«الباتيك»... فن قديم أم موضة حديثة

دمج تقاليد نسيج مختلفة مع أسلوب جمالي إندونيسي مبتكر

تقليدياً... لا يمكن ارتداء أنماط معينة من الباتيك إلا من قبل قلة متميزة (نيويورك تايمز)
تقليدياً... لا يمكن ارتداء أنماط معينة من الباتيك إلا من قبل قلة متميزة (نيويورك تايمز)
TT

«الباتيك»... فن قديم أم موضة حديثة

تقليدياً... لا يمكن ارتداء أنماط معينة من الباتيك إلا من قبل قلة متميزة (نيويورك تايمز)
تقليدياً... لا يمكن ارتداء أنماط معينة من الباتيك إلا من قبل قلة متميزة (نيويورك تايمز)

شعرت جوزفين كومارا بالاكتئاب، بعد أن انتهى زواجها بالطلاق منذ فترة قصيرة، وانتقلت إلى منزل صغير. كانت أعمالها بمجال توريد الأقمشة لأغطية المصابيح مربحة، لكنها لم تشعر بالتحقق فيها. وبعد أن تناولت كومارا رشفة من شراب أمامها ودخنت سيجارة، نزلت بجسدها إلى الأرض، وغمست يديها في صندوقين خشبيين مملوءين بمنسوجات إندونيسية عتيقة، حسب خدمة «نيويورك تايمز» الأميركية.

مصممة المنسوجات جوزفين كومارا (نيويورك تايمز)

وكانت كومارا قد تذكرت أن أحد الصندوقين يضم تصميمات «باتيك» من جزيرة جاوة، بينما يضم الآخر نسيجاً متقناً من جزر إندونيسية أخرى. وهنا، استنشقت دخاناً معبقاً برائحة القرنفل يتصاعد من سيجارة إندونيسية، وانطلقت تفكر في كيفية إثراء تراث أمة تعيش على أكثر من 17000 جزيرة.

ومنذ تلك الليلة التي مضى عليها نحو 4 عقود، عمدت كومارا إلى إعادة تشكيل فن قديم من خلال دمج تقاليد نسيج مختلفة مع أسلوب جمالي من ابتكارها، وذلك بهدف خلق فن إندونيسي حديث. ونجحت تصميمات «الباتيك» وتصميمات أخرى أبدعتها دار الموضة التي تملكها «بينهاوس» في إحداث تحول في تعبير ثقافي لطالما اتسم بالتعقيد والروعة، لكنه ظل محاصراً داخل دائرة التقاليد القديمة.

القماش الإندونيسي يتحدث عن نبضة ورائحة معينة لا توجد في مكان آخر (نيويورك تايمز)

اليوم، لم تعد كومارا، التي يعرفها المحيطون باسمها المستعار، أوبين، تعتمد على أغطية المصابيح في كسب قوتها، وذلك مع تحول «بينهاوس» إلى قوة عالمية تكرس مجهودها لنشر جمال وروعة «الباتيك».

وعن نفسها، قالت كومارا: «أنا لا أحب إندونيسيا فحسب، وإنما أعشقها. في اعتقادي، النسيج الإندونيسي الذي نصنعه ينبض بالحياة، إنه يتحدث ويعبر عن نفسه وعن هذه الأرض الجميلة، التي تتميز بنبض وعبق خاص لا يوجد بأي مكان آخر في العالم».

وتتحدث كومارا (67 عاماً) عن حماسها لإندونيسيا دونما خجل، وتبدي تصميمها على إبراز صورة أكبر دولة إسلامية في العالم من حيث عدد السكان وأكبر دولة أرخبيلية على وجه الأرض.

وعلى جانب الآخر، نجد أن وطن كومارا يتسم بوجود غير لافت على الساحة الدولية، رغم تعداد سكانه الذي يتجاوز 275 مليون نسمة. ولا تحظى إندونيسيا بأي علامات تجارية شهيرة على مستوى العالم. وإذا كان أي جزء من إندونيسيا يتميز بشهرة واسعة في الخارج، فهو جزيرة بالي.

وفي حين أن بعض الكلمات التي نشأت داخل هذا الجزء من جنوب شرق آسيا قد ترسخت في اللغة الإنجليزية، كأرز «بادي» و«جيكو» و«أموك»، فإن كلمة «باتيك» نادرة حيث إنها كلمة محلية تعبر عن ثقافة أصلية.

جدير بالذكر أنه في أحد أشكال صناعة «الباتيك» الشائعة في جزيرة جاوة، يطبق الحرفيون الشمع على القماش بدقة تنقيطية، ويقطرون السائل المقاوم للصبغة من وعاء نحاسي ضيق. وتزخر الأنماط التي يبدعونها بصور من الطبيعة؛ أزهار ذات تصميمات معقدة ووحوش أسطورية وأوراق شجر استوائية.

إعادة تشكيل فن قديم من خلال دمج تقاليد نسيج مختلفة مع أسلوب جمالي (نيويورك تايمز)

عام 2009، صنّفت اليونسكو «الباتيك» الإندونيسي باعتباره «تراثاً ثقافياً إنسانياً غير ملموس». ومع أن هذا الاعتراف يرمي إلى الحفاظ على الإرث الثقافي للأمة، لكن يمكنه كذلك أن يسبب حالة من الجمود في هذه التقاليد. وعندما حوّلت كومارا انتباهها نحو «الباتيك»، كانت الأخيرة تجابه هذا الخطر بالفعل، رغم اندماجها في نسيج المجتمع الإندونيسي.

وقد تكون القطع صندوقية الشكل المرسومة على قمصان «الباتيك» التي يرتديها الموظفون المدنيون مموهة بشكل مريح، لكنها تستحضر موضة جيل مضى. بجانب ذلك، فإن كثيراً من القطن المستخدم في صناعة «الباتيك» في إندونيسيا لم تجرِ زراعته داخل البلاد، ما تسبب في إضعاف أصالة الشكل الفني. أضف إلى ذلك العادات المقيدة التي اعتبرت أن بعض أنماط «الباتيك» يجب أن ترتديها قلة مميزة فقط. على سبيل المثال، جرى تخصيص تصميم يشبه الخنجر وجناح منفرد لطائر أسطوري، لأفراد العائلة المالكة حصراً. من جهتها، ضربت كومارا بمثل هذه الخطوط الحمراء عرض الحائط.

وفي هذا الصدد، قال توماس موراي، الباحث والتاجر المعني بالأعمال الفنية والمؤلف الرئيسي لكتاب «منسوجات إندونيسيا»، إن كومارا، إلى جانب عدد قليل من المصممين الإندونيسيين الآخرين، تمكنت من إعادة صياغة الشكل الفني لـ«الباتيك»، دون محو طابعه الأصلي. وأضاف: «إن الأمر أشبه بعملية تلقيح متعددة الثقافات وعابرة للأزمان، وهو أمر مثير حقاً».

جدير بالذكر أن كومارا تنتمي إلى العرق الصيني، وهي جزء من أقلية لطالما عملت بمجال تصميم وإنتاج «الباتيك». وقد عانى الإندونيسيون من العرق الصيني من موجات من الاضطهاد داخل إندونيسيا، من بينها موجات دموية في ستينات وتسعينات القرن الماضي. وجراء ذلك، اضطر كثيرون منهم للفرار من البلاد.

وعلى الصعيد الشخصي، توفي والد كومارا وهي في الـ12. وانتقلت أسرتها إلى جاكرتا، العاصمة الإندونيسية. وهناك، اعتادت كومارا التجول عبر الأرجاء، خاصة داخل الحي الصيني، وبالتحديد متاجر الأنتيكات هناك. وأكدت أن أعمال العنف التي كانت تستهدف الإندونيسيين من أبناء العرق الصيني من حين لآخر، الذين كان يجري النظر إليهم باعتبارهم يحتكرون المصالح التجارية، لم تفلح في إخافتها.

وقالت كومارا: «نحن في أرض الكوارث الطبيعية؛ براكين وزلازل وموجات تسونامي، فكر في أي كارثة طبيعية وستجدها لدينا. كما أننا في الوقت ذاته أرض تنوع لا يمكن لشخص واحد استيعابها، فأثناء قيادتك السيارة لمدة ساعة مثلاً، ستلقى في طريقك أناساً يتحدثون لهجة مختلفة ويتناولون طعاماً مختلفاً. وليس عليك سوى الاستمتاع بالأمر والانغماس فيه».


مقالات ذات صلة

من نيويورك إلى لبنان...رمزية إطلالة راما دواجي وتأثيرها الثقافي

لمسات الموضة راما دواجي وزهران ممداني في حفل التنصيب (أ.ب)

من نيويورك إلى لبنان...رمزية إطلالة راما دواجي وتأثيرها الثقافي

في 1 يناير (كانون الثاني) 2026، وفي محطة ظلّت مهجورة منذ عام 1945، شهدت نيويورك انتقال السلطة من أندرو كومو إلى زهران ممداني. اختيار المكان لم يكن مصادفة، بل…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة الشركات العريقة والمتخصصة اتفقت على القوة الناعمة والأشكال الهندسية (آيوير فينتاج - ماوي جيم)

نظارات موسم الشتاء... حماية وجمال

في الشتاء عندما يصبح الضوء أكثر حدةً وتبايناً، تكتسب النظارات أدواراً وظيفية وجمالية في الوقت ذاته. فهنا تصبح الرؤية الواضحة جزءاً من التجربة اليومية، سواء في…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تألقت به نجمات وشخصيات مهمة في مناسبات مهمة مثل الأميرة شارلين (رويترز) ونيكول ريتشي (أ.ف.ب) وإيفا لانغوريا (أ.ب) حتى قبل إعلانه لوناً رسمياً لعام 2026

«الأبيض السحابي» لون عام 2026 الرسمي... الدلالات والاتجاهات

تلعب الألوان دوراً أساسياً في عالم الموضة، فإلى جانب أنها من أسهل الطرق لتجديد الإطلالة، فإنها تظل ثابتة لفترة أطول من اتجاهات التصميم والأقمشة.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
لمسات الموضة تايلور سويفت وغرة تغطي الجبين تماماً وتبرز جمال العيون (أ.ب)

الغرة في عام 2026 من تفصيلة جمالية إلى تعبير شخصي

إذا كان الأبيض السحابي هو اللون الرسمي لعام 2026، فإن الغرة هي تسريحة الشعر التي لم تتزحزح عن مكانتها منذ سنوات، بعد أن أكدت مرونتها في تغيير إطلالة صاحبتها…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة مجموعة من الأزياء التي تم عرضها وتحتفي بالتراث والحرفية بأسلوب عصري  (أسبوع الأزياء المصرية)

أسبوع الموضة المصري ينسج خيوط الأناقة من تراثه

انتهى أسبوع الموضة المصري (Egypt Fashion Week) في أواخر شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2025، مخلفاً وراءه أصداء طيبة لأسماء مصممين واعدين.

نادية عبد الحليم (القاهرة)

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
TT

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)

بينما كان فيكتور ليبمان، المؤلف الحاصل على ماجستير في إدارة الأعمال، يتحدث مع سيدة عملت لسنوات عديدة في عدة مؤسسات مرموقة، وكانت خلال الحديث تسترجع مسيرتها المهنية، ذكّرت ليبمان بحقيقة إدارية جوهرية.

وكانت السيدة تستمتع بعملها في معظمه، وفق حديثها، ولم يمرّ عليها سوى مرة واحدة لم تُعجبها، وهي تتذكرها جيداً. وكانت السيدة تعمل عادةً باستقلالية تامة، لكنّ أحد المديرين قرر، حينها، التدخّل بشكل مفرط في تفاصيل مهامها اليومية، وأصبح متسلطاً بشكل مُفاجئ.

ووفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية، فقد كان التأثير فورياً. ازداد إحباط السيدة من العمل، وتراجع استمتاعها به. وكان هذا مثالاً نموذجياً على أن تدخّل الإدارة بشكل مفرط في التفاصيل (الإدارة التفصيلية) يجعل الموظفين لا يستجيبون بشكل جيد.

التدخل المفرط

يكمن الفرق الرئيسي بين الإدارة الدقيقة (المعقولة) والإدارة التفصيلية (المفرطة) في الحاجة إليها. ومن الطبيعي أن يمرّ الموظف بأوقات لا يؤدي فيها عمله على النحو المطلوب، لذا يحتاج المدير، وقتها، إلى متابعة دقيقة لكيفية إنجاز المهام اليومية. وهذا من أساسيات الإدارة الجيدة.

ويختلف هذا تماماً عن الإدارة التفصيلية، حيث يتدخل المدير بشكل مفرط في أدق تفاصيل عمل الموظف، حتى وإن كان هذا الموظف كفؤاً في وظيفته.

وتُعدّ الإدارة التفصيلية المفرطة شائعة جداً. فعلى مرّ السنين، أُجريت العديد من الدراسات الاستقصائية حول هذا الموضوع، وتشير نتائجها عادةً إلى أن نسبة الموظفين الذين يشعرون بأنهم تعرّضوا للإدارة التفصيلية المفرطة في مرحلة ما من مسيرتهم تتراوح بين 60 و70 في المائة.

السيطرة في العلاقات

ويكره الناس الإدارة التفصيلية، لأنها تتعلق بمفاهيم الاستقلالية والتحكم. وسواء رغبنا في ذلك أم لا، فإن المديرين والموظفين تربطهم علاقة، فهم يلتقون باستمرار، وحتى في ظل العمل عن بُعد، يتواصلون بانتظام. وقليلون هم من يرضون بالخضوع للسيطرة في العلاقات، أو بالتدخل في تفاصيل حياتهم اليومية؛ فهذا يُؤدي إلى الإحباط والسخط. وليس من المستغرب أن تنطبق هذه الديناميكيات نفسها داخل بيئة العمل وخارجها.

ومن المعروف أن الإدارة التفصيلية تُؤدي إلى نتائج سلبية عديدة في العمل. وتشمل هذه النتائج عادة مشكلات؛ مثل: انخفاض الروح المعنوية، ونقص الابتكار والإبداع، وانخفاض الإنتاجية.


فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
TT

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» الذي يضم الحكايات الغرائبية والقصص القديمة والتراثية، عبر لوحاتهم التي جسدت مشاهد طبيعية من البيئات العربية التي يتداخل فيها الواقع مع الأسطورة مع التراث بطريقة جمالية وفنية مميزة.

المعرض الذي نظمه ملتقى عيون الدولي للفنون رقم 27 استضافه قصر الإبداع بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة) التابع لوزارة الثقافة المصرية، ليوم واحد فقط، السبت، وضم نحو 60 عملاً لفنانين من أجيال مختلفة، يمثلون تجارب ومدارس فنية متنوعة.

ويشير منسق المعرض، الفنان مصطفى السكري، إلى الزخم الذي شهده المعرض بمشاركة أعمال لفنانين من عدة دول عربية، يعبّرون بأعمالهم عن رؤاهم الفنية وتراثهم والخصائص المميزة لبيئتهم سواء من السعودية أو الكويت أو البحرين أو الإمارات.

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المعرض السابع والعشرين للملتقى انطلق من فكرة التنوع والمفاجأة والسحر الكامن وراء فكرة صندوق الدنيا الذي كان إحدى تقنيات التسلية القديمة، وقد تجسد في أكثر من عمل بالمعرض عبر التصوير والنحت والغرافيك وأشغال فنية بالحرق على الخشب».

وأضاف أن «فكرة صندوق الدنيا تقوم على أن كل صندوق للدنيا به حدوتة، وكل فنان أخذ الحدوتة التي رآها وقرر التعبير عنها بأسلوبه وتقنياته سواء بالرسم أو النحت أو بالخيوط أو غيرها من التقنيات، لمنح كل فنان مساحة كافية ليتخيل الحكاية التي يقدمها للمشاهد من صندوق الدنيا».

ويضم المعرض العديد من العمال التي تحتفي بالمرأة سواء في مشاهد شعبية أو تراثية أو حديثة، كما ارتكزت بعض الأعمال على أفكار مرتبطة بالبيئة الشعبية والحياة في الريف والحقول والحيوانات، بينما عبَّرت بعض الأعمال عن الحضارة المصرية القديمة عبر رموز وتفاصيل مختلفة.

لوحات عن المرأة في المعرض (الشرق الأوسط)

وجاءت الأعمال العربية معبِّرة عن حس فني مميز يستخدم الكتل والألوان بطريقة مميزة للتعبير عن حالة نفسية أو اجتماعية أو تراثية مرتبطة بالتراث والتاريخ الخاص بصاحب العمل.

ويبدو التنوع في المدارس الفنية واضحاً في الأعمال التي يميل بعضها إلى الأسلوب الكلاسيكي أو التعبيري أو التأثيري، فيما تجنح أعمال أخرى إلى التجريد والسريالية، ووفق منسق المعرض، «فقد اهتم الملتقى بالتنوع بين الأجيال والفئات المشاركة بالمعرض من فنانين كبار وطلبة وكذلك مواهب من ذوي الاحتياجات الخاصة، جاءت أعمالهم معبرة عن موضوع المعرض وعن القضايا التي تشغلهم والحكايات التي أرادوا أن يرووها بالريشة والألوان»، على حد تعبيره.


«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
TT

«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)

يظل مشهد الفنانة شويكار وهي تتخلى عن زوجها الطيب الذي قام بدوره فؤاد المهندس، معللة غيابها بأنها «ذاهبة لإحضار طابع بوستة» في فيلم «الراجل ده هيجنني»، دالاً ومعبراً عن قيمة هذا الطابع ورمزيته وحضوره في الحياة اليومية للمصريين، خصوصاً في فترة الستينات من القرن الماضي، ولكن «طابع البريد» هذا لم يعد حاضراً بالقوة نفسها في الحياة اليومية، وربما انحصر حضوره في المخاطبات الرسمية.

حين توجه هاني محمد (48 سنة)، متخصص في البرمجيات، إلى مكتب البريد المجاور لمنزله في القاهرة وطلب طوابع بريد من موظفة المكتب، لاحظ نظرة مندهشة على ملامحها ألحقتها بحماس شديد مقدمة له أنواعاً مختلفة من الطوابع، وفهم منها أنه من النادر أن يطلب أحد طوابع بريد إلا من أجل المصالح الحكومية أو المعاملات الرسمية، وحين أخبرها أن الطوابع التي يريدها سيعطيها لأطفاله (7 سنوات - و10 سنوات) ليضعوها على خطابات يرسلونها لأصدقائهما، قدمت له طوابع تذكارية عن المتحف المصري وحديقة الحيوان ومعالم أخرى شهيرة بمصر.

يقول هاني لـ«الشرق الأوسط»: «كانت تجربة غريبة، فمنذ التسعينات تقريباً لم أحاول شراء طوابع بريد، لكنني وجدت أن الطوابع ما زال يتم تداولها، ولكن بشكل رمزي وتذكاري، فيما عدا المعاملات الرسمية والحكومية والبنكية التي تتطلب إلصاق الطوابع عليها كما فهمت من موظفي البريد».

عدد من طوابع البريد المصرية الحديثة (الشرق الأوسط)

وأكد مطلعون بهيئة البريد أن الطوابع موجود منها الكثير وما زالت تطبع بشكل تذكاري، عليها صور شخصيات أو أماكن أو أحداث أو مناسبات، وما زالت تقوم بدورها كوسيلة للتواصل والتوثيق والمقاصة المالية، وإن كان حضورها في المراسلات الشخصية بين الأفراد تراجع، ولكن دورها في الخطابات الرسمية والطرود والعديد من الأغراض الأخرى ما زال حيوياً.

ويعود إنشاء «البوستة» أو البريد المصري إلى عام 1865 في عهد الخديو إسماعيل، الذي اشترى حق امتياز البوستة الأوروبية، وظلت الطوابع تحمل الطابع التاريخي والتوثيقي في العهد الملكي وحتى الجمهوري وإلى فترة التسعينات والألفينات.

وهو ما رصده معرض استضافه المتحف القومي للحضارة المصرية تحت عنوان «أثر في طابع»، شاركت فيه جهات مختلفة، من بينها هيئة البريد، ونادي الرواد المصري لهواة جمع الطوابع، كما نظمت الجمعية المصرية لهواة طوابع البريد أكثر من معرض عن طوابع البريد وسماتها التاريخية والتوثيقية والنادر منها.

يعاود هاني محمد الحديث عما حصل عليه من طوابع بقيمة زهيدة نسبياً بعضها لا يتجاوز جنيهَين (الدولار يساوي نحو 47 جنيهاً مصرياً)، وبعضها يصل إلى 10 أو 20 جنيهاً، ويقول: «وجدت طوابع تحمل معالم شهيرة مثل المتحف المصري الكبير أو الأهرامات أو توت عنخ آمون، وأيضاً أخذت بعض الطوابع التي تحمل مشاهد وصوراً من حديقة الحيوان وأعطيتها لأبنائي الذين تحمسوا لفكرة إرسال خطابات لزملاء لهم».

أحد مكاتب البريد المصرية (الشرق الأوسط)

في حين يرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، محمد فتحي، أن «توقّف الناس عن استخدام البريد الورقي لم يكن قراراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لتغيّرات كبيرة في أسلوب الحياة ووسائل التواصل، وأهم الأسباب السرعة والتكلفة والسهولة والراحة وتعدد البدائل الكثيرة من تطبيقات وبرامج كثيرة ومتاحة طوال الوقت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الهاتف الذكي متاح دائماً، لا حاجة للذهاب إلى مكتب بريد أو انتظار مواعيد».

ولفت إلى أنه بخلاف الاستخدام الشخصي اتجه أيضاً عدد من الجهات والمؤسسات للتحول الرقمي واعتمدت على المراسلات الإلكترونية، مشدداً على أن «البريد الورقي لم يتوقف لأنه سيئ؛ بل لأن الزمن تغيّر وتحوّل من وسيلة تواصل أساسية إلى قيمة رمزية وحنين ثقافي».

من فعالية أقامها متحف الحضارة المصرية عن الطوابع (متحف الحضارة المصرية)

وفي أبريل (نيسان) 2025 نظمت الهيئة القومية للبريد احتفالية بمناسبة مرور 100 عام على إصدار أول طابع بريد تذكاري مصري، وهي المناسبة التي عدّها وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الدكتور عمرو طلعت، «تعكس تفرد تاريخ مصر وعمق حضارتها»، مشيراً إلى أن «طوابع البريد المصري هي مرآة لحضارة مصر وتاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي والفني على مدار أكثر من قرن ونصف قرن».

ولفت، في بيان للهيئة، إلى أنه منذ 2021 تم إدخال الرموز التفاعلية (QR Codes) على الطوابع البريدية لتوفير معلومات كاملة عن الطابع، بما يمثل خطوة تعكس توجه البريد نحو الرقمنة والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.

فيما أشارت أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، إلى أن «التغيرات والتطورات المتسارعة في وسائل التواصل المجتمعي أدت لاختفاء المخاطبات الورقية وغياب طابع البريد بوظيفته التقليدية في حياتنا اليومية»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «قديماً كان الخطاب له دلالة مهمة على روابط اجتماعية ملؤها الدفء والحميمية، حتى كتبت من أجله الأغاني والأفلام وتغنى به الكثيرون، وكان من له قريب في الخارج يهرع كل يوم صباحاً إلى صندوق البريد ينتظر خطاباً من قريبه، لكن الآن التواصل يتم عبر الأجهزة الذكية وهي طبيعة العصر الذي نعيشه».