ما حدود الواقع والخيال في حياة روبرت أوبنهايمر؟

بعد رواج فيلم يقدم معالجة لسيرة أبو القنبلة الذرية

روبرت أوبنهايمر في معهد الدراسات المتقدمة في برينستون بنيوجيرسي الأميركية (أ.ب)
روبرت أوبنهايمر في معهد الدراسات المتقدمة في برينستون بنيوجيرسي الأميركية (أ.ب)
TT

ما حدود الواقع والخيال في حياة روبرت أوبنهايمر؟

روبرت أوبنهايمر في معهد الدراسات المتقدمة في برينستون بنيوجيرسي الأميركية (أ.ب)
روبرت أوبنهايمر في معهد الدراسات المتقدمة في برينستون بنيوجيرسي الأميركية (أ.ب)

مع انطلاق وميض الكرة النارية التي أضاءت السماء فوق موقع الاختبار في لوس ألاموس بصحراء نيومكسيكو الأميركية، في يوليو (تموز) 1945، أصبح جوليوس روبرت أوبنهايمر، مدير مشروع مانهاتن لتطوير أول قنبلة ذرية بالعالم، أحد أشهر علماء جيله.

وأدى إنشاء القنابل الذرية وتدميرها مدينتَي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين، في عام 1945 إلى قتل أكثر من 200 ألف إنسان، وبدء حقبة جديدة حولت أوبنهايمر أيقونةً تاريخية ينشغل العالم الآن، وبشغف كبير بها التعرف على كواليس حياتها، بفضل فيلم سينمائي أميركي يتناول سيرته، وسط تساؤلات عن حدود الواقع والخيال في حياة العالم الراحل.

احتاج مشروع مانهاتن إلى مجهود هائل، وإلى الآلاف من العلماء الذين عملوا بلا كلل أو ملل طوال فترة الحرب. لكن مع حلول الوقت وحين اكتمل صُنع القنبلة واختبروها بنجاح، انتابت أوبنهايمر حالة من الاضطراب وربما الندم، مستعيراً بالعبارة الهندوسية: «الآن أصبح الموت، مدمر العوالم». ومع ذلك، هو نفسه وفي الأسبوع نفسه، كان يعطي الجيش الأميركي المعلومات التي تمكّنه من تفجير القنبلة فوق اليابان بأكبر دقة ممكنة.

يقول كاي بيرد، المؤلف المشارك للكتاب الحائز جائزة «بوليتزر»، الذي تناول سيرة أوبنهايمر الذاتية، وكان مصدر إلهام صانعي الفيلم، في حوار مع موقع «لايف ساينس» في 15 يوليو: «إنها حكاية تمنحك إحساساً بالرجل وتعقيده وتناقضه فيما كان يفعل».

حقق أوبنهايمر ما كان يصبوا إليه، وشهد بعض من عملوا معه أنه لم يكن هذا ليحدث لو لم يكن هو من يدير المشروع، وفق بيرد، الذي قال: «لقد ألهمهم للعمل وبذل كل الجهد لحلّ المشكلات الهندسية المرتبطة بصناعة القنبلة بالوقت المناسب».

في حين يطلعنا ستيفن شابين، أستاذ أبحاث فرانكلين فورد لتاريخ العلوم، على جانب آخر من الصورة، عبر حواره مع صحيفة «ذا هارفارد غازيت» المنشور في 19 يوليو الحالي، قائلاً: «أوبنهايمر في الواقع كان خياراً غير مرجح تماماً للإدارة العلمية في لوس ألاموس، فقد كان يعتقد الكثيرون أنه يفتقر لأي قدرات تنظيمية وإدارية، قال أحد زملائه ذات مرة، إنه لا يستطيع إدارة كشك لبيع الهامبرغر».

وبينما اعتقد علماء لوس ألاموس أن نحافة أوبنهايمر بمنزلة «نموذج لزاهد ديني، لم يكن لديه لحم تقريباً، وأنه أصبح كله عقلاً، وكله روحاً، جراء حالة الزهد التي تسيطر عليه»، فسّر شابين ذلك «بأنه يعود لانشغاله الدائم بالعمل، وجزئياً بسبب المرض الذي ألمّ به، وبسبب حالة القلق الشديدة نتيجة إحساسه بالمسؤولية».

أما بالنسبة لدوافع أوبنهايمر، فقد كانت واضحةً تماماً. عندما كان شاباً درس فيزياء الكم بألمانيا، وكان يعلم أن العلماء الألمان كانوا قادرين على فهم فيزياء القنبلة الذرية وامتلاك سلاح دمار شامل. ومن المنظور السياسي، كان رجلاً يسارياً يخشى أن يسلّم العلماء الألمان هذا السلاح إلى هتلر الذي ما كان ليتردد في استخدامه، وكما يصف بيرد الأمر بأنه: «كان هذا أسوأ كابوس له».

ملاحظات مكتوبة بخط يد أوبنهايمر عُرضت في متحف برادبري للعلوم (أ.ب)

بعد الحرب، أصبح أوبنهايمر أكثر منتقدي الأسلحة النووية صراحةً - قاوم الجهود المبذولة لصنع قنبلة هيدروجينية، وأشار إلى خطط سلاح الجو الأميركي لقصف استراتيجي مكثف بأسلحة نووية على أنها إبادة جماعية. يقول بيرد: «علمنا من رسائل كتبتها زوجته (كيتي) إلى أصدقائها أن أوبنهايمر أصابه الاكتئاب بعد فترة وجيزة من حادثة هيروشيما».

عاد أوبنهايمر إلى واشنطن، وكان قد عرف باقتراب اليابانيين من الاستسلام في سبتمبر (أيلول)، كما عرف عن موقف إدارة ترومان من السلاح الجديد، وأنهم يريدون جعل الأمن القومي الأميركي يعتمد كلياً على ترسانة ضخمة من تلك الأسلحة.

في وقت مبكر من أكتوبر (تشرين الأول) 1945، ألقى أوبنهايمر خطاباً عاماً في فيلادلفيا قال فيه: إن هذه الأسلحة كانت أسلحة للمعتدين. إنها أسلحة إرهاب وليست أسلحة للدفاع وتحتاج الولايات المتحدة إلى إيجاد طريقة لبناء آلية مراقبة دولية لمنع انتشارها. كان ذلك تهديداً مباشراً لوزارة الحرب والجيش والبحرية والقوات الجوية الأميركية، الذين طالبوا جميعاً بميزانيات أكبر للحصول على المزيد من هذه الأسلحة.

وفي أواخر عام 1953 أصبح أوبنهايمر مصدر تهديد مباشراً للحكومة الأميركية؛ ما أدى إلى تجريده من تصريحه الأمني، وتقديمه للمحاكمة وإهانته علانية. وعن ذلك يقول بيرد: «لقد أرادوا إذلاله على الملأ، حتى يكون عِبرة لمن خلفه، لقد بعثوا من خلاله برسالة إلى العلماء في كل مكان: (لا تخرج عن مسارك الضيق، وغير مسموح لك أن تصبح مثقفاً عاماً، كما أنه ليس لك الحق أن تتحدث في السياسة)».

مجد شخصي

من جانبه، قال العالم الفيزيائي، محمد ثروت حسن، أستاذ الفيزياء والضوء في جامعة أريزونا بالولايات المتحدة: «أعتقد أن أوبنهايمر لم يُجبر على الأمر، ولكن كان ذلك اختياره، وعلى العَالِم أن يركّز في البحث العلمي الذي يكون له دور في زيادة المعرفة البشرية وإنتاج تطبيقات مفيدة».

وكان حسن قد نشر على صفحته على «فيسبوك»، بأنه «لا يحب روبرت أوبنهايمر ولا يحترمه، وأنه يمثل له كل ما لا يحبه في شخصية العَالِم»، قائلاً في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعلم ماذا يفعل جيداً ويعي خطورته، وعلى الرغم من ذلك أقدَم عليه؛ بحثاً عن مجد شخصي ولو على حساب آلاف الأرواح من البشر».

وعن تراجع أوبنهايمر ومعارضته السلاح النووي بعد ذلك، أضاف: «أعتقد أنه لم يتوقع أن تكون النتائج بهذا السوء، بعدما رأى صنيع ما قام به على أرض الواقع»، مشدداً على أن «هناك بعض العلماء الذين تركوا المشروع بعد تأكدهم من عدم قدرة ألمانيا - هتلر - على صنع القنبلة النووية».

ويرى الروائي المصري أحمد سمير سعد، ومدرس في قسم التخدير بكلية الطب، جامعة القاهرة، أن الفيلم قد يكون حاول تبرئة أوبنهايمر، لكنه لم يبرئ أبداً ساحة الحكومة الأميركية.

وربط الفيلم بين أوبنهايمر ونوبل، الاثنان هرعا وراء السبق العلمي، حيث عاد الأول وحارب تصنيع القنبلة الهيدروجينية والتسليح النووي، كما صنع الثاني جائزة للسلام، لقد حاول الفيلم الفصل بين الإنجاز العلمي والاستخدام السياسي له.

وأضاف سعد: «لا أجد فارقاً كبيراً فيما قرأت عن أوبنهايمر وبين ما عرضه الفيلم من أحداث، إلا أن الفيلم كان متعاطفاً معه بالطبع، لقد سلط الضوء على تأثره النفسي الشديد ومعارضته اللاحقة للتسليح النووي حتى اتهموه بالخيانة».

ولكن هل كان العلماء المشاركون بالمشروع على دراية بكيفية الاستخدام المميت والمدمر للقنبلة كما حدث بالفعل، يرى شابين أن علماء لوس ألاموس: «لم يكونوا يفكرون فيما يجب فعله بهذا السلاح، سواء كان سيُستخدم ضد ألمانيا أو ما إذا كان التهديد باستخدامه سيكون كافياً».

وأضاف: لقد كانت مشكلة علمية وتكنولوجية صعبة للغاية، وكانوا منخرطين تماماً في إنجاح المشروع. لذا؛ فإن الألم الأخلاقي والسياسي بشأن القنبلة وما يجب فعله بها بدأ يطفو على السطح خلال فترة وجيزة في نهاية المشروع، وهي الفترة التي شارك فيها عدد قليل نسبياً من الأشخاص.

منظر جوي بعد أول انفجار ذري بموقع اختبار ترينيتي في نيو مكسيكو بالولايات المتحدة في 16 يوليو 1945 (أ.ب)

وبعد هزيمة ألمانيا النازية، اعتقد بعض علماء المشروع أنه ليست هناك حاجة إلى إسقاط القنبلة على اليابان، وأنه قد يتم إخبار اليابان بوضوح أن القنبلة موجودة وما يمكن أن تفعله، لكن أوبنهايمر، وفق شابين، لم يفعل سوى القليل أو ربما لا شيء لمساعدتهم. كما أنه ليس من الواضح أيضاً أن أوبنهايمر كان بإمكانه فعل الكثير للتأثير على استخدام القنبلة. كانت لديه سلطة علمية ولكن ليس لديه قوة سياسية كبيرة. كانت قرارات هيروشيما وناغازاكي قرارات عسكرية وسياسية.

سياسي ساذج

يحاول بيرد رسم صورة بانورامية لأوبنهايمر قائلاً: «كان متعدد المواهب وكان منجذباً إلى التصوف الهندوسي». مضيفاً: «نعم، كان سياسياً غبياً وساذجاً. لم يكن لديه أي فكرة عمّا كان على وشك الدخول فيه». وعلى الرغم من ذلك، علّق بيرد على موقف أوبنهايمر من انتشار السلاح النووي بقوله: «هذا بالضبط ما نحتاج إليه الآن. نحن في حاجة إلى المزيد من العلماء المستعدين للتحدث عن الحقائق الصعبة في كيفية دمج العلم بالحياة وجعله غير مدمر».

وجاوب بيرد عن السؤال الأهم، وهو كيف سيتذكر الناس إرث أوبنهايمر، وقد ارتبط بسلاح مروع وقاتل؟: يعتمد هذا على ما سيحدث في المستقبل، فإذا وقعت حرب نووية أخرى، بالطبع سيُنظر إليه على أنه العالِم المسؤول عن ذلك أيضاً.

ولد أوبنهايمر عام 1904 لعائلة ثرية في مدينة نيويورك الأميركية، وتخرج في جامعة هارفارد عام 1925، حيث تخصص في الكيمياء. وبعد ذلك بعامين، أكمل شهادة الدكتوراه في الفيزياء في جامعة غوتنغن، بألمانيا، إحدى المؤسسات الرائدة في العالم للفيزياء النظرية. وعلى الرغم من اعترافه بعدم اهتمامه بالسياسة عقب نجاحه في اختراع القنبلة الذرية؛ فقد أيّد أوبنهايمر علانية الأفكار التقدمية اجتماعياً. وكانت شريكته، كيتي بوينينغ، متطرفة ذات ميول يسارية وتضمنت دائرتهما الاجتماعية أعضاء ونشطاء الحزب الشيوعي. وربما هذا كان أحد أسباب اتهامه في وقت لاحق بأنه متعاطف مع الشيوعية، قبل أن يتوفى عن عمر ناهز 62 عاماً في 18 فبراير (شباط) عام 1967.


مقالات ذات صلة

أفلام مصرية وسعودية للعرض بموسم «رأس السنة» بعد جولتها بالمهرجانات

يوميات الشرق أحمد مالك وكامل الباشا في فيلم «كولونيا» (الشركة المنتجة)

أفلام مصرية وسعودية للعرض بموسم «رأس السنة» بعد جولتها بالمهرجانات

يشهد موسم رأس السنة انتعاشة في دور العرض السينمائية، من خلال طرح أفلام مصرية وسعودية للجمهور بعد مشاركات لهذه الأفلام في مهرجانات.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق أبطال الفيلم السعودي «المجهولة» في ليلة العرض الخاص بالرياض (روتانا)

«المجهولة»… فيلم سعودي يطرق عوالم خفية ويواصل حضوره العالمي في دور السينما

تنطلق عروض الفيلم السعودي «المجهولة» تجارياً في دور السينما السعودية ودول الخليج ابتداءً من أول أيام يناير 2026، وذلك بعد العرض الخاص الذي أقيم في الرياض.

فاطمة القحطاني (الرياض)
يوميات الشرق عرض الفيلم للمرة الأولى عربياً في القاهرة السينمائي (الشركة المنتجة)

الفيلم الكندي «ذروة كلّ شيء»... تجربة سينمائية من رحم العزلة

لم تكن المخرجة الكندية آن إموند تتوقّع أن تقودها عزلتها خلال جائحة «كورونا» في 2020 إلى كتابة ما تصفه بأنه «أكثر أفلامها حميمية وقلقاً».

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق زواج مي عز الدين خلال عام 2025 (صفحتها على «فيسبوك»)

مصر: حالات زواج وطلاق مفاجئة... و«تألق» الشباب الأبرز فنياً بـ2025

أسدل عام 2025 ستائره في مصر بحالات زواج مفاجئة وطلاقات مثيرة بين مشاهير الفن والإعلام، بالإضافة إلى رحيل عدد من الفنانين والمخرجين البارزين.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق أبطال الفيلم بين المخرجة والمؤلف في العرض الخاص (الشركة المنتجة)

«إن غاب القط»... كوميديا رومانسية تتناول العلاقات «التوكسيك»

يجمع الفيلم المصري «إن غاب القط» بين الكوميديا والرومانسية ومشاهد الأكشن في أجواء مثيرة.

انتصار دردير (القاهرة )

رحيل محمد الشافعي... صحافي الميدان والملفات الصعبة

الصحافي الراحل محمد الشافعي (الشرق الأوسط)
الصحافي الراحل محمد الشافعي (الشرق الأوسط)
TT

رحيل محمد الشافعي... صحافي الميدان والملفات الصعبة

الصحافي الراحل محمد الشافعي (الشرق الأوسط)
الصحافي الراحل محمد الشافعي (الشرق الأوسط)

بعد مسيرة عمل امتدَّت لأكثر من 4 عقود قضاها باحثاً عن الخبر والقصص الميدانية في ملف معقد وصعب، ودَّعت صحيفة «الشرق الأوسط» واحداً من أبرز أعمدتِها الصحافية، الأستاذ محمد الشافعي، الذي رحلَ عن عمر ناهز 74 عاماً.

كانَ الشافعي صحافياً متخصصاً في شؤون الجماعات المتطرفة، وأحدَ الأسماء التي أسهمت مبكراً في بناء هذا الملف داخل الصحافة العربية، واضعاً معايير مهنية في التوثيق والتحليل والاقتراب من المصادر. التحق بـ «الشرق الأوسط» عام 1982، ليبدأ مشواراً من العطاء المهني والرصانة والدقة.

وُلد محمد الشافعي في مصر عام 1951، وتخرج في كلية الآثار بجامعة القاهرة عام 1974، قبل أن ينتقلَ إلى لندن درس الترجمة.

بدأ مشوارَه الصحافي في لندن في مطلع الثمانينات، متنقلاً بين عدد من الصحف العربية الصادرة في الخارج، وفي مسيرته المهنية أجرى الشافعي حوارات مباشرة مع كبار قادة تنظيم «القاعدة»، كانَ من أبرزهم الملا محمد عمر، إلى جانب عدد من قادة حركة «طالبان»، كما سافر إلى أفغانستان للقاء هؤلاء القادة في ظروف بالغة الصعوبة والخطورة.

كما حاورَ الشافعي، أبناء أسامة بن لادن، ليقدّم مادة صحافية توثيقية مهمة، وحتى قبل ساعات قليلة من رحيله، ظلَّ الشافعي وفيّاً لمهنته، إذ كتب عدداً من الموضوعات الصحافية، وأرسلها إلى موقع صحيفة «الشرق الأوسط»، وتواصل هاتفياً مع عدد من زملائه، متابعاً الشأن التحريري كما اعتاد طوال مسيرته، وبعدها سلّم روحه الكريمة إلى بارئها. رحمَ الله محمد الشافعي، وألهمَ أسرته وزملاءَه ومحبيه الصبر والسلوان.


مدن العالم تستقبل 2026 (صور)

الألعاب النارية أضاءت سماء منتصف الليل فوق نهر تشاو فرايا خلال احتفالات رأس السنة الجديدة لعام 2026 في بانكوك (أ.ف.ب)
الألعاب النارية أضاءت سماء منتصف الليل فوق نهر تشاو فرايا خلال احتفالات رأس السنة الجديدة لعام 2026 في بانكوك (أ.ف.ب)
TT

مدن العالم تستقبل 2026 (صور)

الألعاب النارية أضاءت سماء منتصف الليل فوق نهر تشاو فرايا خلال احتفالات رأس السنة الجديدة لعام 2026 في بانكوك (أ.ف.ب)
الألعاب النارية أضاءت سماء منتصف الليل فوق نهر تشاو فرايا خلال احتفالات رأس السنة الجديدة لعام 2026 في بانكوك (أ.ف.ب)

يدخل العالم تباعاً عام 2026، مع اختلاف الجغرافيا والتوقيت. وكانت دول المحيط الهادئ أول من ودّع عام 2025، قبل أن تنتقل أجواء الاحتفال شرقاً عبر آسيا، ثم إلى أوروبا، وصولاً إلى الأميركتين، في ليلة عالمية توحّدت فيها الترقبات وتنوّعت أشكال الاحتفال بين الألعاب النارية، والتجمعات الشعبية، والاحتياطات الأمنية المشددة في بعض العواصم.

ينتظر المحتفلون العد التنازلي لمنتصف الليل خلال احتفالات رأس السنة الجديدة في هونغ كونغ (أ.ف.ب)

وكانت مدينة سيدني الأسترالية من أوائل المدن الكبرى التي أعلنت دخول العام الجديد، إذ أضاءت الألعاب النارية سماء الميناء الشهير وجسر هاربور، وسط حضور جماهيري واسع ومتابعة عالمية، لتؤكد مكانتها بوصفها أحد أبرز رموز الاحتفال برأس السنة عالمياً.

ألعاب نارية تنطلق فوق جسر ميناء سيدني احتفالاً بالعام الجديد (رويترز)

ومع تقدم عقارب الساعة غرباً، دخلت طوكيو عام 2026.

راقصون يؤدون عرضاً خلال فعالية العد التنازلي أمام مبنى حكومة طوكيو الكبرى ليلة رأس السنة (رويترز)

وفي تايوان، دخل عام 2026 وسط عروض ضوئية وألعاب نارية حول برج تايبيه الذي يعد من أبرز معالم المدينة، في احتفالات حاشدة.

ضاءت الألعاب النارية من مبنى تايبيه 101 سماء منتصف الليل وسط الأمطار الغزيرة خلال احتفالات رأس السنة (أ.ف.ب)

وفي الصين دخول العام الجديد كان وسط الاحتفالات العامة.

راقصون يؤدون عرضاً على المسرح بينما يحتفل الناس بالعام الجديد 2026 في سور الصين العظيم (أ.ف.ب)

ومع حلول منتصف الليل بتوقيت شبه القارة الهندية، استقبلت المدن الهندية العام الجديد وسط احتفالات شعبية.

يحتفل الناس بليلة رأس السنة الجديدة على ممشى في مومباي بالهند (أ.ب)

وهكذا يستقبل العالم عام 2026 بإيقاعات متباينة، لكن بروح واحدة تتقاطع عند الأمل بالتجدد والسعي إلى طيّ صفحة عام مضى، كلٌّ وفق ثقافته وتقاليده.


هل تحد «مقاطعة» الإعلام التقليدي أخبار مشاهير «السوشيال ميديا» من انتشارهم؟

«ماسبيرو» يحظر «البلوغرز» (الهيئة الوطنية للإعلام)
«ماسبيرو» يحظر «البلوغرز» (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

هل تحد «مقاطعة» الإعلام التقليدي أخبار مشاهير «السوشيال ميديا» من انتشارهم؟

«ماسبيرو» يحظر «البلوغرز» (الهيئة الوطنية للإعلام)
«ماسبيرو» يحظر «البلوغرز» (الهيئة الوطنية للإعلام)

أثار قرار «الهيئة الوطنية للإعلام» و«الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية» بالامتناع عن تغطية أنشطة مشاهير «السوشيال ميديا» وأخبارهم على خلفية كثرة المشاكل التي يثيرونها، تساؤلات حول مدى تأثير قرار وسائل الإعلام التقليدية على الحد من انتشارهم.

وتعدّ «الهيئة الوطنية للإعلام» الجهة المالكة والمسؤولة عن القنوات التلفزيونية وشبكات الراديو الحكومية، بينما تمتلك «المتحدة للخدمات الإعلامية» غالبية القنوات المصرية الخاصة، وعدداً من وسائل الإعلام الإلكترونية والمطبوعة في مصر.

واتُخِذ القرار بعد الضجة التي شهدها حفل خطوبة «التيك توكر كروان مشاكل» في القاهرة والتي شهدت خلافات وزحاماً ووقائع تحرش تدخلت فيها قوات الشرطة، وتم توقيف مجموعة من الأشخاص على خلفية ما حصل من تجاوزات وأحيلت الوقائع الخاصة بها إلى النيابة، مع تأكيدات الداخلية وجود معلومات جنائية لصاحب الحفل وعدد من الموقوفين.

وشهدت مصر في الشهور الماضية تجاوزات لعدد من «التيك توكرز» و«البلوغرر»، وتم إيقاف بعضهم من قِبل الشرطة وتوجيه اتهامات لهم بخدش الحياء العام، بينما جرى توقيف آخرين على خلفية اتهامهم بغسل الأموال والتربح بشكل غير مشروع في توقيفات أحيلت للقضاء وصدر في حق بعضهم أحكام بالحبس.

وأرجعت «المتحدة» قرارها الصادر مساء الثلاثاء إلى أنه انطلاقاً من الإيمان بأن «رسالة الصحافة أسمى من ملاحقة محاولات صناعة الضجيج وجذب الانتباه دون مضمون أو قيمة حقيقية»، في حين دعمت «الوطنية للإعلام» المبادرة، مؤكدة في بيان «رفضها محاولات البعض التطفل على المشهد الإعلامي بأساليب تتسم بالإسفاف والابتذال، بما يضر منظومة القيم، ويصدّر لفئات من المجتمع صورة سلبية حول رسالة الإعلام و(السوشيال ميديا) بوصفها مجالاً مفتوحاً لوهم الشهرة الزائفة».

تدير «المتحدة» غالبية القنوات التلفزيونية الخاصة في مصر (حساب الشركة على فيسبوك)

ودعم وزير الثقافة المصري أحمد فؤاد هنو مبادرة «الشركة المتحدة»، وقال في بيان، الأربعاء، إن «الثقافة والإعلام شريكان أساسيان في دعم الوعي العام والحفاظ على منظومة القيم الأصيلة للمجتمع المصري».

خطوة المقاطعة من وسائل الإعلام التقليدية لمجتمع «التيك توكر» تراها العميد الأسبق لكلية الإعلام جامعة القاهرة الدكتورة ليلى عبد المجيد «غير كافية» للحد من انتشار مثل هذه الشخصيات، مؤكدة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «المبادرة طيبة من وسائل الإعلام، لكن في النهاية لا بد أن يكون هناك ضوابط من الدولة لتجنب التأثير السلبي للمؤثرين على الأجيال الناشئة التي أصبحت (السوشيال ميديا) مصدرهم الأول للمعلومات».

وأضافت أن «وجود برامج للتوعية بجانب الإجراءات الحكومية التي يفترض أن تكون موجودة لضبط المشهد عبر (السوشيال ميديا) ستكون ناجحة لكون المشهد في حاجة إلى تكامل بين الجهات المختلفة وليس فقط وسائل الإعلام التقليدية التي ترى أن تأثيرها لا يزال موجوداً وإن اختلفت درجة تأثيره».

وهنا يشير المدرب والمتخصص في الإعلام الرقمي معتز نادي لـ«الشرق الأوسط» إلى «ضرورة الارتقاء بالمحتوى المقدم للمتابعين لضمان وجود الجمهور الذي يمكن الارتقاء بذائقته عبر متابعة النماذج الإيجابية»، مشيراً إلى أن «الجمهور في حاجة إلى الاطلاع على المحتوى الذي يستحق المتابعة، وبالتالي سيتجاهل المحتوى المثير للجدل».

ويلفت نادي إلى إشكالية عدد متابعي مشاهير هذا العالم، ويقول: «ربما يستفيد بعضهم من قاعدة الممنوع مرغوب في تكوين شهرة، وبالتالي يمكن قياس الأثر بمرور الأيام بشأن حساباتهم وعدد متابعيهم، بجانب مدى الالتزام بتنفيذ القرار، خاصة مع طبيعة العمل الإخباري وتحديثاته مع وجود قصة تصعد لصدارة (الترند).

وهنا تؤكد ليلى عبد المجيد أن جزءاً من المتابعين يكون منتقداً ورافضاً لما يتم تقديمه، لكن في النهاية يتفاعل مع ما يقوم به هؤلاء المشاهير بالرفض، عادَّةً أن عدم الانخراط في التفاعل معهم بأي شكل من الأشكال سيكون هو الرهان الناجح لإبعادهم بما يقدمونه من محتوى غير هادف عن المشهد.

وضجت «السوشيال ميديا» بتفاصيل ما حدث في خطوبة «التيك توكر» كروان مشاكل وياسمين سيد، حفيدة المطرب الشعبي الراحل شعبان عبد الرحيم، مع رصد اعتداءات طالت العروس وعائلتها، بالإضافة إلى اتهامات متبادلة بين الجانبين بالمسؤولية عما حدث، ومنها إحراق سيارة يمتلكها شقيق العريس وهي السيارة التي أكدت «الداخلية» أن النيران اشتعلت فيها بسبب ألعاب نارية من داخلها.

وحررت ياسمين سيد محضراً ضد خطيبها تتهمه فيه بسرقة هاتفها المحمول والشبكة الذهبية الخاصة بها، وقالت في بلاغها إن «واقعة السرقة جرت قبل أيام من حفل الخطوبة»، مشيرة إلى أن «خطيبها سعى لتحقيق أرباح من خلاله على حساب سمعته». على حد تعبيرها.

وحظيت مبادرة «الشركة المتحدة» بالإشادة من شخصيات عدة على مواقع التواصل، من بينهم نقيب الصحافيين المصريين خالد البلشي، والمحامي طارق العوضي الذي وصف المبادرة عبر حسابه على «فيسبوك» بأنها «خطوة شجاعة ومسؤولة تعيد الاعتبار لدور الصحافة ورسالتها السامية»، عادَّاً أنها «لا تُعادي حرية التعبير، بل تُنقذها من الابتذال؛ ولا تُخاصم الواقع الرقمي، بل تُنظّم علاقتها به على أسس مهنية وأخلاقية».