شغب من الألوان في معرض المصورة يفوند في لندن

تحت عنوان «يفوند: الحياة واللون»

صورة ذاتية من المعرض (National Portrait Gallery, London)
صورة ذاتية من المعرض (National Portrait Gallery, London)
TT

شغب من الألوان في معرض المصورة يفوند في لندن

صورة ذاتية من المعرض (National Portrait Gallery, London)
صورة ذاتية من المعرض (National Portrait Gallery, London)

أعلنت يفوند، المصورة الفوتوغرافية البريطانية، عام 1921 أمام اتحاد المصورين المحترفين في لندن: «أعتقد أن علينا جميعاً الاتفاق على أن التصوير الفوتوغرافي من دون نساء سيكون مجال عمل بائساً». يوضح معرض «يفوند: الحياة واللون»، العرض النابض بالحياة لأعمالها الكاملة المتفردة في صالة عرض «ناشيونال بورتريه غاليري»، التي تم افتتاحها حديثاً، مع تركيزه على التمثيل النسائي، دورها الريادي في التصوير الفوتوغرافي الملون.

ولدت يفوند كامبرز في جنوب لندن عام 1893، وكانت تُعرف في مجال العمل باسم مدام يفوند، ونادراً ما كانت تُدعى باسمها بعد الزواج، مدام إدغار ميدلتون. وكانت تستخدم اسم يفوند فقط كما كانت تفضل، حيث كانت توقّع به أوراقها، ودعوات معارضها، وسيرتها الذاتية «إن كاميرا» «داخل الكاميرا» عام 1940.

اللون الأحمر يتألق في الصورة (National Portrait Gallery, London)

بعد التحاق يفوند بمدارس خاصة في مقاطعات كانت تقيم بها، وبمدرسة دير في بلجيكا، تم إرسالها إلى مدرسة خاصة لأبناء الأغنياء في باريس. رغم أن معلميها قد رفضوا مقال حماسي كتبته عن الكاتبة ماري وولستونكرافت مناصرة حقوق المرأة، عادت إلى إنجلترا عام 1909 كنسوية مقتنعة بالحركة، في ذروة حركة حق تصويت المرأة. بعد مسيرة محدودة، والكتابة بالطبشور على الأرصفة، وبيع الصحف لصالح الاتحاد الاجتماعي والسياسي للمرأة، لمحت يفوند فرصة للاستقلال المهني في نموذجين لمصورتين فوتوغرافيتين، استعانت بها إحداهما لتعمل متدربة لديها.

في عام 1914، بعدما بلغت من العمر 21 عاماً، افتتحت استوديو خاصاً بها بمساعدة والدها فريديك كامبرز، أحد المشاركين في تأسيس مصنع للحبر. وربما كان حب اللون من بين ما ورثته. وسرعان ما وضعت المصورة الفوتوغرافية الشابة صوراً لشخصيات بارزة، من بينها أفراد في العائلة المالكة، على صفحات مجلات مصورة كانت مزدهرة آنذاك، من بينها مجلتا «سكيتش» و«تاتلر».

استمرت مسيرة يفوند المهنية بلا انقطاع حتى وفاتها عام 1975. وتتضمن موضوعات صورها شخصيات بارزة في بريطانيا، إن كنت قادراً على متابعة الألقاب والمسميات التي كانت تتغير وتتبدل باستمرار بفعل الفضائح والطلاق والزواج مرة أخرى. وسرعان ما تنتقل صور لمطالبات بحق اقتراع المرأة، ونجمات مجتمع، وبطلات في مجال الرياضة، وملوك، ومشاهير، مرتبة ترتيباً زمنياً، من تحقيقات تجريبية بالأبيض والأسود إلى دراسات درامية في الدرجات اللونية المشبعة التي أصبحت السمة المميزة ليفوند.

ليدي ولورد مانتباتن من تصوير يفوند (National Portrait Gallery, London)

عندما وصلت تقنية «فيفيكس»، وهي أول عملية تلوين متاحة للمصورين الفوتوغرافيين المحترفين في بريطانيا، عام 1931، وصفها متحدث باسمهم بأنها «الصبي الشقي في العائلة الفوتوغرافية». في مساحات التصوير الفوتوغرافي الجمالي (التي كان مهيمناً عليها من جانب الذكور)، كان يتم ازدراء اللون بكونه فعلاً مثيراً مشتتاً للانتباه. وكان الوضع الجديد عالماً مجهولاً من التجريب بالنسبة إلى يفوند التي بدأت في استخدام الطريقة فوراً لإنتاج ألوان طبيعية غنية. وأوضحت في مذكراتها لاحقاً متأملة: «ظهر وازدهر الشعر الأحمر، والزي الرسمي، وألوان البشرة البديعة، والأظافر الملونة». وكتبت أيضاً: «إننا نشهد أوقاتاً مثيرة للحماسة، حيث لا يوجد تاريخ، ولا تقاليد، ولا أسياد قدامى، بل يوجد فقط مستقبل».

وقالت: إن هذا العالم الجديد من الإمكانات البصرية مناسب بوجه خاص لمن يمارسن تلك المهنة من النساء لكون مساحيق الزينة، والموضة والأزياء، والتصميم الداخلي، أموراً مألوفة بالنسبة إليهن. وطالبت قائلة: «لنحدِث شغباً من الألوان»، وكأنه من المحتمل أن تثمر تقاليد البلد حدوداً جديدة جريئة، وأضافت موضحة قائلة: «بعيداً عن آثار التلوين اليدوي الضعيف».

أقامت يفوند خلال العام التالي أول معرض بريطاني لصور شخصية ملونة. وكانت صورها الفوتوغرافية في حقبة الثلاثينات تتألق باللون القرمزي. وتظهر فيفيان لي، النجمة السينمائية، في صورة يظهر فيها ثلثا جسمها على خلفية باللون الأحمر الوامض، الذي يزيد درجة لون شفتيها الورديتين حدة، وجيل سكوت بوبس، سائق السيارات الرياضية والطيّار، وهو يرتدي ملابس حمراء اللون تماماً مثل لون الكرز على خلفية باهتة، إلى جانب عنوان رئيسي في إحدى الصحف الشعبية «استغاثة من كيميائي في لندن» يظهر وراء بائعين للصحف ذوي شفاه حمراء وشعر أسمر.

حصان لعبة (National Portrait Gallery, London)

تظهر ألوان ورؤية تميل إلى درجات داكنة في السلسلة الأشهر ليفوند، والتي تحمل اسم «غوديسيسز أند أذارس» «إلهات وآخرون» من عام 1935. تعدّ تلك الـ26 صورة، والتي تتم مشاهدة بعضها للمرة الأولى في مطبوعات أرشيفية جديدة من إصدار صالة عرض «ناشيونال بورتريه غاليري»، والتي تطلبت ألفي لوح لفصل الألوان، دراسات مذهلة عن نساء تتراوح أعمارهن بين 15 و40 عاماً يرتدين كشخصيات الأساطير الخرافية. وطوّرت يوفند، التي تُعرف بالفعل باستخدامها للأشياء، وخلفيات القماش الملونة، والإضاءة المثيرة، والمرشحات الملونة، هنا براعتها وإخراجها الفني لتصل به إلى غايات جديدة تشبه الأحلام.

تظهر مارغريت سويني (دوقة أرغيل)، التي يزعمون أنها أكثر امرأة تم تصويرها في زمنها، مثل هيلين الطروادية ببشرتها التي تشبه الخزف، وخصلة شعر مموجة داكنة، وهي مغطاة بحجاب أزرق شفاف. كذلك هناك الليدي دوروثي كامبل، بوجهها الذي تحيط به مساحة محدودة، وتتألق عليه دموع تم إثارتها باستخدام الغليسرين، في إحالة إلى صورة «لارميس» السيريالية لمان راي، التي ظهرت قبلها بسنوات. شيلا ميلبانكي، والتي تنتمي إلى رواية «أشياء يافعة لامعة» (أو «أميرة روسية» لاحقاً) لإيفلين ووه، هي مثل بانثيسيليا، الملكة الأمازونية ذات الحظ المشؤوم، والتي ترتدي ملابس مكشوفة من جلد الفهد، ورأسها يميل إلى الوراء، وبينما يخترق عنقها، الذي تسقط عليه إضاءة قوية، سهم أخيل.

فتاة بقبعة (National Portrait Gallery, London)

في الوقت الذي سخر فيه نقّاد عصرها وما بعده من مجموعة «الإلهات» بوصفها مبهرجة وغير جادة، حيث كتب أحدهم أنها كانت تمثل: «انحلالاً أنيقاً»، إنها تنتمي، بالنظر إلى التكوينات النابضة بالحياة للصور الشخصية، والتأويل الفاضح الجريء لهوية الأنثى، إلى المجموعات التي صورت فيها يفوند شخصيات معاصرة من الرجال أكثر احتراماً مثل سيسيل بيتون وأنغوس ماكبين.

توقفت طباعة الألوان خلال الحرب العالمية الثانية، وعادت يفوند إلى التصوير التقليدي بالأبيض والأسود. ليست عمليات المونتاج الفوتوغرافي المرحة اللاحقة التي استخدمتها، والصور الشخصية المشمّسة، بما فيها صورة للممثلة جودي دينش في فترة شبابها، هي أقوى وأهم أعمالها. مع ذلك إنها تؤكد أن أستوديو التصوير الفوتوغرافي الخاص بيفوند ظل مكاناً للتجريب الفني الإبداعي، والحرية المالية، ليكون بذلك مساحة تخصّها وحدها.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«بيبلوس في باريس»... معرض يولد تحت القصف ويحمل ذاكرة لبنان إلى العالم

يوميات الشرق قطع أثرية في معهد العالم العربي معظمها من لبنان وأخرى مُعارة من «اللوفر» (أ.ب)

«بيبلوس في باريس»... معرض يولد تحت القصف ويحمل ذاكرة لبنان إلى العالم

في الكلمة التي ألقاها، قال ماكرون إنّ المعرض «يروي كثيراً عن مصير لبنان ومقاومته للإمبراطوريات»...

ميشال أبونجم (باريس )
المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً خلال زيارته لمعرض «جبيل، مدينة لبنان الألفية»، في معهد العالم العربي في باريس 23 مارس 2026 (أ.ب)

ماكرون يحذّر من «احتلال» لبنان خلال افتتاحه معرضاً عن مدينة جبيل الأثرية

أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الاثنين، أن أي «احتلال» لا يضمن «أمن أيّ شخص كان»، محذراً إسرائيل من مخاطر عملياتها البرية في لبنان.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق لوحات المعرض تضمَّنت قصصاً من فسطين (الشرق الأوسط)

«الاسم: فلسطين»… فنانون بالقاهرة يواجهون حذف الاسم من المتحف البريطاني

الفن يعرف ما لا تقوله الخرائط؛ لذلك اجتمع فنانون ليشهدوا على أرضٍ وشعبٍ وذاكرة… ذاكرة لا يمكن لأي بطاقة تعريف على جدار متحف أن تمحوها.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق من أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)

«مدد مدد»... لوحات فطرية لتجليات الفلكلور في عالم حسن الشرق

 يبدو عالم الفنان المصري الراحل حسن الشرق، بفضائه الحالِم المشبع بموتيفات الفلكلور الشعبي، متناغماً مع الأصداء الروحية التي يستدعيها معرض «مدد... مدد».

منى أبو النصر (القاهرة )
يوميات الشرق طقوس رمضان والفوانيس في لوحات المعرض (الشرق الأوسط)

«رمضانيات»... معرض قاهري يحتفي بـ«نوستالجيا» شهر الصوم

تحت عنوان «رمضانيات» استضاف غاليري «دروب» وسط القاهرة معرضاً فنياً يستلهم فضاءات ومشاهد تستدعي روح الشهر، وتعيد قراءتها بصرياً عبر حالة من «النوستالجيا».

نادية عبد الحليم (القاهرة )

عالم خفي تحت القارة القطبية الجنوبية قد يُغرق المدن الساحلية

جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
TT

عالم خفي تحت القارة القطبية الجنوبية قد يُغرق المدن الساحلية

جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)

كشفت خريطة حديثة لقارة الأرض الواقعة في أقصى الجنوب عن تفاصيل غير مسبوقة للعالم الكامن تحت الجليد في القارة القطبية الجنوبية، مقدّمةً بيانات جديدة قد تساعد العلماء على فهم التغير المناخي بشكل أعمق والتعامل معه بفاعلية أكبر.

وعلى الرغم من أن مساحة القارة تعادل ضعف مساحة أستراليا، فإن ما يوجد تحت الطبقة الجليدية السميكة التي تغطيها لا يزال مجهولاً إلى حد كبير. بل إن العلماء يعرفون عن سطح كوكب المريخ الذي يبعد نحو 140 مليون ميل أكثر مما يعرفونه عن تضاريس القارة القطبية الجنوبية. وفقاً لمجلة «نيوزويك».

وتحتوي الصفيحة الجليدية في القارة القطبية الجنوبية على نحو 70 في المائة من المياه العذبة على كوكب الأرض، ما يجعلها أكبر كتلة جليدية في العالم. ويختلف سُمك هذه الطبقة الجليدية، إذ يبلغ متوسطه نحو كيلومترين، وقد يتجاوز خمسة كيلومترات في أعمق مناطقها.

الموقع «ليتل دوم سي» في القارة القطبية الجنوبية (أ.ب)

لكن ماذا يكمن تحت هذا الغطاء الجليدي الهائل؟

نظراً لصعوبة الرصد بسبب الامتداد الواسع للجليد، تمكن فريق دولي من الباحثين بقيادة جامعة إدنبرة من إعداد أدق خريطة حتى الآن للمناظر الطبيعية المخفية تحت الجليد في القارة.

واعتمد الفريق على تقنية تُعرف باسم «تحليل اضطراب تدفق الجليد» (IFPA)، التي تستخدم فيزياء حركة الجليد لاستنتاج شكل التضاريس أسفله، من خلال تتبّع الأنماط السطحية التي تتكوّن عندما يتحرك الجليد فوق التلال والوديان. ثم دمجوا هذه البيانات مع أحدث صور الأقمار الاصطناعية للكشف عن ملامح القارة بأكملها.

وقال أستاذ علوم الأرض وأحد مؤلفي الدراسة، البروفسور أندرو كيرتس: «تتيح هذه الطريقة، التي تسقط معلومات سطح الجليد الملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية إلى قاعدته، أسلوباً جديداً تماماً لرؤية ما تحت الصفائح الجليدية. وعلى مدار عدة سنوات أثبتنا فاعليتها من خلال اختبارات دقيقة، ويؤكد تطبيقها على مستوى القارة بأكملها قوتها الكبيرة».

وكشفت الدراسة عن تفاصيل جغرافية في مناطق لم تُستكشف سابقاً، بما في ذلك سلاسل جبلية ضخمة، وأودية عميقة، وسهول واسعة، إضافة إلى عشرات الآلاف من التلال والوديان التي لم تكن معروفة من قبل.

وقالت الباحثة هيلين أوكيندن، المشاركة في إعداد الدراسة: «بسبب صعوبة إجراء القياسات العلمية عبر الجليد، فإن معرفتنا بالمناظر الطبيعية المخفية تحت القارة القطبية الجنوبية أقل من معرفتنا بأسطح كوكبي المريخ أو الزهرة. لذلك، من المثير للغاية أن تتيح لنا هذه الطريقة الجديدة استخدام قياسات الأقمار الاصطناعية لسطح الجليد لسد الفجوات في خرائطنا، والكشف عن تفاصيل جديدة للسلاسل الجبلية والأودية والحدود الجيولوجية».

وقد أظهرت دراسات سابقة أن المناطق الوعرة تحت الجليد مثل المنحدرات الصخرية الحادة وسلاسل الجبال يمكن أن تُبطئ تراجع الصفائح الجليدية في القارة، إذ توفّر مقاومة احتكاكية تحدّ من اندفاع الجليد نحو البحر.

وتُعد هذه الخريطة الجديدة دليلاً مهماً للعلماء، إذ تساعد في تحديد المناطق التي ينبغي التركيز عليها في الدراسات المستقبلية، كما تدعم تطوير توقعات أكثر دقة بشأن ارتفاع مستويات سطح البحر ومقدار هذا الارتفاع في المستقبل.


دراسة تكشف: الحديث عن السياسة في العمل قد يعزز رفاهيتك النفسية

النقاشات السياسية التي تُجرى مع زملاء متعاطفين تساعد الأفراد على استيعاب مشاعرهم (رويترز)
النقاشات السياسية التي تُجرى مع زملاء متعاطفين تساعد الأفراد على استيعاب مشاعرهم (رويترز)
TT

دراسة تكشف: الحديث عن السياسة في العمل قد يعزز رفاهيتك النفسية

النقاشات السياسية التي تُجرى مع زملاء متعاطفين تساعد الأفراد على استيعاب مشاعرهم (رويترز)
النقاشات السياسية التي تُجرى مع زملاء متعاطفين تساعد الأفراد على استيعاب مشاعرهم (رويترز)

في وقتٍ تزداد فيه التحذيرات من تجنّب النقاشات السياسية في بيئة العمل، خشية إثارة الخلافات أو التوتر، تكشف دراسة جديدة عن جانب غير متوقَّع لهذا النوع من الأحاديث. فبدلاً من أن تكون مصدراً للانقسام فقط، قد تسهم المناقشات السياسية - في ظروف معينة - في تحسين الحالة النفسية للموظفين، وتعزيز شعورهم بالارتياح.

ووفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت»، يشير هذا البحث إلى نتائج لافتة، رغم أن كثيراً من الأميركيين يرون أن بلادهم تعيش حالة انقسام غير مسبوقة منذ الحرب الأهلية التي دارت بين عامي 1861 و1865، وذلك حسب بيانات مركز «بيو» للأبحاث (Pew Research Center).

ولا تخلو النقاشات السياسية من آثار سلبية محتملة؛ إذ قد تثير مشاعر غير مريحة. وتشير جامعة ميشيغان إلى أن هذه النقاشات قد تؤدي أحياناً إلى ارتفاع ضغط الدم، وتقلبات في الوزن، والشعور بالقلق وتذبذب المزاج، فضلاً عن اضطرابات النوم وحتى إساءة استخدام المواد المخدرة.

غير أن تحليلاً جديداً لاستطلاعات رأي واستبانات سابقة أجرته جامعة ولاية واشنطن، يقدّم صورة أكثر توازناً؛ إذ يشير إلى أن الحديث عن السياسة في مكان العمل قد يساعد الموظفين فعلياً على إدارة ضغوطهم النفسية بشكل أفضل، شريطة أن يتم في بيئة يشعر فيها الأفراد بالدعم والتفهّم.

وفي هذا السياق، أوضحت كريستين كوهن، أستاذة الإدارة في كلية كارسون للأعمال التابعة للجامعة، في بيان لها: «تشير نتائجنا إلى أن غالبية الموظفين لا يسعون إلى افتعال الخلافات في مكان العمل. ففي العينات التي شملتها دراستنا، كان الأفراد يتسمون بالانتقائية؛ إذ يميلون إلى مناقشة الأخبار السياسية ذات الطابع العاطفي مع زملاء يتوقعون منهم التعاطف، أو يشاركونهم وجهات نظر متقاربة».

وقد شمل التقييم إجابات استطلاعات ورسائل أدلى بها نحو 500 موظف، شاركوا في ثلاث دراسات منفصلة.

وتضمنت هذه الردود معلومات حول الأوقات التي ناقش فيها الموظفون الأخبار السياسية داخل مكان العمل، وكيف ارتبطت تلك المحادثات بمستوى رفاههم الوظيفي، ودرجة الإرهاق لديهم، وطبيعة تفاعلاتهم مع زملائهم.

كما أخذ الباحثون في الحسبان الهوية السياسية للمشاركين، ومدى توافقها مع هويات زملائهم في بيئة العمل، مع الإشارة إلى أن الدراسة لم تكشف عن التوجهات السياسية التفصيلية للأفراد.

وقد أتاحت هذه المعطيات فهماً أعمق للكيفية التي تؤثر بها هذه الديناميكيات في طبيعة هذه النقاشات واحتمالات حدوثها.

وأظهرت النتائج أن النقاشات السياسية التي تُجرى مع زملاء متوافقين ومتعاطفين تساعد الأفراد على استيعاب مشاعرهم - مثل الإحباط - وتمنحهم إحساساً بأن مشاعرهم محل تقدير وتفهّم.

وفي هذا الصدد، قالت كوهن: «تُظهر الأبحاث أنه عندما يمر الأشخاص بمشاعر قوية في العمل - كما يحدث بعد التعامل مع عميل صعب - فإنهم غالباً ما يسعون إلى التحدث مع شخص ما حول ذلك».

وأضافت: «ما يختلف هنا هو السياق؛ فالأحداث الإخبارية التي تثير هذه المشاعر تقع خارج نطاق المؤسسة، لكنها تظل تؤثر في كيفية شعور الأفراد وتفاعلهم داخل بيئة العمل».

كما يشير الباحثون إلى أن تحليلهم لاستجابات العاملين يُظهر أن الأحداث الاجتماعية والسياسية قد تسهم في توليد ضغط عاطفي وإرهاق مهني داخل مكان العمل، وهو ما يجعل طريقة التعامل معها عاملاً حاسماً في الحد من آثارها السلبية.


قبل الزراعة بآلاف السنوات... البشر والكلاب أصدقاء منذ العصر الجليدي

رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)
رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)
TT

قبل الزراعة بآلاف السنوات... البشر والكلاب أصدقاء منذ العصر الجليدي

رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)
رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)

أظهرت دراسة جديدة أنّ العلاقة الوثيقة بين البشر والكلاب استمرّت لأكثر من 14 ألف عام، واكتشف باحثون أدلة على أنّ الكلاب كانت تعيش جنباً إلى جنب مع البشر خلال العصر الجليدي، أي قبل أكثر من 5 آلاف عام من الاعتقاد السائد بشأن تدجينها.

وتعود عظام عُثر عليها في كهف غوف في سومرست، وفي بينارباشي في تركيا، إلى أواخر العصر الحجري القديم الأعلى، أي قبل ظهور الزراعة بزمن طويل. وفي هذا السياق، أوضح البروفسور أوليفر كريغ، من قسم الآثار بجامعة يورك أنه: «لطالما اعتقدنا أن الكلاب تطوّرت من الذئاب الرمادية خلال العصر الجليدي الأخير، لكن الأدلة المادية على ارتباطها بالبشر كان من الصعب تأكيدها».

وخلال المراحل الأولى من التدجين، كانت الكلاب والذئاب متطابقة تقريباً في الشكل، ولم تظهر اختلافات سلوكية واضحة في السجل الأثري. واعتمدت الدراسات السابقة على أجزاء صغيرة من الحمض النووي وقياسات الهياكل العظمية، لكن هذه الدراسة الأخيرة تمكنت من إعادة بناء جينومات كاملة من بقايا يزيد عمرها على 10 آلاف عام.

وبعد ذلك، قارن علماء جامعة يورك هذه البقايا بأكثر من ألف نوع حديث وقديم من فصيلة الكلاب، مما أكَّد أنّ الكلاب كانت منتشرة على نطاق واسع في أوروبا وغرب آسيا منذ 14 ألف عام على الأقل.

كما قاس تحليل غذائي نظائر الكربون والنيتروجين المحفوظة في كولاجين العظام، ما أظهر أنّ الكلاب كانت تتبع نظاماً غذائياً يُشبه النظام الغذائي لدى البشر.

رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، قالت طالبة الدكتوراه ليزي هودجسون التي أسهمت في الدراسة: «جاءت إحدى أهم النتائج من بينارباشي، إذ أظهرت البيانات أن الكلاب المنزلية كانت تستهلك نظاماً غذائياً غنياً بالأسماك، يُشابه إلى حد كبير النظام الغذائي للسكان المحليين»، مضيفةً أنه «من غير المرجَّح أنّ الكلاب كانت تصطاد كميات كبيرة من الأسماك بنفسها، ما يُشير إلى أنّ البشر كانوا يُطعمونها بنشاط».

كما تُشير الدراسة، التي نُشرت في مجلة «نيتشر» ونقلتها «الإندبندنت»، إلى أنّ الكلاب كانت موجودة بين مجموعات مختلفة من الصيادين وجامعي الثمار قرب نهاية العصر الجليدي، وأنها كانت أقرب صلةً بسلالات الكلاب الأوروبية والشرق أوسطية الحديثة منها بالكلاب القطبية.

وعلَّق الدكتور ويليام مارش، من متحف التاريخ الطبيعي: «سمحت لنا هذه العيّنات بتحديد أنواع إضافية من الكلاب القديمة من مواقع في ألمانيا وإيطاليا وسويسرا، ما يُظهر أنها كانت منتشرة على نطاق واسع في جميع أنحاء أوروبا وتركيا منذ 14 ألف عام على الأقل».

بدوره، قال الدكتور لاكي سكارزبروك، من جامعة لودفيغ ماكسيميليان في ميونيخ، إنّ هذا يشير إلى أنّ سلالات الكلاب الرئيسة كانت موجودة بالفعل منذ نحو 15 ألف عام. وأضاف: «كانت الكلاب ذات الأصول المختلفة موجودة بالفعل في جميع أنحاء أوراسيا، من سومرست إلى سيبيريا».

ويرى خبراء أنّ هذا يثير احتمال أن تكون الكلاب قد استُؤنست قبل أكثر من 10 آلاف عام من استئناس أيّ حيوانات أو نباتات أخرى.