فادي أبي سعد من «لبنان إلى العالم» في «مهرجانات بيبلوس»

يستنطق البيانو ألحاناً شرقية بعد أن يخضعها لتوزيعاته الخاصة

عرفه الناس في برنامج «هيك منغني» إلى جانب مايا دياب (العازف فادي أبي سعد)
عرفه الناس في برنامج «هيك منغني» إلى جانب مايا دياب (العازف فادي أبي سعد)
TT

فادي أبي سعد من «لبنان إلى العالم» في «مهرجانات بيبلوس»

عرفه الناس في برنامج «هيك منغني» إلى جانب مايا دياب (العازف فادي أبي سعد)
عرفه الناس في برنامج «هيك منغني» إلى جانب مايا دياب (العازف فادي أبي سعد)

بعد جولته الناجحة في كندا، يحط العازف والملحن اللبناني فادي أبي سعد المعروف باسم «ألِف» في جبيل لإحياء مساء الثامن من أغسطس (آب) ليلة من ليالي «مهرجانات بيبلوس الدولية» للعام الحالي، قبل أن يكمل جولته العالمية في أوروبا وأميركا.

وهذه هي المرة الثانية التي يشارك فيها «ألِف» في مهرجانات بيبلوس، لكن مشاركته هذه المرة مختلفة، حينها كان لا يزال شاباً صغيراً في مقتبل العمر، أما اليوم فهو يأتي حاملاً خبرته ومعارفه وذائقته بعد انفتاح أوسع على موسيقات الشعوب. «من لبنان إلى العالم» هو اسم الحفل، الذي سيجد فيه محبو موسيقى الفيوجن ضالتهم. «ألِف» لا يترك لحناً إلا ويخضعه لتوزيعاته ودمجه بموسيقى أخرى، لكن الأساس الذي يبقى طاغياً هي الموسيقى الشرقية.

في الحفل يعزف أبي سعد على البيانو ومعه فرقة من 12 موسيقياً على آلات شرقية وغربية، وهم آتون من كوبا والمكسيك وكندا ورومانيا ونيجيريا. بين هؤلاء، عازف الهارمونيكا أنطونيو سيرانو الحائز جائزة «غرامي» اللاتينية، كذلك يلسي هيريديا على الباص، وعازف الإيقاع باندوليرو، وستقدم راقصة الفلامنكو كارين لوغو لوحاتها التعبيرية، التي أحبها الجمهور اللبناني خلال مشاركتها في مهرجانات بعلبك السنة الحالية أيضاً، ويشارك جهاد أسعد في العزف على القانون.

حفلات «ألِف» حول العالم للعام الحالي (حسابه على «إنستغرام»)

وعرف الجمهور العريض «ألف» من إطلالته في البرنامج الشهير «هيك منغني». كان الدينامو الموسيقي وهو يعزف الأغنية تلو الأخرى على البيانو إلى جانب مايا دياب. لكن قبل ذلك كان قد قطع شوطاً طويلاً في العزف الموسيقي والتلحين والإنتاج الفني. بدأ العزف طفلاً، وجاءت الحرب الأهلية لتدفع به إلى ترك جونية حيث كان يعيش والاتجاه صوب الجبل في إهمج ليكون إلى جانب عمه الملحن مايكل راميا الذي يجيد العزف على ثمانية آلات موسيقية. هناك أصبحت الموسيقى جزءاً أساسياً من يومياته، واستنطاق البيانو ألحاناً شرقية واحداً من هواجسه. «حين بدأت حرب الإلغاء كان عمري عشر سنوات. في تلك الأجواء كنا في سهراتنا العائلية يعتمدون على في العزف، بعدها بسنتين دخلت الكونسرفتوار في جامعة الكسليك. هكذا انتقلت من العفوية في المعرفة الموسيقية إلى الأكاديمية في كتابة النوتة».

«لقد تمكنا من التوصل إلى صيغة عفوية لكنها ليست فوضوية لنجعل الجميع يغني ويمرح. وهي صيغة وجدت صدى واسعاً في الدول العربية، وعبرها عرف الناس وجهي وألِفوني».

العازف والملحن اللبناني فادي أبي سعد

درس الإنتاج التلفزيوني في الجامعة، وسرعان ما أسس شركته «الفن الثامن» مع شقيقه بيار، وأصبح هو مديرها الفني. شركة قامت بتنظيم مناسبات كبيرة، منها سحب «الفيفا» لكأس العالم، وكأس العرب. الشركة تضم 80 فناناً والعديد من الفرق الفنية والعازفين والمواهب. «نعمل مع أصحاب المهارات والشغوفين بالفن، ومعهم نقضي معظم الوقت في العمل، حيث يصبح التعاون خصباً».

يحضّر للجمهور في بيبلوس مفاجآت عدة (العازف فادي أبي سعد)

بين الإنتاج الفني والعزف، لا يرى أبي سعد أي تناقض بل هي مهمات تكمل بعضها بعضاً. على أي حال هو متعدد الاهتمامات، لكنها تصب جميعها في حب الموسيقى. من «هيك منغني»، الذي عزف فيه إلى جانب مايا دياب وهي تقدم البرنامج على مدى خمس سنوات، وفي كل سنة 33 حلقة، عرفه الناس. «لقد تمكنا من التوصل إلى صيغة عفوية لكنها ليست فوضوية لنجعل الجميع يغني ويمرح. وهي صيغة وجدت صدى واسعاً في الدول العربية، وعبرها عرف الناس وجهي وألِفوني». 

صغيراً تعلم العزف على آلات عدة (العازف فادي أبي سعد)

حفله الذي يحييه في بيبلوس هذه المرة، طال انتظاره، لقاء الأحبة في الوطن مختلف عن كل الحفلات التي جال بها العالم. بعد خمس مدن في كندا، من تورنتو إلى كيبك ومونتريال وفالكوفر، سيحط «ألِف» رحاله مع فرقته على ميناء جبيل، وستكون البنية الأساسية للحفل مشابهة للتي يقوم بها في جولته المقبلة إلى مدريد وباريس، وأمستردام وجنيف. «أعرف الجمهور اللبناني جيداً، لهذا ستكون الاختيارات ملائمة لذائقته، هذا إضافة إلى موسيقى جديدة، أودّ لجمهوري أن يتعرف إليها».

البيانو حين يصبح شرقياً مع «ألِف» (العازف فادي أبي سعد)

 للموسيقى الدور الأول في حفل«ألِف»، إلا أن الأغاني موجودة أيضاً بالعربية والإنجليزية والفرنسية. «ثمة مغنون يرافقوننا في حفلاتنا، لكن هذا لا يمنع أننا نعتمد على الموسيقى بشكل رئيسي». يعمل «ألِف» على توزيع الأغنيات، حتى المعروفة منها على طريقته. «أردنا أيضاً في هذا الحفل أن نترك مجالاً للحضور ليكونوا الكورس. نحب أن نرى الناس فرحة وتغني». إضافة إلى الريبرتوار اللبناني، عملت خليطاً من 4 أغنيات لزكي ناصيف بتوزيع فلامنكو شرقي. يحزن «ألَف» لأنه لم يتعرف على هذا الفنان شخصياً وهو حي. لأن كل من قابله يتحدث عن دماثته.

سيستمع الجمهور خلال الحفل إلى موسيقى من ألبومه الأول «تحت الشتا»، وموسيقى بنت الشلبية، وميس الريم، لكنها لن تبقى أبداً كما نعرف. «ألِف» يعيد صياغة الموسيقى فيخرج اللحن ممتزجاً بالألحان الإسبانية أو التركية أو إيقاع الراي. مع فادي أبي سعد أو «بيانو الشرق» الموسيقى مشرعة للتزاوج والخصب الجميل. أما لماذا الراي فببساطة «لأن الناس تحبها، وتأنس لها في كل مكان في العالم».

وكما العديد من الفنانين اللبنانيين، وجد نفسه يقيم حفلات في عواصم العالم، أكثر مما وجد المكان متّسعاً في لبنان. هذه السنة، صارت الفرصة سانحة للمواهب اللبنانية أن تعود إلى ديارها، وتلتقي بجمهورها.

 

يعزف «ألِف» إضافة إلى البيانو على آلات عدة، يتنقل بين الأكورديون والغيتار ويحب كثيراً الدرامز والكاخو، وهي آلة إيقاع إسبانية. «أحب الإيقاع كثيراً، وهذا الميل إلى مزاوجة الأشياء، الفضل فيه يعود إلى أهلي. في البيت كانوا يستمعون لمختلف الأنواع الموسيقية، التانغو، الفلامنكو، إضافة إلى كبار المغنيين الفرنسيين والعرب. في هذا الجو كبرت، وهم كانوا يشجعونني على العزف على مختلف الآلات، على أن أتسلّى بكل شيء، لكن أن أركز على البيانو، وهكذا حصل».

 

لم تكن العائلة تكتفي بالتشجيع. مع كل حفل أو حدث موسيقي يصورونه، ومن ثَمّ يجلسون معه ويتناقشون عمّا يمكنه أن يفعله ليطوّر ويحسّن من أدائه. هذا كان له دور في مساعدتي على التقدم باستمرار. صحيح ليس بديهياً أن يتمكن عازف أو ملحن مهما بلغت مهارته، أن يصل إلى «الأولمبيا» في باريس أو تنفد بطاقات حفله في كندا، لكن «ألِف» آمن أنه «من عمود إلى عمود بتصير شركة كهرباء، كما يقول المثل الشعبي». لهذا نشط بالاتصالات بالمهرجانات في العالم، وتمكّن من إحياء حفلات في البدء، للتعريف بنفسه. «حسابي على (يوتيوب) أسهم أيضاً في التعريف بي، لكنّ هذا لا يكفي. إن لم يكن من مضمون حقيقي، فكل هذه الجهود لا تنتهي إلى شيء يذكر».

في ليلة «من لبنان إلى العالم» سيأنس الجمهور بحفل رسمه فنان عاشق لـ«الفيوجن» يخلط بين القديم والجديد، الشرقي والغربي، وهو دائم التغيير والنظر حتى في أعماله نفسها. «ألِف» أو «بيانو الشرق» كما أطلق عليه، يُعلّق كبير أمل على إسعاد جمهوره في بيبلوس، وأن يستمد منه الطاقة لينطلق في جولة جديدة.


مقالات ذات صلة

«مهرجان أسوان» يتجاوز أزمته المادية... ويعلن مشاركات من 33 دولة

يوميات الشرق جانب من أفلام المهرجان (إدارة المهرجان)

«مهرجان أسوان» يتجاوز أزمته المادية... ويعلن مشاركات من 33 دولة

أعلن مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة، الأفلام المشارِكة في دورته العاشرة، المقرر إقامتها في الفترة من 20 إلى 25 أبريل (نيسان) الحالي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق يعقوب الفرحان في أحد مشاهده في فيلم «القيد» (تلفاز 11)

عرض 5 أفلام سعودية بدول إسكندنافية ضمن برنامج «ليالي عربية»

تعرض 5 أفلام سعودية بدول إسكندنافية ضمن برنامج «ليالي عربية» الذي ينظمه مهرجان «مالمو السينمائي» برعاية «هيئة الأفلام السعودية».

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق أحمد مالك متسلماً الجائزة من الرئيس الشرفي للمهرجان محمود حميدة (إدارة المهرجان)

جوائز «الأقصر السينمائي» تنحاز للقضايا الاجتماعية

انحازت جوائز المسابقة الرسمية للنسخة الخامسة عشرة من مهرجان «الأقصر للسينما الأفريقية» للقضايا الاجتماعية في مجمل اختياراتها.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق لقطة من أحد الأفلام المشارِكة في ملتقى «قمرة السينمائي 2026» (مؤسسة الدوحة للأفلام)

«قمرة السينمائي» يحتفي بالفلكلور في دورة «استثنائية» بسبب الحرب

احتفت النسخة الـ12 من ملتقى «قمرة السينمائي» بقطر، التي أُقيمت هذا العام بشكل افتراضي «استثنائياً»؛ بسبب الحرب التي تشهدها المنطقة، بإحياء الفلكلور.

داليا ماهر (القاهرة )
سينما «أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية»

محمد رُضا (لندن)

رحيل زينب السجيني… صوت الأمومة والجمال في الفن المصري

رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)
رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)
TT

رحيل زينب السجيني… صوت الأمومة والجمال في الفن المصري

رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)
رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)

غيّب الموت، اليوم، الفنانة التشكيلية المصرية زينب السجيني عن عمرٍ ناهز 96 عاماً، لتطوي برحيلها صفحة فنانة كان حضورها ممتداً عبر سبعة عقود من العمل الإبداعي والأكاديمي، شكّلت خلالها رؤيتها الخاصة للمرأة والطفولة والبيئة الشعبية المصرية، ورسّخت مكانتها كواحدة من رائدات الفن التشكيلي في مصر والعالم العربي. وُلدت السجيني في القاهرة عام 1930، ونشأت بين أحياء الظاهر والحسين والجمالية، فحملت في تكوينها الأول ملامح المدينة القديمة، وحواريها، وعمارتها الإسلامية، وصُناعها الشعبيين الذين شكّلوا وجدانها البصري المبكر.

كانت الفنانة زينب السجيني تستعيد تلك السنوات بوضوح بالغ، قائلة، في حوار سابق لـ«الشرق الأوسط»، إن طريق طفولتها في تلك الأحياء العتيقة بالقاهرة كان فصلاً مفتوحاً على الجمال والأصالة.

فحين كانت طفلة كانت تسير من حي الضاهر إلى الحسين؛ حيث يوجد بيت جدّها، وتمر على منطقة النحاسين، فترى صُناع الأواني، وتراقبهم وهم يغنّون أثناء العمل، ثم تمر على شارع المعز وترى عمارته الإسلامية، ووجوه الناس البسيطة التي كانت مصادر إلهام أولى سكنت الذاكرة ولم تغادرها، وفق قولها في حديثها السابق.

تلقّت الفنانة المصرية تعليمها في كلية الفنون الجميلة بجامعة حلوان، حيث حصلت على بكالوريوس قسم الزخرفة في عام 1956، ثم واصلت دراستها في المعهد العالي للتربية الفنية، قبل أن تنال درجة الدكتوراه في فلسفة التربية الفنية عام 1978، لتجمع بين الممارسة الفنية والتدريس، وتصبح لاحقاً أحد الأسماء المؤثرة في تشكيل وعي أجيال من الفنانين الشباب.

من أعمال الفنانة زينب السجيني (الشرق الأوسط)

وقد نعتْها الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، مؤكدة أن «مصر فقدت قيمة فنية وإنسانية نادرة، وصوتاً مُخلصاً للجمال»، مشيرة إلى أن الرحلة «أسهمت بعطائها الأكاديمي والفني في صياغة رؤية جمالية امتدت لأجيال متعاقبة».

كما وصف وزير الثقافة الأسبق الفنان فاروق حسني رحيلها بأنه «خسارة كبيرة للمشهد الفني»، مُستعيداً أثرها البارز في إثراء الحركة التشكيلية. ولم تكن «قاعة الزمالك للفن» بالنسبة للفنانة الراحلة مجرد مكان اعتاد عرض أعمالها على جدرانه، بل كانت جزءاً من تاريخها؛ فطوال 36 عاماً رافقت القاعة في محطاتها الكبرى، وقدمت عبرها أعمالاً صارت علامات في تاريخها المعاصر. وفق ما جاء في نعي القاعة لها.

وجاء فيه أيضاً: «كانت زينب السجيني قيمة فنية وإنسانية نادرة؛ حملت في أعمالها نبض الحياة وصدق التجربة، وامتد عطاؤها لأجيال من الفنانين، لقد تركت إرثاً خالداً سيبقى شاهداً على عمق تجربتها».

وقد ظل محوراً متكرراً في لقاءاتنا بقاعة الزمالك حيث كانت تقيم معارضها، سؤال الجمهور حول احتفائها بالمرأة والطفولة، وخلوّ أعمالها تقريباً من وجود الرجل.

وكانت تجيب دائماً بأن المرأة بالنسبة لها «مرآة الروح ومَخزن الحنان»، وأن تركيزها عليها «ليس موقفاً ضد الرجل بل هو انحياز للفطرة الإنسانية في أن الأم والطفلة هما جذور الحياة»، كاشفة عن رغبتها في دعم المرأة العربية التي كانت ترى أن «جانباً كبيراً من حقوقها مُهدَر».

رؤيتها للمرأة والطفولة انطلقت من الأوساط الشعبية (الشرق الأوسط)

وكانت تستعيد تأثير عمّها، النحات الكبير جمال السجيني، الذي تعلمت منه الصبر على تشكيل الوجوه الإنسانية، وزوجها الفنان عبد الرحمن النشار، الذي ظل مصدراً للدعم والإلهام. ارتبط مشروع زينب السجيني الفني بفكرة الأمومة بوصفها قيمة وجودية لا تخضع لزمن؛ فمنذ خمسينات القرن الماضي لا تكاد تخلو لوحة لها من حضور المرأة، أو الفتاة الصغيرة، في لحظات تتراوح بين اللعب وتصفيف الشعر والاستعداد للمدرسة والركض في الحارة، أو التنزه في الحدائق.

وكانت ترى أن سر عدم الملل من هذا العالم يعود إلى «قدرة اللوحات على دفع المتلقي إلى أعماق تلك الشخصيات النقية»، مؤكدة أن «الاختلاف في الانفعالات والملابس والألوان يجعل العوالم متجددة مهما تكررت ثيمة الأمومة في لوحاتها». وعن تكرار الرموز الشعبية مثل العروسة القماش والحمام والبيوت القديمة، وصفت هذه الثيمات بأنها «ليست رموزاً مبعثرة، بل هي نسيج متكامل يمثل مصر كما رأتها وانصهرت في داخلها». كانت زينب السجيني تؤمن بأن الفن استعادة للروح، وأن لحظة الإمساك بالفرشاة «هي محاولة لالتقاط جوهر الإنسان قبل ملامحه»، وربما لهذا السبب ظلّ عالمها الفني يحتفظ بقدر كبير من العفوية والحميمية، حتى في أكثر لحظاته شاعرية. برحيل زينب السجيني يفقد الفن التشكيلي واحدة من أبرز أصواته النسائية وأكثرها إخلاصاً للتجربة الإنسانية، لكنها تترك وراءها إرثاً غنياً من الأعمال، وهو إرث سيظل يؤكد أن الفن يمكنه، حين يكون صادقاً، أن يظل حياً رغم غياب أصحابه.


مركز الأرصاد السعودي: لا دلائل على صيف مبكر

درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)
درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)
TT

مركز الأرصاد السعودي: لا دلائل على صيف مبكر

درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)
درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)

أكّد المركز السعودي للأرصاد، الثلاثاء، عدم وجود مؤشرات مناخية تدل على صيف مبكر في البلاد، لافتاً إلى تماشي الأنماط الجوية الحالية مع المعدلات الموسمية المعتادة، وفق ما تُظهره النماذج المناخية والتحليلات الحديثة.

وأوضح حسين القحطاني، المتحدث باسم المركز، أن التوقعات تشير إلى أن درجات الحرارة، اعتباراً من نهاية شهر أبريل (نيسان) الحالي، ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين متتاليين، يعقبها أسبوع تتقارب فيه درجات الحرارة مع معدلاتها الطبيعية على أغلب مناطق السعودية.

وأضاف القحطاني أن التوقعات الفصلية لصيف هذا العام - يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) وأغسطس (آب) - تُرجّح تسجيل درجات حرارة أعلى من المعدلات الطبيعية على نطاق واسع بالسعودية، بفارق يتراوح بين 1.0 و2.0 درجة مئوية بمناطق الغرب والجنوب الغربي وأجزاء من الجنوب، فيما يُتوقع أن تكون الزيادة أقل من ذلك في بقية المناطق.

وبيّن المتحدث أن هذه التوقعات تأتي ضمن الدراسات المناخية الموسمية التي يجريها المركز بشكل دوري، مشيراً إلى أنه سيصدر تقريراً مناخياً مُفصَّلاً خلال الفترة المقبلة، يستعرض أبرز ملامح صيف هذا العام والتغيرات المتوقعة.

ودعا القحطاني الجميع إلى متابعة التحديثات الرسمية الصادرة عن المركز، لما لها من أهمية في الاستعداد المبكر والتعامل الأمثل مع المتغيرات المناخية.


«الذهب الأسود»… متحف سعودي يستعرض تاريخ النفط بسردية فنية مبتكرة

يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)
يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)
TT

«الذهب الأسود»… متحف سعودي يستعرض تاريخ النفط بسردية فنية مبتكرة

يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)
يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)

منذ كان النفط لغزاً غامضاً، حتى تجلّى متلألئاً بدرجات الأخضر والذهبي والأزرق، شكّل اكتشافه رحلةً استثنائية بدأت مع فجر الحياة على هذا الكوكب. ومع مرور الزمن، تعمّق فهم الإنسان هذا المورد؛ فاكتشف أصوله، وتعرّف إلى خصائصه، حتى غدا جزءاً لا يتجزأ من الحياة المعاصرة.

ومن بابل إلى البحر الميت، وصولاً إلى آسيا وما بعدها، ظلّ النفط حاضراً في مسيرة الإنسان منذ أقدم الحضارات، راسخةً مكانته في تاريخ البشرية، من أعماق الأرض إلى أعلى مراكز القرار.

ومن قلب العاصمة الرياض، انطلق «متحف الذهب الأسود»، بتعاون بين وزارتي الثقافة والطاقة في السعودية، وبدعم من «برنامج جودة الحياة»، ليروي قصة النفط وتأثيراته العميقة في المجتمعات والبيئة، عبر سرد فني مبتكر يجسّد العلاقة بين الإنسان والنفط، منذ اكتشافه في مرحلة المادة الخام، وصولاً إلى انعكاساته المعاصرة على الحياة والاقتصاد والبيئة.

الأمير عبد العزيز بن سلمان وعدد من الوزراء في جولة داخل «المتحف» (هيئة المتاحف)

وخلال حفل افتتاح «المتحف»، الذي يقع في مبنى أيقوني صمّمته المعمارية الراحلة زها حديد، داخل «مركز الملك عبد الله للدراسات والبحوث البترولية (كابسارك)» في الرياض، قال الأمير عبد العزيز بن سلمان، وزير الطاقة السعودي، إن هذا المتحف ثمرة تعاون بين منظومة الثقافة، ممثلةً في «هيئة المتاحف»، ومنظومة الطاقة، ممثلةً في «كابسارك»، ليقدّم «قراءة متكاملة لتاريخ البترول وتأثيره الممتد إلى مختلف جوانب الحياة».

من جهته، قال الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة، في كلمته خلال الافتتاح، إن «متحف الذهب الأسود» يمثّل محطة مهمة في القطاع الفني والحوار الثقافي العالمي. وبصفته أول متحف دائم مخصّص للنفط والفن، فإنه «يوفّر مساحة استثنائية للتأمل الملهم والتفكير النقدي، والاحتفاء بالقوة التحويلية للثقافة في تشكيل فهمٍ أعمق للعالم».

الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة في كلمته خلال الافتتاح (هيئة المتاحف)

قصة التحول العميق في التاريخ الإنساني

يُعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص يستكشف قصة التحوّل العميق الذي أحدثه النفط في تاريخ الإنسانية، من خلال عدسة الفن الحديث والمعاصر وأشكال التعبير الإبداعي.

ويتكوّن المتحف من 4 أقسام رئيسية: اللقاء، والأحلام، والشكوك، والرؤى؛ تقود الزائر إلى فهم نشأة النفط، وتحولات استخدامه، وتعقيدات أثره، وما قد يحمله المستقبل من احتمالات.

ويتناول «المتحف» النفط من منظور إنساني وثقافي وفني، مقدّماً مجموعة دائمة تضم أكثر من 350 عملاً فنياً حديثاً ومعاصراً، أبدعها أكثر من 170 فناناً سعودياً وعالمياً بارزاً من أكثر من 30 دولة، من بينهم: منال الضويان، وأحمد ماطر، ومهند شونو، ومحمد الفرج، وأيمن زيداني، ودوغ أيتكن، وجيمي دورهام، ودينيس هوبر، وألفريدو جار، ورينو لايراك، وجورج صبرة، وباسكال مارثين تايو، وآندي واومان... إلى جانب آخرين.

يستكشف «المتحف» قصة التحول العميق الذي أحدثه النفط في تاريخ الإنسانية (هيئة المتاحف)

كما يضم «المتحف» تركيبات فنية كبرى، وأعمالاً فوتوغرافية، ووثائق تاريخية تتيح للزوار استكشاف أثر النفط في تشكيل المجتمعات والاقتصادات وأنماط الحياة اليومية. ويتضمن أيضاً مشاهد غامرة، وإضاءة متقدمة، وأعمالاً تركيبية بصرية وسمعية، بما يشمل نموذجاً كبيراً للزمن الجيولوجي يصوّر نشأة النفط على مدى ملايين السنين.

ويستعرض المتحف أبرز المواقع التراثية النفطية في السعودية، حيث تُبرز قاعاته ومعارضه معالم وطنية مهمة، من بينها «بئر الدمام رقم 7 (بئر الخير)»، ودور الجيولوجي السعودي خميس بن رمثان، إضافة إلى مشاهد من مسيرتَي «أرامكو» و«أوبك»، وقصة حقل «الغوار».

من «اللقاء» إلى «الرؤى» عبر «الشكوك» و«الأحلام»

في جناح «اللقاء»؛ أولِ أقسام «المتحف»، تُستعرض أصول النفط واكتشافه واستخداماته المبكرة، إلى جانب رحلته من الجيولوجيا إلى المجتمع.

في جناح «اللقاء» تُستعرض أصول النفط واكتشافه واستخداماته المبكرة (هيئة المتاحف)

ويضم القسم عدداً من الأعمال التركيبية الرقمية الغامرة عن طحالب الدياتوم، ونموذجاً للمقياس الزمني الجيولوجي يوضّح تكوّن النفط ودور أشكال الحياة القديمة، كما يتضمن عروضاً أرشيفية تفاعلية عن استخدام الحضارات القديمة للنفط، بمن فيهم البابليون والرومان والمصريون القدماء.

وفي جناح «الأحلام»، يتحوّل النفط إلى مورد مرغوب يُغذّي تطلعات التقدّم والحداثة والوفرة؛ إذ يستكشف دوره في ابتكار مواد جديدة، وترسيخ ثقافة استهلاكية سائدة، وتعزيز سهولة الحياة الحديثة. كما يبرز كيف أصبحت المنتجات القائمة على النفط «خفية» لكنها أساسية في تفاصيل الحياة اليومية.

وعند الوصول إلى جناح «الشكوك»، يتجلّى الوعي المتنامي بتبعات استخدام النفط، وبالنزعة الاستهلاكية ومفارقة الاعتماد عليه؛ حيث يدعو هذا القسم إلى التفكير النقدي في تأثيراته على البيئة والمجتمع، ويربط بين الفن وحراك الناشطين والأبحاث متعددة التخصصات.

يضم «المتحف» تركيبات فنية كبرى وأعمالاً فوتوغرافية ووثائق تاريخية (هيئة المتاحف)

وأخيراً، يظهر جناح «الرؤى»، حيث تستشرف الأعمال الفنية في هذا القسم مستقبل الطاقة وعلاقة الإنسانية المستمرة بالنفط. ويشارك فيه فنانون وباحثون في بلورة تصوّرات متعددة لمستقبل الطاقة والمجتمع والاستدامة، مستخدمين الفن منصةً للنقاش بشأن تحوّل الطاقة.

وفي المعرض المؤقت الافتتاحي «عندما تتشكّل الطاقة»، الذي أُقيم بإشراف القيّم الفني كريستيان جانيكو وبمشاركة المجموعة الفرنسية «بي بي (BP)»، يُستكشف الحوار الديناميكي بين الفن والنفط والإنسان.

ومن خلال تركيبات فنية تستخدم حاويات ومضخات نفط، وتستحضر النفط بوصفه مادةً ورمزاً في آنٍ معاً، يمهّد هذا المعرض الطريق لسلسلة من المعارض المؤقتة التي ستواصل إثراء السردية المتجددة لـ«المتحف».

وترتبط تجربة القاعات والمعارض بوضوح بجوانب النفط الخفية وتأثيره في تيسير الحياة اليومية الحديثة؛ بدءاً من أنسجة الملابس، ووصولاً إلى مواد تغليف الطعام والأجهزة الطبية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended