لا يزال هذا واحداً من أكثر العروض الموسيقية إثارة للإعجاب التي رأيتها مباشرة - وفي سن 88 عاماً، لا أقل.
في عام 2015، خلال العرض الثالث من أصل أربعة عروض بيعت بالكامل في قاعة «راديو سيتي ميوزيك»، كان توني بينيت وليدي غاغا يتشاركان في مشروع غنائي مشترك، ويروجان لألبومهما الثنائي «تشيك تو تشيك: وجنة إلى وجنة». كان لديهما تناغم خفيف وسريع في الأغاني التي أدياها سوياً، ولكن أفضل أجزاء الأمسية كانت أغانيهم الفردية، وكل منهما يدعو جموع معجبيه - التقليديين الذواقين لدى بينيت والوحوش الصغيرة المهذبة ولكن المخلصة روحياً لدى غاغا - إلى عالم مختلف.
خلال أغلب ساعات الحفل، كانا يعزفان مع فرقة موسيقية كاملة وأوركسترا، ولكن مع فرد واحد فقط خلال الأغاني الفردية الخاصة. استدعى بينيت عازفاً منفرداً على الغيتار للانضمام إليه في دائرة الضوء. وقال لنا إن الأغنية مهداة إلى «صديقه المقرب، فرانك سيناترا»، وشرع في حفل موسيقي رائع بأغنية «اذهب بي إلى القمر»، وحمل الميكروفون إلى جواره بدلاً من تقريبه من شفتيه. وبعد بضع سطور، وضع الميكروفون على البيانو وأدى باقي الأغنية من دون أي تضخيم للصوت على الإطلاق. خيّم سكون مطبق على القاعة بأسرها، وكان صوت بينيت قوياً وواضحاً للغاية لدرجة أنه يمكنك سماع كل نغمة بللورية، وكل نغمة معبرة، حتى في المقاعد الخلفية.
كان توني بينيت أَخَّاذاً بغنائه ومفرطاً في المثالية، وبأناقة غير مُبهرجة، وشهرته التي فاقت الآفاق، وقبل كل شيء، السهولة التي تحول بها فجأة من مغني الأغاني العاطفية المغمور إلى مطرب موهوب بشكل استثنائي يمكنه مضاهاة مطربي الأوبرا في الأداء.
في أغسطس (آب) 2021، أثناء مكافحته لمرض ألزهايمر، ظهر بينيت، الذي توفي يوم الجمعة عن عمر يناهز 96 عاماً، في آخر ظهور علني له على المسرح نفسه، مرة أخرى مع ليدي غاغا. ومرة أخرى أظهر القوة والمرونة، هذه المرة ببساطة من خلال الأداء على الإطلاق. وقد صوّر مقطعاً مؤثراً من برنامج «60 دقيقة» كفاح بينيت في البروفات، لكن انتصاره النهائي عندما اعتلى خشبة المسرح. وفي البروفات، قالت ليدي غاغا: «كان يناديني (حبيبتي). لكنني لم أكن متأكدة أنه يدرك من أنا». لقد شهدت تحولاً مذهلاً، برغم كل شيء، في أي وقت كانت الفرقة تغني النغمات الافتتاحية لأغنية أخرى وبدأ بينيت في الغناء.

قالت غاغا: «عندما تبدأ الموسيقى، يحدث له شيء ما. فهو يعرف تماماً ما يفعله».
هنا كان الفصل الأخير من التعاون غير المحتمل الذي غير المسار المهني لكل موسيقيّ. عندما ارتبطت غاغا مع بينيت لأول مرة من أجل أغنية «الوجنة إلى الوجنة»، رأى بعض المتشككين أنها ليست أكثر من إلهاء ذكي، وسيلة لمغنية البوب الجريئة لإعادة تصنيف ذاتها كمغنية جاز محترفة في أعقاب أول فشل كبير تلاقيه، ألبوم «أرتبوب» 2013 المغالى فيه للغاية. لكن الشجاعة والتوقير والذكاء الموسيقي الذي جلبته لعملها مع بينيت أكسبها ومعجبيها تقديراً واحترامها من جيل أكبر من المستمعين. عندما كنت أحاول الخروج من «راديو سيتي» تلك الليلة من عام 2015، لم أستطع تتبع عدد الأشخاص الذين كنت قد سمعتهم يُتمتمون بقولهم: «لم تكن لدي أدنى فكرة أن ليدي غاغا يمكنها أن تغني في الواقع!»
لبت غاغا رغبة بينيت في البقاء نشطة والمشاركة مع جيل أصغر سناً من الموسيقيين، وجعلها استقرارها المهني أكثر الشركاء التزاماً في الثنائي. لكن غاغا قالت أيضاً إن إرشادات بينيت «أنقذت» حياتها الفنية. وقد سمح لها مثال الثمانينيات آنذاك بالتفكير لما وراء نجاحات أو إخفاقات اللحظة الراهنة، وتقدير طول العمر الذي تستغرقه مهنة الموسيقى. تقول ليدي غاغا عن الفترة السابقة لأغنية (الوجنة إلى الوجنة) : «كنت حزينة للغاية. ولم أستطع النوم. شعرت بالموت. ثم قضيت وقتاً طويلاً مع توني. لم يكن يريد شيئاً سوى صداقتي وصوتي».

ليس الأمر أن أصواتهم أو طاقاتهم كانت دائماً ممزوجة بشكل جيد - فقد جلبت غاغا تجربة مسرحية غنية ومفعمة بالحيوية لتعاونهما سويا، في حين بدا صوت بينيت وكأنه أصبح أكثر تراخياً وخالياً من الحيلة الفنية مع تقدمه في السن - لكن الإعجاب المتبادل الذي تبادلاه كان حقيقياً بما فيه الكفاية لفتح عقول جمهورهما والأجيال المختلفة. مع ألبومهما «حب للبيع» الفائز بجائزة «غرامي» لعام 2021، بالغلاف من تصميم كول بورتر، بدا بينيت وكأنه يُمرر العصا إلى غاغا، عادَّاً أنها قادرة على مواصلة مهمته مدى الحياة للحفاظ على كتاب الأغاني الأميركي العظيم على قيد الحياة. وكانت غاغا بدورها تطلب من قاعدتها الجماهيرية المسماة «ليتل مونسترز» القيام بواجبها من تقدير التاريخ الثري للموسيقى الشعبية الأميركية.
كانت إحدى اللحظات الأخيرة، وأكثرها جمالاً وإيلاما، من الاحترام المتبادل خلال برنامج «راديو سيتي» عام 2021، التي خُلدت إلى الأبد في مقطع من برنامج «60 دقيقة» الذي جرى تداوله بنطاق واسع على وسائل التواصل الاجتماعي يوم الجمعة. وبعد أسابيع من مناداته إياها بلقب «حبيبتي»، عاد الاسم أخيراً إليه عندما كانا سويا على خشبة المسرح. «آوه!» قالها بينيت واصفا فرحة شريكته الثنائية الواضحة. «ليدي غاغا!»
* خدمة «نيويورك تايمز»







