معرض السيرة النبوية بالرباط... زيارة «مستقبلية» للتاريخ

عدد زائريه تجاوز المليونين

هكذا تبدو الغرفة النبوية من خلال استخدام تقنية الواقع المعزز (الشرق الأوسط)
هكذا تبدو الغرفة النبوية من خلال استخدام تقنية الواقع المعزز (الشرق الأوسط)
TT

معرض السيرة النبوية بالرباط... زيارة «مستقبلية» للتاريخ

هكذا تبدو الغرفة النبوية من خلال استخدام تقنية الواقع المعزز (الشرق الأوسط)
هكذا تبدو الغرفة النبوية من خلال استخدام تقنية الواقع المعزز (الشرق الأوسط)

هي بالفعل رحلة عبر الزمن، يمتزج فيها عبق الماضي، ببشائر المستقبل وتقنياته، ليصنع المكان حالة فريدة من التجانس والتعايش مع سيرة، ربما يعرف كثير من الزوار بعض جوانبها، لكنهم يخوضون في هذه الرحاب تجربة مختلفة تماماً، تجعلهم يعودون 14 قرناً من الزمان، وهم يقطعون خطوات معدودة.

هنا في العاصمة المغربية الرباط، استطاع أكثر من مليوني زائر الطواف في جنبات التاريخ النبوي الشريف، حيث حطّت النسخة المتجولة الأولى لمتاحف السيرة النبوية، التي تحتضن المملكة العربية السعودية مقرها الرئيس بالمدينة المنورة، بيد أن القائمين على هذه النسخة أرادوا أن يمنحوا ملايين الزوار حول العالم الفرصة للتعرف على تلك التجربة الفريدة من دون مغادرة أوطانهم، على الرّغم من أن هذه النسخة لا تمثّل سوى 30 في المائة من حجم المعرض الأصلي بالمدينة المنورة.

جانب من المقتنيات التي استُلهمت من كتب السيرة وتوضح بساطة الغرفة النبوية حيث كان يعيش النبي صلى الله عليه وسلم (الشرق الأوسط)

يستضيف مقر منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) بالرباط «المعرض الدولي للسيرة النبوية والحضارة الإسلامية»، وكان من المقرر أن يدوم 6 أشهر فقط، بدأ في 17 نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، لكن الإقبال المتزايد، وطلبات الزيارة التي تنهال عبر الموقع الإلكتروني للمعرض، دفعت بالمسؤولين إلى تمديد زمن إقامته 6 أشهر أخرى، الأمر الذي استقبله المغاربة وضيوف المغرب من مختلف الجنسيات بسعادة بالغة، وسط مطالب رسمية من أكثر من 20 دولة عربية وإسلامية باستضافة نسخ مشابهة من المعرض الفريد.

معايشة بكل الحواس

يحتاج من يزور معرض السيرة النبوية إلى أن يشحذ كل حواسه من أجل الاستمتاع بجميع التفاصيل، ففي رحابه يخطو الزائرون وكأنهم يعودون إلى مكة والمدينة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يشاهدون مكونات الحياة اليومية لذلك العصر، ويعاينون مجسمات للمدينتين اللتين صنعتا تاريخ الإسلام في صدره الأول.

تبدأ الرحلة داخل المعرض الذي يضم 5 قاعات، في بهو الاستقبال الرئيسي، حيث تُعرض مجسمات بالخط العربي تحوي أسماء الأنبياء، مصحوبة بتجسيد لأبرز ما تتناوله قصته، فمثلاً تجد اسم نبي الله موسى مصحوباً برسم لثعبان يجسد أبرز ملامح المواجهة بين كليم الله وسحرة فرعون، كما يُعرض في البهو مجموعة من أحاديث الرسول محمد صلى الله عليه وسلم مكتوبة بخط عربي بديع، تجسد حكمة خاتم المرسلين وتعكس مبادئ رسالته العالمية.

بعض أدوات الحياة اليومية المستخدمة في الزمن النبوي كما يقدمها المعرض (الشرق الأوسط)

يدلف بعدها الزائرون بصحبة مرافقين من القائمين على المعرض، إلى مجسمات لغرف تحاكي واقع البيوت والحجرات على زمن النبوة، وهنا يفاجأ الزائر بأنه لا يرى فقط أدوات الحياة البسيطة آنذاك، ويشاهد الأسرة وأدوات الطهي وحتى أسلحة القتال المستخدمة في ذلك الزمن، بل إنه يشمّ أيضاً رائحة المكان الذي تغلب عليه مكونات النخيل.

عند خروج الزائر من تلك الغرفة التي تناظر مقاييس الغرف الشائعة في مكة والمدينة قبل 14 قرناً، ومنها الغرفة النبوية الشريفة، يتوقف أمام مجسمين للمدينتين، يقدم كل منهما وصفاً مرئياً للبيوت والشوارع والتضاريس الأساسية في زمن النبي، وعبر الإضاءة يمكن أن يرى الزائرون موقع البيت الذي ولد فيه خاتم المرسلين بمكة، والبيت الذي عاش فيه، وبيوت الصحابة البارزين، علاوة على موقع بيت الندوة الذي كان بمثابة «برلمان» قبيلة قريش وموقع اتخاذ قراراتها الكبرى، وغير ذلك من المعالم البارزة في المدينة التي كان ولا يزال بيت الله الحرام والكعبة المشرفة هما درتها التي تتوسط كل شيء.

يتكرر الأمر في «ماكيت» المدينة المنورة، حيث يتعرف الزائرون على أبرز معالمها في العصر النبوي، من أين دخلها الرسول صلى الله عليه وسلم، وأين أقام، وموقع مسجده الأول، والحجرات الشريفة وسقيفة بني ساعدة والبقيع وغيرها.

مجسم للكعبة المشرفة في الزمن النبوي كما يقدمها متحف السيرة النبوية بالرباط (الشرق الأوسط)

لوحات نابضة بالحياة

تتحوّل جدران المعرض نفسه إلى لوحات نابضة بالحياة، بفضل 50 شاشة ذكية وزعت في جنبات إحدى قاعاته الفسيحة، وهي تروي لمحات من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، إحداها تصف جسده الشريف وملابسه، وأخرى تروي مواقف من سيرته، وثالثة تستعرض علاقاته بأصحابه، ورابعة تقدم سيراً لأبرز الصحابة والصحابيات، فضلاً عن شاشات تستعرض جوانب من المواقف والوصايا النبوية في المواقف المختلفة، وتجسد سمو أخلاقه وصوراً من رحمته.

البهو الرئيسي للمعرض والمتحف الدولي للسيرة النبوية في نسخته الأولى بالرباط (الشرق الأوسط)

اللافت كما يقول المدير العام للمعرض الدولي للسيرة النبوية والحضارة الإسلامية، توفيق بن علي الشريف، والذي رافق «الشرق الأوسط» في جولتها، أن المعلومات التي تحتويها كل هذه الشاشات مستقاة ومدققة من أصحّ كتب السيرة، وهو ما ينطبق على كل المعروضات، ويشير إلى أن ذلك كان أحد الأسباب التي استدعت أن يستغرق إعداد المعرض وتجهيزه 17 عاماً كاملة، معظمها في عمليات البحث والتدقيق ومقارنة المعلومات بين كتب السيرة، حتى تكون كل كلمة ومعلومة وقطعة تُعرض أقرب ما تكون إلى ما استقر عليه علماء السيرة.

ويضيف الشريف أن الإقبال الهائل على المعرض الذي يصل إلى أكثر من 10 آلاف زائر يومياً، وما يزيد على ضعف هذا العدد في الإجازات ويومي الجمعة والسبت، دفع إدارة المعرض إلى تمديد إقامته، مشيراً إلى أن هناك مطالب رسمية من أكثر من 22 دولة عربية وإسلامية حول العالم لاستضافة هذه النسخة من المعرض المتجول.

وبالفعل تتطلب زيارة المعرض حجزاً مسبقاً يمتد إلى ثلاثة أشهر لتحديد موعد الزيارة، عبر الموقع الإلكتروني له، الذي يفتح أبوابه للزيارة أمام الجمهور العام مجاناً، من الساعة العاشرة صباحاً إلى الساعة الخامسة مساءً، طوال أيام الأسبوع، ما عدا يوم الاثنين.

جانب من الغرفة النبوية كما يعرضها متحف السيرة النبوية بالرباط (الشرق الأوسط)

وتحول المعرض إلى وجهة محببة لمعظم الوفود الرسمية التي تزور العاصمة المغربية، وكذلك للآلاف من طلاب المدارس والجامعات والمنظمات الأهلية التي باتت تنظم رحلات أسبوعية ليتمكن منتسبوها من الاستمتاع بمعايشة العديد من تفاصيل الحياة والسيرة النبوية الشريفة بأساليب غير مسبوقة من التفاعل والعرض.

توظيف أحدث التقنيات

من الأمور اللافتة بالفعل داخل المعرض هو ذلك التوظيف المدروس لأحدث التقنيات سواء في العرض، أو في عمل معايشة وسرد عصري لجوانب السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي في العصر الأول، وعن هذا يقول المدير العام للمعرض إن الأمر بالفعل دُرس بعناية، فهناك أجيال عديدة تزور المعرض، ويحتاج تقريب السيرة النبوية إلى أذهانهم أدوات متنوعة لتقديم هذه الرحلة المشوقة، ولهذا يمزج المعرض بين تقنيات العرض البصري والصوتي، كما تُستخدم تقنيات «الهولوغرام» في عرض بعض التصورات المبنية على معلومات مدققة للمقتنيات النبوية مثل خاتمه وسيفه وبعض الأدوات التي استخدمها، كما تُستخدم الشاشات ثلاثية الأبعاد لتقديم بعض جوانب السيرة في تجربة معايشة فريدة من نوعها، يراها الزائرون للمرة الأولى، إلى أن تصل تلك التجربة إلى ذروتها في آخر قاعات المعرض عندما يعيش الزائر عبر استخدام تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز، ومن دون الحاجة إلى النظارات المعتادة في هذه التقنية داخل الغرفة النبوية الشريفة، حيث عاش الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، ودفن فيها بعد وفاته، وتحوّلت اليوم إلى مزار لمئات الملايين من المسلمين.

داخل قاعة عرض الـVR، يجد الزائر نفسه وكأنه يسير بالفعل داخل مسجد الرسول في صورته الأولى بالزمن النبوي، تُفتح أمامه الأبواب ليرى تقسيم المسجد، وموقع بيت الرسول منه، وغرفة أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر، التي قضى فيها الرسول الكريم أيامه الأخيرة، وفيها دُفن صلى الله عليه وسلم، ومن بعده دُفن إلى جواره الخليفتان أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب. كما يرى الزائر شكل البنيان الذي يحيط بالمقام النبوي الشريف، وهي صور لا يراها حتى الزائر الفعلي للمسجد النبوي؛ إذ تقتصر رؤيته على واجهة جدار السلام على الرسول صلى الله عليه وسلم، من دون أن تتاح له الفرصة ليرى ما وراء ذلك الجدار، لكنه في هذه القاعة وعبر أحدث تقنيات العرض والمعايشة، يدخل إلى ما وراء ذلك الجدار في رحلة بانورامية تستعرض تطور حجرة أم المؤمنين عائشة منذ إغلاقها بعد وفاتها ودفنها بالبقيع إلى البناء المخمّس الذي أقامه عمر بن عبد العزيز، ثم شكل الغرفة والجدران المتعددة التي بنيت حول الحجرة حتى العصر الحاضر.

يتضمن المعرض كذلك جزءاً آخر يُعرض في قاعة منفصلة هو «معرض صلة المغاربة بالجناب النبوي الشريف، جمال المحبة والوفاء»، الذي تشرف عليه الرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب.

ويضم هذا المعرض كنوزاً تراثية مغربية، تتنوع ما بين مخطوطات تاريخية، ولوحات وعملات نادرة، ونماذج من العمارة والزخارف والنقوش المغربية، التي تجسد ارتباط المغاربة عبر العصور بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم.


مقالات ذات صلة

«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

يوميات الشرق بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)

«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

نظمت مصر بطولتين رياضيتين للترويج لمقاصدها السياحية عبر السياحة الرياضية، في إطار تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري، والترويج للمنتجات السياحية المتنوعة.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)

المتحف المصري الكبير ضمن قائمة عالمية لأفضل المعالم السياحية في 2026

جاء المتحف المصري الكبير ضمن الأماكن التي اختارها تقرير عالمي للزيارة خلال 2026، وفقاً لما نشرته مجلة «Time»، مسلطة الضوء على أفضل المعالم السياحية والأثرية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق معبد أبو سمبل من المواقع السياحية المهمة في مصر (وزارة السياحة والآثار)

مصر: استثناء المنشآت السياحية من إجراءات الإغلاق المبكر

أعلنت وزارة السياحة والآثار استثناء المنشآت السياحية من إجراءات الإغلاق المبكر الاستثنائية التي أعلنتها الحكومة المصرية

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)

السعودية تتقدم 10 مراتب في تقرير السعادة العالمي

حقَّقت السعودية تقدماً لافتاً في تقرير السعادة العالمي لعام 2026، إذ جاءت في المرتبة الـ22 عالمياً من بين 147 دولة، بتقدم 10 مراتب عن ترتيبها العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا إقبال سياح على زيارة الآثار المصرية أواخر العام الماضي (وزارة السياحة المصرية)

ما تداعيات حرب إيران على الإشغال السياحي في عيد الفطر بمصر؟

أثارت الحرب الإيرانية تخوفات في مصر من تداعياتها السلبية على قطاع السياحة الحيوي، خصوصاً مع قيود حركة السفر من دول خليجية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

كيف تعرف أن طفلك يعاني من نقص الثقة بالنفس؟ 3 علامات تحذيرية

معظم الأطفال لا يعبّرون صراحةً عن شعورهم بانخفاض تقدير الذات أو حاجتهم إلى دعم نفسي (بيكسلز)
معظم الأطفال لا يعبّرون صراحةً عن شعورهم بانخفاض تقدير الذات أو حاجتهم إلى دعم نفسي (بيكسلز)
TT

كيف تعرف أن طفلك يعاني من نقص الثقة بالنفس؟ 3 علامات تحذيرية

معظم الأطفال لا يعبّرون صراحةً عن شعورهم بانخفاض تقدير الذات أو حاجتهم إلى دعم نفسي (بيكسلز)
معظم الأطفال لا يعبّرون صراحةً عن شعورهم بانخفاض تقدير الذات أو حاجتهم إلى دعم نفسي (بيكسلز)

لا تُبنى ثقة الطفل بنفسه بين ليلة وضحاها، بل تتشكل تدريجياً من خلال تجاربه اليومية، وطريقة تعامله مع التحديات، والدعم الذي يتلقاه من محيطه. وفي عالم يمتلئ بالمقارنات والضغوط، يصبح الانتباه إلى إشارات ضعف الثقة بالنفس لدى الأطفال أمراً بالغ الأهمية، إذ قد تؤثر هذه الثقة بشكل مباشر في سعادتهم وأدائهم ومستقبلهم.

في هذا السياق، تؤكد سيندرا كامفوف، مدربة الأداء الذهني، أن على الآباء الانتباه إلى مستوى ثقة أطفالهم بأنفسهم وتقديرهم لذواتهم، إذا كانوا يرغبون في تنشئتهم ليصبحوا بالغين ناجحين ومتوازنين، وذلك حسب تقرير نشرته شبكة «سي إن بي سي».

وتوضح كامفوف، مؤسسة معهد «القوة الذهنية» - شركة متخصصة في تدريب القادة والرياضيين على المهارات الذهنية - أن «الثقة بالنفس تُعد من أقوى المؤشرات على الأداء والسعادة والنجاح». وتضيف: «تنمية الثقة بالنفس رحلة مستمرة تمتد طيلة الحياة، لأننا جميعاً نواجه عقبات وتحديات قد تؤثر على نظرتنا إلى أنفسنا».

ورغم أهمية هذا الجانب، فإن معظم الأطفال لا يعبّرون صراحةً عن شعورهم بانخفاض تقدير الذات أو حاجتهم إلى دعم نفسي. لذلك، تنصح كامفوف الآباء بالانتباه إلى العلامات غير المباشرة، سواء في كلام الطفل أو سلوكه. فطريقة حديثه عن نفسه، أو لغة جسده، قد تكشف الكثير عمّا يشعر به داخلياً، خصوصاً إذا بدا متردداً أو غير قادر على التعبير عن مشاعره الحقيقية.

فيما يلي ثلاث علامات تحذيرية قد تشير إلى أن طفلك يعاني من ضعف في ثقته بنفسه ويحتاج إلى دعم:

1. الحديث السلبي مع الذات

تُعد هذه من أبرز الإشارات على تدني تقدير الذات. فقد يلوم الطفل نفسه باستمرار عند الفشل، أو يعبّر عن ذلك بعبارات قاسية مثل: «أنا فاشل» أو «أنا غبي جداً». وقد يتجاوز الأمر ذلك إلى توقع الفشل مسبقاً، كأن يعتقد أنه لن ينجح في اختبار، أو لن يتمكن من تعلم مهارة جديدة.

في مثل هذه الحالات، تنصح كامفوف بتذكير الطفل بأن الإخفاقات والتعثرات المؤقتة لا تُعرّف هويته ولا تحدد قدراته. كما يمكن تعليمه النظر إلى الفشل بوصفه فرصة للتعلم والنمو، بدلاً من اعتباره نهاية الطريق.

2. المقارنة المفرطة مع الآخر

تشير كامفوف إلى أن المقارنة المستمرة مع الأقران، خصوصاً من يبدون أكثر تفوقاً، قد تكون مؤشراً واضحاً على ضعف الثقة بالنفس. وتوضح أن المقارنة بحد ذاتها سلوك طبيعي، إذ تساعد الإنسان على فهم موقعه في محيطه، لكنها تصبح مشكلة عندما تتحول إلى معيار دائم للحكم على الذات.

وللتعامل مع ذلك، توصي بتوجيه الطفل للتركيز على الجوانب التي يمكنه التحكم بها، بدلاً من الانشغال بما لدى الآخرين. ويمكن للآباء طرح أسئلة تساعد الطفل على التفكير بشكل إيجابي، مثل: «ماذا تخبرك هذه المقارنة عما تريده حقاً؟» أو «ما الذي يهمك في هذا الأمر؟». وتُعد الإجابات عن هذه الأسئلة مدخلاً مهماً لوضع أهداف واقعية والعمل على تحقيقها، وهو ما تؤكد كامفوف أنه من أقوى الطرق لتعزيز الثقة بالنفس.

3. لغة الجسد وانخفاض الطاقة

حتى في حال غياب التصريحات السلبية، قد تعكس لغة الجسد ما يدور داخل الطفل. فقد يبدو أقل حيوية، أو يميل إلى الانطواء، أو يتجنب المشاركة في أنشطة كان يستمتع بها سابقاً. كما قد تلاحظ انحناء كتفيه، أو قلة ابتسامته، أو انخفاض طاقته بشكل ملحوظ.

وتشير كامفوف إلى أن هذه التغيرات قد تكون نتيجة لصوت داخلي ناقد لا يعبّر عنه الطفل بالكلام. لذا، من المهم أن يكون الآباء قدوة في التعامل الإيجابي مع المشاعر، من خلال إظهار طرق صحية لإدارة التوتر والإحباط، بدلاً من كبتها.

وبدلاً من مطالبة الطفل بالتفاؤل القسري، ينصح خبراء التربية بتعليمه التعرف على مشاعره وتسميتها، في خطوة أولى نحو فهمها والتعامل معها.


دمية من تصميم طفل تُحلِّق مع «أرتميس 2» حول القمر

تميمة صغيرة تؤدي دوراً علمياً في رصد انعدام الجاذبية (رويترز)
تميمة صغيرة تؤدي دوراً علمياً في رصد انعدام الجاذبية (رويترز)
TT

دمية من تصميم طفل تُحلِّق مع «أرتميس 2» حول القمر

تميمة صغيرة تؤدي دوراً علمياً في رصد انعدام الجاذبية (رويترز)
تميمة صغيرة تؤدي دوراً علمياً في رصد انعدام الجاذبية (رويترز)

في إنجاز علمي لافت، تتهيّأ وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) لإطلاق مهمّة «أرتميس 2»، التي ستقلّ 4 رواد فضاء في رحلة تحليق حول القمر، في أول محاولة من نوعها منذ أكثر من نصف قرن، وترافقهم في تلك الرحلة دمية محشوّة جديدة.

ذكرت «الإندبندنت» أنّ هذه الدمية تصطحبهم في الرحلة «رايز»، وهي ظريفة بحجم كرة ليّنة، ترتدي قبعة بيسبول تستحضر إرث مهمّة «أبولو 8» الرائدة عام 1968. وتؤدّي وظيفة علمية دقيقة بوصفها مؤشراً لانعدام الجاذبية، إذ تتيح لرواد الفضاء التحقُّق بصرياً من بلوغهم بيئة الجاذبية الصفرية في الفضاء الخارجي.

مع ذلك، لا يقتصر دور «رايز» على هذه المهمّة، إذ تحمل في جوفها بطاقة ذاكرة تضم أسماء 5.6 مليون شخص من مختلف أنحاء العالم، في هذه الرحلة التاريخية.

«رايز» تحمل في داخلها أسماء ملايين المشاركين من أنحاء العالم (رويترز)

لماذا «رايز»؟

اختيرت الدمية المُبتسمة، التي صمَّمها طالب في الصفّ الثاني الابتدائي من شمال كاليفورنيا يُدعى لوكاس يي، من بين أكثر من 2600 تصميم، ضمن مسابقة «تميمة القمر» التي نظَّمتها «ناسا».

وترتدي «رايز» قبّعة مزينة بصورة لكوكب الأرض وصاروخين منطلقين ونجوم متلألئة، مستوحاة من الصورة الشهيرة «شروق الأرض» التي التُقطت عشية عيد الميلاد خلال مهمّة «أبولو 8» على يد رائد الفضاء بيل أندرس.

وتنسجم هذه الرمزية مع روح المهمّة، وفق رائدة الفضاء كريستينا كوتش، التي أوضحت أنّ صورة «شروق الأرض» تُعدّ مصدر إلهام رئيسياً للمهمّة، مشيرةً إلى أنها مهمّة تتجلّى من خلالها ذوات الطاقم. وصرّحت لـ«فوكس 35 أورلاندو»: «لقد دمجنا ذلك في مهمّتنا وفي أخلاقياتنا وقيمنا، نحن فريق العمل».

وتُعد «رايز» ثاني مؤشر لانعدام الجاذبية ضمن برنامج «أرتميس»، بعدما حملت رحلة «أرتميس 1» الناجحة عام 2022 شخصية «سنوبي» الشهيرة في سلسلة القصص المصوَّرة «بيناتس»، التي تُستَخدم منذ عقود تميمةً لوكالة الفضاء. والمؤشّرات هي أشياء صغيرة يمكنها الطفو في الفضاء ليعلم من خلالها طاقم العمل أنه قد غادر الغلاف الجوّي للأرض.

ويعود هذا التقليد إلى عام 1961، حين اصطحب رائد الفضاء السوفياتي الشهير يوري غاغارين معه دمية صغيرة خلال أول رحلة بشرية إلى الفضاء، وفق صحيفة «فلوريدا توداي».

وقد تبنَّت وكالة «ناسا» هذا التقليد لاحقاً، إذ سمحت عام 1990 بتحليق دمية تُجسّد شخصية «سنوبي» الكرتونية على متن مكوك الفضاء «كولومبيا».

حضور رمزي يرافق رحلة علمية تعيد الإنسان إلى جوار القمر (أ.ف.ب)

الصلة بمهمّة «أبولو 8»

كانت «أبولو 8» أول مهمّة فضائية تحمل بشراً إلى القمر ثم تعيدهم إلى الأرض.

وعلى غرار مهمّة «أرتميس 2»، لم يهبط طاقم تلك الرحلة على سطح القمر، بل داروا حول جانبه الخلفي قبل العودة إلى الأرض.

وقد أمضى رواد الفضاء فرانك بورمان، وجيمس لوفيل، وويليام أندرس نحو 20 ساعة في الدوران حول القمر قبل التوجُّه عائدين إلى الأرض. واستغرقت المهمّة بأكملها ما يزيد قليلاً على 6 أيام، قبل أن يهبط الطاقم في مياه المحيط الهادئ.

ومن المُنتظر أيضاً أن يُسجّل رواد «أرتميس 2» إنجازات تاريخية، فإلى جانب ريد وايزمان، قائد المهمّة التابعة لـ«ناسا»، من المتوقَّع أن تصبح كريستينا كوتش، أول امرأة تذهب إلى القمر، وأن يصبح فيكتور غلوفر، الطيار التابع لـ«ناسا»، أول رجل أسود يذهب إليه أيضاً.

ومن المتوقَّع كذلك أن يصبح زميلهم جيرمي هانسن، رائد الفضاء في وكالة الفضاء الكندية، أول شخص غير أميركي يُحقّق هذا الإنجاز.

وتُعد «أرتميس 2» ثاني رحلة من 5 رحلات ضمن برنامج «أرتميس» الذي تقوده «ناسا» والهادف إلى إيصال رواد الفضاء إلى القمر، تمهيداً لإنشاء قاعدة دائمة عليه. وفي حال سارت المهمة بسلاسة، فمن المتوقَّع أن تنطلق المرحلة التالية عام 2027.


أكبر سلحفاة في العالم تنجو من «وفاة رقمية»

«جوناثان» التي عاصرت قروناً... تتجاوز الشائعة (جزيرة سانت هيلانة)
«جوناثان» التي عاصرت قروناً... تتجاوز الشائعة (جزيرة سانت هيلانة)
TT

أكبر سلحفاة في العالم تنجو من «وفاة رقمية»

«جوناثان» التي عاصرت قروناً... تتجاوز الشائعة (جزيرة سانت هيلانة)
«جوناثان» التي عاصرت قروناً... تتجاوز الشائعة (جزيرة سانت هيلانة)

لا تزال «جوناثان»، أكبر سلحفاة معروفة في العالم، على قيد الحياة، خلافاً لمنشور تداولته وسائل التواصل الاجتماعي على نطاق واسع، وتبيَّن أنه مجرَّد خدعة.

كان حساب على منصة «إكس» انتحل صفة «جو هولينز»، وهو طبيب بيطري سبق له رعاية «جوناثان»، قد نشر تدوينة ذكر فيها أنه «مفطور القلب لمشاركة خبر» وفاة السلحفاة في جزيرة «سانت هيلانة» عن 193 عاماً.

ونشرت وسائل إعلام عالمية، بما في ذلك «بي بي سي» و«يو إس إيه توداي» و«ديلي ميل»، تقارير إخبارية استناداً إلى ذلك المنشور.

وصرّح هولينز لصحيفة «يو إس إيه توداي» لاحقاً: «السلحفاة (جوناثان) على قيد الحياة تماماً. أعتقد أنّ الشخص الذي انتحل شخصيتي على منصة (إكس) يطلب تبرعات بالعملات الرقمية، لذا فالأمر ليس مجرّد كذبة أبريل (نيسان)، بل هي عملية احتيال».

كما أكد حاكم سانت هيلانة، نايجل فيليبس، في رسالة بريد إلكتروني لشبكة «بي بي سي»: «نؤكد أنّ (جوناثان) حيّة تُرزق».

ورغم أنّ العمر الدقيق لـ«جوناثان» غير معروف، فإن صورة فوتوغرافية التُقطت عام 1882 تظهر أنها كانت مُكتملة النمو عند وصولها للمرّة الأولى إلى الجزيرة، حيث عاشت في حدائق «بلانتيشن هاوس»، المقرّ الرسمي لحاكم سانت هيلانة.

ويشير الخبراء إلى أنّ هذا يرجّح بلوغها سنّ الخمسين تقريباً في ذلك الوقت.

وعاصر «جوناثان» عهود 8 ملوك بريطانيين على الأقل، والتقى كلّاً من الملك جورج السادس والملكة المستقبلية إليزابيث الثانية خلال زيارتهما للجزيرة عام 1947.

كما التقت السلحفاة العملاقة السير ليندسي عام 2024، حيث تسلَّمت شهادة من موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية تقديراً لها على أنها أكبر حيوان برّي معروف في العالم.