إدفارت مونك الأقل قلقاً في معرض بشيكاغو

يلقي ضوءاً جديداً على العالم المضطرب للفنان

لوحة شخصية 1926 (أرتيستس رايتس سوسياتي ARS)
لوحة شخصية 1926 (أرتيستس رايتس سوسياتي ARS)
TT

إدفارت مونك الأقل قلقاً في معرض بشيكاغو

لوحة شخصية 1926 (أرتيستس رايتس سوسياتي ARS)
لوحة شخصية 1926 (أرتيستس رايتس سوسياتي ARS)

يُعد معرض أعمال الرسام والطبّاع النرويجي إدفارت مونك في معهد كلارك للفنون بشيكاغو عرضاً ممتعاً. ممتع رغم كل شيء. النوع المثير الذي يأتي من رؤية رسام حديث وبارز في ضوء جديد أوسع ونابض بالحياة. هذا هو الإنجاز الذي حققه المعرض الذي يستضيفه معهد كلارك الفخم، والذي يحمل عنوان «إدفارت مونك: الأرض المرتجة».

«فتيات على الجسر» لإدفارت مونك (أرتيستس رايتس سوسياتي ARS)

الفنان الذي نراه هنا من خلال لوحاته الـ47 والكثير من المطبوعات تقريباً في هذا المعرض ليس فقط عرّاب التعبيرية التصويرية. كما أنه ليس الرسام العصبي المدمن للوحة «الصرخة» لعام 1893 -وهو عمل فني ثوري، وفي الوقت الحالي، هي أحد مكونات الثقافة الشعبية. وهو ليس مونك الذي كان يُنظر إليه عادةً كطبّاع بارع ومبتكر، ولكنه فُقد أثره كرسام ودخل في انحدار بعد أن تعافى من انهيار عصبي.

يعتمد هذا المعرض، وهو الأول من نوعه في الولايات المتحدة، نهجاً جديداً من خلال التركيز على استخدام مونك للمناظر الطبيعية -سواء موضوعاً أساسياً أو خلفية- ودور الطبيعة منبعاً بصرياً وعاطفياً وفلسفياً لعمله. ومن دون الكثير من الضجيج، فإن المعروضات تعطي مساحة متساوية لمونك مبكراً ومتأخراً، ويظهر من خلالها شعور جديد من الاتساق، والغريب أنها تعتمد على القلق نفسه. رفض مونك الركون للسكون؛ ويمكن لحركته المستمرة أن تُعيد إلى الأذهان أعمال سيغمار بولكه، الفنان الألماني الجوّال العظيم لفترة ما بعد الحرب.

رجال يحفرون مع حصان وعربة (Muchmuseet/Sevin Nadersen)

نُظم معرض «الأرض المرتجة» بواسطة جاي كلارك، أمينة المطبوعات والرسومات في معهد شيكاغو للفنون. وقد تعاونت مع الكاتبة ترين أوتي باك نيلسن في متحف مونك في أوسلو، النرويج، ومع جيل لويد، الأمينة المستقلة ذات الصلة بهذا المشروع، مع مُتحف باربيريني في بوتسدام، ألمانيا، حيث سوف يُعرض في فصلي الشتاء والربيع القادمين.

يستفيد المعرض من الترتيب الموضوعي، في ستة أقسام، بدءاً من «في الغابة» إلى «الأماكن المختارة». وتشمل جميعها تقريباً لوحات مبكرة ومتأخرة، فضلاً عن المطبوعات. ويمكن للزائر مقارنة التواريخ، والمواضيع، والوسائط، إضافةً إلى التعديلات في الأسلوب، من الأكاديمي الفضفاض إلى الارتجالية اللافتة للنظر، وحتى التجريدية. وتتراوح اللوحة نفسها من سُمك الألوان إلى طبقات اللون الخفيفة. كل هذا يسهم في جعل مونك أكثر حيوية وأهمية كرسام، ناهيكم بكونه رساماً مُلَوِّناً.

الغابة الخيالية (أرتيستس رايتس سوسياتي ARS)

القسم الافتتاحي، «في الغابة»، يتقافز بكم بقوة بين درجات مختلفة الألوان. الأول هو المشهد الطبيعي الوردي الداكن النابض بالحياة مع المناظر الخضراء في لوحة «من ثورينغروالد» لعام 1905، إن لوحة «غابة ألم في الربيع» (1923) القاسية تترجم التوتر العاطفي إلى جذوع مجوفة ملتوية من الأفرع والأطراف المُحكمة، والمجهدة صوب الأعلى. ويبدو كل شيء متحركاً في «الغابة السحرية» (1919 - 1925)، التي يتقدم تكوينها عبر أشكال مفعمة بالحيوية ومثيرة للقلق، تُحدد طريقاً وأشجاراً وسماء زرقاء حيث تتساقط الأغصان السوداء الرقيقة على صفحة السحب البيضاء. وتحدق الأشكال السطحية الهزيلة المستمدة من الرياح للأم وطفلتها في دهشة، أو رهبة، من الحافة السفلية.

شجرة تفاح في الحديقة (أرتيستس رايتس سوسياتي ARS-Muchmuseet)

على النقيض، يكشف قسم «المناظر الطبيعية المزروعة» عن أن الواقعية لدى مونش يمكن أن تصير شاملة عندما يتحول إلى حيوانات المزارع، مثل الخيول. لكن لوحة «حرث الربيع» (1916) تُعيد النظر في منظر خلابي من الألوان الوردية توازنها النغمات النارية والزرقاء لزوج من الخيول الصغيرة الأشبه بلعب الأطفال. ويشير الكثير من اللوحات إلى أن أشجار التفاح نادراً ما أخفقت مع مونش. في لوحة «فتاة تحت شجرة التفاح» (1904)، تستمر معالجته التعبيرية نسبياً للمشهد حتى قمة الشجرة، التي يبدو أنها تتحور إلى فورة سريالية من اللون الأخضر الزلق.

تمتد اللوحات الست من «العاصفة والثلج» على مدى ثلاثة عقود، وتشكل الجزء الأصغر والأكثر مثالية في المعرض. مثل «الغابة السحرية»، غالباً ما يكون الطقس عنصراً نشطاً هنا، كما هو الحال بالنسبة إلى اللون الأزرق الرقيق العميق، الممزوج بالأبيض الثلجي، الذي يتميز به الشفق القطبي للشتاء الممتد في النرويج. ويُتوج المعرض بلوحة «الليلة النجمانيّة» (1922 - 1924)، وهي واحدة من آخر الإصدارات من تيمة متكررة. وهي تشتمل على ظله وهو ينظر نحو أضواء أوسلو تحت النجوم، من سلالم منزله على مشارف المدينة.

ليلة مرصعة بالنجوم (أرتيستس رايتس سوسياتي ARS-Muchmuseet)

تهيمن لوحات مونك المبكرة والالتياع الفاتن على قسم «على الشاطئ». تطرح لوحة «ضوء القمر» (1895) الأساسيات: التكوين البسيط للأرض، والشاطئ، والمياه، والسماء، والقمر الذي يخترق انعكاسه العمودي عبرها كلها. تُقرب لوحة «ليلة الصيف على الشاطئ» (1902 - 1903) المشهد لمزيد من التفاصيل، لا سيما في تكتلات من الصخور الوردية ثم تلك المغطاة بالطحالب. في لوحة «الشاطئ» (1904) -على مرأى من الجمهور في هذا البلد للمرة الأولى- الصخور أكبر وأقرب، كل منها يعرض تكوينات مختلفة من ألوان الباستيل. تبدو جميعها حية، وبعضها يشبه الوجوه. لكن الارتجالات المفتوحة للتعبيرية التجريدية تتبادر إلى الأذهان كذلك.

القسم الأقل إثارة للاهتمام هو «دورات الطبيعة»، لكن سوف تجد هنا ليثوغراف (مطبوعة حجرية) من لوحة «الصرخة» ترجع لعام 1895 -الصورة المستوحاة، كما قال، «صرخة الطبيعة». في الجوهر، فإنها تُطلق انخراط مونك في المناظر الطبيعية بجلبة واضحة، وذلك باستخدام الجسر الذي ينحسر سريعاً لاستحضار الصوت الذي يتلاشى بصرياً في الزمان والمكان. وبمثل القدر من الأهمية تأتي لوحة «الشمس» (1912)، في دويّ آخر يصوّر بزوغاً بصرياً خيالياً من النور الساطع ضمن كتلة متألقة من الأقواس والنقاط والشرطات التي تتحرك من اللون الباهت إلى الآخر النابض بالحياة. سطحه الملموس يمنح التصوف صلابة ترابية.

فتاة تحت شجرة التفاح (أرتيستس رايتس سوسياتي ARS)

أخيراً، تركز لوحة «الأماكن المختارة» على تصوير مونك أماكن محددة. اللوحة الأكثر لفتاً للنظر هنا هي «الموجات»، وهي ببساطة سلسلة من أشرطة أفقية ذات الفتحات العرضية المتقاطعة سريعاً باللون الأخضر الهادئ، والأزرق، والأرجواني التي تُشاهد هنا للمرة الأولى أيضاً.

يعود تاريخ هذه اللوحة إلى عام 1908، وهي واحدة من أكثر اللوحات التجريدية في عصره. مع ذلك، وفي الجوار، هناك ثلاث لوحات أخرى من نفس العام، تعرّض اللون الأزرق فيها إلى الانضغاط عبر الفتحات المتقاطعة ليخدم تصوير السماء والبحر خلف التصاميم التقليدية الصارخة لرجال أقوياء مجردين. لم تكن لدى مونش أي نية في التزام السكون، وهذا ما يجعله رساماً ملائماً لعصرنا.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«مدد مدد»... لوحات فطرية لتجليات الفلكلور في عالم حسن الشرق

يوميات الشرق من أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)

«مدد مدد»... لوحات فطرية لتجليات الفلكلور في عالم حسن الشرق

 يبدو عالم الفنان المصري الراحل حسن الشرق، بفضائه الحالِم المشبع بموتيفات الفلكلور الشعبي، متناغماً مع الأصداء الروحية التي يستدعيها معرض «مدد... مدد».

منى أبو النصر (القاهرة )
يوميات الشرق طقوس رمضان والفوانيس في لوحات المعرض (الشرق الأوسط)

«رمضانيات»... معرض قاهري يحتفي بـ«نوستالجيا» شهر الصوم

تحت عنوان «رمضانيات» استضاف غاليري «دروب» وسط القاهرة معرضاً فنياً يستلهم فضاءات ومشاهد تستدعي روح الشهر، وتعيد قراءتها بصرياً عبر حالة من «النوستالجيا».

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق الكتابة تتحوَّل إلى تضاريس بصرية تتدفَّق فيها مساحات الأحمر (فادي بلهوان)

فادي بلهوان... الكلمات عمارة بصرية

تعتمد اللوحات على مواد هادئة مثل الألوان المائية ودرجات الباستيل، وهو اختيار يمنح السطح نوعاً من الشفافية البصرية.

فاطمة عبد الله (بيروت)
لمسات الموضة أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

استعمل «إيرديم» منذ انطلاقته في عام 2005 أساليب تقليدية في تصاميم مبتكرة تحمل بصمة يمكن التعرف عليها من بعيد من دون صراخ «اللوغوهات».

جميلة حلفيشي (لندن)
يوميات الشرق لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

فنانون من السعودية ومصر يحتفون باليوم العالمي للمرأة

احتفاءً باليوم العالمي للمرأة الذي يحل في 8 مارس (آذار) نظّم «ملتقى عيون الدولي للفنون التشكيلية» معرضاً يستلهم قضايا المرأة، ويحتفي بإبداع الفنانات.

محمد الكفراوي (القاهرة )

جدل في مصر بعد وقف عرض «اعترافات سفاح التجمع»

جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)
جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)
TT

جدل في مصر بعد وقف عرض «اعترافات سفاح التجمع»

جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)
جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)

أوقفت «هيئة الرقابة على المصنفات الفنية» في مصر عرض فيلم «اعترافات سفاح التجمع» بعد وقت قصير من طرحه بالصالات السينمائية مع انطلاق موسم عيد الفطر السينمائي.

أوقفت «هيئة الرقابة على المصنفات الفنية» في مصر عرض فيلم «اعترافات سفاح التجمع» بعد وقت قصير من طرحه بالصالات السينمائية مع انطلاق موسم عيد الفطر السينمائي، وهو الفيلم الذي كتبه ويخرجه السيناريست محمد صلاح العزب في أولى تجاربه الإخراجية ويقوم ببطولته أحمد الفيشاوي.

وأرجعت الرقابة قرار الوقف في بيان (الجمعة) إلى تضمن النسخة المطروحة للعرض مشاهد وأحداث لم ترد بالنص المجاز رقابياً ولا بنسخة العمل التي تم تقديمها للحصول على إجازة الفيلم النهائية، فضلاً عما تضمنته النسخة المطروحة من مشاهد عنف حاد وقسوة اعتبرت مخالفة لشروط الترخيص.

وأكَّدت الرقابة مخاطبه جهة الإنتاج لاتخاذ ما يلزم للالتزام بالنص وبالسيناريو والحوار المجاز وحذف جميع المشاهد غير المجازة رقابياً مع ضمان توافق المحتوى مع التصنيف العمري للعمل وشروط العرض، على أن يعاد بعد تنفيذ كل هذه الملحوظات عرضه على الرقابة وفي حالة الالتزام بهذا سيتم إعادة السماح بعرض الفيلم في الصالات.

الفيلم المأخوذ عن قصة حقيقية لسفاح اعتاد استدراج النساء وقتلهن في شقة مجهزة بعد تخديرهن، حقق في يوم عرضه الأول إيرادات بلغت نحو 565 ألف جنيه (الدولار يساوي 52.13 جنيه في البنوك) بعد إتاحته في 43 صالة سينمائية وتم عرضه في ليلة عيد الفطر بعد الإفطار في الصالات بمتوسط من حفلتين إلى 3 حفلات، وبإجمالي تذاكر مباعة بلغ نحو 3700 تذكرة وفق بيانات موزعين سينمائيين حيث حلَّ الفيلم ثالثاً في ترتيب شباك التذاكر المصري، من بين 4 أفلام جرى عرضها.

المخرج محمد صلاح العزب أمام الملصق الترويجي للفيلم (حسابه على فيسبوك)

وكتب مؤلف ومخرج الفيلم محمد صلاح العزب عبر حسابه على «فيسبوك» استغاثة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، معتبراً أن ما يحدث «اغتيال لفيلم رفع شعار كامل العدد في أول عروضه بالصالات» مستشهِداً بالإيرادات في شباك التذاكر بعد طرحه في نصف عدد الصالات فقط التي كان يفترض أن تستقبله، وليس مجرد «تعنت رقابي».

وأكد أن «سحب الفيلم بعد الموافقة على عرضه يعد ضربة لصناعة السينما»، لافتاً إلى أن الحديث عن كون الفيلم «دموياً» يحمل ازدواجية في المعايير لكون مصر تسمح بعرض أفلام عالمية أكثر دموية بينما يقدم «اعترافات سفاح التجمع» تشريحاً فنياً ونفسياً لواقع موجود.

واعتبر الناقد طارق الشناوي في تدوينة عبر حسابه على «فيسبوك» أن قرار سحب التصريح الخاص بالفيلم بعد إجازته بمثابة «ضربة مباغتة لصناعة السينما وحرية التعبير»، مطالباً رئيس الرقابة بالمسارعة لإلغاء قرار الحظر المنسوب إليه.

ووصف الناقد الفني خالد محمود لـ«الشرق الأوسط» قرار منع الفيلم بعد إجازته وبدء عرضه بـ«الملتبس» الذي يحمل قدراً كبيراً من الغموض ويؤدي لهز الثقة بين صناع السينما والرقابة، لافتاً إلى أن هذا القرار يبدو مخالفاً لنهج رئيس جهاز الرقابة الحالي الذي أجاز أعمال واجهت رفض مسبق.

وخلال فترة عمل عبد الرحيم كمال كرئيس للرقابة بمصر والتي بدأت في فبراير (شباط) 2025 جرى إجازة عرض بعض الأعمال التي رفضت في عهد سلفه خالد عبد الجليل منها «الملحد» لأحمد حاتم، والفيلم القصير «آخر المعجزات» الذي عرض السنة الماضية في مهرجان «القاهرة السينمائي».

أحمد الفيشاوي على الملصق الترويجي للفيلم (حساب المخرج على فيسبوك)

ويشعر خالد محمود بالقلق تجاه ما ورد في بيان الرقابة حول مشاهدة نسخة من العمل وعرض نسخة أخرى بالصالات السينمائية لكون هذا الأمر لم يحدث من قبل مع أي عمل سينمائي ويستوجب إن صح المحاسبة على هذا الأمر، مؤكداً أن صناع الفيلم لو لديهم ملاحظات بشأن العمل مع الرقابة أن يستمروا في التواصل لحين الوصول لرؤية واضحة قبل عرض الفيلم.

وأكَّد أن حديث الرقابة عن «مشاهد العنف الحاد والقسوة» تثير التساؤل أيضاً حول ما إذ كانت وافقت بالفعل على هذه المشاهد من قبل وفوجئت برد فعل جماهيري أم أنها لم تشاهدها من الأساس، لافتاً إلى أن الكثير من الأمور سيتضح بشكل تدريجي خلال الأيام المقبلة.


عيد الفطر هذا العام... بهجة متردِّدة وأملٌ لا ينطفئ

صلاة العيد في الحرم المكي  (أ.ف.ب)
صلاة العيد في الحرم المكي (أ.ف.ب)
TT

عيد الفطر هذا العام... بهجة متردِّدة وأملٌ لا ينطفئ

صلاة العيد في الحرم المكي  (أ.ف.ب)
صلاة العيد في الحرم المكي (أ.ف.ب)

يحلُّ عيد الفطر على مدن أنهكتها الأخبار الثقيلة، ويجيء صباحه هذا العام مُحمَّلاً بتسارُع الأحداث في المنطقة، لكنه يفتح رغم ذلك نافذة على فسحة إنسانية تُحاول استعادة إيقاع الحياة. ووسط القلق من تقلُّبات المشهد الإقليمي، يجد كثيرون في العيد لحظة استراحة من وطأة الأيام، وإشارة إلى أنّ الفرح سيظلُّ ممكناً في تفاصيل صغيرة.

في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)

في يوم العيد يستريح الناس من التخبُّط بالقلق (أ.ب)

ففي أكثر من مدينة عربية، تعانقت مظاهر العبادة مع مَشاهد الفرح. وفي الساحات والمساجد، اصطفَّ المُصلّون منذ ساعات الفجر في مشهد جماعي يرفع الرجاء إلى السماء، ويأمَلُ بأيام أفضل. وفي الخارج، تحوَّلت الشوارع إلى مساحات للجَمْعة، فتلاقت العائلات، وارتفعت أصوات الأطفال، وتوزَّعت الألوان بين البالونات والألعاب، في محاولة لإعادة رسم ملامح يوم استثنائي.

زيارة قبور الموتى من طقوس العيد (رويترز)

ففي جدة بالمملكة العربية السعودية، حافظت «العيدية» على حضورها؛ فهي أحد أبرز طقوس العيد، حيث يحرص الأهالي على تقديمها للأطفال عقب صلاة العيد أو خلال الزيارات العائلية. وتتنوَّع بين مبالغ رمزية وهدايا بسيطة، وإنما أثرها يتجاوز قيمتها المادية؛ إذ تُشكّل لحظة انتظار سنوية بالنسبة إلى الصغار، وعنواناً للمحبّة داخل الأسرة وجسراً يُعيد وَصْل الأجيال عبر عادة مُتوارثة تستمرّ عاماً بعد عام.

صلاة العيد في الحرم المكي (أ.ف.ب)

أما في لبنان حيث تتداخل أجواء العيد مع ظلال الحرب المُستمرّة، فاستعاد كثيرون بيت المتنبّي الشهير «عيدٌ بأية حال عدتَ يا عيدُ»، كأنه محاكاة لوجدان مُثقَل بالتساؤلات. ومع ذلك، برزت محاولات، خصوصاً على مستوى كثير من العائلات، لإبقاء العيد حاضراً في وجدان الأطفال، عبر طقوس بسيطة تُبقي على الحدّ الأدنى من البهجة وتمنح الصغار شعوراً بأنّ الحياة قادرة على الاستمرار رغم كلّ شيء.

الحلويات جزء من المشهد (إ.ب.أ)

ومن لبنان إلى تونس، كما في عواصم عربية أخرى منها القاهرة، فقد استقبلت المدن صباح العيد بأجواء روحانية، وتعالت تكبيرات المساجد مُترافقةً مع دويّ مدفع العيد، في تقليد لا يزال يحتفظ بمكانته الرمزية. ومع الساعات الأولى، ازدحمت البيوت بالزيارات العائلية وتبادُل التهاني وزيارة قبور الموتى، في حين امتلأت الأجواء برائحة القهوة والبخور، لتُضفي على اليوم طابعاً احتفالياً دافئاً. وعلى موائد الغداء، حضرت الأطباق التقليدية التي تحرص العائلات على إعدادها في هذه المناسبة، بينما تصدَّرت الحلويات المشهد الصباحي؛ فهي جزء من ذاكرة جماعية مُتوارثة تعكس غنى المطبخ التونسي وحضوره في الحياة اليومية.

الصلاة الجماعية ورجاء بأيام أفضل (رويترز)

وتتكرَّر هذه المَشاهد بصيغ مختلفة في مدن أخرى، حيث تتحوَّل الساحات إلى أماكن للفرح المشترك؛ فمن صلاة جماعية في فضاء مفتوح، إلى مائدة تجمع العائلة، وصولاً إلى هدية تُدخل السرور إلى قلب طفل، تتشكَّل صورة العيد من عناصر متفرّقة، لكنها جميعها تتقاطع عند الرغبة في التمسُّك بالحياة.

لا يكتمل جوّ العيد من دون طعم الحلوى المُشتَهى (د.ب.أ)

إذن، يبدو العيد في ظلّ هذه الظروف مثل مساحة رمزية لإعادة التوازن ولو مؤقتاً بين ثقل الواقع وإمكانية تجاوزه. ويعلم المحتفلون به أنه لا يلغي ما يدور في محيطه، لكنه يفصلهم قليلاً عن قلقهم، ويمنحهم لحظة يلتقطون فيها أنفاسهم، على أمل ألا تطول الأيام الصعبة، وتبقى لحظات الفرح قادرة على الاستمرار.


أحمد داود لـ«الشرق الأوسط»: لا أستهدف إبكاء المشاهد أو إضحاكه

داود مع الفنان محمد محمود في كواليس التصوير (الشرق الأوسط)
داود مع الفنان محمد محمود في كواليس التصوير (الشرق الأوسط)
TT

أحمد داود لـ«الشرق الأوسط»: لا أستهدف إبكاء المشاهد أو إضحاكه

داود مع الفنان محمد محمود في كواليس التصوير (الشرق الأوسط)
داود مع الفنان محمد محمود في كواليس التصوير (الشرق الأوسط)

قال الفنان المصري أحمد داود إن مناقشة مسلسله «بابا وماما» لتأثيرات الطلاق بشكل واقعي كانت سبب حماسه لخوض تجربة العمل الذي عرض في النصف الثاني من رمضان، مؤكداً أن الأمر لم يكن مرتبطاً فقط بكونه يجسد شخصية أب، ففكرة الأبوة في حد ذاتها واسعة جداً، ومعظم من هم في مرحلته العمرية أصبحوا آباء بالفعل.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن المسلسل اعتمد مواقف يومية يعيشها كثيرون، لكن عبر إطار خفيف لا يبتعد عن الحقيقة، لاعتماد المعالجة الدرامية على العلاقة بين الرجل والمرأة بعد الطلاق، وكيف يمكن تقديمها بشكل خفيف الظل وقريب من الناس من دون افتعال.

وتحدَّث داود عن تحضيراته للشخصية، قائلاً إن الاستعداد لأي دور يختلف باختلاف طبيعته، فهناك أمور تُناقش وتُبنى مسبقاً مع المخرج، وهناك تفاصيل أخرى تتشكل أثناء التصوير نفسه، موضحاً أن الأعمال «اللايت» تحديداً لا تحتمل المبالغة في الأداء أو تحميلها ما لا تحتمل، لأن ذلك قد يفقدها خفتها ويجعلها مفتعلة، مع اقتناعه بأن كل مشروع له طاقته الخاصة التي تفرض أسلوب التعامل معه.

وأشار داود إلى أن شخصية الأب في العمل ليست مجرد توصيف تقليدي لرجل لديه أبناء، بل هي شخصية تمر بتجربة إنسانية مرتبطة بمرحلة ما بعد الانفصال، بما تحمله من تعقيدات وتفاصيل صغيرة تؤثر في العلاقة بين الطرفين، وفي نفسية الأبناء أيضاً، لافتا إلى أن التحدي كان في تقديم هذه التفاصيل بصدق ومن دون خطابة أو مباشرة، بحيث يشعر المشاهد أن ما يراه يشبه ما يحدث في بيوت كثيرة.

داود مع الفنان محمد محمود في كواليس التصوير (الشرق الأوسط)

وعن بعض التفاصيل المهنية المرتبطة بالشخصية، أوضح داود أن هناك جوانب دقيقة تم الاهتمام بها، خاصة في المشاهد التي تتطلب معلومات متخصصة، لافتاً إلى أن فريق العمل كان حريصاً على وجود مختصين في موقع التصوير لضبط أي تفاصيل قد تبدو صغيرة لكنها مهمة في مصداقية المشهد مع تقديمه لشخصية الطبيب الصيدلي حتى مع محدودية المشاهد التي تظهر فيها طبيعة عمله، مع اهتمامه بهذه التفاصيل لأن المشاهد قد لا ينتبه لها بشكل مباشر، لكنها تؤثر في إحساسه العام بواقعية العمل.

وتطرق داود إلى تعاونه مع الفنانة ميرنا جميل، مؤكداً أن الكيمياء بينهما كانت حاضرة منذ تعاونهما السابق في فيلم «الكراش»، الذي أخرجه محمود كريم وسيعرض في وقت لاحق من العام الحالي معرباً عن سعادته بتجدد الشراكة في هذا المسلسل.

وأضاف أن مساحة التفاعل داخل المشهد أمر أساسي بالنسبة له كممثل، لأن الارتجال لا يكون هدفاً في حد ذاته، وإنما نتيجة طبيعية للتفاعل مع المكان والممثلين وإيقاع المشهد، مشيراً إلى أنه يظل متورطاً في تفاصيل المشهد حتى آخر لحظة، ولا يشعر بأن العمل عليه انتهى إلا بعد الانتهاء تماماً من تصويره والانتقال لما يليه، لأن كل إعادة قد تفتح باباً لتفصيل جديد أو إحساس مختلف

في مشهد من مسلسل «بابا وماما» (الشرق الأوسط)

.

وعن وجود مشكلات وأزمات داخل الأحداث رغم بساطة الفكرة، قال داود إنه يحب هذا النوع من الدراما التي تنطلق من مواقف عادية لكنها حقيقية، مشدِّداً على أن أهم ما يسعى إليه هو أن يصدقه الجمهور، وليس أن يضحكهم أو يبكيهم بشكل متعمد، لأن الضحك أو التأثر يجب أن يكونا نتيجة طبيعية لصدق الموقف.

وأضاف أنه دائماً يعود بالسؤال إلى الواقع، لو كنت أعيش هذا الموقف فعلاً، هل سأقول هذا الكلام؟ هل سأتصرف بهذه الطريقة؟ وإذا كانت الإجابة لا، فلا بد من إعادة النظر، مؤكداً أن هذا الحرص على الحقيقة هو ما يجعل المشاهد يرى نفسه أو أحد أفراد عائلته في الشخصيات، فيشعر بالقرب منها.

وأشار داود إلى أن العمل لم يركز فقط على العلاقة بين الأب والأم، بل يمتد إلى تفاعلات الأجداد والأبناء، لافتاً إلى وجود أجيال مختلفة داخل الأحداث، مما منح المسلسل بعداً اجتماعياً أوسع.

داود في كواليس المسلسل (الشرق الأوسط)

وفيما يتعلق بعدد الحلقات مع تقديم المسلسل في 15 حلقة، أوضح داود أن الأمر لا يخضع لرغبة شخصية بقدر ما يرتبط بطبيعة الموضوع نفسه، فهناك أفكار تحتمل 30 حلقة بأكثر من خط درامي وشخصيات متعددة، بينما تناسب أفكار أخرى المعالجة المكثفة في 15 حلقة، بينما يميل هو شخصياً للإيقاع الأسرع، خصوصاً مع تغيّر طبيعة المشاهدة وتسارع إيقاع الحياة.

وأشار إلى أن مسلسلات الـ30 حلقة كانت في السابق تعتمد على تعدد الخطوط الدرامية ووجود عدد كبير من النجوم، مما يجعل المشاهد مشدوداً طوال الوقت، أما إذا كان العمل قائماً على خط واحد أو بطل واحد فقط، فقد تكون الـ15 حلقة أكثر ملائمة موضحاً أنه لا يمانع تقديم عمل من 30 حلقة إذا كانت الفكرة تحتمل ذلك فعلاً وتستدعي تعدد الشخصيات والأحداث، لأن الأهم في النهاية هو خروج العمل متماسكاً ومعبّراً عن فكرته من دون مطّ أو إطالة.