بعد مسيرة من النفي والشعر والأدب... رحيل الروائي التشيكي ميلان كونديرا

صاحب «كائن لا تُحتمل خفّته» وإصدارات كثيرة شهيرة

الروائي التشيكي ميلان كونديرا (أ.ف.ب)
الروائي التشيكي ميلان كونديرا (أ.ف.ب)
TT

بعد مسيرة من النفي والشعر والأدب... رحيل الروائي التشيكي ميلان كونديرا

الروائي التشيكي ميلان كونديرا (أ.ف.ب)
الروائي التشيكي ميلان كونديرا (أ.ف.ب)

بعد مسيرة طويلة من الأزمات والفلسفة والأدب، يرحل الكاتب الفرنسي التشيكي ميلان كونديرا تاركاً وراءه إرثاً من الزخم الروائي والنقدي لمحبيه حول العالم.

كان كونديرا يجعل من القارئ بطلاً إضافياً في روايته، الأمر الذي يجعلك تقرأ ما يكتبه لمرات كثيرة دون ملل، ربما لأن أفكاره ولغته الأدبية تُدخلك عالمه مع شخصيات روايته من باب البطولة، وتجعلك حاضراً في كل المشاهد كأنك تشاهد ما تقرأه بكل مهارة.

الكاتب الفرنسي التشيكي ميلان كونديرا عام 2005 (أ.ف.ب)

توفي كونديرا عن عمر يناهز 94 عاماً، أمس (الثلاثاء)، وفق ما أعلنت الناطقة باسم «مكتبة ميلان كونديرا» في مدينة برنو التشيكية، حيث وُلد، لتكون محطته الأخيرة بعد سنوات من النفي، كأنه يقول كلماته الشهيرة: «لم يعد بالإمكان قلب هذا العالم ولا تغييره إلى الأفضل ولا إيقاف جريانه البائس إلى الأمام. لم تعد هناك سوى مقاومة وحيدة ممكنة؛ ألا نأخذ العالم على محمل الجد».

وقالت أنا مرازوفا، لوكالة الصحافة الفرنسية: «للأسف، أستطيع أن أؤكّد لكم أنّ ميلان كونديرا توفّي أمس (الثلاثاء) بعد معاناة طويلة من المرض».

وُلد كونديرا عام 1929 لأبٍ وأمٍّ تشيكيين، كان والده، لودفيك كونديرا عالم موسيقى ورئيس جامعة برنو. كتب كونديرا الشعر في المرحلة الثانوية، وبعد الحرب العالمية الثانية عمل تاجراً وعازفاً على آلة الجاز قبل أن يتابع دراسته في جامعة تشارلز في براغ حيث درس علم الموسيقى والسينما والأدب وعلم الأخلاق. تخرج في 1952م وعمل بعدها أستاذاً مساعداً ثم محاضراً لمادة الأدب العالمي في كلية السينما في أكاديمية براغ للفنون التمثيلية.

كونديرا عام 1963(أ.ب)

في أثناء هذه الفترة نشر شعراً ومقالاتٍ ومسرحياتٍ والتحق بقسم التحرير في عدد من المجالات الأدبية.

التحق بالحزب الشيوعي في عام 1948، وتعرض للفصل هو والكاتب جان ترافولكا عام 1950 بسبب ملاحظة ميول فردية عليهما، وعاد بعد ذلك عام 1956 لصفوف الحزب، ثم فُصل مرة أخرى عام 1970.

نشر في عام 1953 أول دواوينه الشعرية لكنه لم يحظَ بالاهتمام الكافي، ولم يُعرف كونديرا ككاتب مهم إلا عام 1963 بعد نشر مجموعته القصصية الأولى «غراميات مضحكة».

أدت رواية كونديرا الأولى «النكتة»، وهي عمل من الفكاهة السوداء حول دولة الحزب الواحد التي نُشرت في عام 1967، إلى حظر كتابته في تشيكوسلوفاكيا بينما جعلته أيضاً مشهوراً في وطنه.

وجُرّد كونديرا من جنسيته عام 1979 بعد 4 سنوات من مغادرته بلده للإقامة في فرنسا. كما تعرّض للملاحقة خلال حكم النّظام السّابق في تشيكوسلوفاكيا، بعد طرده الحزب الشيوعي من صفوفه، وتحول إلى الخروف الضّال في عرف مثقّفي النّظام.

عند نجاحه في بلوغ فرنسا، أقام كونديرا في الطّابق الثلاثين من برج سكني في رين، غرب البلاد، التي وصفها بـ«المدينة البشعة حقاً». وكان يُدرّس الأدب المقارن في جامعتها كأستاذ زائر. وفي عام 1979 وقع عليه الاختيار للتّدريس في معهد الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية في باريس، فانتقل إلى العاصمة.

كونديرا يمشي بجانب مقهى في وسط باريس عام 1975 (أ.ف.ب)

وفي السنة نفسها، جرّدته تشيكوسلوفاكيا من جنسيته، فبادر الرئيس فرنسوا ميتران، إلى منحه الجنسية الفرنسية. وفي كتاب بعنوان «الشطط والشفقة»، وصف مؤلفه بوريس ليتفينوف، أسلوب تعامل النّظام التشيكي مع كونديرا بالقول: «ليس الكاتب من أدار ظهره لموطنه، وإنّما الوطن هو من وضع الكاتب خارج القانون، وأجبره على العمل السري». بعد خروجه من بلده، تمتع كونديرا بحرّية التعبير، وصار في وسعه، لأول مرة، أن يكتب دون خشية الملاحقة أو مقص الرقيب. وكانت رواياته قد لقيت شهرة عالمية بفضل ترجماتها إلى لغات كثيرة، لا سيما «كائن لا تُحتمَل خفّته» عام 1984 التي تحوّلت إلى فيلم سينمائي بطولة جولييت بينوش ودانيال دي لويس.

خلال حضوره حفلا أدبيا في باريس عام 2010 (أ.ف.ب)

وفي عام 1995 انتقل إلى الكتابة باللغة الفرنسية مباشرةً بعد تمكنه منها. وكان مما قام به مراجعته وتدقيقه كل رواياته المترجمة إلى الفرنسية من قبل. وهو أحد الأدباء القليلين الذين أعادت دار «غاليمار» الباريسية العريقة نشر كامل مؤلفاتهم، وهم على قيد الحياة، في سلسلتها الشهيرة «لا بلياد».

وفي عام 2019 ذهب سفير التشيك لدى فرنسا بيتر درولاك، ليسلّم الكاتب الكبير، شهادة جنسية وطنه الأم التي كان محروماً منها. وقال السفير في تصريح لصحيفة «لوفيغارو»، إنّ ما قام به هو «عمل رمزي مهم جداً وعودة رمزية لأكبر كاتب تشيكي باللغة التشيكية». وقدّم السفير اعتذار شعبه للكاتب الذي تعرض خلال سنوات منفاه لكثير من حملات الهجوم.

بحضور زوجته فيرا هرابانكوفا، التي لعبت دوراً في ترتيب الاجتماع، استقبل كونديرا السفير الذي أوضح أنّ الكاتب يكره الطقوس والصّور، قائلاً: «كان اللقاء بسيطاً جداً مع الكثير من الحميمية والدفء الإنساني. وكان كونديرا بمزاج معتدل، وقد تناول شهادة الجنسية مني وقال: شكراً».

برفقة زوجته في براغ في 14 أكتوبر 1973(أ.ف.ب)

وأضاف أنّ المبادرة جاءت من رئيس الوزراء أندريه بابيس، الذي سبق له أن زار كونديرا خلال وجوده في باريس لحضور مئوية الحرب العالمية الأولى. وفوجئ بابيس يومها بأنّ الكاتب الكبير صاحب رواية «المزحة» لم يستعد جنسيته التشيكية. وحسب السفير، فإنّ السبب توترٌ كان قائماً بين أوساط المسرحي والأديب التشيكي فاكلاف هافيل، وبين كونديرا، بسبب ترشيحات لجائزة «نوبل» التي لم يفز بها. واستمرت الجفوة حتى بعد وصول هافيل إلى الرئاسة.

على الرغم من حمايته الشديدة لحياته الخاصة، فقد أجرى عدداً قليلاً فقط من المقابلات وأبقى معلومات عن حياته الشخصية بعيداً عن التداول. اضطر كونديرا إلى إعادة النظر في ماضيه في عام 2008، عندما أصدر معهد جمهورية التشيك لدراسة الأنظمة الشمولية وثائق تشير إلى أنه في عام 1950، عندما كان طالباً يبلغ من العمر 21 عاماً، أخبر كونديرا الشرطة عن شخص ما في مسكنه. أُدين الرجل في النهاية بالتجسس وحُكم عليه بالأشغال الشاقة لمدة 22 عاماً، وفق ما ذكرت وكالة «أسوشييتد برس» للأنباء.

خلال حضوره حفلا أدبيا في باريس عام 2010 (أ.ف.ب)

دافع الباحث الذي أصدر التقرير، آدم هراديليك، عن التقرير بوصفه نتاج بحث مكثف حول كونديرا، وقال كونديرا إن التقرير كذب، وقال لوكالة الأنباء التشيكية (سي تي كيه) إنه يرقى إلى مرتبة «اغتيال كاتب».

في عيد ميلاده هذا العام، افتُتحت مكتبة مورافيا في برنو «مكتبة ميلان كونديرا» في أحد طوابقها، وعرضت جزءاً من مجموعته من نسخ المؤلف بعشرات اللغات التي تُرجمت كتبه إليها.

زائر في مكتبة ميلان كونديرا في برنو يقرأ في أبريل الماضي (أ.ف.ب)

كان يترشح كونديرا مراراً للفوز بجائزة نوبل للآداب، لكنه لم يحقق ذلك.

وقال توماس كوبيتشيك، مدير مكتبة كونديرا، للتلفزيون التشيكي العام: «ليس الأدب التشيكي فحسب، بل فقد الأدب العالمي أيضاً واحداً من أعظم الكتاب المعاصرين، وأحد أكثر الكتاب ترجمة أيضاً».

وروت زوجته فيرا كوندروفا للإذاعة التشيكية أخيراً أن فكرة فتح مكتبة راودتها في الحلم قبل خمس سنوات. ورأت في المبادرة «خطوة تنطوي على دلالات رمزية، إذ إن ميلان وُلد في برنو ويعود إليها». وأضافت: «يمكنه أن يرحل (ذات يوم)، لكنه سيبقى حياً في برنو. سيأتي الناس للقائه. المنزل الذي وُلد فيه يقع على بُعد عشر دقائق من المكتبة».

وقال رئيس الوزراء التشيكي بيتر فيالا، المولود أيضاً في برنو، إن كونديرا كان قادراً على «جذب أجيال كاملة من القراء عبر جميع القارات» بعمله.

وأضاف فيالة على «تويتر»: «ترك وراءه أعمالاً روائية رائعة».



مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.