بعد جولته الناجحة في كندا، يحط العازف والملحن اللبناني فادي أبي سعد المعروف باسم «ألِف» في جبيل لإحياء مساء الثامن من أغسطس (آب) ليلة من ليالي «مهرجانات بيبلوس الدولية» للعام الحالي، قبل أن يكمل جولته العالمية في أوروبا وأميركا.
وهذه هي المرة الثانية التي يشارك فيها «ألِف» في مهرجانات بيبلوس، لكن مشاركته هذه المرة مختلفة، حينها كان لا يزال شاباً صغيراً في مقتبل العمر، أما اليوم فهو يأتي حاملاً خبرته ومعارفه وذائقته بعد انفتاح أوسع على موسيقات الشعوب. «من لبنان إلى العالم» هو اسم الحفل، الذي سيجد فيه محبو موسيقى الفيوجن ضالتهم. «ألِف» لا يترك لحناً إلا ويخضعه لتوزيعاته ودمجه بموسيقى أخرى، لكن الأساس الذي يبقى طاغياً هي الموسيقى الشرقية.
في الحفل يعزف أبي سعد على البيانو ومعه فرقة من 12 موسيقياً على آلات شرقية وغربية، وهم آتون من كوبا والمكسيك وكندا ورومانيا ونيجيريا. بين هؤلاء، عازف الهارمونيكا أنطونيو سيرانو الحائز جائزة «غرامي» اللاتينية، كذلك يلسي هيريديا على الباص، وعازف الإيقاع باندوليرو، وستقدم راقصة الفلامنكو كارين لوغو لوحاتها التعبيرية، التي أحبها الجمهور اللبناني خلال مشاركتها في مهرجانات بعلبك السنة الحالية أيضاً، ويشارك جهاد أسعد في العزف على القانون.

وعرف الجمهور العريض «ألف» من إطلالته في البرنامج الشهير «هيك منغني». كان الدينامو الموسيقي وهو يعزف الأغنية تلو الأخرى على البيانو إلى جانب مايا دياب. لكن قبل ذلك كان قد قطع شوطاً طويلاً في العزف الموسيقي والتلحين والإنتاج الفني. بدأ العزف طفلاً، وجاءت الحرب الأهلية لتدفع به إلى ترك جونية حيث كان يعيش والاتجاه صوب الجبل في إهمج ليكون إلى جانب عمه الملحن مايكل راميا الذي يجيد العزف على ثمانية آلات موسيقية. هناك أصبحت الموسيقى جزءاً أساسياً من يومياته، واستنطاق البيانو ألحاناً شرقية واحداً من هواجسه. «حين بدأت حرب الإلغاء كان عمري عشر سنوات. في تلك الأجواء كنا في سهراتنا العائلية يعتمدون على في العزف، بعدها بسنتين دخلت الكونسرفتوار في جامعة الكسليك. هكذا انتقلت من العفوية في المعرفة الموسيقية إلى الأكاديمية في كتابة النوتة».
«لقد تمكنا من التوصل إلى صيغة عفوية لكنها ليست فوضوية لنجعل الجميع يغني ويمرح. وهي صيغة وجدت صدى واسعاً في الدول العربية، وعبرها عرف الناس وجهي وألِفوني».
العازف والملحن اللبناني فادي أبي سعد
درس الإنتاج التلفزيوني في الجامعة، وسرعان ما أسس شركته «الفن الثامن» مع شقيقه بيار، وأصبح هو مديرها الفني. شركة قامت بتنظيم مناسبات كبيرة، منها سحب «الفيفا» لكأس العالم، وكأس العرب. الشركة تضم 80 فناناً والعديد من الفرق الفنية والعازفين والمواهب. «نعمل مع أصحاب المهارات والشغوفين بالفن، ومعهم نقضي معظم الوقت في العمل، حيث يصبح التعاون خصباً».

بين الإنتاج الفني والعزف، لا يرى أبي سعد أي تناقض بل هي مهمات تكمل بعضها بعضاً. على أي حال هو متعدد الاهتمامات، لكنها تصب جميعها في حب الموسيقى. من «هيك منغني»، الذي عزف فيه إلى جانب مايا دياب وهي تقدم البرنامج على مدى خمس سنوات، وفي كل سنة 33 حلقة، عرفه الناس. «لقد تمكنا من التوصل إلى صيغة عفوية لكنها ليست فوضوية لنجعل الجميع يغني ويمرح. وهي صيغة وجدت صدى واسعاً في الدول العربية، وعبرها عرف الناس وجهي وألِفوني».

حفله الذي يحييه في بيبلوس هذه المرة، طال انتظاره، لقاء الأحبة في الوطن مختلف عن كل الحفلات التي جال بها العالم. بعد خمس مدن في كندا، من تورنتو إلى كيبك ومونتريال وفالكوفر، سيحط «ألِف» رحاله مع فرقته على ميناء جبيل، وستكون البنية الأساسية للحفل مشابهة للتي يقوم بها في جولته المقبلة إلى مدريد وباريس، وأمستردام وجنيف. «أعرف الجمهور اللبناني جيداً، لهذا ستكون الاختيارات ملائمة لذائقته، هذا إضافة إلى موسيقى جديدة، أودّ لجمهوري أن يتعرف إليها».

للموسيقى الدور الأول في حفل«ألِف»، إلا أن الأغاني موجودة أيضاً بالعربية والإنجليزية والفرنسية. «ثمة مغنون يرافقوننا في حفلاتنا، لكن هذا لا يمنع أننا نعتمد على الموسيقى بشكل رئيسي». يعمل «ألِف» على توزيع الأغنيات، حتى المعروفة منها على طريقته. «أردنا أيضاً في هذا الحفل أن نترك مجالاً للحضور ليكونوا الكورس. نحب أن نرى الناس فرحة وتغني». إضافة إلى الريبرتوار اللبناني، عملت خليطاً من 4 أغنيات لزكي ناصيف بتوزيع فلامنكو شرقي. يحزن «ألَف» لأنه لم يتعرف على هذا الفنان شخصياً وهو حي. لأن كل من قابله يتحدث عن دماثته.
سيستمع الجمهور خلال الحفل إلى موسيقى من ألبومه الأول «تحت الشتا»، وموسيقى بنت الشلبية، وميس الريم، لكنها لن تبقى أبداً كما نعرف. «ألِف» يعيد صياغة الموسيقى فيخرج اللحن ممتزجاً بالألحان الإسبانية أو التركية أو إيقاع الراي. مع فادي أبي سعد أو «بيانو الشرق» الموسيقى مشرعة للتزاوج والخصب الجميل. أما لماذا الراي فببساطة «لأن الناس تحبها، وتأنس لها في كل مكان في العالم».
وكما العديد من الفنانين اللبنانيين، وجد نفسه يقيم حفلات في عواصم العالم، أكثر مما وجد المكان متّسعاً في لبنان. هذه السنة، صارت الفرصة سانحة للمواهب اللبنانية أن تعود إلى ديارها، وتلتقي بجمهورها.
يعزف «ألِف» إضافة إلى البيانو على آلات عدة، يتنقل بين الأكورديون والغيتار ويحب كثيراً الدرامز والكاخو، وهي آلة إيقاع إسبانية. «أحب الإيقاع كثيراً، وهذا الميل إلى مزاوجة الأشياء، الفضل فيه يعود إلى أهلي. في البيت كانوا يستمعون لمختلف الأنواع الموسيقية، التانغو، الفلامنكو، إضافة إلى كبار المغنيين الفرنسيين والعرب. في هذا الجو كبرت، وهم كانوا يشجعونني على العزف على مختلف الآلات، على أن أتسلّى بكل شيء، لكن أن أركز على البيانو، وهكذا حصل».
لم تكن العائلة تكتفي بالتشجيع. مع كل حفل أو حدث موسيقي يصورونه، ومن ثَمّ يجلسون معه ويتناقشون عمّا يمكنه أن يفعله ليطوّر ويحسّن من أدائه. هذا كان له دور في مساعدتي على التقدم باستمرار. صحيح ليس بديهياً أن يتمكن عازف أو ملحن مهما بلغت مهارته، أن يصل إلى «الأولمبيا» في باريس أو تنفد بطاقات حفله في كندا، لكن «ألِف» آمن أنه «من عمود إلى عمود بتصير شركة كهرباء، كما يقول المثل الشعبي». لهذا نشط بالاتصالات بالمهرجانات في العالم، وتمكّن من إحياء حفلات في البدء، للتعريف بنفسه. «حسابي على (يوتيوب) أسهم أيضاً في التعريف بي، لكنّ هذا لا يكفي. إن لم يكن من مضمون حقيقي، فكل هذه الجهود لا تنتهي إلى شيء يذكر».
في ليلة «من لبنان إلى العالم» سيأنس الجمهور بحفل رسمه فنان عاشق لـ«الفيوجن» يخلط بين القديم والجديد، الشرقي والغربي، وهو دائم التغيير والنظر حتى في أعماله نفسها. «ألِف» أو «بيانو الشرق» كما أطلق عليه، يُعلّق كبير أمل على إسعاد جمهوره في بيبلوس، وأن يستمد منه الطاقة لينطلق في جولة جديدة.


