حجر رشيد يعود للوطن... رقمياً

مجموعة من المصممين تسعى لإعادة الكنوز المنهوبة من خلال العالم الافتراضي

جانب من عرض مجموعة «لوتي» في بينالي فينيسيا للعمارة ()Andrea Avezzù, via Venice Biennale
جانب من عرض مجموعة «لوتي» في بينالي فينيسيا للعمارة ()Andrea Avezzù, via Venice Biennale
TT

حجر رشيد يعود للوطن... رقمياً

جانب من عرض مجموعة «لوتي» في بينالي فينيسيا للعمارة ()Andrea Avezzù, via Venice Biennale
جانب من عرض مجموعة «لوتي» في بينالي فينيسيا للعمارة ()Andrea Avezzù, via Venice Biennale

يمثل حجر رشيد للمتحف البريطاني ما تمثله لوحة الموناليزا لمتحف اللوفر. وكل يوم، تتدفق طوابير من الزائرين على المتحف المقام في لندن، ويستعينون بهواتفهم الذكية لالتقاط صور لحجر أسود جرى جلبه من مصر منذ أكثر عن 200 عام، ولم يعد قط منذ ذلك الحين. ومع ذلك، من المنتظر أن يعود حجر رشيد للوطن، الشهر المقبل ـ بصورة ما.

داخل قلعة قايتباي في رشيد، المطلة على الساحل الشمالي لمصر، سيتمكن الزائرون قريباً من الوقوف عند النقطة التي يعتقد أنه عثر عندها على حجر رشيد، ليركزوا هواتفهم الذكية على كود «كيو آر»، لتتاح لهم مشاهدة صورة الحجر تظهر على شاشات هواتفهم في إطار مشروع للواقع المعزز. وبذلك، تجري استعادة الحجر «رقمياً» من خلال جهود «لوتي»، مجموعة من المصممين المقيمين في لندن، والذين يعملون، حسب وصفهم، على إعادة الأعمال الفنية الموجودة بالمتاحف الغربية إلى أماكنها الأصلية التي سلبت منها أثناء الحقبة الاستعمارية.

تشيديريم نواوباني أحد مؤسسي مجموعة «لوتي» (Looty)

تأسست مجموعة «لوتي» عام 2021، على يدي تشيديريم نواوباني وأحمد أبوكور، واستوحيا الاسم من اسم كلب الملكة فيكتوريا الذي انتُشل من داخل أحد القصور الصينية المنهوبة. وتسعى المجموعة لأن تمنح الناس من أبناء المستعمرات السابقة والذين ليس بمقدورهم السفر إلى الغرب، فرصة الاطلاع على صورة ثلاثية الأبعاد ومعلومات عن كنوزهم المسروقة. ويهدفون من وراء ذلك لإنهاء احتكار المتاحف الغربية على السرد المتعلق بمثل هذه القطع، وإعطاء الجمهور العام صورة أوسع.

استعادة رقمية

مساء أحد الأيام القريبة، وقف نواوباني، الذي كان قد عاد لتوه من القلعة في رشيد، أمام حجر رشد البالغ عمره 2200 عام في لندن. وقال مشيراً إلى الحجر والتماثيل المحيطة به داخل قاعة عرض المنحوتات المصرية في المتحف البريطاني. وقال: «هذه القطع تذكرنا بغنائم الحرب والهزيمة والاستعمار».

وأضاف أن المتحف قدم وصفاً غير كامل للقطع الأثرية التي يجري عرضها داخل جوانبه، ولا يطرحها بالصورة التي كان من المفترض في الأصل عرضها بها. وأوضح أن هذه كانت في الغالب قطعاً ملكية أو دينية أو شعائرية، والتي لم يكن مقصوداً لها قط أن تعرض داخل صندوق عرض زجاجي. وعن أصحاب الأصول الأفريقية أمثاله، قال: «من الخطأ ألا تملك القوة لأن تروي قصتك».

واستطرد موضحاً أن: «ما تمكنت من فعله هو استقطاع جزء من هذه القوة».

ومن المقرر أن يتيح تركيب الواقع المعزز في رشيد للزائرين صورة عالية الدقة للحجر، مع وصف مفصل بالعربية والإنجليزية، وترجمة للنقوش التي يحملها الحجر، وشرح للكيفية التي خرج بها من مصر.

ومن خلال صنع نسخ رقمية للكنوز المنهوبة، سعى نواوباني لتحويل بعض الانتباه باتجاه المساحة الرقمية، وذلك بوصفها «فضاءً جديداً»، وفق قوله: «لم تلحق به القوانين بعد. لم يستعمر أحد الفضاء الرقمي، لذا يبدو فضاءً حراً».

سيعود حجر رشيد إلى مكانه الأصلي في قلعة قايتباي بمدينة رشيد المصرية عبر الواقع المعزز (Looty)

تعد «لوتي» جزءاً من مجموعة من نشطاء وفنانين وأكاديميين شباب من جذور أفريقية، عقدوا العزم على إعادة الأعمال الفنية المنهوبة من خلال صنع نسخ رقمية من تراثهم وعرض هذه النسخ عبر الميتافيرس، وفي إطار معارض دولية ـ مثل معرض حالي تنظمه «لوتي» داخل «بينالي فنيسيا للعمارة» ـ داخل الدول التي جاءت منها هذه القطع.

في هذا الصدد، قال دان هيكس، بروفيسور علم الآثار المعاصر بجامعة أوكسفورد: «يدور كل الحديث عن استعادة القطع الأثرية حول ما سيحدث لاحقاً، وثمة جيل جديد، على ما يبدو، ليس على استعداد للانتظار حتى تتحرك تروس المتاحف بالسرعة شديدة البطء التي غالباً ما تعمل بها».

وأضاف أن مجموعة «لوتي» عمدت إلى تحدي سيطرة المتاحف الغربية على الكنوز الأثرية والسرد المحيط بها، وتعمد إلى استغلال الإعلام الرقمي لإظهار أن القطع الأثرية «لم تمت»، وإنما مستمرة في كونها جزءاً حياً من ثقافتنا.

حجر رشيد

أما أحدث القطع الأثرية التي انصب عليها اهتمام «لوتي»، فهو حجر رشيد، وهو شظية حجرية يبلغ حجمها 3 أقدام و8 بوصات تضم النص ذاته منقوشاً بثلاث كتابات مختلفة، منها الهيروغليفية. وكانت هذه الشظية العنصر الوحيد الذي مكن العلماء من فك شفرة اللغة الهيروغليفية، ليولد من رحم هذه الجهود علم المصريات.

يرجع تاريخ اكتشاف الحجر إلى عام 1799، بعد عام من غزو نابليون بونابرت لمصر. وفي الوقت الذي كانت القوات الفرنسية منهمكة في بناء تحصينات لها، استعداداً لمعركة حاسمة، من المعتقد أنهم عثروا على الحجر داخل الجدار الخارجي لقلعة قايتباي المحطمة. وجرى إرسال الحجر إلى علماء في القاهرة، وبعد ذلك نقل إلى الإسكندرية عام 1801.

ومن ناحية أخرى، بدأت عملية الاستعادة الرقمية في مارس (آذار). صباح أحد الأيام، بعد أن فتح المتحف البريطاني أبوابه بقليل، توجه نواوباني وأبوكور وعالمة المصريات مونيكا حنا نحو الصندوق الزجاجي الذي يضم حجر رشيد، وأحاطوا بأجهزة آيباد، وتولوا عمل مسح له ثلاثي الأبعاد من جميع الزوايا. وكانوا يرتدون سترات سوداء وأقنعة «هوكي»، ويحملون حقائب متشابهة. وعندما اقترب منهم أفراد الحرس وسألوهم إذا كانوا في مهمة احتجاجية، أجابوا أنهم يتولون تصوير الحجر فحسب، ولا يقترفون أي شيء غير قانوني. وبالفعل، تركهم الحرس لحالهم.

تعمل حنا بروفيسور مساعد بكلية الآثار والتراث الحضاري، التابعة للأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري في أسوان بمصر. وقالت إن عمل مجموعة «لوتي» يأتي في إطار جهود دعم استعادة حجر رشيد، التي تحث رئيس الوزراء المصري على المطالبة باستعادة حجر رشيد، الذي وصفته بأنه كان غنيمة حرب، ودخل في حيازة بريطانيا بشكل غير قانوني. (في بيان له، أعلن المتحف البريطاني أن حجر رشيد جرى تسليمه لهم بوصفه «هدية دبلوماسية»).

وقالت حنا إن حجر رشيد «أيقونة التراث المصري والهوية المصرية، لكنه يمثل كذلك كيف فقدت هذه الهوية».

منحوتات بنين البرونزية

في الواقع، الفقدان كان ما عايشه نواوباني عندما كان طفلاً ولد ببريطانيا من أبوين نيجيريين. وأثناء فترة ترعرعه داخل وحول لندن، لطالما تميز بروح الابتكار، وانغمس في ممارسة هواية الرسم.

بمرور السنوات، أصبح نواوباني مصمم محتوى رقمي، يعمل بالتعاون مع علامات تجارية كبرى مثل «بيربري». عام 2020، قرر استخدام مهاراته في مجال التكنولوجيا الرقمية كي «يسترد» أعمال بنين البرونزية، وهي عبارة عن منحوتات تعود إلى مملكة بنين القديمة (نيجيريا اليوم)، والتي تنتشر في الوقت الحاضر عبر مختلف أرجاء متاحف الغرب.

جانب من عرض مجموعة «لوتي» في بينالي فينيسيا للعمارة ()Andrea Avezzù, via Venice Biennale

وتسعى مشاركة المجموعة في «بينالي فنيسيا» لطرح أعمال بنين البرونزية في إطارها الأصلي: داخل القصر الملكي بمدينة بنين الذي تعرض للنهب من جانب غارة عسكرية بريطانية عام 1897. وثمة صور ثلاثية الأبعاد وهولوغرام ونسخ بتكنولوجيا الواقع المعزز لآلاف القطع البرونزية. وشرح أبوكور أنه نظراً لوجود هذه القطع البرونزية في الكثير من المتاحف الغربية، «فإنه قد توجد 10 قطع هنا و15 هناك»، فإنه يصعب على الزائرين إدراك حجم النهب الذي حدث. وعليه، فإن هدف «لوتي» «سرد القصة بصرياً».

* خدمة نيويورك تايمز


مقالات ذات صلة

متطوعون غزيون ينتشلون بقية من تراثهم المكتوب من بين ركام الحرب

المشرق العربي وثقت منظمة اليونسكو أضراراً في 114 موقعاً في قطاع غزة منذ اندلاع الحرب (أ.ف.ب)

متطوعون غزيون ينتشلون بقية من تراثهم المكتوب من بين ركام الحرب

في حرم إحدى أقدم وأكبر المكتبات في الأراضي الفلسطينية، تجهد مجموعة من المتطوعين من غزة لإنقاذ كتب قديمة لا تقدر بثمن، دفعت ضريبة الحرب.

«الشرق الأوسط» (غزة)
يوميات الشرق منطقة سقارة الأثرية (وزارة السياحة والآثار)

واقعتا سقارة وقلعة سيناء تجددان مطالب بالتصدي لتشويه الآثار المصرية

جددت واقعتا الكتابة على حائط بمنطقة آثار سقارة من قبل أحد المرشدين السياحيين، والتعدي على قلعة الجندي، مطالبات بحماية الآثار المصرية.

حمدي عابدين (القاهرة )
يوميات الشرق المدينة الأثرية المكتشفة في قنا (وزارة السياحة والآثار)

مصر: اكتشاف مدينة سكنية بموقع «شيخ العرب همام» بقنا

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، في بيان صحافي الاثنين، الكشف عن أجزاء من مدينة سكنية ترجع للقرن الثامن عشر، وذلك خلال أعمال حفائر البعثة الأثرية المصرية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق مجموعة من الحلي المكتشفة في قبة الهواء بأسوان (وزارة السياحة والآثار)

مصر: اكتشاف مقابر صخرية في أسوان تعود إلى الدولة القديمة

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، الأحد، اكتشاف مجموعة من المقابر الصخرية التي تعود إلى عصر الدولة القديمة.

فتحية الدخاخني (القاهرة )
يوميات الشرق عالم آثار داخل قبر عمره 1200 عام في موقع إل كانو الأثري ببنما يضم رفات شخصية رفيعة ومقتنيات ذهبية (أ.ف.ب)

كنوز الموتى تكشف عن أسرار الماضي... العثور على قبر عمره قرون في بنما

اكتشف علماء آثار في بنما قبراً عمره نحو ألف عام يضمُّ بقايا بشرية ومقتنيات ذهبية وفخارية ما يشير إلى دفن شخصيات من النخبة الاجتماعية.

«الشرق الأوسط» (بنما)

وسط التحقيقات... منع الأمير السابق أندرو من ركوب الخيل

الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
TT

وسط التحقيقات... منع الأمير السابق أندرو من ركوب الخيل

الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)

في تطور جديد يحيط بالأزمة المتصاعدة التي يواجهها الأمير البريطاني السابق أندرو ماونتباتن ويندسور، طُلب منه التوقف عن ركوب الخيل، في خطوة يُنظر إليها على أنها محاولة لتفادي أي ظهور علني قد يُفسَّر على أنه استخفاف بالتحقيقات الجارية بحقه.

ووفقاً لما نقلته صحيفة «التلغراف»، حذّر مساعدو العائلة المالكة دوق يورك السابق من الظهور ممتطياً حصانه، خشية أن يُفهم ذلك على أنه استمتاع بالحياة في وقت يخضع فيه لتدقيق رسمي وتحقيقات حساسة.

وكان ماونتباتن ويندسور قد أُلقي القبض عليه للاشتباه في ارتكابه مخالفات تتعلق بمنصبه العام، وخضع لاستجواب استمر نحو 12 ساعة، وسط اتهامات بتسريب معلومات حكومية سرية إلى جيفري إبستين، المتهم بالاعتداء الجنسي على الأطفال. ويُعدّ أول فرد من العائلة المالكة يُحتجز في التاريخ الحديث.

وقبل إجباره على مغادرة «رويال لودج» في وندسور، كان الأمير يُشاهد كثيراً وهو يمتطي حصانه في أرجاء المكان. بل إن أول ظهور علني له بعد تجريده من ألقابه الملكية جاء وهو على صهوة جواد، برفقة سيدة.

وقال مصدر مطّلع: «منذ اعتقاله الأسبوع الماضي، مُنع من ركوب الخيل. يُعتبر ذلك تصرفاً غير لائق. لا يرون أنه من المناسب أن يُشاهد مبتسماً على حصانه كما كان يفعل في وندسور. لكنها كانت من الأشياء القليلة التي يستمتع بها، فماذا سيفعل بوقته إذاً؟».

ويُزعم أن ماونتباتن ويندسور أثار استياء مساعديه بعدما التُقطت له صور وهو يبتسم ويُلوّح للمارة في وندسور، رغم تزايد الدعوات لإجراء تحقيق أوسع في طبيعة تعاملاته مع إبستين.

في السياق ذاته، تُجري شرطة وادي التايمز تقييماً للادعاءات الواردة فيما يُعرف بملفات إبستين، والتي تشير إلى أن الأمير السابق أرسل إلى المموّل الأميركي رسائل بريد إلكتروني حكومية حساسة خلال الفترة بين عامي 2001 و2011، عندما كان يشغل منصب مبعوث تجاري. وكان الضباط قد أنهوا بالفعل عملية تفتيش «رويال لودج».

وعلى الصعيد السياسي، خالف عدد من أعضاء البرلمان، يوم الثلاثاء، التقاليد البرلمانية المعمول بها، وانتقدوا ماونتباتن ويندسور علناً، واصفين إياه بأنه «رجل وقح، متغطرس، متعجرف»، ومتهمين إياه بالتغاضي عن جرائم إبستين، التي شملت استدراج قاصرات. وحسب الأعراف، يمتنع النواب عادةً عن توجيه انتقادات مباشرة لأفراد العائلة المالكة.

في المقابل، لطالما نفى ماونتباتن ويندسور ارتكاب أي مخالفات تتعلق بعلاقته بإبستين. وعقب اعتقاله، صدر بيان عن شقيقه الملك تشارلز جاء فيه: «يجب أن يأخذ القانون مجراه».


أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر... تحديات وآليات الصيانة في المتاحف

إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
TT

أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر... تحديات وآليات الصيانة في المتاحف

إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)

عقب إحالة مسؤول للتحقيق لتغاضيه عن «الصيانة الدورية»، سلّطت جهود إنقاذ بردية نادرة من التلف الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر، وآليات المتابعة الدورية للقطع المعروضة بالمتاحف.

وانتهى المتحف المصري بالتحرير من تنفيذ أعمال ترميم وصيانة بردية الكاتب (أوسر-حات-مس)، التي تعود إلى العصر المتأخر، وذلك في إطار جهوده المستمرة للحفاظ على كنوزه الأثرية وصونها وفق أعلى المعايير العلمية الدولية، بعدما تعرضت للتلف خلال عرضها.

وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار الدكتور هشام الليثي، في إفادة رسمية الثلاثاء، أنه جرى «نقل البردية من مكان عرضها بالمتحف إلى معمل ترميم البردي، حيث باشر فريق العمل أعمال الترميم باستخدام أحدث الأساليب العلمية المتبعة، ووفقاً للمواثيق والمعايير الدولية الموصى بها في مجال صون البردي وترميمه، حتى تم الانتهاء من جميع أعمال التنظيف والمعالجة وإعادتها إلى مكان عرضها الأصلي»، موضحاً أنه «تمت إحالة المسؤول عن عدم تنفيذ أعمال الصيانة الدورية للبردية في موعدها، وفقاً للخطة المعتمدة مسبقاً، إلى التحقيق».

وحسب بيان لوزارة السياحة والآثار، أكد الليثي أن «البردية كانت تعاني من ظهور بعض الفطريات التي تسببت في تبقعات لونية مؤقتة ظهرت في صورة نقاط سوداء، وهي من الحالات الشائعة التي يتم التعامل معها بسهولة من خلال فرق الترميم المتخصصة». وأضاف أن «هذه الفطريات لا تؤثر على التركيب التشريحي أو الكيميائي للمادة الأثرية، إذ لا تُعد من الإصابات الميكروبولوجية المُحلّلة».

إنقاذ البردية النادرة سلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر والتحديات التي تواجهها، وآليات المتابعة الدورية للمعروضات بالمتاحف. أكّدت الدكتورة رشا شاهين، اختصاصية الترميم المتخصصة في المخطوطات والبرديات بالمتحف المصري في التحرير، أنه تجري متابعة المعروضات بالمتحف بشكل يومي. وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «قاعات العرض في المتحف تقسَّم إلى أجزاء، وتُوزّع على العاملين بقسم الترميم، حيث يتولى كل واحد الإشراف والمتابعة اليومية للجزء المسؤول عنه. فإذا وجدنا، على سبيل المثال، قطعة عليها ذرات تراب، ننظّفها بالطرق العلمية في مكان عرضها، كما نراقب تأثيرات التغيرات المناخية والرطوبة على المعروضات. وإذا وجدنا قطعة تحتاج إلى صيانة، تُنقل إلى المعمل».

إحالة مسؤول للتحقيق لتغاضيه عن الصيانة الدورية (وزارة السياحة والآثار)

وتوضح رشا شاهين أن «أهم تحدٍّ يواجه عمليات ترميم الآثار في مصر هو الميزانية اللازمة لتوفير الأجهزة الحديثة وتطوير المعامل، بالإضافة إلى الإنفاق على تطوير العنصر البشري. لدينا في مصر خبراء ترميم يتمتعون بكفاءة عالية، لكن يجب أن يشاركوا في التدريب في دول أخرى على أحدث تكنولوجيا الأجهزة الحديثة لمواكبة تطورات علوم الترميم».

وحسب بيان وزارة السياحة، أكد مدير المتحف المصري بالتحرير الدكتور علي عبد الحليم أنه «لا تزال هناك بعض الأجزاء من البردية تميل ألوانها إلى الدرجة الداكنة أو السواد، وذلك لا يُعد عفناً أو إصابة فطرية، وإنما هو جزء أصيل من طبيعة البردية منذ الكشف عنها، نتيجة لعوامل الزمن ودفنها في التربة لفترات طويلة قبل اكتشافها».

المتحف المصري بالتحرير يضم قسماً لترميم الآثار (المتحف المصري)

ويرى باحث الدكتوراه في جامعة «سيرجي باريس» بفرنسا الأستاذ المساعد في كلية الآثار بجامعة عين شمس إسلام عزت أن «ترميم المقتنيات الأثرية في مصر يواجه تحديات متنوعة يجب العمل على حلها»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «أبرز هذه التحديات هو عدم توافر الأجهزة العلمية الحديثة اللازمة للكشف عن أسباب التلف في القطعة الأثرية، أو الأجهزة اللازمة لمتابعة تأثيرات العوامل الجوية والرطوبة وغيرها». وأشار أيضاً إلى «محدودية مواد الترميم التي تستخدم في مصر ونوعيتها، حيث يجب أن تتوافر اختيارات متنوعة لتمكين المرمم من اختيار المادة التي تناسب حالة القطعة».

ويرى عزت أن «المتحف المصري يمتلك مدرسة متميزة في الترميم وخبرات بشرية كبيرة، لكنه يواجه تحديات مضاعفة للحفاظ على مقتنياته، حيث يقع وسط العاصمة ذات التلوث المرتفع، وهو ما يعرض المعروضات لمشكلات كبرى».

من جانبه، يرى الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار الدكتور محمد عبد المقصود أن «المتحف المصري يحتاج إلى إعادة صياغة نظام الصيانة الدورية والترميم». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المتاحف التي افتُتحت حديثاً، مثل المتحف الكبير ومتحف الحضارة، تضم معامل ترميم تحتوي على أحدث الأجهزة التكنولوجية، وهو ما يحتاج إليه المتحف المصري». وأضاف أن «التمويل المالي ضروري لتحقيق ذلك، كي تُغيَّر وسائل الصيانة والترميم في المتحف». وحسب عبد المقصود، فإن «مصر تمتلك خبراء واختصاصيين في الترميم بكفاءة عالية، لكن أي خبير لا يمكنه إنجاز عمله بشكل جيد من دون أجهزة علمية متطورة».


مسلسل «عين سحرية» يحصد إعجاباً نقدياً في مصر

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
TT

مسلسل «عين سحرية» يحصد إعجاباً نقدياً في مصر

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)

على غرار «روبن هود» الذي كان يسرق الأغنياء ليطعم الفقراء ويساعد المحتاجين ويناصر المظلومين، يكشف المسلسل المصري «عين سحرية» كواليس عالم الكاميرات السرية التي تخترق الأنظمة وتراقب الفاسدين لتقتص منهم نيابة عن المجتمع.

وأثار المسلسل اهتماماً لافتاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وحاز إشادات من فنانين ونقاد، إذ وصفوه بأنه «من أفضل أعمال النصف الأول من رمضان»، لما يتمتع به من قوة الحبكة الدرامية، والسيناريو المميز، وتميز الحوار والصورة البصرية، وبراعة عناصره الفنية. علاوة على الأداء اللافت لبطليه عصام عمر، وباسم سمرة اللذين يشكلان ثنائياً ناجحاً ويقطعان رحلة محفوفة بالمخاطر لكشف رموز الفساد في المجتمع، مُزيحين الستار عن عالم خفي من الأسرار والفضائح.

المسلسل من قصة الكاتبة السورية والإعلامية لانا الجندي، في حين كتب المعالجة الدرامية والسيناريو والحوار هشام هلال. يضم بين أبطاله محمد علاء، وولاء شريف، وفاتن سعيد، وجنا الأشقر، وعمر شريف، وهو من إخراج السدير مسعود، والإنتاج لمحمد مشيش. يُعرض عبر قناة «أون» ومنصة «يانغو بلاي».

عصام عمر وباسم سمرة في لقطة من المسلسل (الشركة المنتجة)

تدور أحداث المسلسل في أجواء من الإثارة والتشويق من خلال شخصية «عادل» (عصام عمر)، وهو فني ماهر في تركيب كاميرات المراقبة ويعمل في توصيل الطلبات باستخدام «الموتوسيكل».

يتورط «عادل» في تركيب كاميرات لشقة سيدة ثرية، وعندما يعود إليها لاستعادة شيء نسيه، يكتشف جريمة قتل مروعة لرجل وعشيقته، تقف وراءها زوجته التي سجلت الكاميرات خيانته لها. يضبطه المحامي «زكي غالب» (باسم سمرة) داخل الشقة، ويطلب منه أن يشاركه في كشف الفاسدين عبر تركيب كاميرات سرية لهم، وابتزازهم، وإبلاغ الشرطة عنهم. يرفض عادل في البداية، ولكن مع تهديده لعائلته وحاجته الماسة للمال، يُجبر على خوض رحلة صعبة مليئة بالمخاطر.

يعيش «عادل» مع والدته وشقيقه الأصغر، ويعاني من ماضٍ يؤرقه ويفسد خطوبته، بسبب وفاة والده في السجن بعد اتهامه في قضية سرقة. وفي الوقت نفسه، يعاني من إدمان شقيقه الأصغر «حسن» (عمر شريف) على السرقة. أما «زكي غالب»، فيواجه ماضياً غامضاً ويزور طبيبة نفسية بسبب فقدان ابنته. تتطور علاقة «عادل» و«زكي» من الخوف إلى الثقة، بعدما يكتشف كل منهما الجوانب الإنسانية في الآخر.

ينقلنا المسلسل في رحلته إلى شوارع وسط القاهرة، التي تعكس مزيجاً بين المباني العتيقة والتطوير العمراني، لتكون شاهدة على رحلة البطل. ويصور المسلسل القاهرة ليلاً بشكل بديع، ليكشف عن سحرها وجمالها.

حاز المسلسل إعجاب عدد من الفنانين عبر حساباتهم على «فيسبوك»، حيث أشادت الفنانة سلوى محمد علي بأداء بطلي العمل، قائلة: «باسم سمرة وضع اسمه بين كبار (الجرندات) في تاريخنا، وعصام عمر أثبت أنه ممثل موهوب ومجتهد. وهذا لم يكن ليتحقق إلا بوجود (سكريبت) قوي ومخرج متميز»، مؤكدة أن «(عين سحرية) دراما جيدة الصنع ومكتملة».

الملصق الدعائي للعمل (الشركة المنتجة)

كتبت المخرجة هالة خليل على «فيسبوك»: «لتحكم على حجم موهبة ممثل، شاهد المشهد من دون صوت وركز في عين الممثل أولاً ثم تعبيرات وجهه. ولو تأثرت أو جذبك دون معرفة الحوار الذي تقوله الشخصية، فذلك يعني أنك أمام ممثل موهوب بالفعل»، مشيرة إلى أن «المشاهد الصامتة باتت شحيحة جداً في الدراما، وأصبح الحوار هو الذي يقود. رغم ذلك، لا يزال لدينا ممثلون لا يتركون الحوار يقودهم لأنهم أصحاب موهبة حقيقية»، مستعينة بصورتي عصام عمر وباسم سمرة.

ونشر صبري فواز صورة لباسم سمرة من العمل، وكتب مُشيداً بأدائه: «على الهادي خالص، وفي الحلو منه، ألماظ حر».

في ثالث عمل درامي له بمصر بعد «منعطف خطر» و«موعد مع الماضي»، تنطق لمسات المخرج السوري السدير مسعود الفنية بالتفرد عبر الكادرات والإضاءة والمونتاج. أما موسيقى خالد الكمار الموحية، فقد وصفها الناقد خالد عشري بأنها «الموسيقى الأجمل في دراما رمضان، وتتفوق في إبداعها على الموسيقيين العالميين».

ووصف الناقد المصري محمود عبد الشكور المسلسل بأنه من «أفضل ما شاهده حتى الآن من مسلسلات شكلاً ومضموناً وفكرة وبناء وتشويقاً»، وكتب عبر حسابه على «فيسبوك»: «إن (عين سحرية) حقّق هذه المكانة بفكرته الجيدة، ومعالجته الذكية، ورسم شخصياته، وحبكته العامة المشوقة والمُحكمة، بل وعلى مستوى حبكات فرعية متعددة، وبتكامل لافت لعناصره الفنية والتقنية».

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)

رأى الناقد طارق الشناوي أن مسلسل «عين سحرية» لفت الانتباه بداية من الفكرة التي كتبتها لانا الجندي، والسيناريو والحوار لهشام هلال، ثم الإخراج للسدير مسعود، وهو مخرج يتعامل بإحساس إبداعي، ويحيل الحالة الدرامية إلى صورة على الشاشة من خلال حركة الكاميرا، والإضاءة، والموسيقى، وتتر المطرب «ويجز» الذي يعبر عن حالة المسلسل.

مُشيراً في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «تسكين الأدوار مناسب للغاية، وأن عصام عمر هو النجم الجماهيري في جيله، وممثل لا يمكن تصنيفه (كوميديان) ولا (جان) ولا (كاركتر)، بل مزيج من كل هذا. كما أن دور باسم سمرة يحتوي على ملامح كثيرة تتجاوز التنميط»، لافتاً إلى «وجود كيمياء في الأداء بين باسم وعصام، وكذلك الأدوار النسائية التي تقدمها سما إبراهيم بشكل جيد، وجنا الأشقر التي يراها (موهوبة ووجهاً طازجاً على الشاشة)».