الشقق الحديثة. إذ ليس من الممكن دائماً الفصل بين ما يُعتبر لائقاً وما يرغب المرء في إخفائه. ويضيف: «عندما تُستخدم غرفة النوم غرفة معيشة أيضاً، وعندما يكون المطبخ مكشوفاً، فإن استقبال الضيوف يعني فضح كل شيء، وهذا ما لا يرغب به الجميع. إن دعوة شخص ما إلى المنزل ليست بالأمر الهين في أيامنا».

من الذين شملهم التقرير بائعة شابة تدعى نورا، تسكن في «ستوديو»، أي شقة من غرفة واحدة في باريس، وهي تشرح سبب تحرجها من دعوة زملاء العمل بقولها: «شقتي صغيرة وفوضوية بعض الشيء. إن فكرة استضافة زملائي تعني اضطراري إلى ترتيب كل شيء قبل ثلاثة أيام. وهو أمر يسبب لي التوتر. وحتى مع العائلة، أجد صعوبة في التخلي عن الفوضى وأخشى أنها تعطي انطباعاً سلبياً عني». ومثل نورا، صارت نسبة غالبة من الفرنسيين تفضل نقل التجمعات إلى أماكن محايدة، مثل المقاهي والمطاعم، حيث لا حاجة إلى التبرير أو التفسير. لكن هذا التغيير لا يقتصر على المساحة فحسب بل هو جزء من تحول أوسع في أنماط الحياة المعاصرة. ولاحظ مهندس معماري أن المساكن المعاصرة أصبحت هجينة. ولم تعد غرفة الطعام مكاناً أساسياً مثل السابق بل جرى اختصارها إلى طاولة مستديرة في زاوية غرفة المعيشة. وهذه الغرفة هي مساحة مختلطة تصلح للنوم والأكل والعمل وتصفح الهواتف.

وحسب مقياس «ألفابيت فرانس-إيفوب» لعام 2024، يقضي الفرنسيون ما يقارب 50 دقيقة يومياً في التنقل بين المنزل والعمل، مما يشكل ضغطاً على جداولهم الزمنية وتواصلهم الاجتماعي. فزملاء العمل موزعون في الضواحي ويستغرق الأمر ساعات لكي يعودوا للاجتماع في مكان واحد بعد الدوام. لقد أصبح المسكن، بالنسبة لكثيرين، ملاذاً حقيقياً ومكاناً للراحة النفسية. ومع تراجع الدعوات المنزلية صار اللقاء في المطعم هو الحل. وما يقال عن فرنسا يصلح لغيرها من الدول، حتى في عالمنا العربي.